Indexed OCR Text

Pages 361-380

وَقَطِيعَةِ الأَرْحَامِ ،
قال : ((إِصْلاحُ ذَاتِ البَيْنِ. وفَسادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ )» أي : الخصلة التي
شأنُها أن تحلق : أي : تهلك ، وتستأصل الدين كما يستأصل المزيّنون الشعر ، أو
المراد المزيلة لمن وقع فيها ، لما يترتَّب عليه من الفساد والضغائن . انتهى .
((شرح ((الإحياء )))).
( وَ) من محاسن الأعمال: اجتنابُ ( قَطِيْعَةِ الأَرْحَام ) ؛ وهم كلُّ قريب :
وارثاً ؛ أو غير وارث ، مَحْرَماً ؛ أو غير محرم .
قال العلامة ابنُ حجر في (( الفتاوى الفقهية)) ؛ كتاب السير : المراد بالأرحام
الذين يتأكَّد برُهم ، وتحرم قطيعَتُهم جميع الأقارب ، من جهة الأب أو الأم ؛ وإن
بَعُدوا .
وقال في (( الزواجر)): وظاهرٌ أن الأولاد والأعمام من الأرحام ، وكذا الخالة ؛
خلافاً للزركشي في قوله «إنَّ الخالة والعمَّ مثل الأب والأم؛ حتى في العقوق)).
انتهى .
والمراد بقطع الرحم : قطعُ ما أَلِفِ القريبُ منه مِن سابق الوُصْلة والإحسان لغير
عذر شرعي ، لأن قطع ذلك يؤدِّي إلى إيحاش القلوب ونُفْرَتها وتأذِّيها ، ويصدُق
عليه حينئذ أنَّه قطع وُصْلَةَ رحمه ، وما ينبغي لها من عظيم الرعاية ، فلو فُرِض أَنَّ
قريبَه لم يصل إليه منه إحسان ؛ ولا إساءة ! قط ، لم يفسُق بذلك .
ولا فرق بين أن يكون الإحسان الذي ألفَهُ ؛ منه القريب ؛ مالاً ، أو مكاتبة ، أو
مراسلة ، أو زيارة ، أو غير ذلك . فقطع ذلك كلِّه بعد فعله لغير عذر كبيرةٌ . قاله
ابن حجر في (( الزواجر)) .
قال : وينبغي أن يُراد بالعذر في المال فقدُ ما كان يصلُه به ؛ أو تجدُّد احتياجه
إليه ، أوْ أن يندبه الشارع إلى تقديم غيرِ القريب عليه ، لكون الأجنبي أحوجَ أو
أصلحَ ، فعدمُ الإحسان إليه ، أو تقديمُ الأجنبي عليه لهذا العذر يرفع عنه الفسق ؛
٣٦١

0 و و
وَسُوءِ الْخُلُقِ
وإن انقطع بسبب ذلك ما ألفه منه القريب ، لأنه إنَّما راعى أمر الشارع بتقديم
الأجنبي على القريب . وواضح أن القريب لو أَلِف منه قدراً معيَّناً من المال يعطيه إيّاه
كل سنة مثلاً فنقصه ؛ لا يفسق بذلك ، بخلاف ما لو قطعه من أصله لغير عذر .
فإن قلت : يلزم على ذلك امتناعُ القريب من الإحسان إلى قريبه أصلاً ؛ خشيةً
أنه إذا أحسن إليه يلزمه الاستمرار على ذلك ؛ خوفاً من أن يفسق لو قطعه ، وهذا
خلاف مراد الشارع من الحثِّ على الإحسان إلى الأقارب؟ !.
قلت : لا يلزم ذلك ، لما تقرَّر أنه لا يلزمه أن يَجريَ على تمام القدر الذي ألفه
منه ، بل اللازم له أن لا يقطع ذلك من أصله . وغالب الناس يحملهم شفقة القرابة
ورعاية الرَّحم على وصلتها ، فليس في أمرهم بمداومتهم على أصل ما أَلِفِوه منهم
تنفير عن فعله ، بل حثٌّ على دوام أصله ، وإنما يلزم ذلك لو قلنا (( إنه إذا ألف منه
شيئاً بخصوصه يلزمه الجريان على ذلك الشيء المخصوص دائماً ؛ ولو مع قيام
العذر الشرعي )) !! ، ونحن لم نقل ذلك .
وأما عذر الزيارة ! فينبغي ضبطه بعذر الجمعة (١) ، بجامع أن كُلّ فرض عين ؛
وتركه كبيرة ، وأما عذر ترك المكاتبة والمراسلة ! فهو أن لا يجد مَن يثق به في أداء
ما يرسله معهُ ، والظاهر أنه إذا ترك الزيارة التي أُلِفَتْ منه في وقت مخصوص لعذر
لا يلزمه قضاؤها في غير ذلك الوقت ، فتأمَّل جميع ما قررته واستفده ، فإني لم أَرَ
مَن نَّه على شيء منه مع عموم البلوى به وكثرة الاحتياج إلى ضبطه . انتهى كلام ابن
حجر ؛ شكر الله مسعاه ورضي الله عنه وأرضاه . آمين .
( وَ) اجتناب ( سُوْءِ الخُلُقِ) وهو خلاف حُسن الخُلُق.
والخُلُق ؛ بضمتين : هيئة راسخة تصدر عنها الأفعال بيُسر من غير حاجة إلى
فكر ورويَّة ، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً
(١) يعني أعذار ترك صلاة الجمعة .
٣٦٢

وَالتَّكَبُّرِ ،
بسهولة ! سميت الهيئة خلقاً حسناً ، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة ؛ سميت
الهيئة التي هي المصدر خُلقاً سيئاً ، وليس الخُلق عبارة عن الفعل ، فربَّ شخص
خُلُقه السخاء ؛ ولا يبذل !! إما لفقد مال أو لمانع ، ولا يسمى خلقاً ما لم يثبت
ذلك في نفسه ثبوت رسوخ واستقرار .
( وَ) من محاسن الأعمال اجتناب (التَّكَبُّرِ) اعلم أنَّ الكِبْر اسم لحالة يتخصَّص
بها الإنسان من إعجابه بنفسه ، وأن يرى نفسه أعظمَ من غيره .
وهو ينقسم إلى ظاهر وباطن ، فالباطن : هو خُلُق في النفس . والظاهر : هو
أعمالٌ تصدُرُ من الجوارح ، واسمُ الكِبر بالخُلُق الباطن أحقُّ ، لأنه منشأ الإعجاب
والرؤية ، وأما الأعمال فإنَّها ثمرةٌ لذلك الخُلُق ونتائج له ، وخُلُق الكِبر موجِبٌ
للأعمال ، ولذلك إذا ظهر أثره على الجوارح يقال : تكبر واستكبر ، وإذا لم يظهر
يقال : فلان في نفسه كِبر ، فالأصل هو الخُلُق الذي في النفس ، وهو الاسترواح
والركون إلى رؤية النفس فوقَ المتكَبَّر عليه، ويسمَّى الكبر أيضاً ((عِزَّة))
و(( تعظُّماً))، ولذلك قال ابن عبّاس في قوله تعالى ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلََّ كِبْرٌمَّا
هُم بِبَلِغِيةٍ﴾ [غافر / ٥٦]؛ قال : عظمة لم يبلغوها ، ففسر الكِبر بتلك العظمة.
والأعمال الصادرة عن خلق الكِبر كثيرة ، وفيه يهلك الخواصُّ من الخَلق ،
وقلَّما ينفكُّ عنه العباد والزُمَّاد والعلماء؛ فضلاً عن عوامٌ الخلق ، وهو من الكبائر
وآفته عظيمة، وكيف لا تعظُم آفته؛ وقد قال رََّ: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في
قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ )) ... الحديث !! رواه مسلم؛ عن ابن مسعود
رضي الله تعالى عنه .
وإنما صار حجاباً دون الجنة !! لأنَّه يَحُول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين
كلِّها ، وتلك الأخلاق هي أبوابُ الجنة . والكِبر وعزَّة النفس يغلق تلك الأبواب
كلَّها ؛ لأنه لا يقدر أن يُحبَّ للمؤمنين ما يحبُّ لنفسه ؛ وفيه شيء من العزّ !!
ولا يقدر على التواضع - وهو رأس أخلاق المتقين - وفيه العزُّ !! ولا يقدر على ترك
٣٦٣

وَأَلْفَخْرِ ، وَأَلِاخْتِيَالِ ، وَأَلِسْتِطَالَةِ،
الحقد ؛ وفيه العزُّ! ولا يقدر أن يدوم على الصِّدق ؛ وفيه العزّ ! ولا يقدر على ترك
الغضب ؛ وفيه العزُّ ، ولا يقدر على كظم الغيظ ؛ وفيه العزّ ، ولا يقدر على ترك
الحسد ؛ وفيه العزّ ، ولا يقدر على النصح اللطيف ؛ وفيه العزُّ ، ولا يقدر على
قبول النصح ؛ وفيه العزّ ، ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم ؛ وفيه العزُّ ،
ولا معنى للتطويل .
فما مِن خُلُق ذميم إلاَّ وصاحبُ العزِّ والكِبْر مضطرّ إليه، ليحفظ به عِزَّه !!
وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه ؛ خوفاً من أن يفوته عزُّه !!
فمن هذا المعنى لم يدخل الجنة مَن في قلبه مثقَالُ حبّة منه .
والأخلاق الذميمة متلازمة ، والبعض منها داعٍ إلى البعض لا محالة .
وشرّ أنواع الكِبْر ما يمنعُ من استفادة العِلم ؛ وقبول الحق ، والانقياد إليه . وفيه
وردت الآيات التي فيها ذَمُ الكبر والمتكبرين. انتهى ملخصاً من ((الإحياء))
وشرحه .
( وَ) اجتناب (الفَخْرِ): ادِّعاء العظم والكُبْر والشرف. والتفاخر : التعاظم
والتفخُّر التكبُّر .
( وَ) اجتناب (الاخْتِيَالِ ) - بالخاء المعجمة -، قال النووي : قال العلماء
الخُيَلاَءِ والمَخْيَلة والبَطر والزُّهوّ والتبختر كلُّها بمعنى واحد ، وهو حرام ، ويقال :
خال الرجل خالاً ، واختال اختيالاً : إذا تكبِّر ، وهو رجل خالٍ ؛ أي : متكبر ،
وصاحب خال ، أي : صاحب كِبر . انتهى .
وقال العراقي في (( شرح الترمذي)) : كأنه مأخوذ من التخيّل إلى الظّنّ ، وهو
أن يخيّل له أنه بصفة عظيمة بِلُبْسِهِ لذلك اللباس أو لغير ذلك. انتهى نقله في (( شرح
الإحياء)).
( وَ) اجتناب (الاسْتِطَالَةِ) في عرض المسلم أي : وصفه بأوصافٍ قبيحة ،
٣٦٤

وَاَلْبَذَخِ ، وَأَلْفُحْشِ ، وَالتَّفَخُشِ ،
واحتقاره والترفُّع عليه ، والوقيعة فيه ؛ بنحو قذف أو سبِّ ، لأن العرض أعزّ على
النّفس من المال .
( وَ) اجتناب ( البَذَخ) - بالموحدة المفتوحة والذال المعجمة المفتوحة ،
والخاء المعجمة آخره ـ؛ وهو تطاول الرجل بكلامه وافتخارُه .
( وَ) اجتناب ( الْفُحْشِ) اسمٌ لكلِّ ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال
الظاهرة ، كما ينكره العقل ويستخبئه الشرع ، فتتفق في حكمه آيات الله الثلاث ؛ من
الشرع ، والعقل ، والطبع .
( وَ) اجتناب (التَّفَخُّشِ ) : تكلُّف ذلك وتعمُّده، وكلُّ ذلك مذموم ومنهيٌّ
عنه، ومصدره الخبث واللؤم في أصل الطبع، قال رسول الله وَليقول: ((إِيَّاكَ
وَالْفُحْشَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالى لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلاَ الْتَّفَحشَ)) رواه النسائي في (( سننه
الكبرى))، والحاكم وصحَّحه ؛ من حديث عبد الله بن عَمْرو ، ورواه ابن حبَّان ؛
من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم .
وقال بَّ: ((لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَانِ ، ولا الفَاحِش، ولا الْبَذِيء)).
رواه الترمذي بإسناد صحيح ؛ من حديث ابن مسعود ، والحاكم وصحَّحه ، ورواه
البخاري في ((الأدب المفرد))، وأحمد وأبو يعلى، وابن حبَّان ، والطبراني ،
والبيهقي : كلُّهم ؛ من حديث ابن مسعود مرفوعاً .
والطَّعَان : هو الوقَّع في أعراض الناس بنحو ذَمَّ ، أو غيبة .
واللَّعَّان : الذي يكثر لَعْن الناس ، والفاحش : ذو الفحش في كلامه وأفعاله ،
والبذيءُ الفاحشُ في منطقه ؛ وإن كان الكلام صِدْقاً .
وعنه ◌َ: (( الجنَّةُ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ فَاحِشٍ أَنْ يَدْخُلَهَا )) رواه ابن أبي الدنيا، وأبو
نعيم في ((الحلية))؛ من حديث عبد الله بن عمرو بإسناد فيه لِيْن. انتهى. شرح
((الإحياء)).
٣٦٥

وَالْحِقْدِ ،
( وَ) اجتناب (الحِقْدِ ) وهو: الانطواء على العداوة والبغضاء وهو ثمرة
الغضب ونتيجته ، لأن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفِّ في الحال رجع إلى
الباطن واحتقن فيه ؛ فصار حقداً ، فيلزم قلبه حينئذ استثقاله والبغضة له والنّفَار
عنه .
والحقد يُثمر ثمانية أمور :
الأول : الحسد ؛ وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنَّى زوال النعمة عنه ،
فتغتمَّ بنعمة ؛ إن أصابها ، وتسرّ بمصيبة ؛ إن نزلت به .
الثاني : أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن ، فيشمت بما يصيبه من البلاء .
الثالث : أن تهجره وتصارِمَه وتنقطع عنه ؛ وإن طلبك وأقبل عليك .
الرابع : وهو دونه بأن تعرض عنه استصغاراً له .
الخامس : أن تتكلَّم فيه بما لا يحلُّ ؛ من كذب ، أو غيبة ، وإفشاء سرٍّ ،
وهتك ستر وغيره .
السادس : أن تحاكيَه استهزاءً وسُخْرية منه .
السابع : إيذاؤه بالضرب ؛ وما يُؤلِمُ بدنه .
الثامن : أن تمنعه حقَّه ؛ من قضاء دين ، أو صلة رحم ، أو ردّ مظلمة ! وكلُّ
ذلك حرام .
وأقلّ درجات الحقد : أن تحترز من الآفات الثمانية المذكورة ، ولا تخرج
بسبب الحقد إلى ما تعصي الله به ، ولكن تستثقله في الباطن ، ولا ينتهي قلبك عن
بغضه حتى تمتنعَ عما كنت تتطوَّع به ؛ من البشاشة والرفق والعناية ، والقيام
بحاجاته ، والمجالسة معه على ذكر الله تعالى ، والمعاونة على المنفعة له . أو بترك
الدعاء له والثناء عليه ، أو التحريض على برِّه ومواساته ، فهذا كلُّه مما ينقص
درجتك في الدين ، ويحولُ بينك وبين فضل عظيم وثوابٍ جزيل ؛ وإن كان
٣٦٦

وَالْحَسَدِ ،
لا يعرّضُكَ لعقاب الله تعالى .
( وَ) اجتناب (الحَسَدِ )؛ وهو: تمنِّي زوال نعمة الغير، سواء تمنَّها
لنفسه؛ أو لا ، بأن تمنّى انتقالها عن غيره لغيره ، وهذا أخسُّ الأخِسَّاء ، لأنه باع
آخرته بدنيا غيره ، بخلاف ما إذا تمنَّى مثلَ نعمةِ الغير ؛ فإنَّه غبطةٌ محمودة في
الخير، كما ورد: ((لا حَسَدَ إِلَّ في اثْنَتَيْنِ)) ... الحديث.
ودليل تحريمه الكتاب والسنّةُ والإجماع .
جَ﴾ [الفلق]، وقال ◌َّهِ: ((الْحَسَدُ
قال الله تعالى ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ الْنَّرُ الْحَطَبَ)) رواه أبو داود ؛ من حديث أبي هريرة ، وابنُ
ماجه ؛ من حديث أنس .
وقالل ◌َّهُ: ((لاَتَحَاسَدُوا، وَلاَ تَقَاطَعُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا
عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً)) أخرجه الإمام أحمد ، والبخاريُّ، ومسلمٌ .
وفي رواية لمسلم: ((لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا،
وَلاَ تَدَابَرُوا، ولا تَبَعْ بَعْضُكُمْ عَلى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً ، الْمُسْلِمُ
أَخُو الْمُسْلِمِ » ... الحديث بطوله.
وقال ◌َله: ((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ،
لا أَقُولُ ((حَالِقَةُ الْشَّعْرِ))، وَلَكِنْ حَالِقَةُ الْدِّيْنِ، وَالَّذِيْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ؛
لاَتَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَنْ تُؤْمِنوا حَتَّى تَحَابُوا، أَلاَ أُنْتُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذِلِك
لَكُمْ !! أَفْشُوا الْسَّلَامَ بَيْنَكُمْ )) .
رواه الطيالسي، وابنُ منيع، وأحمد ، وعبد بن حُمَيد ، والترمذيُّ ، وابن أبي
الدنيا، والشَّاشيُّ، وابن قانع، وابن عبد البرِّ في ((جامع العلم))، والبيهقيُّ ،
والضِّياءُ المقدسي : كلُّهم ؛ من طريق مولى للزبير ، عن الزُّبير بن العوَّام مرفوعاً .
والأحاديثُ الدالّة على تحريم الحسد كثيرة ، وهو من (( الكبائر )) كما ذكره ابن
٣٦٧

وَالطَِّرَةِ ، وَاَلْبَغْيِ ،
حجر في (( الزواجر )) رحمه الله .
( وَ) اجتناب (الطِّيَرَةِ) - بالطاء المهملة؛ وزانُ عِنَبَة - أي: التطيُّر ؛ وهو
التَّشاؤم ، وكانت العرب إذا أرادت المضيَّ لِمُهمَّ مَرَّت بمجاثم الطَّر وأثارتها
لتستفيد: هل تمضي ؛ أو ترجع؟! فنهى الشارع عن ذلك، وقال: (( لا هَامَ
ولا طِيَرَةَ ))، وقال : ((أَقِرُوا الْطَّيْرِ فِي وُكُنَتِهَا)) . أي : على مجاثمها .
وقال رَّهِ: ((ثَلاَثٌ لا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الظَّرُ وَالْطِّيَرَةُ وَالْحَسَدُ، وَسَأُحَدِّئُكُمْ
بِالمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ)). قَالُوا: أَخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللهِ! قال: ((إِذا ظَنَنْتَ فَلاَ تُحَقِّقْ،
وَإِذا تَطَيَّرْتَ فَأَمْضٍ، وَإِذا حَسَدْتَ فَلا تَبْغِ)) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذُّ
الحسد)) ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وفيه راويان ضعيفان .
ورواه أبو الشيخ في ((التوبيخ))، والطبراني في (( الكبير))؛ من حديث
حارثة بن النعمان: (( ثَلاثٌ لازِمَاتٌ لِأُمَّتِي: سُوءُ الظَّنِّ، والحَسَدُ، وَالطِّيَرَةُ ، فإذا
ظَنَنْتَ فَلاَ تُحَقِّقْ، وإِذا حَسَدْتَ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ، وَإِذا تَطَيَّرتَ فَأَمْضٍ)) ذكره في شرح
((الاحياء)).
وقد نظم ذلك بعضهم ؛ فقال :
طِيَرَةٌ وَالظَّنُّ ثُمَّ الْحَسَدُ
ثَلاَثَةٌ لَمْ يَنْجُ مِنْهَا أَحَدُ
وَقَدْ سَلِمْتَ خُذْ كَلاَمَ مُشْفِقِ
لا تَبْغِ لا تَرْجِعْ وَلاَ تُحَقِّقِ
بِالْمُؤْمِنِيْنَ المُجْتَبَى الْعَطُوفِ
أَغْنِي كُلاَمَ الْمُصْطَفَىُ الرَّؤُوفِ
( وَ) اجتناب ( البَفِي ) : التعدِّي عن الحقِّ، والاستطالة.
قال الفرَّاءُ في قوله تعالى ﴿وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف/٣٣]: إن البغي
الاستطالةُ على النَّاس .
وقال الأزهريُّ : معناه الكِبْرُ ، وقيل : هو الظلم والفسادُ .
وقال الرَّاغب : البغيُ على ضربين : أحدهما : محمود ؛ وهو : تجاوز العدل
٣٦٨

وَأَلْعُدْوَانِ ، وَالظُّلْمِ
•
إلى الإحسان ، والفرض إلى التطوع .
والثاني : مذموم ؛ وهو : تجاوز الحقِّ إلى الباطل ، أو تجاوزُه إلى الشُّبْهة ،
ولذلك قال الله تعالى ﴿إِنََّا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ﴾
[النور / ٢٤] . فخَصَّ العقوبة بمن يبغيه بغير الحق .
قال : والبغيُ في أكثر المواضع مذمومٌ .
قال الأزهري: وأما قوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة/ ١٧٣] !!
فغيرُ باغ أكلَها تلذُّذاً ، وقيل : غير طالبٍ مجاوزةَ قَدْر حاجته ، وقيل : غير باغ على
الإمام .
وقال الرّاغب : أي غيرَ طالب ما ليس له طلبه .
قال الأزهري : ومعنى البغي قصدُ الفساد ، وفلان يبغي على الناس ؛ إذا
ظلمهم وطلب أذاهم .
وقال الجوهري : كلُّ مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدٌّ الشيء بغيٌ .
انتهى شرح ((القاموس)).
( وَ) اجتناب ( العُدْوَانِ) - بضمّ العين المهملة وكسرها - وهو: الظلم
المجاوز للقَدْر ، فكأنه تجاوز في الإخلال بالعدالة ، ومنه قوله تعالى ﴿فَلَ عُدْوَانَ إِلَّا
عَلَى الظَّالِمِينَ
﴾ [البقرة]؛ أي: لا سبيل، وقيل : العدوان سوءُ الاعتداء ؛ في قول ،
أو فعل ، أو حال ومنه قوله تعالى ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾
[الشعراء] أي : معتدون .
١٦3)
[النساء]، وقوله تعالى ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ
قال الراغب : الاعتداءُ مجاوزة الحقِّ ، وقد يكون على سبيل الابتداء ؛ وهو
المنهيُّ عنه، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تَفْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ
[البقرة]، وقد يكون على سبيل المجازاة .
ويصحُّ أن يُتَعَاطِى مع مَنِ ابتدأ ، كقوله تعالى ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ
٣٦٩

مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة/ ١٩٤] أي: قابلوه بحقِّ اعتدائه، سُمِّي بمثل اسمه !! لأن
صورةَ الفعلين واحدةٌ ، وإن كان أحدُهما طاعةً والآخر معصية . انتهى . شرح
((القاموس)) .
( وَ) اجتناب ( الظُّلْم) - بالضم -: التصرّف في ملك الغير، ومجاوزة الحدّ؛
قاله المناوي .
وقال الراغب : هو - عند أكثر أهل اللغة -: وضعُ الشيء في غير موضعه
المختصِّ به ؛ إما بزيادة ، أو نقصان ، وإما بعدول عن وقته ومكانه ، ويقال فيما
يكثر وفيما يقلُّ من التجاوز ، ولهذا يستعمل في الذنب الكبير ، وفي الذَّنب
الصغير .
قال بعض الحكماء : الظُّلم ثلاثةٌ :
الأول : ظُلْمٌ بينَ الإنسانِ وبينَ اللهِ تعالى، وأعظمهُ الكفرُ والشركُ والنفاقُ ،
ولذلك قال عزَّ وجل ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان].
والثاني : ظُلمٌ بينَهُ وبَيْنَ الناس، وإيّاهُ قصد بقوله ﴿ إِنََّا السَِّيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ
النَّاسَ﴾ [الشورى/ ٤٢]، ويقوله ﴿ وَمَن قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾ [الإسراء/ ٣٣].
والثالث : ظلمٌ بينَهُ وبينَ نفسِهِ ، وإيّاه قصد بقوله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾
[فاطر / ٣٢].
وكلُّ هذه الثلاثة في الحقيقة ظلمٌ للنفس ، فإنَّ الإِنسان أوَّل ما يَهُمُّ بالظلم فقد
ظَلَمَ نَفْسَهُ، فإذنِ الظَّالِمُ أبداً مبتدىءٌ بنفسه في الظلم ، ولهذا قال تعالى في غير
﴾ [النحل] ، وقوله تعالى
٣٣
موضع ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
﴿وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام/ ٨٢] فقد قيل: هو الشركُ انتهى. شرح
((القاموس)) .
قال ابن حجر في (( الزواجر)) : أخرج الشيخان وغيرُهما ؛ عن ابن عمر
رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَّر: «الْظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٣٧٠

وأخرج مسلم وغيره : (( اتَّقُوا الْظُلْمَ ، فَإِنَّ الْظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، اتَّقُوا
الشُّحَّ، فَإِنَّ الْشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ ،
وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ )).
وأخرج مسلم وغيرهُ؛ عن النبي ◌ِّ ـ فيما يرويه عن ربِّه عزَّ وجلَّ - أَنَّه قال:
((يَا عِبَادِي؛ إِنِّي حَرَّمْتُ الْظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً، فَلاَ تَظَالَمُوا)) ..
الحديث .
وأخرج الطبراني: ((لا تَظَالَمُوا فَتَدْعُو فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ، وَتَسْتَسْقُوا فَلاَ
تُسْقَوا، وَتَسْتَنْصِرُوا فَلاَ تُنْصَرُوا ».
وأخرج البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما أنَّه وَّرِ قال لمعاذ - لمَّا بعثه إلى اليمن - :
(( اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)) .
وأخرج الشيخان وغيرُهما: ((إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ)) .
﴾ [هود])) .
١٠٢
ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِمٌ شَدِيدٌ
وأخرج أبو الشيخ: ((قَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلَاَلِي لأَنْتُقِمَنَّ مِنَ الْظَّالِمِ فِي
عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ ، وَلأَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ رَأَى مَظْلُوماً فَقَدَرَ أَنْ يَنْصُرَهُ؛ وَلَمْ يَفْعَلْ )) .
وأخرج البخاريُّ، والترمذيُّ: ((أُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً؛ أَوْ مَظْلُوماً)) . فقال
رجل: يا رسول الله ؛ أنصُرُهُ إذا كان مَظْلُوماً ، أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصُره !؟
قال : ((تَحْجُزُهُ - أَوْ: تَمْنَعُهُ - عَنِ الْقُّلْمِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ)).
وأخرج مسلم: (( وَلْيَنْصُرِ الْرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِماً؛ أَوْ مَظْلُوماً، فَإِنْ كَانَ ظَالِماً
فَلْيَنْهَهُ ، فَإِنَّهُ لَهُ نُصْرَةٌ ، فَإِنْ كَانَ مَظْلُوماً فَلْيَنْصُرْهُ)) . انتهى كلام ابن حجر رحمه الله
تعالى مقتطفاً .
وهذه الجمل التي جاءت في هذا الحديث الكلامُ عليها بالإِسهاب يستدعي
مجلَّداً كاملاً ؛ فلنقتصر على هذا القدر من شرحها ، ولنرجع إلى كلام المؤلف .
٣٧١

قَوْلُهُ وَثْرٌ : ( أَلْوَتْرُ ) : الثَّأْرُ .
وَ( الذَّخَّلُ ) : الْحِقْدُ وَالْعَدَاوَةُ، وَالثَّأْرُ أَيْضاً .
قَالَ أَنَسِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَلَمْ يَدَعْ نَصِيحَةٌ جَمِيلةٌ إِلاَّ وَقَدْ دَعَانًا
إِلَيْهَا وَأَمَرَنَا بِهَا، وَلَمْ يَدَعْ غِشّاً - أَوْ قَالَ: عَيْباً، أَوْ قَالَ: شَيْئاً - إِلاَّ
حَذَّرَنَاهُ وَنَهَانَا عَنْهُ، وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هَذِهِ آلآيَةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ
وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
( قَوْلُهُ) وكلُّ ذي ( وَثْرٍ : الوَتْرُ) - بفتح الواو وسكون التاء المثناة -: ( الثَّأْرُ .
و) أما (الذَّحَلُ) - بفتح الدَّال المعجمة وفتح الحاء المهملة - فهو ( الحِقْدُ،
وَالعَدَاوَةُ، وَالنَّأُرُ أَيْضاً) يقال: طلب بذَحَله ؛ أي: بثأره . والله أعلم .
وهذا الحديث المتقدِّمُ بطوله . قال الحافظ العراقيُّ: لم أقف له على أصل !!
ويغني عنه حديثُ معاذ الآتي بعده بحديث :
( قَالَ أَنَسُ ) بن مالك (رَضِيَ اللهُ تَعالَى عَنْه: فَلَمْ يَدَعْ ) ◌َّهِ (نَصِيْحَةً جَمِيْلَةً ؛
إِلَّ وَقَدْ دَعَانَا إِلَيْهَا وَأَمَرَنَا بِهَا، وَلَمْ يَدَعْ غِشّاً - أَوْ قَالَ: عَيْباً؛ أَوْ قال : شيئاً - إِلاَّ
حَذَّرَنَاهُ ونِهَانَا عَنْهُ، وَيَكْفِيْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿﴿ إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾
[٩٠/ النحل] أُلَآيَةَ) . أي: اقرأ الآية.
قال العراقي : لم أقف له على إسناد !! وهو صحيح من حيث الواقع . انتهى .
قال في (( شرح الإحياء)): والذي يظهر من سياق المصنِّ أن الحديث المتقدِّم
هو من رواية أنس عن معاذ فتأمَّل !!.
وأخرج ابن النَّجار في (( تاريخه)) ؛ من طريق الحارث العطلي ؛ عن أبيه قال:
مرّ عليّ بن أبي طالب بقوم يتحدّثون ، فقال : فيمَ أنتم ؟ قالوا : نتذاكر المروءة ،
فقال : أوَ ما كفاكم الله عزَّ وجلَّ ذاك في كتابه ؛ إذ يقول ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاَلْإِحْسَنِ﴾ [٩٠/ النحل] فالعدلُ الإنصاف، والإحسانُ التفضلُ، فما بقي بعد هذا!؟!
٣٧٢

وَقَالَ مُعَاذْ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( يَا
مُعَاذُ ؛ أُوصِيكَ بِأَتَّقَاءِ اللهِ ،
وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ؛ عن قتادة قال : ليس من خُلُق حَسَنٍ كانَ
أهلُ الجاهليةِ يعملونَ بِهِ ويعظمونه ويُحبُّونه إلا أَمَر الله به ، وليس من خلق سيء
كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه، وإنَّما نَهَى عن سفَاسِفِ الأَخْلاقِ ومَذامِّها .
والله أعلم . انتهى .
(وَقَالَ مُعَاذٌ) أي: ابن جبل رضي الله تعالى عنه: ( أَوْصَانِيْ رَسُوْلُ اللهِ وَّ ؛
فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ ؛ أُوصِيْكَ بِاتِّقَاءِ اللهِ ) . أي : بتقوى الله التي هي امتثال المأمورات
واجتنابُ المنهيَّات ، فبذلك يصيرُ العبدُ في وقاية من النار ، ودرجة عالية مع المتقين
في دار القرار .
والتقوى ثلاث مراتب ؛
الأولى : التوقِّي من العذاب المخلِّد صاحبه ، وذلك بالتبرِّي من الكفر ، وعليه
قوله تعالى ﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [٢٦/ الفتح] فإن المراد بها ((لا إله إلا الله مُحمد
رسولُ الله )) .
والثانية : التجنُّب عن كلِّ ما فيه لومٌ ؛ حتَّى الصغائر عند قوم ، وهذا المعنى هو
المعنيُّ بقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَلَأَدْ خَلْنَهُمْ جَنَّتِ التَّعِيمِ !
٦٥﴾ [المائدة] .
والثالثة : أن يتنزَّه العبدُ عن كلِّ ما يشغل سِرَّه عن الحق ، وهو المعنى المراد
بقوله تعالى ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [١٠٢/آل عمران] .
وتقوى الله مطلوبةٌ من العبد في كلِّ حال ؛ في جميع الأقوال والأفعال
والحركات والسَّكَنات ، وهي كلمةٌ جامعة للخيرات مانعة للسيئات ، وبها تُنال
السعادة الأبديةُ والكرامة الأخروية ، وهي منتهى درجاتِ السالكين ووصية الله
الأولين والآخرين، قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ وَصَّنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ
٣٧٣

أَثَّقُوا اللَّهُ﴾ [النساء/ ١٣١].
وكم ترتَّب عليها من كراماتٍ ومواهب وعَطِيَّاتٍ من رَبِّ البريَّات !!
فمن ذلك: المدحةُ والثناء قال تعالى ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
اَلْأَمُورِ (3)﴾ [آل عمران].
ومن ذلك : الحفظ والوقاية من كيد الأعداء ، قال تعالى ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ
لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [١٢٠/ آل عمران].
ومن ذلك : النصرُ والتأييد، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم
تُحْسِنُونَ (٣)﴾ [النحل).
ومن ذلك النجاةُ من الشدائد والرزق الحلال ، قال تعالى ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
يَخْرَا ةَ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق].
ومن ذلك : إصلاحُ العمل وغفران الذنوب، قال الله تعالى ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُوْ قَوْلًا سَدِيدًا لَا يُصْلِعْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِّرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ
فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
﴾ [الأحزاب] .
ومنها محبةُ الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ
﴾ [التوبة] .
٤
ومن ذلك : القبولُ، قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ
٢٧﴾ [المائدة].
ومن ذلك : الإكرامُ والإعزاز، قال تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾
(١٣/ الحجرات] . فجعل الكرامة عنده بالتقوى ، لا بالأنساب ، ولا بالأموال ،
ولا بشيء آخر !!.
ومن ذلك : التيسيرُ في الأمور قال تعالى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَفْسِهِ، يُسْرَا
[الطلاق] .
ومن ذلك : البشارةُ بكل خير في الدنيا والآخرة، قال تعالى ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ ذَلِكَ
٣٧٤

وَصِدْقِ اَلْحَدِيثِ ،
هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
﴾ [يونس] .
ومنها: النجاةُ من النار، قال الله تعالى ﴿وَإِنِ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا
مَّقْضِيًّا ذَاثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَنَّذَرُ الَّالِمِينَ فِيَهَا حِيًّا ◌ِثَ﴾ [مريم].
ومنها : الخلودُ في الجنة، قال تعالى ﴿﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
﴾ [آل عمران] وقال تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِنْدَ
١٣
رَبِّهِمْ جَنَّكُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [١٥/آل عمران] ...
إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها ذكر التقوى ومدح المتقين في نحو مئة
وخمسين آية ، والأحاديث الواردة فى وصف المتقين كثيرة .
قال الإمام حُجَّة الإسلام الغزاليُّ رحمه الله تعالى :
اعلم أن التقوى كنزٌ عزيز ، فلئن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر شريف ،
وعلوٍّ، وعلم جَسيم ، ومُلْك عظيم ، فكأن خيرات الدنيا والآخرة جُمعت في هذه
الخصلة التي هي التقوى ، وتأمَّل ما في القرآن كم عُلِّق بها من خير ، وكم وُعِد عليها
من ثواب ، وكم أضافَ إليها من سعادة !!. انتهى .
وقال بعض العارفين : من أخرجه الله من ذلِّ المعصية بعزِّ التقوى ؛ أغناه
بلا مال ، وأعزَّه بلا عشيرة ، وآنسه بلا أنيس . انتهى .
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المثَّقين ، وأن يدخلنا في عباده الصالحين مع
الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء والصالحين . آمين .
( وَصِدْقِ الحَدِيْثِ)، أي: المقال. قال العلامة ابن أبي شريف في (( حواشي
شرح العقائد )): الصدقُ استعمله الصوفية بمعنى استواء السِّرِّ والعلانية، والظّاهر
والباطنِ ؛ بأن لا تكذِّبَ أحوالُ العبدِ أعمالَه، ولا أعمالُه أحوالَه، وجعلوا
الإخلاص لازماً أعمّ ؛ فقالوا : كلُّ صادقٍ مُخْلص ، وليس كلُّ مخلص صادق .
انتهى .
٣٧٥

وَأَلْوَفَاءِ بِأَلْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ ، وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ ،
أخرج البخاريُّ، ومسلم ؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ؛ عن النبي وَل
أنه قال : ((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى أَلْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنّةِ، وإِنَّ الرَّجُلَ
لِيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِيْقاً، وَإِنَّ اٌلْكَذِبَ يَهْدِي إِلى الفُجُورِ ، وَإِنَّ الْفُجُورَ
يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذّاباً )).
ورواه بنحوه ؛ من حديث ابن مسعود: أحمدُ ، والبخاريُّ في (( الأدب
المفرد ))، والترمذيُّ، وفي أوَّله عندهم: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي
إِلَى الْبِرِّ، وَإِيَّاكُمْ وَاَلْكَذِبَ ... )) الحديث.
( وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ ) ؛ أي: إذا عَاهد على أمر، قال الله تعالى ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ
إِذَا عَهَدتُّمْ﴾ [٩١/ النحل). وقال تعالى ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا
٣٤
[الإسراء]. وقال تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [١/ المائدة].
أخرج البخاريُّ ، ومسلمٌ ، والإمام أحمد ، والنَّسائي ؛ عن عبد الله بن عَمْرو
ابن العاصي رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ نَّه قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ كَانَ مُنَافِقاً
خَالِصَاً ، وَمَنْ كَانَتْ فِيْهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ؛ كَانَتْ فِيْهِ خَصْلَةٌ مِنَ النَّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا ؛ إِذا
أُؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ )) .
وأخرج الترمذي وغيرُه؛ عنه ◌َِّ أنه قال: ((حُسْنُ الْعَهْدِ مِنَ الإِيْمَانِ )».
(وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ ) قال الله تعالى ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَّ أَهْلِهَا ﴾
[٥٨/ النساء]، وقال الله تعالى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ
﴾ [الأحزاب] .
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا آلْإِنسَنِّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمَا جَهُولًا
وفي الحديث عنه ◌ََّ: ((لا إِيْمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ)) رواه الإمام أحمد .
وعنه بَّهِ أَنَّه قال: ((الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَىْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)) أخرجه
الحاكم وصحَّحه .
( وَتَرْكِ الخِيَانَةِ) لحديث: ((أَدِّ الأَمَانَةَ إِلى مَنِ أَقْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ
خَانَكَ)).
٣٧٦

وَحِفْظِ أَلْجَارِ ، وَرَحْمَةِ أَلْيَتِيمِ ،
وفي الحديث: ((يُطْبَعُ المُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلاَّ الْخِيَانَةَ وَاُلْكَذِبَ )) رواه
الإمام أحمد ، وروى الطبراني حديث :
(( نَاصِحُوا فِي الْعِلْمِ ، فَإِنَّ خِيَانَةَ أَحَدِكُمْ فِي عِلْمِهِ أَشَدُّ مِنْ خِيَانَتِهِ فِي مَالِهِ » .
( وَحِفْظِ الجَارِ ) ؛ أي : المجاور في السكن ، والجمع جيران .
والجار - شرعاً -: ما ذكر في ((باب الوصايا)) بِأَنَّ لو أوصى لجيرانه دفع
لأربعين داراً مِن كلِّ جانب من الجوانب الأربعة .
وفي حفظ الجار حصولُ الأُلفة والتَّوَادِّ الذي به نظام المعاش والمعاد .
أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ أَنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ؛
فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ » .
وروى الترمِذيُّ حديث: ((أَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِناً » .
وقال رسول الله بَّرَ: ((مَا زَالَ جِبْرِيْلُ يُوصِينِ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ
سَيُوَرُِّهُ )) .
رواه البخاريُّ ومسلمٌ. وقال ◌َّهُ: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَأَلْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ
إِلَى جَارِهِ » . رواه البخاريُّ ومسلمٌ .
( وَرَحْمَةِ اليَيْم ) وهو: فاقد الأب ما دام صغيراً ، فإذا بلغ زال عنه اسم اليُثْمِ .
قال ابن السِّكِّيت : اليتيمُ في الناس من قِبل الأب ، وفي البهائم من قبل الأم .
قال ابن خالويه : وفي الطير بفقدهما ؛ أي : الأب والأم ، لأنَّهما يحضنانه
ويرزقانه . انتهى .
: [الضحى]، قال البيضاوي : أي لا تغلبه
قال الله تعالى ﴿فَمَّا الِقِيَمَ فَلَ نَقْهَرْ
على ماله لضعفه، وقال تعالى ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (٥َ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ
اُلْيَتِمَ
﴾ [الماعون] أي : يدفعه دفعاً عنيفاً، هو أبو جهل ؛ أو غيره كان وصِيّاً
لیتیم ، فجاءه عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه .
٣٧٧

وَلِيْنِ اُلْكَلاَمِ ،
قالِ وَلَّ: ((كَافِلُ الْيَتِيْمِ لَهُ؛ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الجَنَّةِ )). وأشار
الرَّاوي بالسبابة والوسطى . رواه مسلم .
وقالل ◌َّهِ: ((اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيْفَيْنِ: أَلْيَتِيْمِ وَالمَرْأَةِ)) حديث
حسن ؛ رواه النسائي بإسناد جيّد .
وقال ◌َّهُ: ((لاَ تُنْزَعُ الرّحْمَةُ إِلَّ مِنْ شَقِيِّ)). رواه البخاريُّ في ((الأدب
المفرد )» وغيرُه، وقال ◌َله: ((مَن لَّ يَرْحَمُ النَّاسَ لا يَرْحَمُهُ اللهُ)) رواه البخاريُّ،
ومسلم .
وقال ◌َّ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ رَحِيْمٌ))، قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ كُلُّنَا يَرْحَمُ !
قَالَ: ((لَيْسَ أَنْ يَرْحَمَ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ، إِنَّمَا الرَّحْمَةُ أَنْ يَرْحَمَ النَّاسَ )) . رواه
البَزَّارُ .
وقال رَّرَ: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمُنُ تَبَارَكَ وتَعَالىُ، إِرْحَمُوا مَنْ في
الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّماءِ )) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما .
( وَلِيْنِ الكَلام) روى الخرائطيُّ، والطبراني في ((الكبير)) و ((الأوسط)) أنَّهَ وَّل
قال: (( أَتَذْرُونَ عَّلَى مَنْ حُرِّمَتِ النَّارُ))؟ قَالُوا: الله ورسُولُه أعلمُ! قال: ((عَلَىُ
الهَيِّنِ اللَّيْنِ السَّهْلِ القَرِيْبِ » .
وفي رواية ابن مسعود : (( حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنِ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ)).
وقال أبو هريرة: قال رسول الله وَله: ((إنَّ اللهَ يُحِبُّ السَّهْلَ الطَّلِيْقَ)) رواه
البيهقي في ((شعب الإيمان))، والشيرازيُّ في ((الألقاب))، والدَّيلميُّ.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: البِرُّ شَيْءٌ هيِّنٌ .. وَجْهٌ طَلِيقٌ
وكَلامٌ لَيِّنٌ . أخرجه ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) .
وقد نظم بعضهم هذا الحديث ؛ فقال :
بَنِيَّ؛ إِنَّ البِرَّ شَيْءٌ هَيِّنُ وَجْهُ طلِيقٌ وَكَلامٌ لَيِّنُ
٣٧٨

وَبَذْلِ السَّلاَمِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ ، وَقِصَرِ الأَمَلِ ،
( وَبَذْلِ السَّلاَم) أخرج البزار: (( ثَلاَثٌ منَ الإيْمَانِ: الإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ ،
وَبَذْلُ السَّلاَمِ ، وَاْلإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ)) . ورواه الطبراني بلفظ :
(( مَنْ جَمَعَهُنَّ؛ فقد جَمَعَ الإِيْمَانَ)). وروى مسلم: ((حَقُّ أَلْمُسْلِمِ عَلَى
المُسْلِمِ سِتٌّ. إِذا لَقِيْتَهُ فَسَلُّمْ عَلَيْهِ ، وإِذا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمَّتْهُ ... )) الحديث.
( وَحُسْنِ العَمَلِ) بالإتيان بالطَّاعات على الوجه الذي جاءت به السُّنة المطهّرةُ ،
واجتناب المحرَّمات .
( وَقِصَرِ الأَمَلِ ) اعلم أنَّ ◌ُولَ الأَمَلِ : استشعارُ طول البقاء في الدّنيا حتَّى يغلب
ذلك على القلب ، فيأخذ في العمل بمقتضاه ، وقد قال السَّلَف : من طالَ أملُه ساءَ
عملُهُ، وذلك لأنَّ طول الأمل يحمِلُ على الحرصِ على الدّنيا والتشميرِ لعمارتها ،
حتى يقطع الإنسان ليلَهُ ونهارَهُ بالتفكّر في إصلاحها وكيفيةِ السَّعْي لها ؛ تارةً بقلبه ،
وتارةً بالعمل في ذلك ، والأخْذِ فيه بظاهره ، فيصير قلبُه وجسمه مستغرِقَيْن في
ذلك ، وحينئذ ينسى الآخرة ويشتغل عنها ، ويسوِّف في العمل لها ، فيكون في أمر
دُنْيَّاه مبادراً مشمِّراً، وفي أمر آخرته مسوِّفاً ومقصِّراً ، وكان ينبغي له أن يعكس
الأمرَ، فإنَّ طول الأمل مذمومٌ ؛ وهو يُنسِي الآخرة ، ولا بأس بقصر الأمل ؛
أعني : القَدْر الذي لا يُلهي عن الآخرة ، ويتيسّر معه القيامُ بالمعايش التي لا غِنى
عنها .
وفي وصيّة رسول الله بَّهَ لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ((كُنْ في الدُّنْيًا
كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْل » ، وفي ذلك غايةُ الحثِّ على قِصَر الأَمل وقلَّة الرّغبة في
الدنيا .
فعلى العاقل أن يستشعر قُرْبَ الموتِ ، فإنَّه أقربُ غائبٍ ينتظرُ ، لا يأتي في سِنِّ
مخصوصٍ ، ولا في زمن مخصوص ، وما يدري الإنسان لعلَّه لم يبقَ من أجَلِهِ إِلا
الشيء اليسير !! فلا يطيلُ الأملَ ، ويسوِّفُ العمل ، ويغفلُ عن الاستعداد للموت إِلاَّ
٣٧٩

وَلُزُومِ الإِيمَانِ ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الْقُرْآنِ، وَحُبِّ الْآخِرَةِ ، وَأَلْجَزَع مِنَ
اُلْحِسَابِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ، وَأَنْهَاكَ أَنْ تَسُبَّ حَكِيماً، أَوْ تُكَّذِّبَ
صَادِقاً ، أَوْ تُطِيعَ آئِماً ،
أحمق مغرور. انتهى. من (( الإحياء)).
وقال ابن الجوزي : طولُ الأمل مذمومٌ للنَّاس ؛ لا للعلماء ، فلولا أملهُم لما
أَلَّفوا ولا صَنَّفوا . انتهى .
( وَلُزُوْمِ الإِيْمَانِ ) بالله وصفاتِهِ ، وحدوث ما دونه ، والإيمان بملائكته ،
وكُتُبُه ، ورسَلهِ ، وباليوم الآخرِ ، وبالقَدَر خيره وشرهٍ .
( وَالتَّفَقُّهِ فِي القُرْآنِ ) بتعلمِ أحكام القرآنِ والعمل بما فيه .
(وَحُبِّ الآخِرَةِ) بالاستعداد لها بالعمل الصالح ؛ قال الله تعالى ﴿وَمَنْ أَرَادَ
اُلْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾﴾ [الإسراء].
( والجَزَعِ ) - بالجيم والزاي المفتوحتين آخره عين مهملة - أي : الحزن
والخوف ( مِنَ الحِسَابِ ) يوم القيامة .
( وَخَفْضِ الجَنَاحِ ) - بفتح الجيم - أي : لينِ الجانبِ لعبادِ الله .
(وَأَنْهَاكَ ) يا معاذُ (أَنْ تَشُبَّ حَكِيْماً) . قال ابن الأثير : الحكيم فعيلٌ بمعنى
فاعل ، أو هو الذي يُحْكِمُ الأشياء ويتقِنُها ، فهو بمعنى مُفْعِل ، وقيل : الحكيمُ ذو
الحكمة ، والحكمة عبارةٌ عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم ، ويقال لمن
يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيمٌ .
وقال الجوهريُّ : الحكم الحِكمة من العلمِ والحكيم العالم ، وصاحبُ
الحكمة، وقد حَكُمَ ككَرُم ؛ صار حكيماً . انتهى. شرح ((القاموس)).
( أَوْ تُكَذِّبَ صَادِقاً ) بأن تنسُب إليه الكذب ؛ والحال أن الغالب عليه الصِّدق .
( أَوْ تُطِيْعَ آئِماً ) ، أي : مرتكباً للإثم داعياً لك إليه .
٣٨٠