Indexed OCR Text

Pages 141-160

وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ عُمَيْرَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ هِيَ وَأَخَوَاتُهَا يُبَايِعْنَهُ - وَهُنَّ
خَمْسٌ - فَوَجَدْنَهُ يَأْكُلُ قَدِيداً، فَمَضَخَ لَهُنَّ قَدِيدَةً فَمَضَغْنَهَا ، كُلُّ
وَاحِدَةٍ قِطْعَةً، فَلَقِينَ اللهَ وَمَا وُجِدَ لِأَفْوَاهِهِنَّ خُلُوفٌ . رَوَاهُ
الطََّرَانِيُّ . وَ( الْخُلُوفُ): تَغَيُّرُ رَائِحَةٍ فَمِ الصَّائِمِ .
وَمَسَحَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ بَعْدَ أَنْ نَفَثَ فِيهَا مِنْ رِيقِهِ
عَلَى ظَهْرِ عُتْبَةَ .
( وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ عُمَيْرَةُ بِنْتُ مَسْعُوْدٍ ) الأَنصاريَّةُ (هِيَ وَأَخَوَاتُهَا يُبَابِعْنَهُ ؛ وَهُنَّ
خَمْسٌ؛ فَوَجَدْنَهُ يَأْكُلُ قَدِيْداً): لحماً مقدَّداً؛ أي : مجفَّفاً في الشمس ( فَمَضَغَ
لَهُنَّ قَدِيْدَةً فَمَضَغْتَهَا؛ كُلُّ واحِدَةٍ )، بدل من الفاعل في (( مضغنها)) ، وذلك بعد
أخذ عُمَيْرة لها من المصطفىُ ، ففي رواية عنها : فمضغَ لهُنَّ قديدةً ، ثم ناولني
القديدة فقسَمْتُها بينَهُنَّ، فمضغت كلُّ واحدة (قِطْعَةً فَلَقِيْنَ اللهَ) ؛ أي : مُتْنَ
( وَمَا وُجِدَ لِأَفْوَاهِهِنَّ خُلُوْفٌ) - بضم الخاء -: تغير ريح.
( رَوَاهُ الطََّرَانيُّ) ، وأبو نعيم ، وأبو موسى في ((الصحابة )) ، وفي روايتهما:
فلقينَ اللهَ ما وَجَدْن في أفواههن خُلوفاً ولا اشتكين من أفواههن شيئاً . ( والخُلُوْفُ )
بضم الخاء المعجمة (: تَغَيُّرُ رَائِحَةٍ ) الفمِ . وهذا هو المشهورُ الذي صَرَّح به أَئمة
اللغة، ومنه الحديث: ((لَخُلُوفُ (فَمِ الصَّائِمِ ) أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيْحِ أَلْمِسْكِ )) .
وحكى بعض الفقهاء والمحدِّثين فتحَ الخاء ، واقتصر عليه الدَّمِيْري في (( شرح
المنهاج))، وأظنُّهُ غَلَطاً؛ كما صرَّح به جماعة !!. وقال آخرون: الفتح لغةٌ
رديئة. والله أعلم. انتهى ((شرح القاموس)).
(وَمَسَحَ لَّهِ بِيَدِهِ الشَّرِيْفَةِ بَعْدَ أَنْ نَفَثَ) : تفل (فِيْهَا مِنْ رِيْقِهِ عَلَى ظَهْرٍ ) وبطن
( عُنْبَةَ ) بن فرقد بن يربوع السُّلمي ، صحابيٌّ نزل الكوفة ومات بها ، وهو الذي فَتَح
الموصل زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما . وتقدَّمت ترجمته .
١٤١

- وَكَانَ بِهِ شَرِىّ - فَمَا كَانَ يُشَمُ أَطْيَبُ مِنْهُ رَائِحَةً . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وَأَعْطَى الْحَسَنَ لِسَانَهُ؛ وَكَانَ قَدِ اشْتَدَّ ظَمَؤُهُ ، فَمَصَّهُ حَتَّى
روِي .
وَرَوَى الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي (( الشِّفَا)) بِسَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
الْحَمْسَاءِ :
( وَكَانَ بِهِ شَرَىْ ): بُثُور صغارٌ حُمْر حَكَّاكَة مكربة ؛ تحدث دفعةً غالباً وتشتدُّ
ليلاً لبخارِ حارِّ يثور في البدن دفعة ؛ قاله في (( القاموس)».
( فمَا كَانَ يُشَمُّ أَطْيَبَ مِنْهُ رَائِحَةً. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ) في ((الكبير)) و((الصغير))؛
من طريق أمّ عاصم زوجة عتبة بن فرقد عنه ؛ قال : أخذني الشّرى على عهد رسول
الله ◌َّ؛ فأمرني فتجرَّدت فوضع يده على بطني وظهري ، فعَبَق الطيب من يومئذ .
قالت أمُّ عاصم : كنا عنده أربع نسوة فكُنَّا نجتهد في الطيب ؛ وما كان هو يمسُّ
الطيبَ ؛ وإِنَّه لأطيبُ ريحاً مِنَّاً .
( وَأَعْطَى الْحَسَنَ) بِنَ عليٍّ سِبْطَهُ وََّ ( لِسَانَهُ؛ وَكَانَ قَدِ أُشْتَدَّ ظَمَؤُهُ، فَمَضَّهُ
حَتَّى رَوِيَ ) - بفتح الراء وکسر الواو -: زال ظَمَؤُه . رواه ابن عساكر.
وروى الطبراني أنَّ أمرأة بذيئةَ اللسان جاءته وَلِّ؛ وهو يأكل قديداً ، فقالت :
ألا تطعمني !! فناولها من بين يديه . فقالت : لا؛ إِلَّ الَّذي في فيك !!. فأخرجه
فأعطاه لها ؛ فأكلته ، فلم يُعلم منها بعدُ ما كانت عليه من البَذَاءة .
ولله درّ إمام العار فين سيّدي محمد وفاالشاذلي المالكي رحمه الله تعالى حيث يقول:
وَلَكِنَّهُ مَنْ لِي بِلَثْمٍ لِئَامِهِ
جَنَى النَّحْلِ فِي فِيْهِ ، وَفِيْهِ حَيَاتُنَا
إِذَا قَالَ فِي فَيْحِ بِطِيْبِ خِتَامِهِ
رَحِيْقُ الثَّنَايَا وَأَلْمَثَانِي تَنَفَّسَتْ
( وَرَوَى القَاضِيْ عِيَاضٌ فِي ((الشِّفَاءِ))) في ((فصل خُلُقه في الوفاء وحسن
العهد )) ( بِسَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الحَمْسَاءِ ) - بمهملتين بينهما ميم ساكنة فألف
١٤٢

قَالَ : بَايَعْتُ النَّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَيَقِيَتْ لَهُ
بَقِيَّةٌ ، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ ، فَنَسِيثٌّ، ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلاَثٍ،
فَجِئْتُ ، فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ . فَقَالَ: « يَا فَتَى؛ لَقَدْ شَقَفْتَ عَلَيَّ ، أَنَا
هُنَّا مُنْذُ ثَلاَثٍ أَنْتُظِرُكَ )) .
وَعَنْ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ،
ممدودة - العامريِّ الصحابي ، وقد روى حديثَه هذا أبو داود ، وهو من أفراده ،
وأخرجه أيضاً ابنُ منده في ((المعرفة))، والخرائطي في (( مكارم الأخلاق)).
( قَالَ ) ؛ أي: عبد الله (: بَايَعْتُ الشَِّيَّ ◌َّهِ بِبَيْعِ) ؛ أي: بعقد بيع ( قَبْلَ أَنْ
يُبْعَثَ ) بالرسالة ، (وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ)، إمّا من الثمن ؛ أو المثمَّن ، فإن البيع من
الأضداد ، ( فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا ) ؛ أي : البقية ( فِي مَكَّانِهِ ) الذي وقع فيه البيع ،
( فَسِيْتُ ) الوعدَ الذي جرى بيننا ، ( ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلاَثٍ ) ؛ أي : ثلاث ليال ، أو
ثلاثة أيام . ولم يُلحق التاء به !! لحذف المعدود . وإنما تلزم قاعدة العدد إذا ذكر
المعدود، ( فَجِئْتُ، فَإِذَا هُوَ فِي مَكَّانِهِ) - أي مستقرٌّ ◌َلّ في مكانه لم يفارقه -
(فَقَالَ: ((يَا فَتَى؛ لَقَدْ شَقَفْتَ عَلَيَّ !! ) - بتشديد الياء - ( أَنَا هُنَا مُنْذُ ثَلاَثٍ
أَنْتَظِرُكَ !! ))) وهذا دليلٌ على وفائه وَّر بعهده ووعده، وهو من جملة أخلاق جدِّه
النبي إسماعيل حيث قال تعالى في حقِّه ﴿ وَأَذَّكْرٌ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَُّ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾
[٥٤/ مريم] قال مجاهد: لم يَعِدْ شيئا إلاَّ وَفَّى به .
( وَ) أخرج البيهقيُّ بإسناد حَسَن ؛ كما في العزيزي ، لكن قال المناوي :
قضيةُ صنيع المصنف - يعني : السيوطي - أنَّ البيهقي خرَّجه وسكت عليه ، وهو
باطل ! فإنه خَرَّجه من حديث إسحاق بن إبراهيم الدبري ، عن عبد الرزاق ؛ عن
معمر ؛ عن أيوب ؛ عن ابن أبي مليكة ؛
(عَنْ عَائِشَةَ) ، وعن محمد بن أبي بكر ؛ عن أيوب ؛ عن إبراهيم بن مَيْسَرة ؛
عن عائشة ( أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ) .
١٤٣

قَالَتْ: كَانَ أَبْغَضَ الأَشْيَاءِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَذِبُ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَطَّلَعَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ
ثم عَقَّبه بما نصُّه : قال البخاري : هو مرسل - يعني بين إبراهيم بن ميسرة
وعائشة - ولا يصحُّ حديث ابن أبي مليكة ؛ قال البخاري : ما أعجبَ حديث معمر
عن غير الزهري ، فإنَّه لا يكاد يوجد فيه حديثٌ صحيح . انتهى .
فأفاد بذلك أنَّ فيه ضعفاً ؛ أو انقطاعاً . فاقتطاعُ المصنف - يعني السيوطي - لذلك
من كلامه وحذفُه : من سوء التصرُّف . وإسحاق الدبري يُستَبْعَدُ لُقِيُّهُ لعبد الرزاق !! كما
أشار إليه ابن عدي، وأورده الذهبي في ((الضعفاء)). انتهى كلام المناوي.
( قَالَتْ) - أي: عائشة - (: كَانَ أَبْغَضَ الأشْيَاءِ) كذا في (( كنوز الحقائق)).
وفي ((الجامع الصغير)): كان أبغضُ الخُلُق (إِلَى رَسُوْلِ اللهِنَّهِ) ؛ أي: أبغض
أعمال الخلق إليه (: أُلكَذِبُ ) لكثرة ضرره وجموم(١) ما يترتَّب عليه من المفاسد
والفتن ، فهو إثم كلُّه إلا ما نُفِعَ به مسلم ، أو دُفِعَ بَه عن دِيْن ، ومِن ثَمَّ كان أشدَّ
الأشياء ضرراً ، ولهذا كان يزجر أصحابَه وأهل بيته عنه ، ويهجرُ على الكلمة من
الكذب المدَّةَ الطويلة . وذلك لأنَّه قد يبني عليه أموراً ربَّما ضَرَّت ببعض الناس .
وفي كلام الحكماء : إذا كَذَب السفير بطل التدبير . ولهذا لما علم الكفَّار أنَّه أبغض
الأشياء إليه نسبوه إليه ؛ فكذَّبوا بما جاءهم به من عند الله ليغيظوه بذلك ، لأنه يوقف
الناس عن قبول ما جاء به من الهدى ، ويُذهب فائدة الوحي .
وروي أنَّ حذيفة قال: يا رسول الله ؛ ما أشدُّ ما لقيتَ من قومك؟ قال: (( خَرَجْتُ
يَوْماً لأَدْعُوَهُمْ إِلَى اللهِ، فَمَا لَقِيَتِي أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّ وَكَذَّبَنِي)). انتهى ((مناوي)).
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، والحاكم بإسناد صحيح - كما في العزيزي - عن
عائشة رضي الله تعالى عنها ؛ قالت : ( كَانَ) رسول الله (وَّةِ إِذَا أَطَّلَعَ عَلَىْ أَحَدٍ مِنْ
(١) هي بمعنى ( العموم) مع الوفرة والكثرة .
١٤٤

أَهْلِ بَيْتِهِ كَذَبَ كَذْبَةً .. لَمْ يَزَلْ مُعْرِضاً عَنْهُ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةٌ .
أَهْلِ بَيَّتِهِ ) ، أي: من عياله وخدمه ( كَذَبَ كَذْبَةً ) واحدة - بفتح الكاف وكسرها
والذال ساكنة فيهما ــ ( لَمْ يَزَلْ مُعْرِضاً عَنْهُ ) ؛ إظهاراً لكراهته الكذب ، وتأديباً له ،
وزجراً عن العود لمثلها ( حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً ) من تلك الكذبة الواحدة التي كَذَبها ،
وذلك لشدَّة بغضِه ◌َ﴿ الكذب ، لما يترتَّب عليه من المفاسد، وإن كان نحوُ الزِّنا
أشد منه .
وفي رواية البزار: ما كان خُلُقٌ أَبغضَ إلى رسول الله وَّر من الكذب! ولقد كان
الرجل يكذب عنده الكذبة فما يزال في نفسه حتَّى يعلم أنَّه أحدث منها توبة .
وقُبْحُ الكذبِ مشهورٌ معروف ، إذ تركُ الفواحش بتركه ، وفعلُها بفعله فموضعه
من القبح كموضع الصدق من الحسن ، ولهذا أجمع على حرمته إِلاَّ لضرورة ؛ أو
مصلحة .
قال الغزالي : وهو من أمَّهات الكبائر . قال : وإذا عُرف الإنسان بالكذب ؛
سقطت الثقة بقوله ، وازدرته العيون ، واحتقرته النفوس . وإذا أردت أن تعرف قبح
الكذب ؛ فانظر إلى قبح كذبٍ غيرك ، ونفور نفسك عنه ، واستحقارك لصاحبه ،
واستقباحك ما جاء به . قال : ومِن الكذب الذي لا إثم فيه ما اعتيد في المبالغة
كـ ((جئت ألف مرَّة)) فلا يأثم؛ وإن لم يبلغ ألفاً .
قال : ومما يعتاد الكذب فيه ويُتَساهل فيه أن يقال ((كُلِ الطعام)) فيقول
(( لا أشتهيه)). وذلك منهيٌّ عنه . وهو حرام ؛ إن لم يكن فيه غرض صحيح.
وقال الراغب : الكذب عارٌ لازم ، وذلٌّ دائم ، وحُّ الإنسان أن يتعوَّد
الصدق ، ولا يترخَّص في أدنى الكذب ، فمن استحلاه عَسُر عليه فِطامه .
وقال بعض الحكماء : كلُّ ذنب يرجى تركُه بتوبة إلاَّ الكذب ، فكم رأينا شاربَ
خمر أَقلع ، ولِصّاً نزع ؛ ولم نَرَ كذَّابا رجع .
وعُوتب كذَّاب في كذبه ؛ فقال : لو تغرغرتَ به وتطعَّمت حلاوته ما صبرتَ
عنه طرفةَ عين. ذكره المناوي في شرح ((الجامع الصغير)).
١٤٥

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ .. لَمْ يَسْتَقْبِلِ أَلْبَابَ
مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ أَوِ الأَيْسَرِ، وَيَقُولُ :
((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ . . السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ)) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ أَلْفَيْءُ .. قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ ،
فَأَعْطَىْ أَلَآَهِلَ حَظَّيْنِ ، وَأَعْطَىْ أَلْعَزَّبَ حَظّاً .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود في ((الأدب)) بسند حسن - كما في
العزيزي - عن عبد الله بن بُسر - بضم الموحدة وسين مهملة ساكنة - رضي الله تعالى
عنه قال :
( كَانَ) رسول الله (َِّ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْم ) لنحو عيادة ؛ أو زيارة ؛ أو غير ذلك
من المصالح ( لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ ) كراهةَ أن يقع النظر على ما لا يرادُ
كَشْفُه مما هو داخل البيت، لأن الدُّور يومئذ لم تكن عليها ستورٌ كالآن، ( وَلْكِنْ )
يستقبله ( مِنْ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ ؛ أَوِ الأَيْسَرِ ) ، فكان يجعل وجهه جهة یمین الباب ؛ أو
شماله، (وَيَقُوْلُ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .. السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)) ) أي: يكرِّرُ ذلك ثلاثاً ،
أو مرّتين عن يمينه وشماله .
( وَ) أخرج أبو داود في ((الخراج)) وسكت عليه، والحاكم في ((المستدرك))
كلاهُما؛ عن عوف بن مالك قال : ( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذا أَتَاهُ أُلفَيْءُ)
- بالهمز ؛ ولا يجوز الإبدال والإدغام - والمراد به هنا ما يشمل خَرَاج الأرض ،
وما أُخذ من الكفار بلا قتال . وتخصيصُه بالثاني عرفُ الفقهاء .
( قَسَمَهُ) بين مستحقُّه ( فِي يَوْمِهِ ) ، أي : في اليوم الذي يصل إليه فيه ،
(فَأَعْطَىْ أَلآهِلَ ) - بالمد ؛ أي - الذي له أهل زوجة، أو زوجات ( حَظَّيْنِ ) - بفتح
الحاء ؛ أي : نصيبين - نصيباً له ، ونصيبا لزوجته أو زوجاته ؛ لأنه أكثر حاجة ،
( وَأَعْطَىْ العَزَبَ) الذي لا زوجةَ له - وهو أفصحُ من لغة ((الأعزب)) الواقعة في
بعض الأحاديث - ( حَظّاً ) واحداً .
١٤٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِالسَّبِي .. أَعْطَىْ أَهْلَ الْبَيْتِ
جَمِيعاً ؛ كَرَاهِيَّةَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا أَتَهُ رَجُلٌ فَرَأَىْ فِي وَجْهِهِ بِشْراً ..
أَخَذَ بِّدِهِ .
ويؤخَذُ من التعليل ما عليه الشافعية من أنَّ كلَّ واحد يُعطى قدرَ كفايته و کفایة مَن
يمون ، من ولدٍ وزوجة وعبد. وخَصُّوا ذلك بمن أُرصد للقتال .
وفيه مبادرةُ الإمام إلى القسمة ليصل كلُّ واحد إلى حقِّه ، ولا يجوز التأخيرُ إلاَّ
لعذر. قاله العزيزي على (( الجامع)).
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، وابن ماجه بسند صحيح ؛ عن ابن مسعود رضي الله
تعالى عنه قال : ( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا أُتِيَ) - بالبناء للمفعول - ( بالسَّنْي ) :
النهب عبيدٌ، وإِماء ( أَعْطَىْ أَهْلَ البَيْتِ ) المَسْبِيِّين الآباء والأُمهات والأولاد ،
والمراد أعطى الأقارب الذين سُبُوا ( جَمِيْعاً ) لمن شاء؛ ( كَرَاهِيَةً أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ )
يعني : أنه إذا كان في السبي أمرأةٌ وابنُها ، أو رجل وابنه ، أو أختٌ وأختها ، أو أخ
وأخوه ؛ لا يعطي المرأة لشخص وابنَها لآخر ، ولا الأب لشخص وابنه لآخر ،
ولا الأخ لشخص وأخاه لآخر ، بل يعطي الاثنين لشخص واحد ؛ كراهة التفريق
بينهما ، لما جُبل عليه من الرأفة والرحمة .
فاستفدنا من فعله أَنَّه يسُّ للإمام ؛ ولكلٍّ مَنْ ولي أمرَ السبي أن يجمع عليهم
ولا يفرقهم ؛ لأنه أدعى إلى إسلامهم ، وأقرب إلى الرحمة والإحسان بهم .
( وَ) أخرج ابن سعد في ((الطبقات))؛ عن عكرمة مولى ابن عبّاس مرسلاً قال:
( كَانَ ) رسول الله (نَّهِ إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ ) أي: متى قدم عليه رجل من أيِّ محلٌّ ( فَرَأَىْ
فِي وَجْهِهِ بِشْراً) - بكسر الباء وسكون الشين المعجمة - أي : طلاقة وجه وأمارة
سرور ( أَخَذَ بِيَدِهِ ) إيناساً له وتودُّداً ليعرفَ ما عنده من الأخبار الحسنة ؛ مما يسرُّه
من نصرة الدين ، وقيام شعار الإسلام ، وتأييد المؤمنين . قال ابن العربي : الأخذ
باليد نوعٌ من التودُّد والمعروف؛ كالمصافحة . انتهى ((مناوي)).
١٤٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَ بِأَلِاِسْمِ الْقَبِيحِ .. حَوَّلَهُ إِلَى مَا
هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَفَاءَلُ وَلاَ يَتَطَيَُّ .
.
( وَ) أخرج ابن سعد في ((الطبقات))؛ عن عروة بن الزبير مرسلاً - وفي
العزيزي: إنه حديث صحيح - قال ( كَانَ) النبيُّ (الَِّ إِذَا سَمِعَ بِالاسْمِ القَبِيْحِ حَوَّلَهُ
إِلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ)، فمن ذلك تبديله ((عاصية)» بـ ((جميلة))، والعاصي بن
الأسود بـ ((مطيع))، لأن الطباع السليمة تنفرُ عن القبيح، وتميل إلى الحسن
المليح ، وكان المصطفى يتفاءَل ولا يتطيّرُ .
قال القرطبي : وهذه سنَّة ينبغي الاقتداءُ به فيها . وفي أبي داود : كانٍ لا يتطيّر
وإذا بعث غلاماً سأله عن اسمه ، فإذا أعجبه اسمه فَرِح ؛ وَرُنِيَ بشرُه في وجهه ، فإن
کرِه اسمه رُئِيَ کراهته في وجهه .
قال القرطبي : ومن الأسماء ما غيَّره وصرفه عن مسمَّاه ، لكن مَنَع منه ؛ حماية
واحتراماً لأسماء الله وصفاته عن أن يُسمَّى بها، فقد غيَّر اسم (( حَكَم)) و(( عزيز))؛
كما رواه أبو داود ، لما فيها من التشبه بأسماء الله تعالى . ذكره المناوي .
قال: وقد روي هذا الحديث بنحوه بزيادة الطبراني في ((الصغير))؛ عن عائشة
رضي الله تعالى عنها بسند ؛ قال الحافظ الهيثمي : رجاله رجال الصحيح ، ولفظه :
كان إذا سمع اسماً قبيحاً غيَّرَه، فمَرَّ على قرية يقال لها ((عفرة)) فسماها ((خضرة)).
هذا لفظه . انتهى .
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، والطبراني - بسند قال الحافظ الهيثمي: فيه ليث بن
أسلم ، وهو ضعيف بغير كذب ــ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال :
( كَانَ) رسول الله (ِّهِ يَتَفَاءَلُ) - بالهمز - أي: إذا سمع كلمة حسنة تأوَّلها
على معنىّ يوافقها ( وَلاَ يَتَطَيَّرُ ) ؛ أي : لا يتشاءم بشيء كما كانت الجاهلية تفعله
من تفريق الطير من أماكنها ، فإن ذهبتْ إلى الشمال تشاءموا ، وذلك لأن مَن تفاءل
فقد فهم خيراً ؛ وإن غلط في جهة الرجاء ، ومن تطيّر ؛ فقد أساء الظنَّ بربِّه ، ولله
درّ مَن قال :
١٤٨

وَكَانَ يُحِبُّ الِاِسْمَ الْحَسَنَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا وَجَدَ الرَّجُلَ رَاقِداً عَلَى وَجْهِهِ لَيْسَ
عَلَى عُجَزِهِ شَيْءٌ .. رَكَضَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: ((هِيَ أَبْغَضُ الرَّقْدَةِ
إِلَى اللهِ تَعَالَى ».
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءِ ،
وَكَانَ لاَ يَعْتَافُ إِلاَّ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ الفَأْلُ إذا عَنَّ لَهُ
( وَكَانَ يُحِبُّ أَلَاسْمَ الحَسَنَ ) ، وليس هو من معاني التطير ، بل هو كراهة
الكلمة القبيحة نفسها ؛ لا لخوف شيء وراءَها ، كرجل سمع لفظ ((خَنَا)) فكرهه ،
وإن لم يخف على نفسه منه شيئاً ؛ ذكره الحليمي .
( وَ) أخرج الإمام أحمد - بسند رجاله رجال الصحيح ؛ كما قال الحافظ
الهيثمي - عن الشَّريد بن سويد رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا وَجَدَ الرَّجُلَ) - الظاهرُ أن الرجل وصف طردي ، وأن
المرادَ الإنسان؛ ولو أنثى، إذ هي أحُّ بالستر ؛ قاله المناوي - (رَاقِداً عَلَى وَجْهِهِ ) ؛
أي : منبطحاً ( لَيْسَ عَلَى عُجْزِهِ) - بفتح العين وضمِّها ، ومع كلِّ فتحُ الجيم وسكونُها ،
والأفصحُ كِرَجُل؛ وهو مِن كلِّ شيء: مؤخّره - ( شَيْءٌ) يستره من نحو ثوب .
وظاهره أن كراهةَ هذه الرِّقدة من حيث كشفُ العورة ؛ وإن كانت مكروهةً من
حيثُ الهيئةُ أيضاً ؛ كما ثبت في غير هذا الحديث ، وأشار له في هذا الحديث بقوله
((الرِّقدة)) أي : الهيئة.
( رَكَضَهُ) - بالتحريك -؛ أي ضربه ( بِرِجْلِهِ) ليقوم، ( وَقَالَ: هِيَ أَبْغَضُ
الرِّقْدَةٍ) - بكسر الراء - ( إِلَى اللهِ تَعَالَى) . ومِن ثَمَّ قيل : إنَّها نومُ الشياطين .
( وَ) أخرج الإمام أحمد، والطبراني في ((الأوسط ))، وابن حبَّان: كلُّهم ؛
من حديث حفص بن عمر ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه - وقد ذكره ابن أبي حاتم
وروى عنه جمعٌ ، وبقية رجاله رجال الصحيح ؛ كما قال الحافظ الهيثمي -
( كَانَ) رسول الله (وَّرِ يَأْمُرُ بِآلبَاهِ ) - يعني: النكاح - وهل المرادُ هنا العقدُ
١٤٩

وَيَنْهَى عَنِ الثَُّّلِ نَهْياً شَدِيداً؛ أَيْ: يَأْمُرُ بِالَّرَؤُّجِ وَيَنْهَى عَنْ تَرْكِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ مَنْ أَسْلَمَ أَنْ يَخْتَتِنَ ، وَإِنْ كَانَ آبْنَ
ثَمَانِينَ سَنَةٌ .
الشرعي ؛ أو الوطء !! فيه احتمالان . قال المناوي : والصواب أن المراد الوطءُ
لتصريح الأخبار بأن حثَّه على التزوج لتكثيرِ أُمَّته . وذا لا يحصل بمجرَّد العقد .
( وَيَنْهَى عَنِ التَّتُلِ ) ؛ أي : رفض الرجل للنساء ؛ وتركِ التلذُّذ بهنَّ،
وعكسه ، فليس المراد هنا مطلق التبتل الذي هو ترك الشهوات ، والانقطاع إلى
العبادة ، بل تبثُّلُ خاصٌّ ، وهو انقطاع الرجال عن النساء ؛ وعكسه .
قال الحفني : فينبغي للشخص أن يجامع زوجاتِه مادام فيه قوَّة لأجل التناسل .
وما ورد أنَّ السيدةَ مريم تسمَّى ((البتول))، وكذا السيدة فاطمة !!
فالمرادُ أنَّ لهما نوعَ انقطاع للعبادة ؛ لا الإعراضُ عن الشهوة بالكلية ، فالسيدة
فاطمة لم تترك الشهوة بالمرّة ، وإلاَّ! لم يحصل لها نسل ، بل المرادُ أنَّها ليست
ملتفتة لذلك كغيرها من النساء ؛ لاشتغالها بمولاها . انتهى .
( نَهْياً شَدِيْداً) تمامه عند الإمام أحمد : وَيَقُولُ: ((تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الوَلُودَ ،
فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ )) . وكان التبتُّل من شريعة النصارى فنهى عنه
أُمَّته . انتهى مناوي؛ على (( الجامع)).
( أَيْ: يَأْمُرُ بِالتَّزَوُجِ وَيَنْهَى عَنْ تَرْكِهِ ) . والمرادُ مِن التزوُجِ الوطءُ المؤدِّي
لتکثیر النسل ۔ کما تقدَّم - .
( وَ) أخرج الطبراني في ((الكبير )) بإسناد حسن - كما في العزيزي - عن قتادة بن
عياض الرُّهَاوي - بضم الراء وخفة الهاء - قال :
( كَانَ) رسول الله (وَلّهِ يَأْمُرُ مَنْ أَسْلَمَ) من الرجال (أَنْ يَخْتَتِنَ؛ وَإِنْ كَانَ ) قد
كَبِر وطعن في السن ، كما إذا كان ( أَبْنَ ثَمَانِيْنَ سَنَةً) ، فقد اختتن إبراهيم الخليل
بالقَدُوم ؛ وهو ابن ثمانين سنة .
١٥٠

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَمِّرُ اَلْخَيْلَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ .
قَالَ الْعَزِيزِيُّ : فَسَّرَهُ فِي بَعْضٍ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ
( وَ) أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله
تعالى عنهما قال: ( كَانَ بِّهِ يُضْمِرُ) - قال الحفني: من ((أضمر))، ويصحُّ أن
يُقرأ من ((ضَمر)) من باب ((دَخَل)) انتهى - ( الخَيْلَ). قال المناوي على
(( الجامع)) : أراد بالإضمار: التضمير؛ وهو: أن يعلف الفرس حتى يسمن ثم يردّه
إلى القِلَّة ليشتدَّ لحمه. كذا ذكره جَمْعٌ، لكن في ((شرح الترمذي)» للزين العراقي: هو
أن يقلِّل علف الفرس مدَّة ويدخل بَيْتاً كِناً، ويجلَّل ليعرَق ويجفَّ عرقُه ؛ فيخففَّ
لحمُه ؛ فيقوى على الجري ، قال : وهو جائز اتفاقاً ، الأحاديث الواردة فيه .
( وَ) أَخرج الإمام أحمد ، ومسلم ، وأصحاب السنن ؛ عن أبي هريرة رضي
الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسول الله (ِِّ يَكْرَهُ الشِّكَالَ) لأنه يدلُّ على عدم جَوْدة الفرس، إلاَّ
إذا كان أَغرّ ، أي : له بياضٌ في جبهته . فإنَّه حينئذ لا يكون الشَّكَل فيه دليلاً على
عدم جَوْدَته .
وقال القرطبي : يحتمل أن يكون كَرِه اسم الشِّكال من جهة اللفظ ، لأنَّه يشعر
بنقيض ما تراد له الخيل ، أو لكونه يشبه الصليب ، بدليل أنَّه كان يكره الثوب الذي
فيه تصليب ، وليس هذا من الطّيَرة - كما حققه الحليمي -.
(مِنَ) - وفي رواية: (في )) - ( أُلخَيْلِ .
قَالَ ) العلاَّمةُ الشيخ علي بن أحمد بن محمد (العَزِيْزِيُّ) الشافعي المتوفى سنة:
سبعين وألف هجرية - وتقدَّمت ترجمته في أَوَّل الكتاب - في كتابه (( السراج المنير
شرح الجامع الصغير)) : (فَشَرَهُ) - أي : الشكال - ( فِي بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيْثِ عِنْدَ
١٥١

مُسْلِمٍ : بِأَنْ يَكُونَ فِي رِجْلِهِ اَلْيُعْنَى وَفِي بَدِهِ اَلْيُسْرَىُ بَيَاضٌ ، أَوْ فِي
يَدِهِ اَلْيُمْنَى وَرِجْلِهِ اَلْيُسْرَى.
وَكَرَّهَهُ لِكَوْنِهِ كَالْمَشْكُولِ، لاَ يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ. وَقِيلَ : يَحْتَمِلُ
أَنْ يَكُونَ جُرِّبَ ذَلِكَ الْجِنْسُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَجَابَةٌ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِذَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ أَغَرَّ .. زَالَتِ الْكَرَاهَةُ .
مسْلِمٍ ؛ بِأَنْ يَكُوْنَ فِي رِجْلِهِ أُلْيُمْنَىْ) بياض ، (وَفِي يَدِهِ أُلْيُسْرَى بَيَاضٌ، أَوْ) يكون
البياض ( فِي يَدِهِ أَلْيُمْنَى وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى ) .
وقال الزمخشري : هو أن يكون ثلاث قوائم مُحَجَّةً وواحدة مطلقة ، أو
عكسه . شبه ذلك بالعِقَال ؛ فسُمِّي به . انتهى . ووراء ذلك أقوال عشرة مذكورةٌ في
المطوّلات .
( وَكَرَّهَهُ !! لِكَوْنِهِ كَالمَشْكُوْلِ، لاَ يَسْتَطِيْعُ المَشْيَ. وَقِيْلَ:) كَرَّهه لأنه
( يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُوْنَ جُرِّبَ ذَلِكَ الجِنْسُ ) الذي فيه الشكال ؛ (فَلَمْ يَكُنْ فِيْهِ نَجَابَةٌ ) .
والنجيب : الفاضلُ من كلِّ حَيَوان .
( وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) - كما حكاه في (( شرح مسلم)) للنووي وأقرَّه -: (إِذَا
كَانَ ) الفرس ( مَعَ ذَلِكَ ) الشِّكال ( أَغَرَّ ) - الغرَّةُ في الجبهة : بياض فوقَ الدرهم ،
وفرسٌ أَغرُّ، ومهرة غرَّاءُ؛ مثل: أحمر، وحمراء - ( زَالَتِ الكَرَاهَةُ) لزوال
الإشكال لكن توقَّف فيه الزين العراقي. انتهى مناوي على ((الجامع)).
( وَ) أخرج ابن ماجه؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه - قال المناوي: ورمز
السيوطي في (( الجامع)) لحسنه ، وليس كما قال ! فقد قال الزيلعي: حديث واهٍ .
وسأل عنه ابنُ أبي حاتم أباه ؛ فقال : هذا موضوع . وقال الحافظ ابن حجر : سنده
ضعيف جدّاً . انتهى. وكيفما كان؛ فكان الأَوْلى للمصنف حذفُه من الكتاب ؛
فضلاً عن رمزه لحُسْنه. انتهى. كلام المناوي على ((الجامع)) -.
١٥٢

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبُرَ .. سَلَّمَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ .. قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ)).
( كَانَ) رسول الله (بِّهِ إِذَا صَعِدَ أَلِمِنْبَرَ) للخطبة ([سَلَّمَ]). قال
العلقمي : يسنُّ للإمام السلامُ على الناس عند دخوله المسجد ؛ يسلّم على مَن
هناك ، وعلى مَنْ عند المنبر إذا انتهى إليه ، وإذا وصل أعلى المنبر وأقبل على الناس
بوجهه يسلِّمُ عليهم ، ولزم السامعين الردُّ عليه ، وهو فرض كفاية .
وسلامه بعد الصعود ؛ هو مذهبنا ومذهب الأكثرین ، وبه قال ابن عباس ، وابن
الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، والأوزاعي ، والإمام أحمد .
وقال مالك وأبو حنيفة : يكره . انتهى . ذكره العزيزي .
( وَ) في (( كنوز الحقائق)) للمناوي ؛ ورمز له برمز الطبراني:
( كَانَّهِ إِذَا خَطَبَ؛ قَالَ ((أَمَّا بَعْدُ)) ) وقد عقد البخاري في (( صحيحه ))
لذلك باباً؛ فقال: باب مَن قال في الخطبة بعد الثناء ((أما بعد )). رواه عكرمة؛
عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ عن النبي ◌َِّ، ثم ذكر بسنده إلى أسماء بنت
أبي بكر ، قالت : دخلتُ على عائشة والناس يصلُّون ، قلتُ : ما شأن الناس ؟
فأشارت برأسها إلى السماء . فقلت : آية !! وفيه ، فخطب الناس ؛ وحمد الله بما
هو أهله ثم قال : ((أَمَّا بَعْدُ)) ... الخ.
ثم ذكر البخاري بسنده إلى الحسن البصري ، عن عمرو بن تغلب أَنَّ رسول
الله وَلقر أتي بمال أو سبي فقسمه .. إلى أن قال: فحمد الله، ثم أثنى عليه ، ثم قال
(( أَمَّا بَعْدُ؛ فَوَ اللهِ إِنِّي لِأُعْطِي الرَّجُلَ ... الخ)).
ثم ذكر البخاريُّ بسنده إلى عروة بن الزبير أَنَّ عائشة رضي الله عنها أخبرتهُ أنَّ
رسول الله وَ﴿ خرج ذات ليلة من جوف الليل ؛ فصلَّى في المسجد ، فصلَّى رجال
بصلاته ... إلى أن قال: فلما قضى الفجرَ أقبل على الناس فتشهَّد، ثم قال: (( أَمَّا
بَعْدُ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ ... الخ)).
١٥٣

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ .. يَعْتَمِدُ عَلَى عَنَزَةٍ ؛ أَوْ
عَصاً . وَ(الْعَنَزَةُ): أَلْعَصَا الصَّغِيرَةُ.
ثم ذكر البخاريُّ بسنده ؛ عن عروة أيضاً ؛ عن أبي حُميد الساعدي أنَّه أخبره أنَّ
رسول الله وَ﴿ قام عشيّةً بعد الصلاة ؛ فتشهد ، وأثنى على الله بما هو أهله ، ثم
قال: ((أَمَّا بَعْدُ)) ... وفيه قصَّة ابنِ اللُّتْبِيَّةِ لمَّا استعمله على الصدقة.
ثم ذكر البخاريُّ بسنده ؛ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما ... إلى أن قال ((أَمّا
بَعْدُ؛ فَإِنَّ هُذَا الحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقِلُونَ وَيَكْثُرُ النَّاسُ ... الخ)).
فائدة: أفاد قطب الدين الحلبي في ((شرحه على البخاري)) أنَّ المواضعَ التي
ثبت فيها أن النبي وَ له قال: ((أَمَّا بَعد)) خَمْسٌ وَثَلاَثُونَ مَوْضِعاً . انتهى .
( وَ) أخرج الإمام الشافعيُّ في ((مسنده)) باب إيجاب الجمعة ؛ عن عطاء بن
أبي رباح مرسلاً - قال في العزيزي : وهو حديث صحيح -:
(كَانَ نَّهِ إِذَا خَطَبَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَنَزَةٍ) - بالتحريك: رمح صغير - ( أَوْ عَصاً ،
وَ) هو عطف عامّ على خاصِّ؛ إذ ( أُلعَنَزَةُ) - محركة؛ كقَصَبة -: ( أُلعَصَا
الصَّغِيْرَةُ ) ؛ في أسفلها زُجٌ - بالضم : أي : سِنان -. وعبَّر عنها بعُكَّازة في طرفها
سنان ، وبعضهم بحربة قصيرة .
وفي (( طبقات ابن سعد)) أنَّ النجاشي كان أهداها له ، وكان يصحبُها ليصلِّيَ
إليها في الفضاء ، أي : عند فقد السترة ، ويتَّقيَ بها كيد الأعداء ، ولهذا أنَّخذ
الأُمراء المشيَ أمامهم بها .
ومن فوائدها : اتقاء السباع ، ونبشُ الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خوفَ
الرشاش ، وتعليقُ الأمتعة بها ، والركزة عليها ... وغير ذلك.
قال ابن القيِّم : ولم يُحفظ عنه أنَّه توكّاً على سيف، وكثيرٌ من الجهلة يظُنّ أنه
كان يمسك السيف على المنبر ؛ إشارة إلى قيامِ الدِّين به ، وهو جهلٌ قبيح ، لأن
الوارد العصا والقوس ، ولأن الدِّين إنما قام بالوحي، وأمَّا السيف !! فلمحق
١٥٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَعُودُ مَرِيضاً إِلاَّ بَعْدَ ثَلاَثٍ.
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُضِيفُ الْخَصْمَ إِلَّ وَخَصْمُهُ مَعَهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِأَلْهَدِيَّةِ ؛ صِلَةً بَيْنَ النَّاسِ .
المشركين المعارضين للدعوة . والمدينة التي كانت خطبتهُ فيها إنَّما افتتحت
بالقرآن . انتهى مناوي على ((الجامع)).
( وَ) أخرج ابن ماجه؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه - وهو حديث
ضعيف - قال: ( كَانَ بِّهِ لاَ يَعُوْدُ مَرِيْضاً إِلَّ بَعْدَ ثَلاَثٍ )؛ من الأيّام ، تمضي من
أبتداء مرضه. قال المناوي في ((شرح الجامع)): قال في ((الميزان)): قال
أبو حاتم : هذا باطلٌ موضوع . وقال الدميري : الأحاديث الصحيحةُ تدلُّ بعمومها
على خلاف حديث الباب ، وقال الحفني : هذا حديث ضعيف ؛ وقيل : منكرٌ ؛
فلا يعمل به ، لأن الأحاديث الصحيحة مصرِّحةٌ بطلب العيادة قبل الثلاث وبعدها ،
ولو مِن رَمَدٍ - على المعتمد -. انتهى .
وقال الزركشي : هذا يعارضه أنَّه عاد زيد بن أرقم من رَمَد به قبلها ؛ أي : قبل
ثلاث. قال في (( شرح الإلمام)): وقع لبعض العوامٌ بأن الأرمد لا يعاد !! وقد
أخرج أبو داود أنَّه ◌َّ عاد زيد بن أرقم من وجع كان في عينيه. ورجاله ثقات .
قال العلقمي : وفي إطلاق الحديث - أي حديث البخاري: ((أَطْعِمُوا أَلجَائِعَ ،
وَعُودُوا المَرِيْضَ، وَفُكُوا العَانِيَ)) - أنَّ العيادة لا تتعيَّن بوقت دون وقت ، لكن
جرت بها العادة طرفي النهار. انتهى. ذكر جميعَ ذلك شُرَّحُ (( الجامع الصغير)).
( وَ) في ((كنوز الحقائق)): (كَانَ نََّ لاَ يُضِيْفُ الخَصْمَ إِلاَّ وَخَضْمُهُ مَعَهُ ) .
( وَ) أخرج البيهقي في ((شعب الإيمان))، والطبراني في ((الكبير))، وابن
عساكر بسند حسن - كما في العزيزي -؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ ) رسول الله (وَّرِ يَأْمُرُ) أصحابه (بِالهَدِيَّةِ) - يعني بالتهادي - (صِلَةً ) أي :
محبّة ( بَيْنَ النَّاسِ )، لأنها تذهب وَحَرَ الصدر ((تَهَادَوا تَحَابُّوا)) فالهديّة من أعظم
أسباب التَّحَابُب بينهم .
١٥٥

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِقَطْعِ الْمَرَاجِيحِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ : ( سبح اسم ربك
الأعلىُ ) .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ ،
•
( وَ) في (( كنوز الحقائق)) - ورمز له برمز الحكيم الترمذي - عن عائشة
رضي الله تعالى عنها قالت : (كَانَ بِّهِ يَأْمُرُ بِقَطْعِ المَرَاجِيْحِ ).
قال الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)): مَرْجَحٌ ومرجاح لغتان ، فمرجَح
جمعه: مَرَاجح، ومِزْجاح جمعه: مراجيح؛ كـ (( مفتح ومفاتح ، ومفتاح
ومفاتيح))؛ وهو لهو ولعب كان يفعله العَجَم في أيَّام النيروز ؛ تفرُّجاً وتلهِّياً عن
الغموم التي تراكمت على قلوبهم من رين الذنوب ، وكره لهم أن يتزيَّوا بزِيٍّ من
اشترى الحياة الدنيا بالآخرة ، فلا خلاق له هناك . انتهى كلام الحكيم الترمذي .
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، والبزار بسند ضعيف: كلاهما ؛ عن أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسول الله (بَّرِ يُحِبُّ هَذِهِ السُّوْرَةَ) سورة (﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى
أي : نزِّه اسم ربِّك عن أن يُبتذل، أو يُذكرَ إِلاَّ على جهة التعظيم .
قال الفخر الرازي : وكما يجب تنزيه ذاته عن النقائص ؛ يجب تنزيه الألفاظ
الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب. قاله المناوي؛ على ((الجامع)).
( وَ) أخرج أبو داود في (( سننه)) ؛
( كَانَ) رسول الله (بِّهِ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ)، كقوله: ((تَصَدَّقُوا، فَسَيَأْتِي
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ فَلاَ يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا )) . رواه البخاري ، ومسلم ؛ عن
حارثة بن وهب رضي الله عنه .
وكقوله : ((المَرْءُ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ ».
وكقوله: ((إِنَّقُوا النََّرَ ؛ وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ)).
١٥٦

وَيَنْهَى عَنِ الْمَسْأَلَةِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمُرُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ اللَّيْلَةَ فِي الأَمْرِ مِنْ
أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ .
وكقوله : (( يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ».
(وَيَنْهَى عَنِ المَسْأَلَةِ)، كقوله: ((لاَ تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئاً؛ وَلاَ سَوْطَكَ؛ وَإِنْ
سَقَطَ مِنْكَ حَتَّى تَنْزِلَ إِلَيْهِ فَتَأْخُذَهُ)) . رواه الإمام أحمد ؛ عن أبي ذر .
وكقوله: ((لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي المَسْأَلَةِ مَا مَشَىْ أَحَدٌ إِلى أَحَدٍ يَسْأَلُهُ شَيْئاً ». رواه
النسائي ، وأبو داود ؛ عن عائذ بن عمرو رضي الله تعالى عنه .
وذلك لأن السؤال للمخلوق ذُلٌّ للسائل ، وهو ظلمٌ من العبد لنفسه ، وفيه إيذاءُ
المسؤول ؛ وهو من جنس ظلم العباد ، وفيه خضوعُ العبد لغير الله تعالى ؛ وهو من
جنسِ الشرك . ففيه أجناسُ الظلم الثلاثة : الظلمُ المتعلِّقُ بحقّ الله ، وظلم العباد ،
وظلم العبد نفسه . ومَن له أدنى بصيرةٍ لا يُقدِم على مَجَامع الظلم وأصولِه بغير
الاضطرار. انتهى مناوي؛ على ((الجامع)) .
( وَ) في (( كنوز الحقائق)) ورمز له رمز الترمذي:
( كَانَ وَِّ يَسْمُرُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ) الصدِّيقِ ( اللَّيْلَةَ) الكاملة ( فِي الأَمْرِ ) الَّذي
يَعْرِضُ ( مِنْ أُمُوْرِ المُسْلِمِيْنَ ) ؛ اهتماماً به .
( وَ) أخرج الإمام أحمد ، والنسائي - بسند صحيح ؛ كما في العزيزي - عن
أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ( كَانَ) رسول الله (بِّهِ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا أُلحَسَنَةُ)
تمامُه عند أحمد : ورُبَّما قال: ((هَلْ رَأَىْ أَحَدٌ مِنْكُم رُؤْيَا؟!))، فَإِذا رَأَى الرجلُ
الرؤيا سأَل عنهُ ، فإِنْ كان ليس بِهِ بَأْسٌ كان أعجب لرؤياه ، فجاءت امرأة ؛ فقالت :
رأيتُ كأنّي دخلت الجنة فسمعت بها وَجَبة أرتَجَّت لها الجنَّةُ ، فنظرت فإذا قد جيء
بفلان وفلان ... حتَّى عدَّت اثني عشر رجلاً. وقد بعث رسول الله وَ لهُ سرِيَّة قَبْلَ
ذلك، فجيءَ بهم ؛ وعليهم ثياب بيضٌ تشخب أوداجهم . فقيل: إِذهبوا بهم ((إلى
١٥٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((أَشْتَدِّي أَزْمَةُ تَنْفَرِجِي)).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيعُ
أرض البيدخ))، أو قال ((نهر البيدخ)) فغُمِسُوا به فخرجوا وجوهُهم كالقمر ليلةَ
البدر ، ثم أتوا بَكَرَاسِيَّ من ذهب ؛ فقعدوا عليها .
فأتت تلك السرية؛ وقالوا : أصيب فلان وفلان ... حتَّى عَدُّوا الاثني عشر
الذين عدَّتهم المرأة. ذكره المناوي ؛ على ((الجامع)).
( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي: (كَانَ) رسول الله (نَّهِ يَقُوْلُ ) مخاطباً
لما لا يَعْقِل بعد تنزيله منزلةَ مَن يعقل، كقوله تعالى ﴿يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكٍ وَبَسَمَاءُ
آقلمى﴾ [٤٤/ هود]
(: ((إِشْتَدِّئْ) يا (أَزْمَةُ) أي : شدة ؛ وهي : ما يصيب الإنسان من الأمور
المغلقة من الأمراض وغيرها . ( تَنْفِرِجِيْ))) - بالجزم - جواباً للأمر ، أي : تذهبي
بمعنى يذهب هَمُّك عنا ، وليس المراد حقيقةَ أمرِ الشدّة بالاشتداد ولا ندائها ، بل
المرادُ طلبُ الفرج لتزول الشدّة ، لكن لما ثبت بالأدلة أن اشتداد الشدّة سبب
الفرج، كقوله تعالى ﴿إِنَّ مَعَ الْمُسْرِ يُسْرًا (٤َ﴾ [الشرح]، وقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ
اَلْفَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [٢٨/ الشورى]. وقوله عليه الصلاة والسلام: ((وَإِنَّ الفَرَجَ مَعَ
الكَرْبِ ، وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)) . أمرها وناداها؛ إقامة للسبب مقام المسبَّب ، وفيه
تسلية وتأنيس بأن الشدّة نوعٌ من النعمة ، لما يترتَّب عليها . والله أعلم ؛ ذكره شيخ
الإسلام زكريا الأنصاري .
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) للعارف الشعراني: ( كَانَ) رسول الله (رِّهِ يَبِيْعُ ).
أخرج الترمذي بسنده ؛ قال : حدَّثنا عبد المجيد بن وهب ؛ قال : قال لي العَدَّاء بن
خالد بن مَوْذَةٍ: أَلاَ أُقرئك كتاباً كتبه لي رسول الله وَلِهِ؟ !. قال: قلتُ: بلى.
فأخرج لي كتاباً ((هُذَا مَا أُشْتَرَى العَدَّاءُ بنُ خَالِدِ بنِ هَوْذَةً مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وَلِّ ؛
اِشْتَرَى مِنْهُ عَبْداً؛ أَوْ أَمَةً؛ لا دَاءَ ، وَلاَ غَائِلَةَ، وَلاَ خِبْثَةَ؛ بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ » .
١٥٨

وَيَشْتَرِي ،
قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب .
وأخرج الترمذي أيضاً بسنده ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنَّ رسول
اللّهَ بَّر باع حِلْساً وقَدَحاً؛ وقال: (( مَنْ يَشْتَرِي هذا الحِلْسَ وَالقَدَحَ)) !!. فقال
رجل: أخذتهما بدرهم. فقال النبي ◌َِّ: ((مَنْ يَزِيْدُ عَلَىَ دِرْهٍَ !! مَنْ يَزِيْدُ عَلَى
دِرْهَمٍ !! )) فأَعطاه رجل دِرهمين ، فباعهما منه . والحِلْسُ : كساءٌ يوضع على ظهر
البعير تحت القَتَب لا يفارقه . انتهى .
وروى الطبراني ؛ وابن حبَّان ، والحاكم ، والبيهقي وغيرهم ؛ عن زيد بن
سُعْنَةَ ((أجلِّ أحبار اليهود الذين أسلموا)) أنَّه اشترى من النبي وَ لّ تمراً إلى أجل ؛
وأعطاه الثمن ، ثم جاءه قبل حلول الأجل بيومين أو ثلاثة ، فأخذ بمجامع قميصه ،
ونظر إليه بوجه غليظ . ثم قال له : ألا تقضيني يا محمد حقي ! فوالله إنَّكم يا بني
عبد المطلب مُطْلٌ ... الحديث المتقدِّم في الفصل الأول ؛ من الباب الخامس من
هذا الكتاب .
( وَيَشْتَرِيْ ) روى البخاريُّ وغيرُه ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما
قال: سافرتُ مع رسول الله وَ ﴿ه في بعض أسفاره، فلما أن أقبلنا قال النبي وكلير:
((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلى أَهْلِهِ فَلْيَتَعَجَّلْ)). قال جابر: فأقبلنا؛ وأنا على جَمَل لي
أَرْمَكَ(١) ليس فيه شِيَة ، والناس خلفي . فبينا أنا كذلك إذ قام علي ؛ فقال لي
النبي ◌َُّ: ((يَا جَابِرُ أَسْتَمْسِكْ)). فضربه بسوطه ضربةً ، فوثب البعير مكانه ؛
فقال: ((أتَبِيْعُ الجَمَلَ !! )) قلتُ: نعم. فلما قدمنا المدينة؛ ودَخَلَ النبيّ وَّ
المسجدَ في طوائف أصحابه ؛ فدخلتُ إليه وعقلتُ الجمل في ناحية البلاط . فقلت
له : هذا جملُك. فخرج فجعل يطيف بالجمل؛ ويقول: ((الْجَمَلُ جَمَلُنَا)) فبعث
النبي ◌َّ﴿ أواقٍ من ذهب؛ فقال: ((أَغْطُوهَا جَابِراً))، ثم قال: ((اسْتَوْفَيْتَ
(١) وهو الذي في لونه كُدُورة؛ أي: يخالط حمرته سواد. ((النهاية)).
١٥٩

وَلَكِنْ كَانَ شِرَاؤُهُ أَكْثَرَ .
الثَّمَنَ !! )). قلت: نعم. قال: ((الثَّمَنُ وَأَلجَمَلُ لَكَ ».
وروى أبو داود ، وابن خزيمة ؛ عن عمارة بن خزيمة بن ثابت الأوسي ؛ عن
عمِّه - وكان من أصحاب رسول الله مَ﴿ - أنَّ النبي ◌َّهِ أبتاع من أعرابي فرساً
فاستتبعه(١) ليُقبضَه ثمن الفرس، فأسرع النبي ◌َّر المشيَ وأبطأ الأعرابي ، فطفق
رجال يعترضون الأعرابي ويساومونه بالفرس ؛ ولا يشعرون أنَّ رسول الله وَالتّ قد
أبتاعه ، حتى زادوا على ثمنه، فنادى الأعرابيُّ؛ فقال: ((إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعاً هُذَا
الفَرَسَ فَاَبْتَعْهُ، وَإِلَّ بِعْتُهُ)). فقال النبيَِله حين سمع نداءَ الأعرابي: ((أَوَلَيْسَ قَدٍ
أَبْتَعْتُهُ مِنْكَ)) !!. قال الأعرابي: لا؛ واللهِ ما بعتُكَ. فقال النبي ◌ََّ: ((بَلَىْ ، قَدِ
أَبْتَعْتُهُ)) . قال: فطفق الأعرابي يقول: هلَّم شهيداً ؛ يشهد أنِّي بعتُك !! فمن جاء
من المسلمين يقولُ: ويلَكَ؛ إن رسول اللهَ وَّه لم يكن ليقولَ إِلَّ الحقَّ. حتى جاء
خزيمةُ بن ثابت ؛ فاستمع المراجعة ؛ فقال : أَنَا أشهد أنَّك قد بايعته ...
الحديث. وفيه: فجعل النبي صل* شهادةَ خزيمة برجلين.
وعند الحارث بن أبي أسامة في (( مسنده)) ؛ من حديث النعمان بن بشير رضي
الله تعالى عنهما أنَّ رسول الله وَّهِ أُشترى من أعرابيٍّ فرساً ، فجحده الأعرابيُّ ، فجاء
خزيمة ؛ فقال : يا أعرابي ؛ أتجحد !! أَنَا أَشهد أنَّكَ قد بعتَه . فقال : أنْ شهد عليَّ
خزيمةُ فأعطني الثمن. فقال النبي ◌َِّ: ((يَا خُزَيْمَةُ؛ إنَّا لَمْ نُشْهِدْكَ! كَيْفَ
تَشْهَدُ !! )). قال: أنا أصدِّقُك على خبر السماء ، ألا أصدِّقُك على ذلك الأعرابي !!
فجعل رسول الله ◌َ في شهادته بشهادة رجلين. انتهى؛ ذكره في ((المواهب)).
( وَلْكِنْ كَانَ شِرَاؤُهُ) وَِّ أي: مباشرته الشراء (أَكْثَرَ ) من مباشرة البيع .
روى البخاريُّ ؛ عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق رضي الله تعالى عنهما ؛
قال: كُنَّا مع النبيِ ◌ّه ثم جاءَ رجل مشرك مُشْعانٌ(٢) طويل بغنم يسوقُها، فقال
(١) أي: طلب المصطفى ◌َله من الأعرابي أن يتبعه ليقبضه الثمن.
(٢) ثائر الرأس أشعث .
١٦٠