Indexed OCR Text
Pages 301-320
٢٥ - ((إِسْمَحْ .. يُسْمَحْ لَكَ)). قال الحافظ : وقد اشتملت هذه الجمل القليلة التي تضمَّنها بعض هذا الكتاب على الأمر بقوله ((أسلم))، والترغيب بقوله. ((تسلم، ويؤتك))، والزجر بقوله ((فإن توليت))، والترهيب بقوله ((فإن عليك)) والدلالة بقوله ((يا أهل الكتاب)). وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى ، وكيف لا ! وهو مِن كلام مَن أوتي جوامع الكلم ◌َلِ ر . قال : واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام - يعني: السراج البلقيني -: أن كلّ مَن دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذّبائح ، لأنّ هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل ، بل مِمَّن دخل في النصرانية بعد التبديل ، وقد قال لهم ((يا أهل الكتاب))، فدلّ على أنّ لهم حكمهم ، خلافاً لمن خصَّ ذلك بالإسرائيليّين ؛ أو بمن علم أن سلفه دخل اليهوديّة أو النصرانيّة قبل التبديل . انتهى . ٢٥ - ((إِسْمَخْ) أمر من السماح؛ قاله المناوي على ((الجامع)). وقال الحفني: ((اسمح)) من المسامحة وهي ترك المال ؛ لا في مقابلة شيءٍ . فالمسامحة ترك ، والسماحُ بذل ، فثَمّ فرق بينهما . انتهى . ( يُسْمَحْ ) - بالبناء للمفعول ، والفاعل - ؛ أي : يَسْمَح الله (لَكَ))) في الدنيا بالإنعام ، وفي العقبى بعدم المناقشة في الحساب وغير ذلك . والمعنى : عامل الناس بالمسامحة والمساهلة يعاملك الله بمثله في الدنيا والآخرة ، ((كَما تَدِينُ تُدَانُ » ، وهو حثٌّ على المساهلة في المعاملة وحسن الانقياد ، وهو من سخاوة الطبع وحقارة الدنيا في القلب ، فمن لم يجده من طبعه فليتخلَّق به ، فعسى أنْ يسامحه الحقّ فيما قصّر فيه من طاعته وعسر عليه في الانقياد إليه في معاملته إذا أوقفه بين يديه لمحاسبته . ولا يخفى كمال المسامحة على ذي لبِّ ، فجمع بهذا اللفظ الموجز المضبوط ٣٠١ ٢٦ - ((أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ ؛ بضابط العقل الذي أقامه الحقّ حُجّة على الخلق ما لا يكاد يُحصى من المَصَالح والمَطَالب العالية؛ قاله المناوي على ((الجامع)). وهذا الحديث رواه الإمام أحمد بسند رجاله ثقات، والطبراني في ((الأوسط)) و ((الصغير)) بسند رجاله رجال الصحيح ؛ كما قاله الحافظ الهيثمي. ورواه البيهقي في (( شعب الإيمان)) كلّهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وخَطَّئوا مَن حكم عليه بالوضع . ورواه عبد الرزاق عن عطاء مرسلاً بلفظ : ((اسْمَحُوا يُسْمَح لَكُم)) . وروى الشيخان وأحمد ؛ عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنّ النبيّ وَلِّ قال: ((أَنْفِقِي وَلاَ تُحْصِي فَيُحْصِيَ الله عَلَيكِ)). وعندهم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه قال: ((قَالَ اللهُ : أنفِقْ أُنْفِقْ عَلَيكَ))، وفي معناه ما في (( المجالسة )) من طريق عون أنّه قال : أخذ الحسن شعره فأعطى الحجام درهمين ، فقيل له : يكفيه دانق ، فقال: لا تُدَنَّقُوا فيُدَنَّقَ عليكم . انتهى من المناوي على ((الجامع))، ومن العجلوني . ٢٦ - ((أَصْحَابِي كالثُّجُوْم ) في الهداية ، لأنّ كلّ منهما يُهتدى به ؛ فالنجوم يهتدى بها في ظلمات البَرِّ والبحر ، والصحابة يهتدى بهم من ظلمات الجهل ؛ لكن الاهتداء بالصّحابة أقوى من الاهتداء بالنُّجوم ، لأنّه ينجي من الهلاك الأخروي ومن الدنيوي ، بخلاف الاهتداء بالنّجوم . ولا يقال : إذا كان كذلك فكيف يشبه الصّحابة بالنجوم ؛ مع أن القاعدة أن وجه الشبه يكون أقوى في المشبّه به !! لأنّا نقولُ : التشبيه إنّما هو باعتبار الحسِّ والمألوف . وبهذا الاعتبار يكون الاهتداء في المشبّه به أقوى من المشبّه . وهذا لا ينافي أنّه أقوى في المشبّه باعتبار آخر . ٣٠٢ فَبِأَيِّهِمُ أَقْتَدَيْتُمُ أَهْتَدَيْتُمْ )). وفي تشبيههم بالنُّجوم إشارةٌ إلى علوّ مرتبتهم جميعاً ؛ كعلوّ مرتبة النجوم . وفيه إشارة إلى تفاوت مراتب الصحابة كتفاوت مراتب النجوم . ( فَبِأَيِّهِمُ) ؛ أي: بأيِّ واحد منهم ( أُقْتَدَيْتُمْ) ؛ فيما اختلفوا فيه ( اهْتَدَيْتُمْ))) يوضّح ذلك ما روي من أن النبيّ ◌َ غير سأل الربَّ عما يختلف فيه أصحابه ؟ فقال : (( يا محمد ؛ أصحابك عندي كالنجوم في السماء بعضُها أضوَأُ من بعض ؛ فمن أخذ بشيءٍ مِمّا اختلفوا فيه فهو على هدىّ عندي))؛ قاله الباجوري على (( الشُّلَّم المُنَوْرَق)) قال : وظاهر هذين الحديثين : أنّ الصّحابة کلّهم مجتهدون ، وهو ما جری علیه ابن حجر في (( شرح الهمزية)) ، وعلّله بتوقُّر شروط الاجتهاد في جميعهم . قال : ولذلك لم يعرف أنّ واحداً منهم قلّد غيره في مسألة من المسائل ، لكن رجّح بعضهم أن فیھم المقلّدین والمجتهدين . ثم قال- أي : الباجوري -: فإن قيل: خطابه وَّ في قوله ((بأيّهمُ اقتديتم اهتديتم))؛ لا يصحّ أن يكون للصّحابة كما هو ظاهر ، ولا لغيرهم ؛ لعدم حضورهم حين الخطاب ؟! أجيب بأنه لغيرهم على طريق استحضارهم ؛ وفَرضِهم حاضرين ؛ كذا قال بعض المحققين . ثُمّ ذكر الباجوري أن الشيخ تقي الدين السبكي نقل عن تاج الدين بن عطاء الله أنّ النبي ◌َِّ كانت له تجلياتٌ يرى في بعضها سائرَ أمَّته الآتية بعده؛ فيقول: مخاطباً لهم: ((لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنْفَقَ أحَدُكُم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ » . قال : ومثله يقال في الخطاب الذي نحن بصدده . انتهى كلام الباجوري في (( شرح السُّلَّمِ المُنَّوْرَق ». قال السيد عبد الله الغماري - عافاه الله تعالى -: هذا الحديث رواه الدار قطني في ((غرائب مالك))، وابن عبد البر في ((كتاب العلم))؛ من حديث جابر بن عبد الله ٣٠٣ ٢٧ - ((أَعْجَلُ الأَشْيَاءِ عُقُوبَةٌ .. أَلْبَغْيُ)). بإسنادین ضعیفین ، ورواه عبد بن حميد في ( مسنده » من حديث ابن عمر بإسناد واهٍ، والقضاعي في ((مسند الشهاب )) ؛ من حديث أبي هريرة بإسناد فيه كذّاب ، وأبو ذرِّ الهروي في ((السنة))؛ من طريق الضخَّاك معضلاً، وإسناده ضعيف جدّاً . وقد ثبت ما يؤدي معنى صدره كما قال البيهقي ؛ وهو ما في (( صحيح مسلم)) عن أبي موسى مرفوعاً: ((النُّجُومُ أَمَنَةُ أَهْلِ السَّماءِ ، فَإِذَا ذَهَبَ النُّجُومُ أَتَى أَهْلَ السَّمَاءِ مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَّةُ أُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ » . وفيه ــ كما قال الحافظ - الإشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عَصْر الصحابة . انتهى كلام الغماري في تعليقاته على كتاب (( تأييد الحقيقة العلية)) للسيوطي رحمه الله تعالى . وقال في (( كشف الخفاء ومزيل الإلباس)): رواه البيهقي وأسنده الديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلفظ : ((أصْحَابِي بمَنْزِلَةِ النُّجومِ في السَّماءِ ؛ بأيّهم اقْتَدَيْتُم اهْتَديْتُم )) انتهى . وقال الباجوري في حواشي ((السَّم المُنَوَرَق)): وتكلّم بعضهم في سنده حتى قال الشهاب الخفاجي في ((شرح الشفاء )) : إنه روي من طرق كلّها ضعيفة ، بل قال ابن حزم: إنه موضوع . لكن نقل العارف بالله الشعراني في « الميزان)» : إنه صحيح عند أهل الكشف ؛ وإن كان فيه مَقال . انتهى . ٢٧ - ((أَعْجَلُ): أسرع ( الأَشْيَاءِ )؛ أي : الذنوب ( عُقُوْبَةً ) - بالنصب - ( البَغْيُ))): مجاوزة الحدّ والتعدي بلا حقّ، و((عقوبةً)) تمييز ؛ محوّل عن المضاف ، و((البغي)) حذف منه المضاف ؛ وأقيم المضاف إليه مَقامه !! أي : أسرع عقوبات الأشياء عقوبة البغي . والمعنى : لكل ذنب عقوبةٌ ، لكنها قد تتأخر إلّ البغي فينجَّز للباغي في الدّنيا إن لم يعفُ الله تعالى عنه ، وما أحسن ما قيل : ٣٠٤ ٢٨ -((أَعْدَىُ عَدُوِّكَ .. نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبُيْكَ)). جُنُودُهُ ضَاق عَنْهَا السَّهْلُ والْجَبَلُ لا يَأْمَنُ الدَّهْرَ ذُو بَغْيِ وَلَوْ مَلِكاً وهذا الحديث ذكره في ((المواهب)) ولم يَعْزُهُ إلى أحد !! وكذلك شارحه الزرقاني لم يذكر من رواه ! ولعلّه مرويٍّ بالمعنى ، فكان ينبغي للمصنف حذفُه ، لكنّه تبع ((المواهب)» في ذكره ، ويدلّ لما قلناه أن الزرقاني ذكر لفظ الحديث الوارد في هذا المعنى ؛ فقال : روى الطبراني في (( الكبير))، والبخاري في (( التاريخ))؛ عن أبي بكرة مرفوعاً: ((اثْنَانِ يُعَجِّلُهما الله تعالى في الدنيا: البَغْيُ وعُقُوقُ الوَالِدين )). قال في ((الفائق)): وأصل التعجيل إيقاع الشيء قبل أوانه، ﴿أَعَجِلْتُمْ أَقْرَ رَبِّكُمْ﴾ [١٥٠/ الأعراف]؛ سبقتموه . انتهى. قال المناوي - بعد ذكر الحديث الذي أورده الزرقاني -: وفيه أن البغي والعقوق من الكبائر . وخصّ هاتين الخَصلتين من بين خِصال الشرِّ بذكر التعجيل فيهما !! لا لإخراج غيرهما ؛ فإنه قد يعجل أيضاً ، بل لأنّ المخاطب بذلك كان لا يحترز من البغي ؛ ولا يَيَُّ والديه ، فخاطبه بما يناسب حاله ؛ زجراً له ، وكثيراً ما يَخصُّ بعض الأعمال بالحثّ عليها بحسب حال المخاطب وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مِمّا سِوَاها ؛ إمّا لمشقتها عليه، وإمّا لتساهله في أمرها. انتهى كلام المناوي على (( الجامع)). ٢٨ - ((أَعْدَىُ عَدُوِّكَ ) ؛ أي: أشد أعدائك عداوة لك ( نَفْسُكَ ) ؛ الأمّارة بالسُّوءِ ( الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ ))) ؛ لأنّها عدوٌّ ملازم من داخل تُعين الشّيطان على هلاكك ، والعدوُ يكونُ للواحدِ والجمعِ والمؤنثِ والمذكرِ ، وقد يثنَّى ، وقد يجمع ، وما أحسن ما قيل : إِلاَّ لأَجْلٍ شَقَاوَتِي وَعَنائِي إنّي بُلْتُ بأرْبَعِ مَا سُلِّطُوا كَيْفَ الخَلاصُ وكُلُّهُم أعْدَائِي إِبْلِيْسُ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي والهَوَى والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق))؛ معزوّاً للبيهقي - يعني في ٣٠٥ ٢٩ - (( أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَايَا .. أَكْثَرُهُمْ خَوْضاً فِي أَلْبَاطِلِ ». ٣٠ - «أَعْظَمُ الْخَطَايَا .. اللِّسَانُ الْكَذُوبُ )). ((الزّهد )) بإسناد ضعيف ؛ كما قاله العجلوني - قال : وله شاهد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه . انتهى . ٢٩ - (( أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَايَا) : جمع خطيئة ؛ وهي الذنب الواقع عن عَمْد ( أَكْثَرُهُمْ خَوْضَاً) ؛ أي : كلاماً ( فِي البَاطِلِ ))) ؛ الذي لا فائدة فيه تعود على الإنسان. و ((منْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ )) فلا ينبغي للشخص أن یصرف أوقاته في الخَوضِ في الباطِلِ ، فإن ذلك ضياعٌ لعمره ، وكُلّ نَفَسٍ مِنْ أنفاسك جوهرة ؛ إن صرفته فيما ينفعك في الآخرة ، أَوْ حَسْرَةٌ ؛ إن صرفته في الأمور التي لا خیر فیها ولا ثواب تناله منها . ٣٠ - ((أَعْظَمُ الخَطَايَا) ؛ أي : الذنوب الصّادرة عن عمْدٍ ، والخطايا: جمع خطيئة ، أصلها خطائي ، بوزن فعائل ؛ فأبدلت الياء بعد ألف الجمع همزةً فصار خطائى بهمزتين ، ثُمّ أبدلت الثانية ياءً لِتَطَرُّفها ، ثم قلبت الكسرة قبلها فتحة على حدٍّ عذاري ، ثم قلبت الياء ألفاً لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها ؛ فصار خطاءا بألفين بينهما همزة ، فاجتمع شبه ثلاث ألفات ؛ فأبدلت الهمزة ياءً فصار خطايا بعد خمسة أعمال . والخطيئة : - فعيلة - من الخطي - بكسر أوله - : وهو الذنب . انتهى ذكره ابن علان في (( شرح رياض الصالحين )). ( اللِّسَانُ) ؛ أي : خطيئة اللِّسانُ (الكَذُوْبُ)))؛ أي : الكثير الكذب الذي تكرّر كذبه حتى صار صفة له ، حتى يأتي بالكبائر كلّها ؛ كالقذف والبهتان وشهادة الزور وغيرها ، ورُبّما أفضى إلى الكفر ، ذلك لأنّ اللِّسَان أكثر الأعضاء عملاً مِن سائر الجوارح . ومَا مِنْ معصية إلّ وله فيها مجال ، وإذا تعَوَّد الكذب أوْرَدَ صاحبه ٣٠٦ ٣١- ((أَعْمَى الْعَمَى .. الضَّلَاَلَةُ بَعْدَ الْهُدَىُ)). المهالك ؛ فمن أهمله مرخيَّ العِنان ؛ ينطق بما شاء مِن البهتان ؛ سلَك به في ميدان الخطايا والطّغيان، ومَا ينجى من شرّه إلّ أن يقيِّده بلجام الشرع، ولكون جريمته عظيمة جعل له حاجزان : الأسنان والشفتان . والحديث أخرجه ابن لال والديلمي ؛ كلاهما عن ابن مسعود ، وأخرجه ابن عديّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وإسناده ضعيف ؛ كما في العزيزي . ٣١ - ((أَعْمَى العَمَىْ الضَّلَاَلَةُ بَعْدَ الهُدَى)))؛ أي: الكُفْرَ بَعْد الإسلام، فهو العَمى على الحقيقة ، والمرتد أسوء حالاً من الكافر الأصلي ؛ لأنّه لا يرِث ولا يُورث، ومَالهُ فيء، فإن عاد إلى الإسلام عاد إليه مالهُ ... إلى غير ذلك من أحكام يخالف فيها الكافرَ الأصليّ . وهذا الحديث هو قطعة من حديث طويل رواه البيهقي في (( دلائل النبوّة )) وابن عساكر في (( تاريخه))؛ عن عقبة بن عامر الجهنيّ قال : خرجنا في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله (ص # إذ كان منها على ليلة ؛ فلم يستيقظ حتى كانت الشمس كرمح ؛ فقال: ((أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يَا بِلاَلُ إِكْلأُ لَنَ الْفَجْرَ )) فقال: يا رسول الله ذَهَب بي الّذي ذهب بك! فانتقل غير بعيد، ثُمَّ صَلّى، ثُمّ حَمِدَ الله ، ثُمَّ أثنى عليه، ثم قال: (( أما بعد فإن أصْدَقَ الحديث كتاب الله ... )) وهو مذكور بطوله في ((الجامع الصغير))، وكذا رواه العسكري ، والديلمي ؛ عن عقبة بن عامر ، ورواه أبو نصر السجزي في (( الإبانة ))؛ عن أبي الدرداء مرفوعاً ، ورواه ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في ((الحلية))، والقضاعي في ((الشهاب))؛ عن ابن مسعود موقوفاً . قال بعض شراح ((الشهاب)): إنه حسن غريب ؛ قاله المناوي على ((الجامع )) . ٣٠٧ ٣٢ - ((إِعْمَلْ لِوَجْهٍ وَاحِدٍ .. يَكْفِكَ اَلْوُجُوهَ كُلَّهَا )). ٣٣ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ .. سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ)). ٣٢ - ((إِعْمَلْ لِوَجْهٍ وَاحِدٍ يَكْفِكَ) - بحذف الياء - من الكِفاية ؛ لأنّه مجزوم في جواب الأمر ، والفاعل المعمول له المدلول عليه بالفعل ؛ أي : اعمل لله تعالى وحدَه خالصاً لوجهه يكفكَ المعمول له ( الوُجُوْهَ كُلَّهَا ))) ؛ أي : جميع مهماتك في حياتك وبعد مماتك . قال الغزالي : اعمل لأجل مَن إذا عملت لأجله ووخَّدْته بقصدك وطلبت رضاه بعملك ؛ أحبّك وأكرمك وأغناك عن الكلِّ ، ولا تشرك بعبادته عبداً حقيراً مَهيناً لا يغني عنك شيئاً . وهذا الحديث أخرجه ابن عديٍّ والديلمي في (( مسند الفردوس ))؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ، وفي سنده أبو عبد الرحمن السّلمي وضاعٌ للصوفية . ومحمد بن أحمد بن هارون ؛ قال : الذهبي في (( الضعفاء)) : متّهم بالوضع ، ونافع بن هرمز أبو هرمز قال في («الميزان » : كذّبه ابن معين ، وتركه أبو حاتم وضعفه أحمد . انتهى . وبه يعرف أنّ سنده هُلهِلَ بالمَرَّة ، فكان ينبغي للمصنف حذفه؛ قاله المناوي على ((الجامع)). وبه يعلم أنّ مصنِّفنا تبع (( الجامع الصغير )) في ذكره هذا الحديث والأولى حذفُه . ٣٣ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ ) ؛ أي : من أفضلها بعد الفرائض ، والمراد الأعمال التي يفعلها المؤمن مع إِخوانه ( سُرُورٌ) ؛ أي : سببُ سرور ( تُدْخِلُهُ عَلَىْ مُسْلِمٍ») من المسلمين ، والمراد أن تدخل على أخيك المسلم سبباً ينشرح به صدره ؛ إمّا من جهة الدّين ، أو من جهة الدّنيا ، كأن تقضي عنه ديناً لَزِمه أداؤه ، أو تطعمه طعاماً لاسيّما إذا كان مِمّا يشتهيه . ٣٠٨ ٣٤ - « أَفْضَلُ الأَعْمَالِ .. الْعِلْمُ بِاللهِ تَعَالَى )). قيل لابن المنكدر : ما بقي مِمّا يستلَذّ ؟ قال : الإفضال على الإخوان . والحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق)) باللّفظ الّذي أورده المصنف ورمز له برمز ابن عديّ، وهو موجود في (( الجامع الصغير)) بلفظ: ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أن تُدخِلَ عَلَى أخِيكَ الْمُؤْمِنِ سُرُوراً أوْ تَقْضِيَ عَنْهُ دَيْناً أو تُطْعِمَهُ خُبزاً )) . انتهى وعزاه لابن أبي الدنيا في ((قضاء الحوائج)) والبيهقي في (( شعب الإيمان))؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وابن عديّ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما . قال المناوي : وظاهر صنيع المصنف أنّ البيهقي خرّجه وسكت عليه ، والأمر بخلافه ، بل قال : عمّار فيه نظر ، وللحديث شاهد مرسل ثُمّ ذكره . وضعَّفه المنذري ؛ وذلك لأنّ فيه الوليد بن شجاع ! قال أبو حاتم : لا يحتجُّ به ، وفيه عمّار بن محمد مضعّف، ثُمّ قال: والحاصل أنّه حَسَن لشواهِدِه . انتهى ٣٤ - ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ العِلْمُ بِاللهِ تَعَالَى ))) ؛ أي معرفة ما يجب له ، ويستحيل عليه سبحانه من الصفات والسلوب والإضافات ، فالعلم بذلك أفضل الأعمال وأشرف العلوم وأهمُّها ، فإنّه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مُرْسِل للُّسل منزِّل للكتب ؛ لم يتصوّر علم فقه ولا حديث ولا تفسير ، فجميع العلوم متوقّفة على علم الأصول ، وتوقفها عليه ليس بطريق الخدمة ، بل بالإضافة والرئاسة . ومن ثَمّ عُدّ رئيسَ العلوم كلِّها ؛ فمعرفة الله تعالى والعِلم به أول واجب مقصود لذاتِهِ على المكلّف ، لكن ليس المراد بالمعرفة الحقيقية لأنّ حقيقته تعالى غير معلومة للبشر ، ولا العيانيّة لأنّها مختصّة بالآخرة ، ولا الكشفية فإنّها منحة إلهيّة ، ولا نُكلَّف بمثلها إجماعاً . بل البرهانية أي : التي تنشأ عن البراهين ، وهي الّتي كُلِّنا بها . وإيضاح ذلك أنّ المعرفة أربعة أقسام : ١ - المعرفة الحقيقية ؛ أي: الإحاطة بذاته تعالى وهذا مستحيل لا نُكلَّف به ، ٣٠٩ ٣٥ - «أَفْضَلُ الْجِهَادِ .. أَنْ تُجَاهِدَ نَفْسَكَ وَهَوَاكَ)). ومنه : ما عرفناك حقّ معرفتك ؛ أي : ما أحطنا بذاتك . و ٢ - المعرفة التي لا تكون في الدنيا إلّ لنبيّنا وَّر؛ وهي معرفة العِيان؛ أي: المعرفة الناشئة عن إدراك البصر ؛ فإنها لا تقع لغير نبيّنا إلا في الآخرة ، فلسنا مكلّفين بها أيضاً . و ٣ - المعرفة عن كشف ؛ وهي خاصّة بأولياء الله تعالى بأن يكشف عن لطيفة قلوبهم بحيث يدركون بواطن الأمور ، حتى لو كشف لهم الحجاب في الآخرة لم يزدادوا يقيناً . وهذه الجنّة المعجّلة في الدنيا ، ولسنا مكلّفين بها أيضاً ، لأنها تقع بالفَيْضِ الإلهي ، وإن كان لها أسباب ذكرها القوم في كتب التصوّف . و ٤ - المعرفة البرهانية ؛ أي : الّتي تنشأ عن البراهين وهي الّتِي كُلِّفنا بها، وذلك بأن يعلم بالدّليل وجوده تعالى وما يجب له وما يستحيل عليه كما تقرَّرَ . وهذا الحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق )) وقال : رواه ابن عبد البر. وذكره في (( الجامع )) معزوّاً للحكيم الترمذي ، عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ: ((أفْضَلُ الأعْمَالِ العِلْمُ بِاللهِ ، إنّ العِلمَ ينفعُك معه قليلُ العمل وكثيره ، وإنّ الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره » . قال المناوي: وسبب هذا الحديث: أنّ رجلاً جاء إلى النبي وَ ﴿ وقال: أيُّ الأعمالِ أفْضلُ؟ قال: ((العِلم بالله )). ثُمّ أتاه فسأَله ، فقال مثل ذلك ، فقال : يا رسول الله: إنّما أسألُك عن العَملِ؟ فقال: ((إنّ العِلْمَ يَنْفَعُكَ ... )) الخ قال ابن حجر الهيتمي : وفيه أن العِلم بالله ومعرفةَ ما يجب من حقّه أعظمُ قدراً مِن مجرَّد العبادةِ البدنيّة . انتهى كلام المناوي ؛ ملخصاً . ٣٥ - ((أَفْضَلُ الجِهَادِ ) بالمعنى اللُّغوي : وهو ارتكاب المشاقّ ، إذ الجهاد شرعاً: قتال الكفار (: أَنْ تُجَاهِدَ ) أيُّها الإنسان (نَفْسَكَ وَهَوَاكَ))) في ذات الله بأنّ تكفَّها عن الشهوات ، وتمنَعها عن الاسترسال في اللّذات ، وتُلزِمَها فعل الأوامر ٣١٠ ٣٦- ((اِفْتَضَحُوا فَاصْطَلَكُوا)). ٣٧ - ((أَفْضَلُ الدِّينِ .. الْوَرَعُ ». وتجنبَ المناهي ؛ فإنه الجهاد الأكبر ، والهوى أكبر أعدائِكَ ؛ وهو ونفسك أقرب الأعداء إليك ، لما أنّ ذلك بين جَنْبُيُكَ؛ والله يقول ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَدِلُواْ الَّذِينَ يَكُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [١٢٣ / التوبة]، ولا أكفر عندك من نفسك؛ فإنها في كلّ نَفَسٍ تكْفُر نعمةَ الله تعالى عليها ، وإذا جاهدت نفسك هذا الجهاد خلُص لك جهاد الأعداءِ الّذي إنْ قُتلت فيه كنتَ شهيداً من الأحياء الذين عند ربهم يرزقون !!. ولَعَمْري إنّ جهادَ النّفْس لشديدٌ! بل لا شيء أشدُ منه ؛ فإنها محبوبة ، وما تدعو إليه محبوب ، فكيف إذا دعيت إلى محبوب ؛ فإذا عكس الحال وخولف المحبوب اشتدّ الجهاد ، بخلاف جهاد أعداء الدين والدنيا ! . ولهذا قال الغزالي : وأشدّ أنواع الجهاد الصّبرُ على مفارقة ما يهواه الإنسان ويألفه ، إذِ العادةُ طبيعة خامسةٌ فإذا انضافت إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله ، ولا يقوى باعث الدين على قمعهما ؛ فلذا كان أفضل الجهاد . انتهى ذكره المناوي على ((الجامع)) ؛ قال : والحديث أخرجه الحافظ أبو نعيم والديلمي ؛ من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وذكره في (( الجامع الصغير )) معزوّاً إلى ابن النجار ؛ عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه بلفظ: (( أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه )) . انتهى . ٣٦ - ((أَفْتَضَحُوْا فَأَصْطَلَحُوْا))) هو من الأمثال السائرة ، وليس بحديث ، وقد رواه الخطابي في (( العزلة)) ، من طريق محمد بن حاتم المظفري . قال النجم الغزي: وفي معناه: (( تعالوا نَقْتَبِحْ سَاعةً ونَصْطَلِحْ)) انتهى. ذكره العجلوني في ((كشف الخفا)) فكان ينبغي للمصنف أن لا يذكره . ٣٧ - ((أَفْضَلُ الدِّيْنِ الوَرَعُ))) : الذي هو الخروج من كل شبهة ، ومحاسبة النَّفْس مع كل طَرْفَة . والورع : يكون في خواطر القلوب وسائر أعمال الجوارح ، ٣١١ ٣٨ - ((أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ .. جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَأَبْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ)). وإنّما كان أفضلَ ! لما فيه من التخلِّي عن الشبهات ، وتجنُّب المحتملات . والحديث رواه الطبراني في (( معاجيمه )) الثلاثة ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما بلفظ: ((أفضل العبادة الفِقهُ، وأَفْضَلُ الدينِ الوَرَعُ)) وفيه محمد بن أبي ليلى ضعَّفوه لسُوء حفظه ؛ كما قاله المنذري ، ثُمّ الهيثمي . نقله المناوي، وقد ذكره أيضاً في (( كنوز الحقائق)) مقتصراً على الجملة التي في المتن . ٣٨ - ((أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ ) ؛ أي : من أفضلها ( جَهْدُ ) - قال المناوي : روي بضم الجيم وفتحها ! فبالضم - : الوسعُ والطّاقة وهو الأنسب هنا. وبالفتح : المشقة والمبالغة والغاية ( المُقِلِّ ) - بضمِّ الميم فكسر القاف ـ : أي : مجهود قليل المال ، يعني : قدرته واستطاعته ، ولا شك أن الصّدقة بشيءٍ مع شدَّة الحاجة إليه والشهوة له أفضل من صدقة الغني، وهو أفضل الناس بشهادة خبر: ((أفْضَلُ النّاسِ رجلٌ يُعطِي جُهْدَهُ » . وإنّما كان ذلك أفضلَ !! لدَلالتِهِ على الثقة بالله والزّهْدِ . والمراد بالمُقِلّ: الغني القلب ؛ ليوافق حديث مسلم وغيره : (( أفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَان عَنْ ظَهْرِ غِنِىّ)). (وَأَبْدَأْ) - بالهمز، وتركه ــ ( بِمَنْ تَعُوْلُ))) ؛ أي : بمن تلزمك مؤنته وجوباً ، ثُمّ بعدَ ذَلك تدفع الصَّدقة لغيرهم ، لأنَّ القيام بِكَفَاية العيال واجب عليك ، والصَّدقة مندوب إليها ، ولا يدخل في ذلك ترفُّه العيال وَتَشْهِيَتُهُم وإطعامهم لذائذ الأطعمة بما زاد على كفايتهم من الثَّرفُّهِ؛ لأنّ مَن لم تندفع حاجتُه أولى بالصّدقة مِمَن اندفَعَت حاجته في مقصود الشرع . والحديث أخرجه أبو داود في (( الزكاة)) وسكت عليه، وأقرّه المنذري، وأخرجه الحاكم في ((الزكاة )) أيضاً: كلاهما ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم . وأقرّه الذّهبي . انتهى مناوي على ((الجامع الصغير)) . ٣١٢ ٣٩ - ((أَفْضَلُ النَّاسِ .. أَنْقَاهُمْ للهِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ ». ٤٠ - ((أَفْلَحَ مَنْ رُزِقَ لُبَّ » . ٣٩ - (( أَفْضَلُ النَّاسِ أَنْقَاهُمْ للهِ) ؛ أي : أخوفهم فيما أُمِرَ ونُهِيَ ( وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ))) ؛ أي : القرابة . وقد تقدم الكلام على صِلة الرحم . وهذا الحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق)) مرموزاً له برمز الإمام أحمد رحمه الله تعالى . ٤٠ - ((أَفْلَحَ ) بصيغة الماضي (مَنْ رُزِق) - بالبناء للمفعول - ( لُبّاً ))) - بضم اللّم وبالباء الموحدة المشددة - : يعني فاز وظفر من رزقه الله تعالى عقلاً راجحاً ؛ اهتدى به إلى الإسلام ، وفعل المأمور ، وتجنّب المنهيَّ. وكلّما كان العقل في العبد أوفر ؛ فسلطان الدّلالة فيه على الرشد والنهي عن الغَيِّ أنفذ وأظهر، ولذلك كان المصطفى وَلّ إذا ذُكِر له عن رجل شدّة اجتهاده وعبادته سأل عن عقله ؛ لأنه مناط الفلاح . والعقل هو الكاشف عن مقادير العبودية ، ومحبوب الله ومكروهه . والعقل : نور خلقه الله وقسمه بين عباده على قدر مشيئته فيهم ، وعلمه بهم . وأول ما فات ابنَ آدم من دينه العقلُ ، فإن كان ثابت العقل يكون خاشعَ القلب لله ، متواضعاً بريئاً من الكِبر ؛ قائماً على قدميه ينظر إلى اللّيل والنّهار يعلم أنّهما في هدم عمره ؛ لا يركن إلى الدنيا ركون الجاهل ؛ لعلمه أنّه إذا خلف الدنيا خلف الهموم والأحزان . قال بعض العارفين : ما قسم الله لخلقه حَظّاً أفضل من العقل واليقين . قال الراغب : والفَلاح : الظّفر. وإدراك البُغية أربعة أشياء: ١ - بقاء بلا فناء، و ٢ - غنىً بلا فقر. و٣ - عزّ بلا ذلّ. و ٤ - علم بلا جهل. وقال الزمخشري : المفلح الفائز بالبُغية كأنّه الّذي انفتحت له وجوه الظّفر ولم تستغلق عليه . والمفلج - بالجيم - : مثله . انتهى . ٣١٣ ٤١ - ((اَلِاِقْتِصَادُ فِى النَّفَقَةِ .. نِصْفُ اٌلْمَعِيْشَةِ، والتَّوَدُّدُ إِلَى النَّاس وقال بعضهم : ليس شيءٌ أجمعَ لخصال الخير من خصال الفلاح . واللُّب : العقل الخالص من الشوائب . سمي به ! لأنّه خالص بما في الإنسان من قواه كاللبّاب من الشيء ، وقيل : هو ما زكى من العقل ، وكلّ لبِّ عقل ، ولا عكس. انتهى ذكره المناوي في ((شرح الجامع)) . وهذا الحديث رمز له في ((الجامع الصغير)) برمز البخاري في (( التاريخ))، والبيهقي في ((شعب الإيمان))؛ عن قُرَّة بن هبيرة بن عامر القشيري - من وجوه الوفود - قال: أتينا النبي وَل﴿ فقلنا: إنّه كان لنا أرباب نعبدهُنّ فوَدَعْنَاهُنّ ... فذكره . قال الهيثمي : فيه راوٍ لم يسم ، وبقية رجاله ثقات . انتهى من المناوي على ((الجامع )) . ٤١ - ((الاقْتِصَادُ )؛ أي : التوسط (فِي النَّفَقَةِ) وَتَجَنُّبُ الإفراط والتفريط فيها . ( نِصْفُ المَعِيْشَةِ ) قال الطيبي : وذلك لأنّ كلا طرفي التبذير والتقتير ينغِّص المعيشة ، والتوسُّط فيه هو العيش . والعيش نوعان : عيش الدنيا ، وعيش الآخرة . كما أن العقل صنفان : مطبوع ، ومسموع . والمسموع : صنفان ؛ معاملة مع الله ، ومعاملة مع الخلق . وقال غيره : التوسُّط في النفقة يحصل به راحةٌ للعبد وحسن حال ، وذلك نصف ما به الحياة . فقد قيل : كمال المعيشة شيئان : مدة الأجل ، وحسن الحال . فمدَّة الأجل لا دخل للعبد فيها بوجه ، وحسن الحال ؛ وإن كان من الله ؛ لكنّه جُعِل للعبد مدخلاً فيه بالسّعي في أسبابه المحصِّله له عادةً . ذكره الزرقاني على (( المواهب)) . ( وَالتَوَدُّدُ) ؛ أي : التحبب (إِلَى النَّاسِ ) بالأخذ في أسباب المحبة ؛ ٣١٤ نِصْفُ الْعَقْلِ، وَحُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ)). كملاقاتِهِم بالبِشْر وطلاقةِ الوجه ، وحسن الخلق ، والرفق ، وغير ذلك ( نِصْفُ العَقْلِ ) لأنّه يبعث على محبتهم ، وعلى السلامة من شرِّهم ؛ أي : نصف ما يرشد إليه العقل ويحصّله . وجَعله نصفين ! مبالغة حتّى كأنَّ ما يرشد إليه مِنَ المحاسِن هو نفسه . ( وَحُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ العِلْمِ))) فإن السائل الفَطِن يسأل عما يهِمّه وهو بشأنه أعْنَى، وهذا يحتاج إلى فضل تمييز بين مسؤول ومسؤول ؛ فإذا ظفر بمبتغاه وفاز به كَمُل علمه، وعليه يحمل قوله: (( - لا أَدْرِي - نصفُ العِلم )» ذكره الطيبيُّ. وقال غيره : إذا أحسن سؤال شيخه أقبل عليه بقلبه وقالبه ، وأوضح له ما أشكل ، وأبان له ما أعضل ؛ لكونه وجد استعداداً وقابلاً ، وإذا لم يحسن السؤال أعرض عنه وضنَّ بإلقاء النفائس إليه ، وفتح من الجواب بنزر يسير مِمّا يورده عليه . ذكره الزُّرقاني على (( المواهب)). وهذا الحديث رواه البيهقي في (( الشُّعب))، والطبراني في (( مكارم الأخلاق))، والعسكري في ((الأمثال))، وابن السني والديلمي من طريقه ، والقضاعي : كلّهم من طريق نافع ؛ عن ابن عمر مرفوعاً . وضعَّفه البيهقي لكن له شاهد عند العسكري من حديث خلاّد بن عيسى الصّفّار أبي مسلم الكوفي ، عن ثابت البُناني ، عن أنس رفعه: (( الاقْتِصادُ نصفُ المعيشةِ ، وحُسْنُ الخُلُقِ نِصفُ الدّين )). وكذا أخرجه الطبراني ، والخطيب ، وابن لال(١) . ومن شواهده أيضاً للعسكري عن أنس رفعه: (( السؤال نِصْفُ العِلْمِ ، والرِّفْقُ نِصِفُ المعيشة ، وَمَا عَالَ امْرُؤٌ فِي اقْتِصَادٍ » . (١) اسمه أحمد بن علي. و((لال)): معناه أخرس. ((هامش الأصل)). ٣١٥ ٤٢ - ((اللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ .. مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ )). وورد: ((الرِّفْقُ فِي المَعِيشَةِ خَيْرٌ من بَعْضِ التِّجَارَةِ))؛ رواه الدار قطني والطبراني وغيرهما، ويُروى كما في ((الفردوس)): ((الرِّفْقُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ التِّجَارَةِ ». وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: (( السؤال نِصْفُ العِلْمِ، والرِّفْقُ نِصْفُ المَعِيْشَةِ)). وفي ((صحيح ابن حبان)) من حديث طويل عن أبي ذَرِّ أنّ النبيّ وَّ قال له : ((يا أبَا ذَرِّ؛ لاَ عَقْلَ كالتَّذِيْرِ ، وَلاَ وَرَعَ كالْكَفِّ، وَلاَ حَسَبَ كحُسْنٍ الخُلُقِ )). وهذا اللفظ عند البيهقي في (( الشعب)). وله أيضاً ، وللعسكريّ عن عليٍّ مرفوعاً: ((التَّوَدُّدُ نِصفُ الدِّينِ، وَمَا عَالَ امْرُؤٌ قَطُّ عَلَىُ اقْتِصَادٍ)) ؛ أي : ما افتقر مَنْ أنفق قَصْداً ولم يجاوزه إلى الإسراف . وَوَرَدَ في حديث عند الديلمي ؛ عن أنس رفعه: ((إنّ أحدَكم يأتِيهِ الله عزّ وجَلّ بِرِزْقِ عَشَرةٍ أيّامٍ في يومٍ واحِدٍ ، فإنْ هُوَ حَبَسَ عَاشَ تِسْعَةَ أيّامٍ بخيْرٍ ، وإِنْ هُوَ وَسَّعَ وأسْرَفَ قُتِّرَ عَلَيْهِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ )) . وجاء في خبر: ((مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِّ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ » . قال مجاهد : ليرفُقْ أحدكم بما في يَدِهِ ، ولا يتأوّل قوله ﴿ وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةٌ﴾ [٣٩/ سبأ] فإنّ الرِّزْقَ مَقْسوم، فلعلّ رِزْقَه قليلٌ فينْفِقِ نفقةَ الموسَّعِ ويبقىُ فقيراً حتّى يموتَ ، بل معنى الآية : أنّ ما كان من خَلَفٍ فمنه سبحانه ، فلَعلّه إذا أنفق بلا إسراف ولا إِقتارٍ كان خيراً مِن معاناة بعض التجارة. انتهى من ((المواهب)» وشرحها . ٤٢ - ((اللّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ )؛ أي: إعانته وتسديده ، ومثل العَبد الأَمَةُ . فالمراد الذّكر والأنثى، وإنّما عبّر بالعَبْدِ ! تنبيهاً على شرف العُبوديّة . ( مَا دَامَ العَبْدُ ) كرّر ((العبدَ )) بوضع الظاهر موضع المضمر !! تفخيماً لشأنِهِ وترغيباً في سرعة الامتثال ، و(( ما)) مصدرية ظرفية ؛ أي : مدة دَوَام كونِ العبد ( فِي عَوْنِ أَخِيْهِ المُسْلِمِ ))) ؛ أي : إعانة بقلبه أو بدنه أو ماله أو جاهِهِ . ٣١٦ قيل : وهذا إِجمال لا يسع بيانَه الطُّروسُ ، فإنّه مطلق في سائر الأحوال والأزمان . ومنه أنّ العبد إذا عزم على معاونة أخيه فينبغي له أنْ لا يجبن عن إنفاذ قوله وصدعه بالحقِّ، وتأمُّل دوام هذه الإعانة، فإنه ◌ََّ لم يقيِّدها بحالةٍ خاصّة ، بل أخبر أنّها دائمة بدوام كونِ العبد في عون أخيه . وروى الإمام أحمد: ((مَن كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيْهِ كَانَ اللهُ تَعَالىُ فِي حَاجَتِهِ ». والطبراني: ((أَفْضَلُ الأعمال إدخالُ السُّرور عَلَىُ المُؤْمِنِ فَكَسَوْتَ عَوْرَتَهُ ، أَوْ أَشْبَعْتَ جَوعَتَهُ ، أو قَضَيتَ لَهُ حَاجَتَهُ )) . وَوَرَدَ : ((مَنْ سَعَى فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ المُسْلِم ؛ قُضِيَتْ لَهُ أو لَمْ تُقْضَ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخْرِ ، وَكُتِبَ لَهُ بَراءَةٌ مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النَّفَاقِ ». وعن الحسن رضي الله تعالى عنه : أنّه أمر ثابتاً البُنَاني بالمشي في حاجة ، فقال: أنا معتكفٌ! فقال له : يا أعمَشُ ؛ أمَا عِلِمتَ أَنّ مَشْيَكَ فِي حاجةِ أخيكَ المُسْلِمِ خَيْرِ لَكَ مِنْ حَجّةٍ بَعْدَ حَجّةٍ؟! » . وروى الإمام أحمد: أنّ خبّاب بن الأَرَتّ خرج في سَرِية فكان ◌َله يحلبُ عَنْزاً العيالِهِ ، فيملأ الجَفْنَةَ حتى يفيض زيادة على حِلاَبها؛ فلما قَدِمَ وحَلَبها عاد إلى ما كان . وكان أبو بكر الصِّدّيق يحلب للحيّ أغْنَامَهم ؛ فلما استُخلف ؛ قيل : الآن لا يحلبها!، فقال : بَلَى ؛ وإنِّي لأرجو أن لا يغيّرني ما دخلت فيه عن شيءٍ كنتُ أفعله . وذلك لأن العرب كانوا يستقبحون حلب النِّسَاء . وكان عمرُ بنُ الخطاب رضي الله تعالى عنه يتعاهد الأرامل فيستقي لهنّ الماءَ باللَّيل ، ورآه طلحة داخلاً بيت امرأة ليلاً فدخل لها نهاراً ؛ فإذا هي عجوزٌ عمياء مقعدة ! فقال : ما يصنع هذا الرجل عندك ؟ فقالت له : منذ كذا وكذا يتعاهدني بما يقوم بي من البرِّ، وما يصلح لي شأني ، ويخرجُ عَنِّي الأذى ويَقُمُّ لي بيتي ! فقال ٣١٧ ٠ ٤٣ - (( أَمِتْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ طلحة لنفسه : ثكلتك أمّكَ يا طلحةُ؛ أعثراتِ عمر تتبع !!. انتهى من (( شرح الأربعين )) للعلامة ابن حجر رحمه الله تعالى . وهذا الحديث ذكره المناوي في (( كنوز الحقائق)) باللفظ الذي أورده المصنف ؛ مرموزاً له برمز متفق عليه . لكن رأيت في (( شرح رياض الصالحين)) وغيره : أنه جزء من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وابن حبان ، والحاكم، وابن عساكر، وأبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه))، وأبو عوانة في ((مستخرجه))؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولم أر الحديث معزوّاً للبخاري في شيءٍ من المصنفات التي راجعتها ، كما أنّي لم أرَ فيها زيادة لفظ ((المسلم))؛ بعد لفظة (( أخيه)). وهذا لفظ الحديث بطوله: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبيّ وَل قال: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيا نَفَّسَ اللهُ عنهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يومٍ القِيامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَىْ مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرةُ اللهُ فِي الدنيا والآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَان العَبْدُ فِي عَونِ أَخِيه ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلى الجَنَّةِ ، وما اجْتَمَعَ قَومٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ تَعَالىُ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَ سُونَهُ بَيْنَهم؛ إلّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وحَقَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وَذَكرَهُمُ اللهُ فِيْمَنْ عِنْدَهُ، ومَنْ بَطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)) هذا لفظ مُسلم في ((صحيحه)) في (( كتاب الدعوات)) . ٤٣ - ((أَمِتْ) - بإسكان التاء -: أمر من (( أمات))، والخطاب لمعاذ من جملة وصيته له ، والمراد توصيته بأن يُحيل (أَمْرَ الجَاهِلِيَّةِ ) بنقض أحكامها ، وخفضٍ أعلامها ، حتى يُنسى ذكرُها ، ويعفوَ أثرُها ؛ فتكون كالميت الذي نُسي ذكره وانقطع خبره . ٣١٨ · وفي ((بلوغ الأرب)) للألوسي : الجاهلية الذي كثر فيه الجُهَّال وهي ما قبل الإسلام . وعن ابن خالويه : أنّ هذا اللفظ اسم حَدَث في الإسلام للزَّمن الذي كان قبل البعثة . قال الحافظ ابن حجر في (( شرحه على البخاري)): وهذا هو الغالب ، ومنه ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ﴾ [١٥٤/ آل عمران]. ثم قال: وأما جزم النووي في عدّة مواضع في (( شرح مسلم)) أنّ هذا هو المراد حيث أتى !! ففيه نظر، فإنَّ هذا اللّفظ - وهو ((الجاهلية)) - يطلق على ما مَضَى، والمراد ما قبل إسلامه، وضابطُ آخِرِهِ فَتْحُ مَكّةَ. انتهى كلام ((الفتح)). أي: فلفظ ((الجاهلية)) لا يقال غالباً إلا على حال العرب التي كانوا عليها قبل الإسلام ؛ لما كانوا عليه من مزيد الجهل في كثير من الأعمال والأحكام . ومما أبطله الشرع من عوائدهم : أنَّهم كانوا يطلُّقون النساء حتى إذا قَرُّبَ انقضاء عِدّتِهِنّ راجعوهن ؛ لا عن حاجة ولا لمحبّة ، ولكن لقصد تطويل العِدّة وتوسيع مدة الانتظار ، وكان الرجل يطلق امرأته أو يتزوج أو يعتق ويقول ((كنت لاعباً)) فأبطل الله تعالى ذلك، ورَدَّه عليهم بقوله سبحانه ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ يِّعْرُفٍ أَوْ سَرِجُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍّ وَلَا تُنِكُهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْنَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهٍُّ﴾ [٢٣١/ البقرة] . وفي الحديث : (( ثلاث جِدُّهُنَّ جِدُّ وهزلهنَّ جِدٌّ : النكاح ، والطلاق ، والرَّجعة)). ومن ذلك : أنهم كانوا يمنعون النساء أن يتزوجنّ من أرَذْن من الأزواج بعد انقضاء عدّتِهِنّ ؛ حميًَّ جاهليةً ، كما يقع كثيراً من نحو الملوك ؛ غَيْرَةً على مَن كُنَّ تحتهم من النساء أن يصِرنَ تحتَ غيرهم ، فإنهم بسبب ما نالوه من رياسة الدنيا وما صاروا فيه من النَّخوة والكبرياء ؛ يتخيّلون أنهم قد خرجوا من جنس بني آدم إلا من عصمهُ الله منهم بالورع والتواضع ، وقد أبطل الله ذلك ونهى عنه بقوله ﴿وَإِذَا ٣١٩ طَلَقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُنْ وَْهَرٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ [البقرة] . ومن ذلك : أنهم كانوا إذا مات الرجل منهم كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء أن يتزوَّجها بعضهم ، وإن شاءوا زوّجوها ، وإن شاءوا لم يزوّجوها . فهم أحقّ بامرأته من أهلها ، فنهى الله تعالى عن ذلك بقوله ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ اُلِسَآءَ كَرْهاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ﴾ [١٩/ النساء] أي: لتأخذوا ميراثهن أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح . قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية : كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته ، فيعضلها حتى تموت ؛ أو ترُدّ إليه صداقها . وفي رواية : إن كانت جميلة تزوجها ، وإن كانت دميمةً حبسها حتى تموت فيرثها . وحَاصل معنى الآية : لا يحل لكم أَنْ تأخذوهنَّ بطريق الإِرث ؛ فتزعمون أنّكم أحقّ بِهِنَّ من غيركم ، وتحبسونهنَّ لأنفسكم ، وكان الرجل من العرب إذا مات عن المرأة أو طلّقها قام أكبر بنيه ، فإن كان له حاجة فيها طَرَحَ ثوبه عليها ، وإن لم يكن له حاجة فيها تزوّجها بعض إخوته بمهرٍ جديد ، وقد أبطل الله ذلك بقوله تعالى ﴿ وَلَا تَنكِحُواْمَانَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا ﴾ [النساء] وقد كان هذا النكاح يسمى في الجاهلية ((نكاح المقت))، ٣٢ وَسَآءَ سَبِيلًا ويسمى الولد الحاصل منه (( مقتي))، ولهم في هذا الباب غير ذلك من المنكرات ، وقد ذُكرتْ في كتب الحديث والتفسير !!. وروى البخاري في (( صحيحه )) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : إذا سرَّكَ أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام : ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْأَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءُ عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ وَمَا ٣٢٠