Indexed OCR Text

Pages 21-40

- فَصَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ
رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ( سِثَّ مَرَّاتٍ ) ، ثُمَّ أَوْتَرَ ، ثُمَّ أَضْطَجَعَ حَتَّى
جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ ،
وقد قيل : إنَّ المعلِّم إذا فتل أُذن المتعلِّم كان أذكى لفهمه .
قال الربيع : ركب الشافعيُّ يوما فلصقت بسرجه فجعل يفتلُ أُذني ، فأَعظمتُ
ذلك حتَّى وجدته عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنَّه وَ ليهِ فعله به ، فعلمت أنَّ
الإمام لا يفعل شيئاً إِلاَّ عن أصل. انتهى ((باجوري)).
( فَصَلَّى رَكْعَتَيَّنِ، ثُمَّ رَكْعَتَنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيَّنٍ ، ثُمَّ رَكْعَتَيَّنِ ، ثُمَّ
رَكْعَتَيَّنِ ) أي : بتكرير الركعتين ( سِتَّ مَرَّاتٍ ) ؛ فتكون صلاتُه ثنتي عشرة ركعةً ،
ولم يكتف بذكر ركعتين !! خشيةَ أن يقصر ضبطُ السَّامع من التعداد، ( ثُمَّ أَوْتَرَ )
أي: أفرد ركعة وحدها فتمَّت صلاتُه ثلاث عشرة ركعة؛ كما في ((الصحيحين))،
منها ركعتان سنّةُ العِشاء ؛ أو سنة الوضوء ، والإِحدى عشرة وترٌ على المشهور ،
وذلك تقييدٌ للمطلق في غيره من الروايات ؛ خلافاً لمن جعلها كلَّها وتراً ، وجعل
أكمل الوتر ثلاث عشرة .
وفيه أنَّ السلام يسنُّ من كلِّ ركعتين في الوتر .
وصحَّ الوصل من فعله وَّ أيضاً، لكنِ الفصلُ أشهر وأصُ ، والظاهر من
السياق أنَّ ابن عباس صلَّى معه جماعة . فيؤخذ منه جوازُ فعل النافلة جماعةً؛ وإن
لم تُطلَب في نحو ذلك .
( ثُمَّ أَضْطَجَعَ) ؛ أي : وضع جنبه على الأرض ، وفي رواية : ثُمَّ اضطجع
فنام حتَّى نفخ ، وكان إذا نام نَفَخَ. وهذه الرواية هي المتقدِّمةُ في (( باب النوم)).
( حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ) ؛ أي : بلالٌ - كما هو الظاهر - للإعلام بدخول وقت
الصلاة . فيسنُّ إتيان المؤذِّن للإمام ليخرج إلى الصلاة .
٢١

فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ .
( فَقَامَ فَصَلَّىْ رَكْعَتَيْنٍ خَفِيْفَتَيْنِ ) هما سنة الصبح ، فيسنُّ تخفيفهما .
قال في ((نظم القواعد الفقهية )) للسيد أبي بكر بن أبي القاسم الأهدل :
وَسُنَّةُ الفَجْرِ بِلاَ تَطْوِيلِ أَفْضَلُ مِنْهَا مَعْهُ لِلدَّلِيْلِ
( ثُمَّ خَرَجَ ) ؛ أي : من بيته إلى المسجد ( فَصَلَّى الصُّبْحَ ) ، أي: بأصحابه .
ويؤخذ من الحديث ١ - أن فعل النفل في البيت أفضلُ ؛ إلا ما استثنيَ .
و٢ - أَنّه يسنُّ للمقتدي الفذُّ الوقوفُ عن يمين الإمام ، فإن وقف عن يساره ! حوَّله
الإمام ندباً . و٣ - أنَّ الفعل القليلَ في الصلاة لا يضرُّ، بل قد يسنُّ إذا كان
لمصلحة . و٤ - أنَّ الأمر بالمعروف مشروعٌ حتّى في الصلاة . و٥ - جواز صلاة
الفرض بوضوءِ النفل . و٦ - وأنَّ المميِّرُ كبالغ؛ جماعةً وموقِفاً. و٧ - أنَّ السلام
يسنُّ من كلِّ ركعتين في الوتر. و٨ - أنَّه يندبُ إتيان المؤذن إلى الإمام ليخرج إلى
الصلاة. و٩ - أنَّه يستحبُّ تخفيف سنة الصبح قبلَه. و١٠ - أَنَّ الإيتار بثلاث عشرة
أكملُ . كذا قيل !! ورُدَّ بأن أكثر الروايات الاقتصار على إحدى عشرة ، ورواية
ثلاث عشرة واقعة حال ، فعليه يحتمل أنه حسب منها ركعتين مقدِّمة الوتر ، أو سنَّةً
العشاء ، أو نحو ذلك. و١١ - أنَّ النفل في البيت أفضلُ .
وفيه فضلُ ابن عباس رضي الله عنه ، وحذقُه مذ كان طفلاً ، لمراصدته
المصطفىْ وَ لجه، ومراقبته أحوالَه إلى أن أحرم معه، وحفظ صلاته وقراءته ؛
وما عمله تلكَ الليلة من العبادات والعادات .
هذا؛ ووتره وَّيه آخرَ الليل هو الأغلبُ؛ بناءً على أنه الأفضل والأكمل ،
وإلاَّ! ففي ((الصحيحين )) وغيرِهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنَّ
رسول الله ◌َ ﴿ أوتر من كلِّ الليل؛ من أوله وأوسطه وآخره ، وانتهى وترُه إلى الصبح،
والمرادُ بـ ((أوَّله)) بعد صلاة العشاء . ولعل اختلافَ هذه الأوقات على ما وردت به
الروايات ، لاختلاف الأحوال والأعذار ، فإيتاره أوَّلَه لعلَّه كان لمرض ، وإيتارُه
٢٢

وَفِي ((الصَّحِيحِ)): عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ عِنَّدَ كُلِّ صَلاَةٍ .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضاً ؛
أوسطَه !! لعله كان لسفر. انتهى ((جمع الوسائل)).
( وَفي ((أُلصَّحِيْحٍ))) - يعني البخاري -، وكذا أخرجه الإمام أحمد،
وأبو داود، والترمذي ، والنسائي وابن ماجه: كلُّهم ؛ (عَنْ أَنَسٍ)(١) رضي الله
تعالى عنه ( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنِيهِ كَانَ يَتوضأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ )، وربَّما صلَّى صلواتٍ
بوضوء واحد ، ولفظ رواية الترمذي: كان يتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ ؛ طاهراً ، أو غير
طاهر . قال الطحاوي : هذا محمولٌ على الفضيلة ؛ دون الوجوب ، أو هو من
خصوصيَّاته ، أو كان يفعله وهو واجب ؛ ثم نسخ . انتهى .
والأصحُّ هو الأخير، بدليل حديث الترمذي: كان النَّبِيُّ وَّهِ يتوضَّأ لكلِّ
صلاة ، فلما كان عامُ الفتح صلَّى الصلواتِ كلَّها بوضوءٍ واحد ، فقال عمر : إنَّك
فعلتَ شيئاً لم تكن فعلتَه !! قال: ((عَمْداً فَعَلْتُهُ؛ يَا عُمَرُ)). قال الترمذيُّ:
صحيحٌ . قال النَّوويُّ : فيه جواز الصَّلَواتِ بوضوء واحد ما لم يُحدِث ، وهو جائز
بإجماع مَن يعتدُّ به. انتهى مناوي؛ على ((الجامع الصغير)).
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، والترمذي؛ في ((الجامع)) و((الشمائل))،
والنسائي ، وابن ماجه: كلُّهم ؛ ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) رضي الله تعالى عنهما .
وقولُهُ ( أَيْضاً ) غيرُ مناسب الإتيانُ به هنا ، بل قد يوهِمُ أنَّ الحديث الذي قبلَه
هو حديث ابنِ عبَّاس ، وأنَّ النُّسخةَ فيها تحريفٌ !! وليس كذلك .
فالصواب : حذفُه . ولعلَّ المصنِّفَ كتب أوَّلاً حديثَ ابنِ عباس في بيتوتته عند
ميمونة ، ثمَّ حديث ابن عباس هذا، فذكر فيه لفظ ((أيضاً))، ثم أُدرج بينهما حديث
(١) في الأصل: عن عَائِشَةَ. وما أثبتناه من ((وسائل الوصول)).
٢٣

قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ
إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ؛ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْمُ ، أَوْ غَلَبَتْهُ عَيْنَهُ .. صَلَّى مِنَ
النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً .
أنسٍ وغفلَ عن محوِ لفظة ((أيضاً)) فبقيتْ كما هي، والله أعلم !! والأمر سهلٌ .
( قَالَ) أي: ابن عبّاس ( كَانَ النَِّيُّ وَّهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ) أي: في الليل
( ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) - بسكون الشين - قال بعضهم : أكثرُ الوتر ثلاث عشرة ؛
لظاهر هذا الحديث .
وفيه أنَّ صلاة الليل أعمُّ من الوتر . وقال أكثر العلماءِ : أكثره إحدى عشرة ،
وتأوَّلوا حديث ابنِ عبَّاس بأنَّ منها سنَّةً الصبح ، وهو تأويل ضعيفٌ جدّاً . كذا قاله
في (( جمع الوسائل)).
وفيه نظر !! فإنَّ هذا التأويل يؤيِّدُه حديثُ عائشةَ رضي الله تعالى عنها الذي رواه
الشيخان، وأبو داود، والنسائي: أنَّه وَلِّ كان يصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعةً؛ منها
الوترُ ، وركعتا الفجر . انتهى . فَزَعْمُ مُلأَّ علي قاري أنَّه تأويلٌ ضعيفٌ مردودٌ عليه .
قال المناوي : وحكمةُ الزيادة على إحدى عشرة: أنَّ التهجّد والوتر يختصَّان بصلاة
الليل ، والمغرب وتر النهار ، فناسب كون صلاة الليل كالنهار في العدد جملةً وتفصيلاً .
( وَ) أخرج الترمذيُّ في ((الشمائل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ) تَعَالَى (عَنْهَا أَنَّ
اُلَِّيَّ نَّهِ كَانَ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ) تهجّداً ووتراً؛ ( مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ ) الفعل ؛ وهو
الصلاة بالليل ( الثَّوْمُ) بأن رغب فيه مع إمكان اختياره تركه ، ( أَوْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ )
يعني : غلبه النوم بحيث لا يستطاع دفعُه ، فالمقصودُ بيان سببٍ عدم صلاته في
الليل، و((أو )) للتقسيم، ويحتمل أن تكون للشكِّ من الراوي.
وجواب ((إذا)) قولُه (صَلَّى) بدل ما فاته ( مِنَ النَّهَارِ ) ؛ أي: فيه ( ثِثْتَيْ عَشْرَةَ
رَكْعَةً ) ؛ تداركاً لما فاته من التهجُّد، لقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً
٢٤
.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَّهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ)) .
٦٢
[الفرقان] . وفيه دليلٌ على جواز قضاءِ النََّفلة ،
لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
بل على استحباب قضائِها ؛ لئلا تَعتاد النفسُ التركَ، وعَيَّنَ وقت صلاة النهار
المذكورة في حديث آخر بأنَّ من طلوع الشمس إلى الاستواء .
وفي ((صحيح مسلم))؛ عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلين:
(( مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ
الظُّهْرِ ؛ كَانَ كَمَنْ قَرَّأَهُ مِنَ اللَّيْلِ » .
وحديث عائشة في ((المتن)) !! أخرجه مسلم ، وأبو داود ؛ عنها بلفظ: كَانَ
إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيلِ ؛ أوْ مَرِضَ صَلَّىَ منَ النَّهَارِ ثِنْشَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً .
وهذا فيه تنبيهٌ على أنَّه كان يقدِّم وِتره في أوَّل الليل ، أو سكت عن ذكر الوتر ،
لأنَّ ندبَ قضائه معلومٌ بالَوْلى، لأنَّه نفلٌ مؤقّتٌ ، بخلاف التهُّد فإنَّه نفل مطلق ،
لكن لما اتخذه ورداً وعادةً سُنَّ قضاؤه ، لأنه التحق بالنفل المؤقّت .
( وَ) أخرجه أبو داود، والترمذي في ((الشمائل))؛ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ؛ عَنِ النَّبِيِّ: ﴿ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ ) ؛ أي : فيه ( فَلْيَفْتَحْ )
ندباً مؤكّداً ( صَلاَتَهُ) ؛ أي: الأحدُ، أو الليل (بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيْفَتَيَّنِ) لِخفَّة القراءة
فيهما . والحكمةُ فيه : تهوين الأمر على النفس ابتداءً لحصول النشاط ، والإرشادُ
إلى أنَّ مَن شرع في شيء فليكن قليلاً قليلاً حتّى تتعوَّد نفسُه بالعمل على التدريج ،
فيكون الشروعُ في بقية عمله بالنشاط وإتمامِه على الوجه الأكمل .
وفي الحديث إشعارٌ بأنَّه لا ينبغي أن يقتصر في صلاة الليل على ركعتين إلا عند ..
الضرورة . وفيه دليلٌ لندب هاتين الركعتين ، وهما مقدِّمةٌ لصلاة الوتر ، وكما يسرُ
تقديم السنّة القبلية على الفرض لنحو ذلك ؛ فكذا نُدِب هنا ، لتأُّد الوتر حتى
اختُلِف في وجوبه .
٢٥

وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَلْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لأَرْمُقَنَّ
ومناسبةُ هذا الحديث للباب: من حيث إِنَّ أمرَه [َّ ] بشيء يقتضي فعله .
بل ورد في ((صحيح مسلم)) التصريحُ بفعله وَلّهِ هاتين الركعتين، ولفظُه: عن
عائشة رضي الله تعالى عنها ؛ قالت : كان إذا قام من الليل ليصلِّي افتتح صلاته
بركعتين خفيفتين .
قال المناوي : استعجالاً لحَلِّ عقدة الشيطان على قافيته ، وهو ◌َّا؛ وإن كان
منزَّهاً عن عُقده، لكنه فعله تشريعاً لأُمَّته . ذكره الحافظ العراقي .
قال الحفني : وهذا يقتضي أنَّ حَلَّ عقدته لا يحصلُ بالذكر ومسحِ الوجه ،
ولا بالوضوء ، ولا بالشروع في الصلاة ، بل بالفراغ منها ، أي : تمامُ الحلِّ يحصل
بذلك ، وأَنَّ أصلَه يحصل بالذكر ومسح الوجه والوضوء . انتهى .
( وَ) أخرج مسلم في ((صحيحه))، ومالك في ((الموطأ))، وأبو داود،
والترمذيُّ في ((الشمائل)) ، وابن ماجه : كلُّهم ؛
( عَنْ ) أَبي عبد الرحمن - أو أبي طلحة ، أو أبي زرعة - ( زَيْدِ بنِ خَالِدٍ
الجُهَنِيِّ ) - بضم الجيم وهاء ؛ نسبة إلى قبيلة جُهَينة -
صحابي مشهور ، سكن المدينة وشهد الحديبية ، وكان معه لواء جهينة يومَ
الفتح. رُوي له عن رسول الله وَ ﴿ أحدٌ وثمانون حديثاً؛ اتفقا منها على خمسة ،
وانفرد مسلمٌ بثلاثة ، روى عنه السائب بن يزيد ، والسائب بن خلاَّد الصحابيان ،
وجماعاتٌ من التابعين .
وتوفي بالمدينة المنورة ، وقيل : بالكوفة ، وقيل : بمصر سنة : ثمان
وثمانين ؛ وهو ابن خمس وثمانين سنة ، وقيل : توفي سنة اثنتين وسبعين ، وقيل :
سنة ثمان وتسعين ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .
أَنَّهُ قَالَ ) ؛ أي : زيد (: لأَرْمُقَنَّ) - بضمِّ الميم وتشديد النون ؛ من الرَّمْق -
بفتح فسكون ، أو [ الرَّمَق ] بفتحتين - وهو : النظرُ إلى الشيء على وجه المراقبة
٢٦

صَلاَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ، أَوْ
فُسْطَاطَهُ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ،
ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ .. طَوِيلَتَيْنِ .. طَوِيلَتَيْنِ .
والمحافظة، يقال: رَمَق يَرْمُق رَمْقاً؛ من بابَيْ ((نصر)) و((طلب)).
وأُكِّد باللام والنون !! مبالغةً في تحصيل معرفة ذلك وضبطه؛ أي: لأَنْظَرَنَّ وأرقُبُنَّ
وأَحفظَنَّ (صَلاَةَ رَسُوْلِ اللهِوَِّ !! )، أي: في هذه الليلة حتَّى أرى كم يصلِّي .
وعدل عن الماضي إلى المضارع !! استحضاراً لتلك الحالة الماضية ؛ لتقريرها
في ذهن السامع أبلغ تقرير ، ثم انتقل إلى كيفية تفصيلٍ علمه بها ؛ فقال :
( فَتَوَسَّدْتُ ) ؛ أي : جعلت ( عَتَبَتَهُ) وسادةً لي ، والعتبةُ : الدرجة التي يُوطَأُ
عليها ، ( أَوْ ) قال ( فُسْطَاطَهُ ) ؛ أي : عتبة فُسْطاطه - بضمِّ الفاء وكسرها - بيتٌ من
شَعْر ، وفيه عشرُ لغات: ١ - فُسْطَاط - بطائين ؛ مع سكون السين ، أو
[٢ - فُسَطاط ] تشديدها و٣ - فُستات - بتائين مع سكون السين -، و٤ - فُسْتاط
- بتاء ثم طاء -، و٥ - فُسَّاط - بسين مشدّدة ثم طاء . فهذه خمسة كلٌّ بضمِّ الأوَّل ،
و کسرہ
فتلك عشرة كاملة .
(١)
ويطلق الفسطاط على مصر العتيقة ، وعلى كلِّ مدينة جامعة ، وهذا شكّ من
الراوي ، والظاهر الثاني، لأنّه وَلّ في الحضر يكون عند نسائه ؛ فلا يمكن أن
يتوسَّد زيدٌ عتبته ليرمُقَه ، بخلافه في السفر ؛ فإنه خالٍ عن الأزواج
الطاهرات (٢)؛ فيمكنُه أن يتوسَّد عتبةَ فسطاطه، والمراد بعتبة الفسطاط : بابُه ؛
أي : محُّ دخوله .
( فَصَلَّىْ رَسُوْلُ اللهِلّهِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيْفَتَيَّنِ) هما مقدِّمةُ الوتر - كما تقدَّم -.
وإنَّما خفَّف فيهما !! لأنهما عقب كسل من أثر النوم .
(ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيَّنِ طَوِيْلَتَيَّنِ .. طَوِيْلَتَيَّنِ .. طَوِيْلَتَيْنِ.
(١) وبَسْطها هكذا: ٦ - فِسْطاط، ٧ - نِسَطاط، ٨ - فِسْتات، ٩ - فِسْتاط، ١٠ - فِسَاط.
( عبد الجليل ) .
(٢) بل يصطحب بعضهن بالإقراع بينهن ( عبد الجليل ) .
٢٧

ذَكَرَ لَفْظَ ((طَوِيلَتَيْنِ)) ثَلاَثَ مَرَّاتٍ؛ لِلتَّأْكِيدِ مُبَالَغَةً فِي
طُولِهِمَا .
ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللََّيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ؛
وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّىَ رَكْعَتَيْنِ؛ وَهُمَا دُونَ الَّتَيْنِ
قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ،
ذكر لَفْظَ ((طَوِيْلَتَيَّنِ)) ( ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) !! لِلتَأَكِيْدِ؛ مُبَالَغَةً فِي طُوْلِهِمَا ) للدلالة
على المبالغة في تطويل هاتين الركعتين ، فكأنَّهما بمنزلة سِتِّ رَكعات طويلات .
وإنَّما بُولغ في تطويلهما !! لأن النشاط في أوَّل الصلاة بعد المقدمة يكون
أقوى ، والخشوعُ يكون أتمَّ ، ومِن ثَمَّ سُنَّ تطويل الركعة الأولى على الثانية من
الفريضة .
( ثُمَّ صَلَّىْ رَكْعَتَيْنِ؛ وَهُمَا دُوْنَ اَللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) ؛ أي: في الطول . وأراد
طويلتين طويلتين (( مرتين )).
وإِنَّما كانتا دون اللتين قبلهما !! لأنه إذا استوفى الغايةَ في النشاط والخشوع أخذ
في النقص شيئاً فشيئاً، فيخفف من التطويل على سبيل التدريج، وهكذا يقال فيما بعد.
( ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيَّنِ؛ وَهُمَا دُوْنَ اَللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ) أراد طويلتين !.
( ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ؛ وَهُمَا دُوْنَ اَللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ) ؛ أي : فيهما بعضُ طولٍ من
غير مبالغة .
(ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ وَهُمَا دُوْنَ اَللََّيْنِ قَبْلَهُمَا) أي : عاريتين عن الطول .
فقوله (( ثُمَّ صلَّى ركعتين؛ وهما دون اللتين قبلهما)) بتكرير ذلك أربعَ مرَّات ؛
كما هو الرواية في مسلم و(( الموطأ)) وغيرهما، وفي بعض النسخ جعلها مكررة
ثلاثَ مرَّات فقط ، وذلك يعتبرُ سَقطاً في النسخة ، لمخالفته لما يأتي من قوله ثلاثَ
عشرة ركعة .
٢٨

ثُمَّ أَوْتَرَ ، فَذَلِكَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ .
وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَانِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّهُ سَأَلَ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ
وقوله ( ثُمَّ أَوْتَرَ ) أي : بواحدة ، أي : صلَّى ركعة مفردة ( فَذْلِكَ ) المجموع
( ثَلَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ) ؛ منها ركعتان مقدِّمة الوتر ، والباقي وترٌ .
( وَ) أخرج الشيخان وغيرُهما؛ كأبي داود، والترمذي في ((الشمائل))؛
وهذا لفظها : (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله ( بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ ) بن عوف القرشي
الزُّهري التابعي الجليل ، وأُّه تماضر بنت الإصبغ .
وكان صبيح الوجه ، وكان ثقة فقيهاً كثيرَ الحديثِ ، اتفقوا على جلالته وإمامته
وعظيم قدره وارتفاع منزلته ، وهو مدني من كبار التابعين ، وأحد فقهاء المدينة
السبعة - في قولٍ - .
سمع جماعة من الصحابة ؛ منهم : عبد الله بن سلام ، وابن عمر ، وابن عبّاس
وابن عَمْرو بن العاصي، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري ، وأبو أُسيد
- بضم الهمزة - ، ومعاوية بن الحكم ، وربيعة بن كعب ، وعائشة ، وأم سلمة ،
ولم يسمع من عمر بن الخطاب ، بل روايته عنه مرسلة .
وسمع جماعة من التابعين ؛ منهم : عطاء بن أبي رباح ، وعروة ، وعمر بن
عبد العزيز .
روى عنه خلائق من التابعين وغيرهم ، منهم : عامر الشعبي ، وعبد الرحمن
الأعرج ، وعراك بن مالك ، وعمرو بن دينار ، وأبو حازم سلمة بن دينار ،
والزهري ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، ويحيى بن أبي كثير ، وآخرون .
وتوفي بالمدينة المنورة سنة : أربع وتسعين - بتقديم المثناة على المهملة -
وعمره : اثنتان وسبعون سنة ( رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ) : آمين .
( أَنَّهُ سَأَلَ ) أمَّ المؤمنين (عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَيَّفَ كَانَتْ صَلاَةُ
٢٩

رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ؟
فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَزِيدَ فِي
رَمَضَانَ ، وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ؛ يُصَلِّي أَرْبَعاً
رسُوْلِ اللهِ وَّ﴿ه فِي رَمَضَانَ؟ ) ؛ أي: في لياليه وقتَ التهجُّد زيادةً على ما صلاَه بعد
العشاء من التراويح .
(فَقَالَتْ: مَا) - نافية - (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَهْ لِيَزِيْدَ) بالنصب، بتقدير ((أن))
بعد لام الجحود ، وهي لامُ التأكيد بعد النفي، مثل قوله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ
إِيمَنَكُمْ﴾ [١٤٣/ البقرة] ورواية الصحيحين بدون اللام؛ أي: لم يكن وَلَوَ يَزِيْدُ ( فِي
رَمَضَانَ؛ وَلاَ فِي غَيْرِهِ) نفت كونَه ◌َ ل﴿ يزيد على إحدى عشرة ركعة بحسب
ما علمَتْه ، فلا ينافي ما ثبت من الزيادة عند غيرها ، لأن زيادة الثقة مقبولة ، ومن
حفظ حجة على من لم يحفظ ، وكلٌّ يخبر عن علمه ، وقد كان عند أكثر أهل الصدر
الأول أن للنبي وَّل صلواتٍ مخصوصةً اختلفوا في كيفيتها وعددها .
(عَلَىْ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ) أي : غير مقدمة الوتر ، فيكون المجموع بها ثلاثَ
عشرة ركعة ، وهذا بالنسبة للصلاة التي كان يصلِّيها بعد النوم ، فلا ينافي أنَّه كان يصلي
قبل النوم نفلاً آخر غير الوتر ، فلا تكون منكِرَةً لصلاة التراويح. انتهى ((باجوري)).
( يُصَلِّيْ أَرْبَعاً ) ؛ أي : مع السلام من كلِّ ركعتين ، ليوافق خبرَ زيد السابق ،
وإنما جمعت الأربعة لتقارُبها طولاً وحُسناً ؛ لا لكونها بإحرام واحد وسلام واحد .
انتهى «باجوري)).
وقال الإمام النووي في ((شرح مسلم)): وفي رواية: (( يصلّي من الليل ثلاث
عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس ، لا يجلس في شيء إلاَّ في آخرها )).
وفي رواية أخرى: (( يسلِّم من كلِّ ركعتين )).
وفي رواية : (( يصلي أربعاً ، ثم أربعاً ، ثم ثلاثاً)).
وفي رواية: (( ثمان ركعات ، ثم يوتر بركعة)).
٣٠

لاَ تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً لاَ تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ
وَطُولِهِنَّ ،
وفي رواية: (( عشر ركعات ويوتر بسجدة)).
وفي حديث ابن عباس فصلَّى ركعتين ، ثم ركعتين ... الخ.
وفي حديث ابن عمر : (( صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى )) .
هذا كلُّه دليل على أن الوتر ليس مختصّاً بركعة ، ولا بإحدى عشرة ، ولا بثلاث
عشرة ، بل يجوز ذلك وما بينه ، وأنَّه يجوزُ جمع ركعات بتسليمة واحدة ؛. وهذا
لبيانِ الجواز، وإلاَّ! فالأفضلُ التسليم من كلِّ ركعتين ؛ وهو المشهور من فعل
رسول الله ◌َي ، وأمرِه بصلاة الليل مثنى مثنى.
( لاَ تَسْأَلْ) - رواية ((الصحيحين)): فَلاَ تَسْأَلْ ــ (عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُوْلِهِنَّ !! )
معناه : أنَّهُنَّ في نهاية من كمال الحسن والطول ؛ مستغنيات بظهور حسنهنَّ وطولهن
عن السؤال عنه والوصف .
وفي هذا الحديث مع الأحاديث المذكورة بعده في تطويل القراءة والقيام دليلٌ
لمذهب الشافعي وغيرِهِ ممَّن قال : تطويلُ القيام أفضلُ من تكثير الركوع والسجود ،
بمعنى أنَّ الزمن المصروفَ لطول القيام أفضلُ من الزمن المصروف لتكرير السجود ،
وكون المصلي أقرب ما يكون من ربِّه ؛ وهو ساجد !! إنما هو بالنسبة لاستجابة
الدعاء فيه .
وقالت طائفة : تكثيرُ الركوع والسجود أفضلُ . وقالت طائفة أخرى : تطويل
القيام في الليل أفضلُ ، وتكثير الركوع والسجود في النهار أفضل . انتهى من
المناوي ، و (( شرح مسلم)).
( ثُمَّ يُصَلِّيْ أَرْبَعَاً ) العطفُ بـ((ثمَّ )» يقتضي أنَّه حصل تراخٍ بين هذه الأربع والتي
قبلها، وهكذا يقال فيما بعدَه ( لاَ تَسْأَلْ) - رواية (( الصحيحين )): فَلاَ تسأل ــ ( عَنْ
حُسْنِهِنَّ وَطُوْلِهِنَّ) ، لأنهن من كمال الطول والحسن في غاية ظاهرة مغنية عن
٣١

ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثً .
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَتَنَامُ
قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي )) .
وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ .
السؤال، ( ثُمَّ يُصَلِّيْ ثَلاثًاً) لم يصف هذه الثلاث بالطول ؛ ولا بالحسن !! إشارةً
إلى أنَّه خفَّفها ، وظاهر اللفظ يقتضي أنه صلَّى الثلاث بسلام واحد ، وهو جائز ، بل
واجب عند أبي حنيفة ، لكن صلاتَها بسلامين أفضلُ عندنا - معاشر الشافعية - ،
ومتعيِّنٌ عند المالكية . انتهى (( باجوري )) .
( قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: قُلْتُ: يا رَسُوْلَ اللهِ؛ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ
تُؤْتِرَ ) ؛ أي : مع أنك أَمرتَ بعض أصحابك - كأبي هريرة - بالوتر قبل النوم ؛
مخافةَ أن يغلبه النوم فيفوتَه الوتر ؟ !!.
( فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ؛ إِنَّ عَيْنَيَّ) - بتشديد الياء - ( تَنَامَانِ، وَلاَ يَنَامُ
قَلْبِي)) ) ؛ أي : فلا أخاف فوتَ الوتر ، ومن أمن فوتَه سُنَّ له تأخيره ، بخلاف مَن
يخاف فوت الوتر بالاستغراق في النوم إلى الفجر ، فالأولى له أن يوتر قبل أن ينام ،
ولَمَّا عَلِم ◌َّر من حال أبي هريرة رضي الله عنه ذلك أَمَره بأن يوتر قبل أن ينام .
فالحاصل : أنَّ مَن وثق بيقظته ؛ سُنَّ له تأخيرُه، ومَن لم يثق بها ! سُنَّ له
تقدیمُه . انتهى « باجوري)) .
وعدمُ نوم القلب من خصائصه على أمته ؛ لا على الأنبياء ، فكلُّهم لا تنام
قلوبُهم ، لاستغراقها في شهودٍ جمال الذات العليّة والحضرة المتعالية وجلالها .
وإنمَّا فاتته صلاةُ الصبح في حديث نومه في الوادي !! لأن رؤية الفجر من وظائف
البصر ؛ لا القلب . والله أعلم .
( وَ) أخرج مسلم، والترمذي في ((الشمائل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً رَضِيَ اللهُ
٣٢

تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ
إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا .. أَضْطَجَعَ عَلَى
شِقِّهِ الأَيْمَنِ .
تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَ لِ كَانَ يُصَلِّيْ مِنَ اللَّيْلِ) ؛ أي: في الليل ( إِحْدَى
عَشْرَةَ رَكْعَةً ) ؛ أي : غالباً ، أو عندها ، فلا ينافي ما ثبت من زيادة أو نقصان في
بعض الروايات ؛ كرواية الثلاث عشرة ، وكرواية التسع ؛ والسبع .
والحاصل: أنَّ في رواية ((ثلاث عشرة))، وفي رواية ((إحدى عشرة))، وفي
رواية ((تسعاً))، وفي رواية ((سبعاً))، ولعل اختلاف الروايات بحسب اختلاف
الأوقات والحالات ؛ من صحة ومرض ، وقوَّة وضعف !! ولذلك قال الشيخ ابن
حجر : والصوابُ حملُه على أوقات متعدِّدة وأحوال مختلفة ، فكان تارة يصلي
كذا ، وتارة يصلي كذا ، أو للتنبيه على سَعة الأمر في ذلك .
( يُؤْتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ ) قال الباجوري : ظاهرُه أنَّ البقية ليست من الوتر ، بل
تهجُّدٌ ، وذلك صحيح ، لأن أقلّ الوتر ركعة ، ويحتمل أن المعنى يفصل منها
واحدة ، فلا ينافي أنَّ البقيَّةَ من الوتر ، لأنَّ أكملَه إحدى عشرة ركعة ، وعلى كلِّ
فهو دليل صريحٌ في أنَّ الركعة الواحدة صلاةٌ صحيحة ، وأنَّ أقلَّ الوتر ركعة وهو
مذهبنا ومذهب الجمهور . وقال أبو حنيفة : لا يصحُّ الإيتار بواحدة ، ولا تكون
الركعة الواحدة صلاةً قطّ، والأحاديث الصحيحة تردُّ عليه. انتهى ((شرح مسلم)).
( فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا) ؛ أي : من الإحدى عشرة ركعة ( أَضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ) - بكسر
الشين المعجمة - أي : جنبه ( الأَيْمَنِ ) حتَّى يأتيَهُ المؤذِّن ، فيصلي ركعتين
خفيفتين. هذا تمامُه في (( صحيح مسلم)) .
وفي هذا الحديث : أن الاضطجاع بعد صلاة الليل وقبل ركعتي الفجر ، وكذا
في حديث ابن عبّاس : أن الاضطجاع كان بعد صلاة الليل وقبلَ ركعتي الفجر . وفي
الرواية الأخرى في مسلم ؛ عن عائشة : أنَّه كان يضطجع بعد ركعتي الفجر . .
قال القاضي عياض : وفي ذلك ردٌّ على الشافعي وأصحابه في قولهم (( إِن
٣٣

الاضطجاع بعد ركعتي الفجر سنَّةٌ)). قال: وذهب مالك وجمهورُ العلماء وجماعةٌ
من الصحابة إلى أنَّه بدعة ، وأشار إلى أنَّ روايةَ الاضطجاع بعد ركعتي الفجر
مرجوحةٌ . قال: فتقدَّم رواية الاضطجاع قبلهما . قال : ولم يقل أحدٌ في
الاضطجاع قبلهما ((إنَّه سنة))؛ فكذا بعدَهما . قال : وقد ذكر مسلمٌ ؛ عن عائشة
رضي الله عنها قولَها (( فإن كنت مستيقظة حدثني ، وإلاَّ! اضطجع )) فهذا يدلُّ على
أنَّه ليس بسنَّةً، وأنَّه تارة كان يضطجع قبلُ ، وتارةً بعدُ ، وتارة لا يضطجع . انتهى
كلام القاضي عياض؛ نقله النووي في ((شرح مسلم)).
وتعقّبه النوويُّ قائلاً : الصحيح - أو الصواب -: أنَّ الاضطجاع بعد الفجر
سنَةٌ، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّرِ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ
رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِنْنِهِ )) رواه أبو داود ، والترمذي ؛ بإسناد صحيح على
شرط البخاري ومسلم . قال الترمذي : هو حديثٌ حسن صحيح ، فهذا حديثٌ
صحيحٌ صريحٌ في الأمر بالاضطجاع . وأما حديث عائشة بالاضطجاع بعدَها
وقبلَها ، وحديث ابن عباس قبلها !! فلا يخالف هذا ، فإنَّه لا يلزم من الاضطجاع
قبلَها أن لا يضطجع بعدها . ولعله وَ لا تَرَكَ الاضطجاع بعدَها في بعض الأوقات بياناً
للجواز ؛ لو ثبت الترك ، ولم يثبت !! فلعله كان يضطجع قبل وبعد !!. وإذا صحَّ
الحديثُ في الأمر بالاضطجاع بعدها مع رواياتِ الفعل الموافقة للأمر به ؛ تعيّن
المصير إليه . وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث !؟ لم يجز ردُّ بعضها ، وقد أمكن
بطريقين أشرنا إليهما ؛ أَحدُهما : أنَّه اضطجع قبل وبعد . والثاني : أنَّه تركه بعدُ في
بعض الأوقات لبيان الجواز . والله أعلم . انتهى كلام النووي .
وقال العلامة السيِّد محمد بن إسماعيل الأميرُ الصنعاني في ((سبل السلام)»:
العلماءُ في هذه الضجعة بين مُفْرِطٍ ومُفَرِّطٍ ومتوسط .
فأفرط جماعة من أهل الظاهر ؛ منهم ابن حزم ومَن تابعه ، فقالوا بوجوبها ،
وأبطلوا صلاة الفجر بتركها ، وذلك لفعله المذكور في حديث عائشة الذي رواه
٣٤

البخاري ؛ قالت: كان النبي وَله إذا صلَّى ركعتي الفجر اضطجع على شقِّهِ الأيمن ،
والحديث الأمر بها في حديث أبي هريرة عن النبي ◌َّرِ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ
قَبْلَ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ )) . قال الترمذي : حديث حسن صحيح
غريب . قال ابن تيمية : ليس بصحيح لأنه تفرَّد به عبد الرحمن بن زياد ، وفي حفظه
مقال . قال الحافظ ابن حجر : والحقُّ أنه تقوم به الحُجَّة، إلاَّ أنَّه صَرَف الأَمرَ عن
الوجوب ما ورد من عدم مداومته وَلّ على فعلها.
وفَرَّط جماعة ؛ فقالوا بكراهتها ، واحتجُّوا بأن ابن عمر كان لا يفعل ذلك ،
ويقول : كفى بالتسليم . أخرجه عبد الرزاق ، وبأنه كان يَخْصُب(١) مَن يفعلها .
وقال ابن مسعود : ما بال الرجل إذا صلَّى الركعتين تمعَّك كما يتمعَّك الحمار !!.
وتوسّط فيها طائفة ؛ منهم مالك وغيره ، فلم يروا بها بأساً لمن فعلها راحة
وكرَّهوها لمن فعلها استناناً . ومنهم مَن قال باستحبابها على الإطلاق ؛ سواء فعلها
استراحةً أم لا .
قيل : وقد شُرِعت لمن يتهجَّد من الليل ، لما أخرجه عبد الرزاق ؛ عن عائشة
كانت تقول: إن النبي وَل﴿ لم يضطجع لسنَّةً، لكن كان يدأب ليلَه فيضطجع ليستريحَ
منه . وفیه راوٍ لم يسمَّ .
وقال النووي : المختارُ أنَّها سنّةٌ ، لظاهر حديث أبي هريرة .
قلت : وهو الأقربُ، وحديث عائشة !! لو صحَّ ؛ فغايته أنَّه إِخبار عن
فهمها، وعدمُ استمراره وَّه عليها دليلُ سنَّتُها. ثم إنَّه يسنُّ على الشقِّ الأيمن. قال
ابن حزم : فإن تعذَّر على الأيمن !! فإنَّه يومىءُ ولا يضطجع على الأيسر . انتهى
كلام (( سبل السلام)).
فائدة : ذكر سيّدي مصطفى البكري نفعنا الله بعلومه آمين؛ في كتابه ((المنهل
(١) يرميه بالحصباء .
٣٥

وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ . أَيْ : فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ.
العذب)) السائِغُ لوُرَّاده: أنَّه يقول في اضطجاعه: ((اللهمَّ ؛ ربَّ جبريل وميكائيل
وإسرافيل وعزرائيل ومحمَّد ◌َّو، أجرني من النار)) ثلاثاً.
وذکر سيّدي محيي الدين ابن عربي قدس الله سره في (( فتوحاته )) عن بعض
العلماء : أنَّه قال : مَن لم يضطجع لا تصحُ منه صلاة الصبح . وَوَجَّهَ مقالته .
قال(١) : وقد رأيت شيخنا الهمام عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى يفعلُه ،
ولم ينصَّ علماؤنا على سنيَّته ؛ أي : علماء الحنفية ، لكن نفعله لما ذكره الشيخ
الأكبر رحمه الله ، ومراعاةً لمن يقول بسنِّيَّتُه من غير مذهبنا ، ولكن ينبغي لمن علم
من نفسه أنَّ النوم غالبُه أن لا يضطجع مخافةً أن ينام ، وكرَّه مالكٌ الاضطجاع لهذه
العلة . انتهى كلام سيدي مصطفى البكري رحمه الله تعالى . ملخصاً .
( وَ) أخرج الترمذي في ((الشمائل))؛ (عَنْ عَائِشَةَ أَيْضاً) رضي الله تعالى عنها
( قَالَتْ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ لَ يُصَلِّيْ مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ ) . قال الباجوري : ( أَيْ
فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ ) ، فلا تُنافي هذه الرواية غيرَها من باقي الروايات .
وقد روى أبو داود ؛ عن عبد الله بن أبي قبيس قال : سألت عائشة رضي الله
تعالى عنها: بِكَمْ كان رسول الله وَلِّ يوتر؟ قالت: يوتر بأربع وثلاثٍ، وستٍّ
وثلاث ، وثمان وثلاث ، وعشرٍ وثلاث ، ولم يكن يوتر بأنقصَ من سبع ؛ ولا بأكثر
من ثلاث عشرة .
وللبخاري ؛ عن مسروق أنَّه سألها عن صلاته . فقالت : سبعاً ، وتسعاً ،
وإحدى عشرة ركعة سوى ركعتي الفجر . قال القرطبي : أشكل حديثُها على كثير ،
حتى نُسب للاضطراب . قال ابنُ حجر الهيتميُّ المكِّيُّ: وإنما يتمُّ لو اتَّحد الراوي
(١) أي : السيد مصطفى البكري.
٣٦

وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اَلْيَمَانِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ ..
قَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ ذُو الْمَلَكُوتِ وَأَلْجَبَرُوتِ وَأَلْكِبْرِيَاءِ وَأَلْعَظْمَةِ)).
عنها ، والوقت ، والصلاة . والصواب أنَّ ما ذكرَتْهُ من ذلك محمولٌ على أوقات
متعدِّدةٍ وأحوال مختلفة بحسب النشاط ، فكانَ تارةً يصلِّي سبعاً ، وتارة تسعاً ،
وتارة إحدى عشرة ؛ وهو الأغلب . انتهى .
وقد كان ﴿ تارة يصلي قائماً وهو الأغلب ، وتارة جالساً ؛ ثم قبل الركوع
يقوم .
( وَ) أخرج مسلم، وأبو داود، والترمذيُّ؛ في ((الجامع)) و((الشمائل))،
والنسائي، وابن ماجه مع تخالفٍ في بعضه، وهذا لفظ ((الشمائل)): ( عَنْ
حُذَيْقَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ مِنَ اللَّيْلِ ) أي : في
الليل . ولفظ أحمدَ والنسائي أنَّه صلَّى معه في ليلةٍ من رمضان .
( قَالَ ) - أي: حذيفة - ( فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ ) ؛ أي: بتكبيرة الإحرام ( قَالَ
اللهُ أَكْبَرُ ) من كلِّ شيءٍ . والظاهر أنَّه قال ذلك بعد تكبيرة الإحرام بدليل زيادةٍ
الكلمات الآتية ، كما قاله العلاَّمة مُلا علي قاري رحمه الله تعالى ؛ فيكون هذا صيغةً
من صيغ دعاءِ الافتتاح الواردة، ويؤيِّدُ ذلك روايةُ أبي داود: قال الله أكبر ((ثلاثا)).
( ذوْ المَلَكُوْتِ ) أي : صاحب الملك والعِزَّة ، لأن الملكوت - بفتحتين - : الملكُ
والعِزَّة. وصيغة (( فَعَلُوت)) للمبالغة، والكثرة ، كما في : رَحَموت ورَهَبوت.
( وَالجَبَرُوْتِ ) - بفتحتين أيضا - أي: الجبر والقهر ، والتاء فيه للمبالغة.
( وَالكِبْرِيَاءِ ) - بالمدِّ - أي: الترفُّع عن جميع الخلق مع انقيادهم، والتنزُّه عن
كلِّ نقصٍ ، ولا يوصف بهذين الوصفين غيرُه سبحانه وتعالى .
( وَالعَظَمَةِ ) : تجاوزُ القدر عن الإحاطة به .
وقيل: الكبرياءُ: عبارةٌ عن كمال الذات، والعظمةُ: عبارةٌ عن جمال الصفات .
٣٧

قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ ( الْبَقَرَةَ )، ثُمَّ رَكَعَ ؛ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ ،
وَكَانَ يَقُولُ: ((سُبْحَانَ رَبَِّ اَلْعَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)) ، ثُمَّ رَفَعَ
رَأْسَهُ؛ فَكَانَ قِيَامُهُ نَحْواً مِنْ رُكُوعِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: ((لِرَبِّيَ الْحَمْدُ ،
لِرَبِّيَ اَلْحَمْدُ)»،
( قَالَ) - أي حذيفة - (: ثُمَّ قَرَأَ) سورة ( ((البَقَرَة))) - أي - بكمالها بعد
الفاتحة؛ وإن لم يذكرها، اعتماداً على ما هو معلوم من أنَّه وَ ﴿ لم يُخْلِ صلاةً عن
الفاتحة .
( ثُمَّ رَكَعَ ؛ فَكَانَ رُكُوْعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ ) ، أي : قريباً منه ، فيكونُ قدرُ طولٍ
الركوع قريباً من هذا القيام الطويل ، ولا مانع منه ، لأنه ركن طويل .
( وَكَانَ يَقُوْلُ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيْمِ) - بفتح ياء الإضافة ، ويجوز إسكانها -
( سُبْحَانَ رَبِّيْ العَظِيْم)))؛ أي: وهكذا، فالمرَّتان المرادُ منهما التكرارُ مراراً
كثيرة؛ لا خصوص المرتين، على حدّ قوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَتَجِع اُلْصَرَّ كََّنٍ﴾ [٤/ الملك]
فكان يكرِّرُ هذه الكلمة ما دام راكعاً .
( ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من الركوع ( فَكَانَ قِيَامُهُ) ؛ أي : مكثَ في الاعتدال ( نَحْواً
مِنْ رُكُوْعِهِ ) .
قال النووي في (( شرح مسلم)): هذا فيه دليلٌ لجواز تطويل الاعتدال .
وأصحابنا يقولون : لا يجوز ، ويبطلون به الصلاة . انتهى .
وقال المناوي: زاد كلمة ((من)) في قوله ((نحواً من ركوعه)) !! تنبيهاً على أن
قيامَه ؛ أي : اعتداله كان يقرُب من ركوعه ؛ لا أنَّه يماثله ، وقربُه من الركوع أمرٌ
نسبيٌّ، فلا دليلَ فيه لما اختاره كثيرٌ من الشافعية - ومنهم النووي - : أنَّ الاعتدال
والقعودَ بين السجدتين ركنان طويلان ؛ بل المذهبُ أنَّهما قصيران ، فمتى زاد على
قدر الذكر المشروع فيهما عمداً بَطَلت الصلاة هذا محصولُ المذهب .
( وَكَانَ يَقُوْلُ) في الاعتدال: ( ((لِرَبِّيَ الحَمْدُ، لِرَبِّيَ الحَمْدُ))) . أي : كان
٣٨

ثُمَّ سَجَدَ؛ فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ
الأَعْلَى، سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى))، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَانَ مَا بَيْنَ
السَّجْدَتَيْنِ نَحْواً مِنَ الشُّجُودِ، وَكَانَ يَقُولُ: ((رَبِّ أَغْفِرْ لِي ، رَبِّ
أَغْفِرْ لِي)) حَتَّى قَرَأَ ( الْبَقَرَةَ)، وَ(آلَ عِمْرَانَ) ،
يكرِّر ذلك مادام في الاعتدال ، فليسَ المرادُ الإتيان بالمرَّتين فقط ، نظيرَ ما سبق ،
لكن المقرّر في الفروع أنَّه لا يندب تكرارُ ذلك ، بل يأتي بالأذكار المخصوصة ؛
وهي « ربنا لك الحمدُ ملءَ السموات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد ؛
أهلَ الثناء والمجد ... )) إلى آخره ولعلَّ ما وقع هنا لبيان الجواز !! والله أعلم .
( ثُمَّ سَجَدَ ؛ فَكَانَ سُجُوْدُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ ) ، أي : اعتداله من الركوع ؛ قاله
مُلاَّ علي قاري . وقال المناوي : أي : من قيامه للقراءة ، لا من قيامه من الركوع ،
وإلاَّ! لكان الطويل أقصرَ من القصير . انتهى وتبعه الباجوري .
( وَكَانَ يَقُوْلُ) في سجوده: ( (( سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، سُبْحَانَ رَبِّيَ
الأَعْلَىْ )))؛ أي: كان يكرِّرُ ذلك مادام ساجداً - كما تقدَّم في نظيره -.
( ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) - أي - من السجود الأول إلى الجلوس بين السجدتين .
( فَكَانَ ) الجلوس ( مَا) - أي الذي - ( بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَخْواً) - أي : قريباً -
(مِنَ الشُّجُوْدِ ) وقد علمت ما فیه !! .
( وَكَانَ يَقُوْلُ) - أي - في جلوسه بين السجدتين: ( ((رَبِّ أَغْفِرْلِيْ، رَبِّ أُغْفِرْ
لِيْ )))؛ أي: كان يكرِّر ذلك ما دام جالساً ، ويأتي فيه نظيرَ ما تقدَّم في تكراره
((لربي الحمد)) في الاعتدال، ولم يذكر السجودَ الثاني، ولا تطويلَه، ولا ما قاله
فيه !! لعلَّه لسهو من الراوي ، أو للاختصار لكونه يُعلَم بالمقايسة على السجود
الأوَّل .
(حَتَّى ) غاية لمحذوف، والتقدير واستمرَّ يُطوِّل حتَّى (قَرَأَ) سورة
( (البَقَرَة))) أي: في الركعة الأولى، ( وَ) سورة ( «آل عِمْرَانَ))) - أي - في
٣٩

وَ( النِّسَاءَ)، وَ( الْمَائِدَةَ)، أَوِ ( الأَنْعَامَ)؛ أَيْ: أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ
رَكَعَاتٍ قَرَّأَ فِي الأُولَى: ( الْبَقَرَةَ )، وَفِي الثَّانِيَةِ: ( آلَ عِمْرَانَ ) ،
وَفِي الثَّالِثَةِ: ( النِّسَاءَ )، وَفِي الرَّابِعَةِ: ( الْمَائِدَةَ) أَوِ (الأَنْعَامَ)(١)
. وَالشَّكُ فِيهِمَا مِنْ شُعْبَةً
الثانية، ( وَ) سورة ( ((النِّسَاءِ))) - أي ــ في الثالثة، ( وَ) سورة ( ((المَائِدَة))؛
أَوْ ) قال : سورة ( الأَنْعَامِ ) في الرابعة .
( وَالشَّكُّ فِيْهِمَا) أي: السورتين - وهما المائدة والأنعام - ( مِنَ) الإمام
الحافظ الحُجَّة العابد الصالح أمير المؤمنين في الحديث ؛ أبي بسطام :
( شُعْبَةَ) بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي (( مولاهم)) الواسطي ، ثم
البصري ((مولى عبدة بن الأعز))، وعبدة ((مولى يزيد بن المهلب الأزدي)).
كان شعبةُ من واسط ، ثم انتقل إلى البصرة فاستوطنها .
وهو من تابعي التابعين ، وأعلام المحدثين وكبار المحققين .
رأى الحسن البصري ، ومحمَّد بن سيرين ، وسمع أنس بن سيرين ، وعمرو بن
دينار ، والشعبي ، وخلائق لا يحصون من التابعين ، وخلائق من غيرهم .
روى عنه الأعمش ، وأيوب السختياني ، ومحمد بن إسحاق التابعيون ،
والثوري وابن مهدي ووكيع وعبد الله بن المبارك ويحيى القطّان ، وخلائق
لا يحصون من كبار الأئمة .
وأجمعوا على إمامته في الحديث وجلالته وتحرّيه واحتياطه وإتقانه .
وتوفي بالبصرة في أول سنة : - ١٦٠ - ستين ومائة ، وهو : ابن سبع وسبعين
(١) ساقطة من الأصل. وأثبتناها من ((وسائل الوصول))، ولكن الشارح - رحمه الله - قد
ضمَّنها في الشرح .
٤٠
-