Indexed OCR Text

Pages 181-200

اُلأَخِيرُ مِنْ رَمَضَانَ .. شَدَّ مِثْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ مُقِيماً .. أَعْتَكَفَ الْعَشْرَ
الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَإِذَا سَافَرَ .. أَعْتَكَفَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ
عِشْرِينَ .
( اُلأَخِيْرُ مِنْ رَمَضَانَ ) - والمرادُ الليالي - ( شَدَّ مِثْزَرَهُ) . قال القاضي : المئزَرُ:
الإِزار ، ونظيره مِلْحَف ولِحَاف، وشَدُّه كناية عن التشمير والاجتهاد ، أراد به الجدَّ
في الطاعة ، أو كناية عن اعتزال النساء وتجنّبٍ غشيانِهِنَّ، ( وَأَحْيَا لَيْلَهُ) : أي :
ترك النوم الذي هو أخو الموت وتعبَّد معظم الليل ؛ لا كله ، بقرينة خبر عائشة
(( ما علمتُه قام ليلةً حتَّى الصباح)) ، فلا ينافي ذلك ما عليه الشافعية من كراهة قيام
الليل كلِّه .
( وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ ) ؛ أي : زوجاته المعتكفات معه في المسجد ، واللَّتي في
بيوتهن إذا دخلها لحاجة ؛ أي : يوقظُهُنَّ للصلاة والعبادة ، فيسنُّ إيقاظ مَنْ وثق
بقيامه للتهجُّد .
( وَ) أخرج الإمام أحمد - بسند حسن ؛ كما في العزيزي - عن أنس بن مالك
رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا كَانَ مُقِيْماً أَعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ )؛
طلباً لليلة القدر، لأنَّها محصورة فيها عند إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
( وَإِذَا سَافَرَ أَعْتَكَفَ مِنَ الْعَامِ المُقْبِلِ عِشْرِيْنَ ) : العشر الوسطى بدل ما فاته في
السفر ، والعشر الأخيرة على عادته . وفيه أنَّ فائت الاعتكاف يُقضَى ؛ أي : يشرع
قضاؤه .
( وَ) أخرج البيهقي في (( شُعَب الإيمان))، وابن عساكر في ((تاريخه))،
وأبو نعيم في (( الحلية))، والبزار : كلُّهم من حديث زائدة بن أبي الرقاد ؛ عن زياد
النُّميري ؛ عن أنس بن مالك .
١٨١

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ .. قَالَ: ((هَذِهِ
لَيْلَةٌ غَرَّاءُ ، وَيَوْمٌ أَزْهَرُ » .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ .. دَخَلَ الْبَيْتَ لَيْلَةَ
الْجُمُعَةِ، وَإِذَا جَاءَ الصَّيْفُ .. خَرَجَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ .
قَالَ الْعَزِيزِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ
قال النووي في ((الأذكار)) : إسناده ضعيفٌ، وقال البيهقيُّ : تفرَّد به زيادُ
النميري ، وعنه زائدة بن أبي الرقاد ، وقال البخاري : زائدةُ عن زياد منكرُ الحديث
وجَهَّلَه جماعة، وجزم الذهبي في (( الضعفاء)) بأنه منكر الحديث ؛ قاله المناوي .
ولفظ الحديث - كما في ((الجامع الصغير)) -:
( كَانَ ) رسول الله (وَِّ) إذا دخل رجب؛ قال: ((اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبَ
وشَعْبَانَ ؛ وَبَلِّغْنَاَ رَمَضَانَ)). وكان (إِذَا كَانَتْ ) ؛ أي: وجدت ( لَيْلَةُ الجُمُعَةِ ؛
قَالَ: ((هَذِهِ لَيْلَةٌ غَرَّاءُ) - كـ (( حمراء))؛ أي: سعيدة صبيحة مضيئة - ( وَيَوْمٌ
أَزْهَرُ )) ) ؛ أي : يومها يوم أزهرُ ، أي: نَرٌ مشرق ، ولذا طلب فيه أعمال صالحة
كالكهف ، وكذا ليلتها، وكثرة الصلاة والسلام عليه وَلاهور .
( وَ) أخرج الخطيب في ((تاريخه)) في ترجمة الربيع ((حاجب المنصور))،
وابن عساكر في (( تاريخه))؛ كلاهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما - وهو من
رواية الربيع المذكور عن الخليفة المنصور ؛ عن أبيه ؛ عن جدِّه . وبه عرف حال
السند - قال :
( كَانَ) رسول الله (وَ إِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ) ؛ أي: زمن الشتاء ( دَخَلَ أَلْبَيْتَ لَيْلَةَ
الجُمُعَةِ، وَإِذَا جَاءَ الصَّيْفُ )؛ أي: زمن الصيف ( خَرَجَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ ) ، وتمام
الحديث : وإذا لبس ثوباً جديداً حمد الله وصلَّى ركعتين، وكسا الخَلَق .
( قَالَ ) المناويُّ : يحتمل أنَّ المرادَ بيت الاعتكاف ، ويحتمل أنَّ المرادَ
بالبيت : الكعبةُ . وقال العلامة علي بن أحمد ( العَزِيْزِيُّ) في كتابه ((السِّراج المنير
شرح الجامع الصغير )): ( الظَّاهِرُ أَنَّ المُرَادَ ) بالدخول والخروج في الزمنين :
١٨٢

مَا أَعْتَادَهُ النَّاسُ مِنْ دُخُولِهِمُ الْبُيُوتَ فِ الشِّتَاءِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا فِي
الصَّيْفِ .
( مَا أَعْتَادَهُ النَّاسُ مِنْ دُخُوْلِهِمُ الْبُيُوْتَ فِي) زمن ( الشِّتَاءِ ) لِلْكِنِّ من البرد ،
( وَأَلْخُرُوجِ مِنْهَا ) ؛ أي : البيوت ( فِي ) زمن ( الصَّيْفِ ) إلى المحلِّ الذي هو أعلى
الدار مثلاً؛ الذي يقال له ((السطوح)) لكونه مكشوفاً ، أو الخروج إلى فناء الدار
المكشوف أَمامَها مثلاً ؛ كما يقع في بعض البلدان، ولذا عبَّر بـ (( دخل )) المناسب
للكِنِّ وبـ ((خرج)) المناسب للكشف، ويكون ابتداءُ الخروج والدخول ليلة
الجمعة ، أشار إلى ذلك الحفني .
١٨٣

اَلْفَصْلُ الثَّانِي
فِي بَعْضِ أذْكَارٍ وَأَدْعِيَةٍ كَانَ يَقُولُهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَأَلَ اللهَ تَعَالَى .. جَعَلَ
بَاطِنَ كَفَّيْهِ
( الْفَصْلُ الثَّانِي ) ؛
من الباب السابعِ
( فِي ) ذكر ( بَعْضٍ أَذْكَارٍ )
جمع ذكر ؛ وهو - لغةً -: كلُّ مذكور. و- شرعاً -: قولٌ سيق لثناء ؛ أو دعاء ،
وقد يستعمل شرعاً لكلِّ قول يثاب قائله؛ قاله ابن حجر في ((التحفة )).
( وَ) في ذكر بعض ( أَدْعِيَةٍ ) ؛
جمع : دعاء ، وهو : الطلب على سبيل التضرُّع ، وهو أفضل من تركه عند
جمهور العلماء ، وهو من أعظم العبادات .
( كَانَ يَقُوْلُهَا )
أي : هذه الأذكار والأدعية
النبيُّ (بَّهِ فِي أَوْقَاتٍ ) وحالات ( مَخْصُوْصَةٍ )
كـ : عند الكرب ، وعند الخروج من بيته ، وفي الصباح والمساء ... ونحو
ذلك .
أخرج الإمام أحمد - بسند فيه ابن لهيعة ، وقال الهيثمي : رواه أحمد مرسلاً
بإسناد حسن ، وفيه إيذان بضعفِ هذا المتصل المرويِّ - عن السائب بن خلاَّد
رضي الله تعالى عنه ؛ قال :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِّهِ إِذَا سَأَلَ اللهَ تَعَالَىْ) خيراً ( جَعَلَ بَاطِنَ كَفَّيْهِ ) بالتثنية - وفي
١٨٤

إِلَيْهِ ، وَإِذَا أُسْتَعَاذَ .. جَعَلَ ظَاهِرَهُمَا إِلَيْهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّةٌ فَدَعَا .. رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى
یُرَى بَیَاضُ إِبْطَيْهِ .
نسخة بالإفراد - ( إِلَيْهِ، وَإِذَا أُسْتَعَاذَ) من شرِّ ( جَعَلَ ظَاهِرَهُمَا إِلَيْهِ ) ؛ لدفع
ما يتصوَّره من مقابلة العذاب والشرِّ ، فيجعل يديه كالتُّرس الواقي عن المكروه ،
ولما فيه من التفاؤل برَدِّ البلاء ؛ قاله المناوي .
(وَ) أخرج أبو يعلى بإسناد حسن ؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال:
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّةٌ) - بالتشديد كَـ: عِدَّة - ( فَدَعَا) في
الصلاة برفع الشِّدَّة ( رَفَعَ يَدَيْهِ ) حالَ الدعاء ، ففيه أنَّه يندب رفع اليدين حال
الدعاء، إذ قد ورد عن النبي وَلِّ أنَّه رفع يديه حالَ الدُّعاء في مواطنَ كثيرةٍ ، وعلى
ذلك قول بعضهم :
فَدَعْ لِمَنْ يَتْرُكُهُ مُبْتَدِعا
رَفْعُ أَلْيَدَيْنِ سُنَّةٌ حَالَ الدُّعَا
فِيْهِ أَتَتْ عَنْ أَحْمَدٍ خَيْرِ الوَرَى
فَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَثَرَا
فَلَيْسَ مَنْ يَتْرُكُهُ عَلَىْ سَنَنْ(١)
فِيْهَا الضَّعِيْفُ وَالصَّحِيْحُ وَالحَسَنْ
قال المناوي : وحكمةُ الرفع : اعتيادُ العرب رفعهما عند الخضوع في
المسألة ؛ والذِّلَّة بين يدي المسؤل ، وعند استعظام الأمر ، والداعي جديرٌ بذلك
التوجّهه بين يدي أعظم العظماء . ومِن ثَمَّ ندب الرفع عند تكبيرة الإحرام ،
والركوع ، والرفع منه ، والقيام من التشهد الأول ؛ إشعاراً بأنه ينبغي أن يستحضر
عظمةَ من هو بين يديه حتى يقبل بكليَّته عليه . انتهى .
فكان رِ له يرفع يديه (حَتَّى يُرَى) - بالبناء للمجهول - ( بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ) ؛ أي :
لو كان بلا ثوب لَرُئِيَ، أو كان ثوبُه واسعا فيُرَى بالفعل ، وذكر بعض الشافعية أنَّه لم
يكن بإبطيه شعر. قال في ((المهمات)): وبياضُ الإبط كان من خواصِّه ◌ِصَلِّ، وأما
(١) بل ذكر الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى - أن أصل الرفع بلغ حد التواتر، ولا القضايا
التي ورد فيها بأعيانها.
١٨٥

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ .. لَمْ يَخُطَّهُمَا
حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ أَحَداً فَدَعَالَهُ . . بَدَأَ بِنَفْسِهِ .
إبط غيره !! فأسود لما فيه من الشعر ، وردّه الحافظ الزين العراقي بأن ذلك لم
يثبت ، والخصائص لا تثبت بالاحتمال ، ولا يلزم من بياض إبطه أن لا يكون له
شعر، فإنَّ الشعر إذا نُتُفِ بقي المكانُ أبيضَ ؛ وإن بقي فيه آثار الشعر . انتهى .
( وَ) أخرج الترمذي في ((الدعوات)) وقال: صحيح غريب ، لكن جزم
النووي في ((الأذكار )) بضَعْف سنده . وأخرجه أيضا الحاكم : كلاهما ؛ عن ابن
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال :
( كَانَ) رسول الله (وَ﴿ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا
وَجْهَهُ ) ؛ تفاؤلاً بحصول المراد .
قال المناوي في (( شرح الجامع)) : ففِعْلُ ذلك سنّةٌ كما جرى عليه جمعُ
شافعيةٍ؛ منهم النووي في ((التحقيق))؛ تمشُّكاً بعدَّة أخبار هذا منها ، وهي ؛ وإن
ضعفت أسانيدُها؛ تقوَّت باجتماعها، فقولُه في ((المجموع)) ((لا يندب))؛ تبعاً
لابن عبد السلام، وقال: لا يفعله إلاَّ جاهلٌ !! في حيّر المنع . انتهى كلام
المناوي .
لكن قال الحفني : هذا المسحُ في غير الصلاة ، أمَّا في الصلاة ! فلا يطلب
المسحُ أصلا . انتهى . وكأنَّ فيه جمعاً بين القولين . والله أعلم .
( وَ) أخرج أصحاب السنن الثلاثة، وابنُ حِبَّان، والحاكمُ؛ عن أُبيِّ بن كعب
رضي الله تعالى عنه - وقال الترمذي : حسن صحيح ، والحاكم : صحيح - قال :
( كَانَ) رسول الله (وَ﴿ إِذَا ذَكَرَ أَحَداً فَدَعَا لَهُ) بخير ( بَدَأَ بِنَفْسِهِ ) ؛ ثُمَّ ثَنَّى
بغيره ، ثم عمَّم ؛ اتباعاً لملَّة أبيه إبراهيم ، فتتأكَّدُ المحافظة على ذلك وعدم الغفلة
عنه ، وإن كان لا أحدَ أعظم من الوالدين ، ولا أكبر حقًّا على المؤمن منهما ، ومع
١٨٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَعَا لِرَجُلٍ .. أَصَابَتْهُ الدَّعْوَةُ ،
وَوَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ : ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ؛ ثَبِّتْ
قَلْبِي عَلَىْ دِينِكَ))، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلاَّ وَقَلْبُهُ
بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ؛ فَمَنْ شَاءَ . . أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ .. أَزَاغَ )).
ذلك قدَّم الدعاءَ للنفس عليهما في القرآن في غير موضع ، فغيرُهما أولى . انتهى
مناوي على (( الجامع)).
( وَ) أخرج الإمام أحمد ؛ عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما - قال
العلقمي بجانبه علامة الصحة - قال :
( كَانَ) رسول الله (﴿ إِذَا دَعَا لِرَجُلٍ؛ أَصَابَتْهُ الذَّعْوَةُ، وَ) أصابت (وَلَدَهُ
وَوَلَدَ وَلَدِهِ ) ؛ أي : ذريته ؛ أي : استجيب دعاؤه للرجل وذريته من بعده ، وسكت
عمَّا لو دعا عليه !! لأنه قد سأل الله تعالى أن يجعل دعاءه رحمة على المدعوِّ عليه .
( وَ) أخرج الترمذي - بسند فيه شهر بن حوشب؛ كما قال الهيثمي - عن أُمّ
سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كَانَ) رسول الله (وَ ◌ّ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: ((يَا مُقَلِّبَ
القُلُوْبِ ) - المراد : تقليبُ أعراضها وأحوالها ؛ لا ذواتها - ( ثَبَّتْ قَلْبِيْ عَلَى
دِيْنِكَ))) - بكسر الدال ــ وهذا تعليمٌ للأُمَّة، وإلاَّ! فقلبُه ثابت ودائم له ذلك
لعصمته .
( فَقِيْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ !! ) - يعني : قالت له أمُّ سلمة لما رأته يكثر ذلك : إن
القلوب لتتقلب؟ ! -. ( قَالَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلاَّ وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ )
- يقلُّبُه الله كيف يشاء ــ ( فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ) - قلبَه على الدين الحقِّ - (وَمَنْ شَاءَ
أَزَاغَ)) ) قلبه ، أي : أماله إلى الدين الباطل .
قال المناويُّ على ((الجامع)): وتمامه عند الإمام أحمد: ((فَتَسْأَلُ اللهَ أن
لاَ يُزْنِغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَداناً، وَنَسْأَلُ اللهَ أَنَّ يَهبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً؛ إنَّهُ هُوَ
الوَهَّابُ)) . انتهى .
١٨٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا: ((رَبَّنَا ؛ آتِنَا فِي
الذُّنْيَا حَسَنَةٌ ، وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّار )).
قال الغزالي : إنَّما كان ذلك أكثرَ دعائه ! لاطلاعه على عظيم صنيع الله تعالى في
عجائب القلب ؛ وتقلُّبه ، فإنَّه هَدَف يصابُ على الدوام من كلِّ جانب ، فإذا أصابه
شيءٌ وتأثَّرَ ؛ أصابَه من جانب آخر ما يضادُّ فيغيِّرُ وصفه . وعجيبُ صنع الله في
تقلُبه لا يهتدي إليه إلاَّ المراقبون بقلوبهم ، والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى .
وقال ابن عربي : تقليبُ الله القلوبَ هو ما خلق فيها من الهمِّ بالحسن والهمِّ
بالسوء . فلما كان الإنسان يحسُّ بترادُف الخواطر المتعارضة عليه في قلبه الذي هو
عبارةٌ عن تقليب الحقِّ ، وهذا لا يقتدر الإنسان على دفعه ؛ كان ذلك أكثر دعائه .
يشير إلى سرعة التقليب من الإيمان إلى الكفر وما تحتهما ﴿فَأَلْهَمَهَا لُوَرَهَا وَتَقْوَنُهَا
[الشمس] وهذا قاله للتشريع والتعليم . انتهى .
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، والشيخان ، وأبو داود ؛ عن أنس بن مالك رضي
الله تعالى عنه؛ قال صهيب: سأل قتادة أنساً : أيُّ دعوة كان يدعو بها النبي ◌َّ
أكثرَ ؟ !. قال :
( كَانَ) رسول الله (وَ أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُوْ بِهَا: رَبَّنَا) بإحسانك ( آتِنَا فِي الدُّنْيَا )
حالة ( حَسَنَةً ) لنتوصَّل بها إلى الآخرة على ما يرضيك .
قال الحرالي : هي الكفاف من مطعم ومشرب وملبس ومأوى وزوجة ؛
لا سرف فيها . (وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً) من رحمتك التي تدخلنا بها جنَّك، (وَقِنَا
عَذَابَ الثَّارِ )) ) بعفوك وغفرانك .
قال الطيبي : إنما كان يكثر من هذا الدعاء !! لأنه من الجوامع التي تحوز جميعَ
الخيرات الدنيوية والأخروية . وبيان ذلك : أنَّه كرَّر الحسنة ؛ ونَكَّرها : تنويعاً ،
وقد تقرَّر في علم المعاني : أنَّ النكرة إذا أعيدت كانت الثانية غيرَ الأولى ،
فالمطلوبُ في الأولى : الحسنات الدنيوية من الاستعانة والتوفيق والوسائل التي بها
١٨٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ ،
وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ : مِنَ الْجُبْنِ ،
وَأَلْبُخْلِ ،
اكتساب الطاعات والمبرّات ، بحيث تكون مقبولة عند الله تعالى ، والمطلوبُ في
الثانية : ما يترتَّب من الثواب والرضوان في العقبى .
وقوله (( وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) تتميم ، أي : إنْ صدر منا ما يوجبها من التقصير
والعصيان ؛ فاعف عنا ، وقِنَا عذاب النار . فحُقَّ لذلك أن يكثر من هذا الدعاء .
قال قتادة : وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها . انتهى . كذا قرَّره المناوي
على (( الجامع ) رحمه الله تعالى .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم ، والنسائي ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
قال : ( كَانَ ) رسول الله (نَّهُ يَتْعَوَّذُ مِنْ جُهْدٍ) - بفتح الجيم وضمِّها -: مشقَّة
( البَلاءِ) - بالفتح والمد ، ويجوز الكسر مع القصر - (وَدَرْكِ) - بفتح الدال والراء
وتسكَّن -؛ وهو: الإدراك واللَّحاق ( الشَّقَاءِ) - بمعجمة ثم قاف -: الهلاك،
ويطلق على الأمر الشاقِّ المؤدِّي إلى الهلاك ( وَسُوْءِ أَلْقَضَاءِ ) ؛ أي : المقضي ،
والاَ! فحكم الله كلُّه حَسَن لا سوء فيه، (وَشَمَاتَةِ اُلأَعْدَاءِ ) : فرحهم ببليّة تنزل
بالمعادي تنكأُ القلب ، أو تبلغُ من النفس أشدَّ مبلغ .
وقد أجمع العلماء في كلِّ عصر ومصر على ندب الاستعاذة من هذه الأشياء ،
وردُّوا على مَن شذَّ من الزمَّاد ؛ قاله المناوي على (( الجامع)) .
( وَ) أخرج أبو داود في ((الصلاة))، والنسائي في ((الاستعاذة))، وابن ماجه في
((الدعاء )) - وسكت عليه أبو داود -: كلُّهم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
( كَانَ) رسول الله (ِّرِ يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ؛ مِنَ ١ - الجُبْنِ ) - بضم الجيم
وسكون الموحدة - ؛ هو البخل بالنفس خوفاً من الموت ، فلا يقاتل الأعداء .
(و٢َ - البُخْلٍ)؛ أي: منع بذل الفضل لاسيما للمحتاج، وحبّ الجمع والادخار.
١٨٩

وَسُوءٍ الْعُمُرِ ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ .
وَكَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ، وَعَيْنِ الإِنْسَانِ .. حَتَّىُ نَزَلَتِ
اُلْمُعَوِّذَتَانِ ، فَأَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا .
( وَ ٣ - سُؤْءِ العُمْرٍ) ؛ أي: عدم البركة فيه، بأن يُخلَّ بالواجبات ولا يصرفه
في الطاعات :
أَدْرَكَ فِي مُدَيْدَةٍ مِنْ بِرِّهِ
مَنْ بَارَكَ اللهُ لَهُ فِي عُمْرِهِ
وَلَمْ تَكَذْ تَلْحَقُه الإِشَارَه
مَا لَمْ تَكُنْ تَخْصُرُهُ الْعِبَارَهْ
( وَ ٤ - فِتْنَةِ الصَّدْرِ) - بفتح الصاد وسكون الدال المهملتين - أي : القلب،
أي : الأمور القبيحة التي تكون في القلب ؛ كالحقد ، والكِبْر ، والغلِّ ، والحسد ،
والعقيدة الزائغة. وهذا تعليم للأمة، وإلاَّ! فهو وَلّ معصومٌ من ذلك.
( و٥َ - عَذَابٍ أَلْقَبْرِ))) أي : التعذيب فيه بنحو ضربٍ ، أو نار ، أو غيرهما
على ما وقع التقصير فيه من المأمورات أو المنهيَّات ، والقصدُ بذلك تعليمُ الأمَّة
کیف یتعوَّدون .
( وَ) أخرج الترمذي - وقال: حسن غريب - والنسائي، وابن ماجه، والضياءُ
في (( المختارة)) ؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه .
أَنَّ النبي ◌َِّ (كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ الجَانِّ)، أي: يقول: ((أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الجَانِ
( وَعَيْنِ الإِنْسَانِ ) ، من : ناس ينوس إذا تحرَّك ، وذلك يشترك فيه الجنُّ والإنس ،
وعينٍ كلِّ ناظرٍ ( حَتَّى نَزَلَتِ المُعَوِّذَتَانِ فَأَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا) ؛ أي : مِمَّا كان
يتعوَّذُ به من الكلام غيرِ القرآن ، لما ثبت أنَّه كان يرقي بالفاتحة ، وفيهما الاستعاذة
بالله ، فكان يرقي بها تارة ، ويرقي بالمعوِّذتين أخرى ؛ لما تضمّنتاه من الاستعاذة
من كلِّ مكروه ، إذ الاستعاذة من شرٍّ ما خَلَق تعمُّ كلَّ شرٍّ يستعاذ منه في الأشباح
والأرواح ، والاستعاذة من شر الغاسق - وهو الليل وآفتِه ؛ أو القمر إذا غاب -
يتضمَّنُ الاستعاذةَ من شرِّ ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيئة ، والاستعاذة من شرِّ
١٩٠

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ مَوْتِ الْفُجَاءَةِ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ
أَنْ يَمْرَضَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَىُ .. يَدْعُو بِهَذِهِ
الدَّعَوَاتِ: ((( اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فُجَاءَةِ الْخَيْرِ،
النفَّائات تتضمَّن الاستعاذةَ من شرِّ السواحر وسحرهِنَّ، والاستعاذة من شرِّ الحاسد
تتضمَّن الاستعاذة من شرِّ النفوس الخبيثة المؤذية .
والسورة الثانية تتضمّن الاستعاذة من شرِّ الإنس والجنِّ .
فجَمعت السورتان الاستعاذة من كل شرٍّ، فكانتا جديرتين بالأخذ بهما وتركٍ
ما عداهما .
قال ابن حجر : هذا لا يدلُّ على المنع من التعُّذِ بغير هاتين السورتين ، بل يدلُّ
على الأولوية ؛ لاسيما مع ثبوت التعُّذ بغيرهما .
وإنما اكتفى بهما !! لما اشتملتا عليه من جوامع الكلم ، والاستعاذةِ من كلِّ
مكروه جملة وتفصيلاً؛ قاله المناوي على (( الجامع)).
( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير))؛ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه
قال: ( كَانَ) رسول الله (ِِّ يَتَعَوَّذُ مِنْ مَوْتِ الفُجَاءَةِ) - بالضمِّ والمدِّ ،
و[ الفَجْأَة ] يفتح ويقصر : البغتة ..
( وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَمْرَضَ قَبْلَ أَنْ يَمُوْتَ ) ، وقد وقع ذلك ، فإنه مرض في ثاني
ربيع الأول ؛ أو ثامنه ؛ أو عاشره ، ثمَّ امتدَّ مرضه اثني عشر يوماً .
( وَ) أخرج أبو يعلى، وابن السنِّي - بإسناد حسن؛ كما في العزيزي - عن
أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسول الله (بَّهِ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَىْ) ؛ أي إذا دخل في الصباح
والمساء ( يَدْعُوْ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ: ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فُجَاءَةِ الخَيْرِ ) - بضم
١٩١

وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فُجَاءَةِ الشَّرِّ ) ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ لاَ يَدْرِي مَا يَفْجَؤُهُ إِذَا أَصْبَحَ
وَإِذَا أَمْسَىْ )) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَىُ .. قَالَ:
((أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ
الفاء والمد - كذا الرواية ؛ وإن صحَّ القصرُ في لغة ؛ على وزان (( تَمْرَة)) أي : من
الخير الذي يأتي بغتة ، ويقال مثل ذلك فيما بعد ؛ قاله الحفني .
(وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ فُجَاءَةِ الشَّرِّ ) . هذا آخر الدعاء .
قال ابن القيِّم : من جرَّب هذا الدعاء عرف قدر فضله ، وظهر له جموم(١)
نفعه ، وهو يمنع وصول أثر العائن ، ويدفعه بعد وصوله ؛ بحسب قوة إيمان العبد
القائل وقوَّة نفسه واستعداده وقوَّة توُّله وثبات قلبه ، فإنَّه سلاح والسلاح يضارب
به. انتهى، ذكره المناوي؛ على (( الجامع)).
وأما قوله ( فَإِنَّ العَبْدَ لاَ يَدْرِي مَا يَفْجَؤُهُ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَىْ)) ) ، فإنَّما هو بيانٌ
منه وَّ ه لوجه طلب الدعاء، فلا يقوله الداعي؛ بل يقتصر على حدِّ ((مَن فُجَاءَة
الشرِّ))، فمن قال ذلك حُفِظ من بغتة الشرِّ إلى المساء أو الصباح.
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والطبراني في ((الكبير))، والنسائي في (( اليوم
والليلة))، وابن السنّي في (( اليوم والليلة )) -؛
وقال النووي في ((الأذكار)): إسناده صحيح، وقال العراقي في ((المغني)):
إسناده صحيح ، وقال الحافظ الهيثمي : رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح -:
كلهم ؛ من طريق عبد الرحمن بن أبزى - بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالزاي
وألف مقصورة - الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث - مختلفٌ في صحبته - قال:
( كَانَ) رسول الله (بِّهِ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَىْ؛ قَالَ: (( أَصْبَحْنَا عَلَىْ فِطْرَةٍ )
(١) هكذا في الأصل، وكذا في المناوي؛ على ((الجامع)) !!. وهو بمعنى العموم مع الوفرة
والكثرة .
١٩٢

الإِسْلاَم وَكَلِمَةِ الإِخْلاَصِ وَدِينِ نَبَِّا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَمِلَّةِ أَبِيْنَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)).
- بكسر الفاء - ( الإِسْلاَم ) ؛ أي : دينه الحق ، وقد تَرِدُ الفطرة بمعنى السُّنَّةَ .
( وَكَلِمَةِ الإِخْلاَصِ)، هي كلمة الشهادة، (وَدِيْنِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ بِهِ)، الظاهرُ أنَّه
قال [ذلك] تعليماً لغيره . ويحتمل أنَّه جرَّد من نفسه نفساً يخاطبها .
قال ابن عبد السلام في ((أماليه)): و((على)) في مثل هذا تدلُّ على الاستقرار
والتمكّن من ذلك المعنى ، لأن الجسم إذا علا شيئاً تمكَّن منه واستقرَّ عليه ، ومنه
﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدِّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [٥/ البقرة]. قال النووي في ((الأذكار)): لعله وَّ
قال ذلك جهراً ليسمعه غيره؛ فيتعلَّمه منه. انتهى مناوي على ((الجامع)).
(وَمِلَّةِ أَبِيْنَا إِبْرَاهِيْمَ) الخليلِ ( حَنِيْفاً) : مائلا إلى الدين المستقيم ، ( مُسْلِماً؛
وَمَا كَانَ مِنَ أَلْمُشْرِكِيْنَ ))) .
قال العلقمي في ((شرح الجامع الصغير )) : قال شيخنا - يعني السيوطي - :
فائدة ؛ وهي عزيزةُ النقل : فرع أوَّل المساء : من الزوال . ذكره الفقهاء عند
كلامهم على كراهة السَّواك للصائم بعد الزوال ، أما الصباح !! فقلَّ مَن تعرَّض له ،
وطالما فحصت عنه !! إلى أن وقفتُ عليه في ذيل (( فصيح ثعلب )) للعلاّمة موفق
الدين البغدادي قال : الصباحُ عند العرب : من نصف الليل الأخير إلى الزوال ، ثم
المساءُ إلى آخر نصف الليل الأول . انتهى ما نقله .
قلت : ومن فوائده أنه يشرع ذكر الألفاظ الواردة في الأذكار المتعلّقة بالصباح
والمساء، وهذا واضحٌ في ((الأذكار)) التي فيها ذكر المساء والصباح ، أمَّا التي فيها
ذكر اليوم والليلة !! فلا يتأتَّى فيها ذلك إِذْ أَوَّلُ اليوم شرعاً من طلوع الفجر ، والليلُ
من غروب الشمس . انتهى .
وقال ابن حجر في ((شرح المشكاة )) - بعد كلام الموفَّق - : والظاهر أنَّ المراد
في الأحاديث بالمساء : أوائل الليل ، وبالصباح : أوائل النهار .
١٩٣

ثم رأيتني في (( شرح سيد الاستغفار )) ذكرت لذلك زيادةً؛ وهي قوله : ومن
إطلاقه المساءَ على ما ذكر - أي : من غروب شمس اليوم ، والصباح على ما يأتي ،
أي : طلوع الفجر - يؤخذ ما قرَّرناه سابقاً أنَّ الأذكار المقيَّدة بالصباح والمساء ليس
المرادُ منها حقيقتهما من نصف الليل إلى الزوال في الأول ، ومنه إلى نصف الليل في
الثاني ؛ كما نُقِل عن ثعلب ! وإنما المرادُ بهما العرف: من أوائل النهار في الأول ،
وآخرهِ في الثاني .
ويؤيِّدُه أنَّ ابن أُمِّ مكتوم الأعمى مؤذِّنَ رسول الله وَلي كان لا يؤذِّن الأذان الثاني
الذي هو علامةٌ على الفجر الصادق حتى يُقالَ له ((أصبحت ... أصبحت)). وفي
الصباح ابتداؤه من هذا الوقت وما قرب منه ؛ لا من نصف الليل ، وشروع الأذان منه
عندنا لا يدلُّ على أنَّه من حينئذ لا يسمَّى ((صباحاً)). انتهى.
وسبقه لذلك ابن الجزري ؛ فقال: مَن قال ((إنَّ ذكر المساء يدخل بالزوال))؛
فكيف يعمل في قوله ((أَسْأَلُكَ خَيْرَ هُذِهِ اللَّيْلَةِ وَمَا بَعْدَهَا)) !! وهل تدخل الليلة إلاَّ
بالغروب !؟ انتهى .
وسبقه أيضاً لذلك العلامة الرداد ؛ وزاد بيان آخرِ الوقت في كلِّ منهما ؛ فقال
في ((موجبات الرحمة وعزائم المغفرة)): وقتُ أذكار الصباح: من طلوع الفجر إلى
أن تكون الشمس من ناحية المشرق كهيئتها من ناحية المغرب عند العصر ، ووقت
أذكار المساء : من بعد صلاة العصر إلى المغرب إلى أن يمضيَ ثلث الليل أو نصفه.
والله أعلم .
وقال ابن حجر في ((شرح المشكاة))؛ في الكلام على حديث عثمان ((مَا مِنْ عَبْدٍ
يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ ... )) الخ. قال (ثَمَّ)) في صباح ومساء، وحين
يصبح وحين يمسي أنَّه لو قال أثناء النهار ؛ أو الليل لا تحصلُ له تلك الفائدة ،
وعظيم بركة الذكر يقتضي الحصول . انتهى. ذكر جميعَ ذلك الشيخ العلامة
محمد بن علي بن عَلأَّن الصديقي في (( شرح الأذكار )) رحمه الله تعالى آمين .
٠٩
١٩٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَصَابَهُ غَمِّ أَوْ كَرْبٌ . . يَقُولُ :
ـو
((حَسْبِيَ الرَّبُّ مِنَ الْعِبَادِ، حَسْبِيَ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ، حَسْبِيَ
الرَّازِقُ مِنَ الْمَرْزُوقِينَ ، حَسْبِيَ الَّذِي هُوَ حَسْبِي، حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ
اَلْوَكِيلُ، حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَهَمَّهُ الأَمْرُ . . رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ
( وَ) أخرج أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب ((الفرج بعد الشدة))؛ من طريق
الخليل بن مرَّة الضبعي ؛ عن فقيه أهل الأردن بلاغاً ؛ أي قال :
بلغنا عن رسول الله وَ﴿ أَنَّه ( كَانَ وَّهِ إِذَا أَصَابَهُ غَمٌّ ) ؛ أي : حزن ، سُمِّي به !!
لأنه يغطّي السرور. (أَوْ كَرْبٌ) أي: هَمِّ ( يَقُولُ: ((حَسْبِيَ الرَّبُّ مِنَ العِبَادِ )
- أي: كافيني من شرِّهم - ( حَسْبِيَ الخَالِقُ مِنَ المَخْلُوْقِيْنَ، حَسْبِيَ الرَّازِقُ مِنَ
المَرْزُوْقِيْنَ ، حَسْبِيَ الَّذِيْ هُوَ حَسْبِيْ ... حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ أَلوَكِيْلُ) - أي : نعم مَن
يفوَّض له الأمر هو - ( حَسِيَ اللهُ؛ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ
العَظِيْمِ )) ) الذي ضمَّني إليه وقرَّبني منه، ووعدني بالجميل والرجوع إليه.
قال الحكيم : قد جعل الله في كلِّ موطن سبباً وعِدَة لقطع ما يحدث فيه من
النوائب ، فمن أعرض عن السبب والعدة ضرب عنه صفحاً ، ومن اغتنى بالله كافياً
وحسيباً وأعرض عما سواه ؛ وقال (( حسبي الله )) عند كل موطن ؛ ومن كلِّ أحد كفاه
الله، وكان عند ظنّه؛ إذ هو عبدٌ تعلَّق بربِّه ، ومن تعلَّق به لم يخيِّه ، وكان في تلك
المواطن محفوظاً ، فإذا ردَّد العبد هذه الكلماتِ بإخلاص عند الكرب نفعته نفعاً
عظيماً ، وكُنَّ له شفيعاً إلى الله تعالى في كفايته شرَّ الخلق ، ورزقه من حيث
لا يحتسب ، وكان الله بكل خير إليه أسرعَ . انتهى .
( وَ) أخرج الترمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسول الله (﴿ إِذَا أَهَمَّهُ الأَمْرُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ) ، لأنها قبلة
١٩٥

وَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ))، وَإِذَا أَجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ .. قَالَ: ((يَا
حَُ يَا قَثُّومُ )) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمَّ أَوْ غَمٌّ .. قَالَ: (( يَا حَيُّ
يَا قَيُّومُ ؛ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ )) .
الدعاء؛ (وَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ العَظِيْم))، وَإِذَا أَجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ قَالَ: (( يَا حَيُّ
يَا قَيُّوْمُ )) ) .
أخذ منه أنه الاسم الأعظم، والراجح أنه لفظ ((الله)). وعدم الاستجابة فوراً !
لنقصٍ في الدعاء . و((قيُّوم)) من أبنية المبالغة، ومعنى القيوم : القائم بمصالح
عباده .
وأخذ الحليمي من الخبر أنَّه يندب أن يدعوَ الله بأسمائه الحسنى ، قال :
ولا يدعوه بما لا يخلص ثناءً ؛ وإن كان في نفسه حقاً .
( وَ) أخرج الحاكم في ((المستدرك)) في ((الدعاء))؛ عن وضَّاح ؛ عن
النضر بن إسماعيل البجلي ؛ عن عبد الرحمن بن إسحاق ؛ عن القاسم بن
عبد الرحمن ؛ عن أبيه ، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه - وقال الحاكم :
صحيحٌ . وردّه الذهبي ؛ بأن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه !! وعبد الرحمن ومَنْ
بعده ليسوا بحجة !!. انتهى. ذكره المناوي؛ على ((الجامع)) - قال:
( كَانَ) رسول الله (فِ﴿ إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمَّ أَوْ غَمٌّ ؛ قَالَ : ((يَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ ؛
بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيْثُ)) ) : أستعين وأستنصر ، يقال : أغاثه الله : أعانه ونصره ،
وأغاثه الله برحمته : كشف شدَّته .
وقد روى هذا الحديث الترمذيُّ ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه بلفظ :
إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ ؛ قَالَ: ((يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ ؛ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيْتُ)).
قال المناوي على ((الجامع)): في تأثير هذا الدعاء في دفع هذا الهمِّ والغمِّ
مناسبةٌ بديعة ، فإن صفة الحياة متضمِّنةٌ لجميع صفات الكمال ؛ مستلزمة لها ،
١٩٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ: ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ
الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ
رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ)» .
وصفة القيّوميّة متضمّنةٌ لجميع صفاتِ الأفعال . ولهذا قيل : إن الاسم الأعظم هو
((الحي القيوم))، والحياة التامَّة تضادُّ جميع الآلام والأجسام الجسمانية
والروحانية ، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم همٌّ ولا غمٌّ، ونقصان
الحياة يضرُّ بالأفعال وينافي القيومية . فكمالُ القيومية بكمال الحياة ، فالحيُّ المطلق
التامُ الحياة لا يفوتُه صفة كمال البنَّةَ . والقيُّوم لا يتعذَّر عليه فعلُ ممكن البتة ،
فالتوسُّل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضادُّ الحياة ويغيِّرِ الأفعال ؛
فاستبان أن لاسم ((الحيِّ القيُّم)) تأثيراً خاصّاً في كشف الكرب وإجابة الدعاء .
انتھی .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والشيخان ، والترمذي، وابن ماجه ؛ كلهم في
( الدعوات ) ؛ عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال :
( كَانَ) رسول الله (وَ ﴿ يَدْعُوْ عِنْدَ أَلْكَرْبٍ) ؛ أي : عند حلوله يقول:
( ((لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ العَظِيْمُ) : الذي لا شيء يعظم عليه، ( أُلحَلِيْمُ): الذي يؤخِّر
العقوبة مع القدرة ، ( لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيْمُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ
السَّبْعِ وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيْمُ))) روي برفع ((العظيمُ)) و((الکریمُ))
على أنهما نعتان لـ ((ربّ))، والثابت في رواية الجمهور: الجرُّ نعت العرش.
قال المناوي في ((شرح الجامع)): هذا دعاء جليل ينبغي الاعتناء به ، والإكثارُ
منه عند العظائم ؛ فيه التهليل المشتمل على التوحيد ، وهو أصل التنزيهات
الجلالية ، والعظمة الدالّة على تمام القدرة ، والحلم الداُّ على العلم ، إذ الجاهل
لا يتصوَّر منه حلمٌ ولا كَرَم ، وهما أصلُ الأوصاف الإِكرامية .
قال الإمام ابن جرير : كان السلف يدعون به ويستُّونه (( دعاء الكرب ))؛ وهو ؛
١٩٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَاعَهُ شَيْءٌ .. قَالَ: ((اللهُ .. اَلْهُ
رَبِّي لاَ شَرِيكَ لَهُ » .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَمْراً .. قَالَ: ((اللَّهُمَّ ؛ خِرْلِي
وَأَخْتَرْ لِي)).
وإن كان ذكراً! لكنه بمنزلة الدعاء، لخبر: (( مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ
أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلَ ».
فائدة : قال ابن بَطَّال ؛ عن أبي بكر الرازي : كنت بإصبهان عند أبي نعيم ،
وهناك شيخ يسمى (( أبا بكر)) عليه مدار الفتيا ، فسُعي به عند السلطان فسجن ،
فرأيت المصطفى وَ﴿ في المنام وجبريلُ عن يمينه؛ يحرِّكُ شفتيه بالتسبيح لا يفترُ ،
فقال لي المصطفى والتر: قل لأبي بكر يدعو بـ (( دعاء الكرب)) الذي في ((صحيح
البخاري )) حتى يفرِّجَ الله عنه ، فأصحبتُ فأخبرته ، فدعا به ؛ فلم يكن إلاَّ قليلاً
حتى أُخرج . والمدارُ على صدق النية . انتهى .
( وَ) أخرج النسائي - بسند حسن ؛ كما في العزيزي ، لكن قال المناوي: فيه
سهل بن هاشم الشامي؛ قال في (( الميزان )) عن الأزدي : منكر الحديث ، ثم ساق
له هذا الخبر ، وقال أبو داود : هو فوق الثقة لكن يخطىء في الأحاديث . انتهى
- عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسولُ الله (ِّ﴿ إِذَا رَاعَهُ شَيْءٌ) من الرَّوْع : الفزع والخوف ، أي : إذا
أفزعه شيء؛ ( قَالَ ((اللهُ ... اللهُ؛ رَبِّي لاَ شَرِيْكَ لَهُ))) أي: لا مشارك له في
ملكه ، وهذا تعليمٌ للأمّة ، فيسنُّ قول ذلك عند الفزع والخوف .
( وَ) أخرج الترمذي - بسند ضعيف ؛ كما قال ابن حجر والنووي - عن أبي بكر
الصِّديق رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (وَ﴿ إِذَا أَرَادَ أَمْراً) ؛ أَي :
فِعْلَ أمرٍ من الأمور ؛
( قَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ خِرْ لِي) - أي: فوَّضتُ أمري إليك أن تختار لي ما فيه
خيرٌ، وتدفع عني ما فيه شرٌّ - ( (( وَأَخْتَرَ لِي))) . أصلح الأمرين واجعل لي الخيرةَ
١٩٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ .. فَوَّضَ الأَمْرَ فِيهِ
إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَتَبَرَّأَ مِنَ الْحَوْلِ وَأَلْقُرَّةِ، وَسَأَلَهُ الْهُدَى وَأَتِّبَاعَهُ ،
وَسَأَلَهُ الْبُعْدَ عَنِ الضَّلَاَلَةِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ أَمْرٌ
يُسَرُّ بِهِ .. خَرَّ سَاجِداً شُكْراً للهِ تَعَالَى.
فيه ؛ أي : إذا كان الأمران خيراً فاختر لي الأكثر خيراً منهما ، فالخيرات كلُّها من
خيرته ، والصفوة من الخيرات مختارهُ ، فلا تكرار .
( وَ) في ((كشف الغمة)) للعارف الشعراني رحمه الله تعالى:
( كَانَ بَّهِ إِذَا نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ) أي: هجم عليه حزن أو همٍّ؛ ( فَوَّضَ الأَمْرَ فِيْهِ إِلَى
اللهِ عَزَّ وَجَلَّ) ؛ أي : ردَّه إليه وجعله الحاكمَ فيه، ( وَتَبَرَّأَ مِنَ الحَوْلِ وَأَلْقُوَّةِ ) إلى
حول الله وقوَّته، ( وَسَأَلَهُ الهُدَى ) إلى الصراط المستقيم ؛ صراط الذين أنعم الله
عليهم ( وَأَتِّبَاعَهُ)، وأطلق ((الهدى)) !! ليتناول كلَّ ما ينبغي أن يُهدى إليه من أمر
المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق ، (وَسَأَلَهُ أَلْبُعْدَ عَنِ الضَّلَاَلَةِ ) أي : الهلاك بعدم
التوفيق للرشاد ، وهذا تشريعٌ وتعليمٌ للأمّة ما ينفعها .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في آخر ((الجهاد)) - وقال: حسن غريب؛ لا يعرف إلاَّ
من هذا الوجه - وأبو داود، وابن ماجه ، والحاكم في (( الصلاة))؛ كلُّهم من حديث
بكَّار بن عبد العزيز بن أبي بَكْرة ؛ عن أبيه ؛ عن جدِّه : أبي بكرة رضي الله تعالى
عنه - قال الحاكم : وبگّار صدوقٌ ، وللخبر شواهد . وقال عبد الحق : فيه بکار ؛
وليس بقويٌّ . وقال ابن القطَّان : لكنه مشهورٌ مستور، وقد عُهِد قبولُ المستورين .
انتهى مناوي على ((الجامع)). وقال العزيزي: إنَّه حديث حسن لغيره، - قال:
( كَانَ) رسول الله (وَ إِذَا جَاءَهُ) - لفظ رواية الحاكم: ((إِذَا أَتَاهُ)) - ( أَمْرٌ )
أي : أمر عظيم كما يفيده التنكير ( يُسَرُّ بِهِ ) أي : بغتة ، فلا يسنُّ سجود الشكر لكلِّ
نعمة كدوام العافية والجاه ، وإلاَّ! لزم استغراق العمر في سجود الشكر . وقوله
(خَرَّ سَاجِدَاً شُكْراً لِلّهِ تَعَالَى ) ؛ أي : سقط على الفور هاوياً إلى إيقاع سجدة الشكر
الله تعالى ؛ على ما أحدث له من السرور ، فسجدةُ الشكر سنّةٌ عند حدوث نعمة ،
وكذا عند اندفاع نقمة ، والسجود أقصى حالة العبد في التواضع لرَبّه ؛ وهو : أن
١٩٩

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ .. قَالَ: ((بِأَسْمِ اللهِ،
التُّكْلاَنُ عَلَى اللهِ ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ)). رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ....
يضع مکارم وجهه بالأرض ، وینگِّس جوارحه . وهكذا یلیقُ بالمؤمن كلَّما زاده ربُّه
محبوباً ازداد له تذلّلاً وافتقاراً ، فبه ترتبط النعمة ويجتلب المزيد ﴿ لَيِنِ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [٧/ إبراهيم] .
والمصطفىُ وَّ﴿ أشكرُ الخلق للحقِّ لعُظْم يقينه ؛ فكان يفزع إلى السجود .
وفيه ١ - حُجَّة للشافعي في ندب سجود الشكر عند حدوث سرور ؛ أو دفع بلية.
٢ - وردّ على أبي حنيفة في عدم ندبه. وقوله ((لو أُلزم العبد بالسجود لكلِّ نعمة
متجدِّدة كان عليه أن لا يغفل عن السجود طرفة عين ، فإنَّ أعظم النعم نعمةُ الحياة ؛
وهي متجدِّدة بتجدُّد الأنفاس )» .
ورُدَّ بأن المراد سرورٌ يحصل عند هجوم نعمة ينتظر أن يفجأَ بها مما يندر
وقوعه ، ومِن ثَمَّ قَيَّدَها في الحديث بالمجيء على الاستعارة ؛ قاله المناوي على
( الجامع ) رحمه الله تعالى .
( وَكَانَ) رسول الله (بِ﴿ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ ؛ قَالَ: ((بِأَسْمِ اللهِ ) أي : أعتصم ،
زاد الغزالي في «الإحياء)): ((الرَّحْمُنِ الرَّحِيْمِ))، (التُّكْلاَنُ) - بضم التاء :
الاعتماد - ( عَلَى اللهِ، لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ)) ) ؛ أي : لا تحوّل لنا عن
المعصية ، ولا قوّة لنا على الطاعة إلاَّ بتيسيرِ الله وإِقداره .
قال الحفني على ((الجامع)): وقد ورد أنَّ الشخص إذا خرج إلى السفر ؛ فقال
أوَّلَ توجُّهه : ((بسمِ اللهِ الرَّحمْنِ الرَّحِيْمِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ » ، وقرأ آية الكرسي ؛ كان
محفوظاً في سفره إلى أن يرجع إلى محلُّه .
وإنَّما أُمر الشخص بقول ذلك عند الخروج من منزله !! لأن مخالطة الناس ربَّما
توقع فیما لا يليق . انتهى .
وهذا الحديث ( رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ) : عبد الرحمن بن صخر اليماني الدَّوسي
٢٠٠