Indexed OCR Text

Pages 241-260

اُلْفَصْلُ الْخَامِسُ
فِي صِفَةٍ شَرَابِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدَحِهِ
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبَّ
الشَّرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُلْوُ اَلْبَارِدُ .
( الفَصْلُ الخَامِسُ : )
من الباب الرابع
( فِي ) بیان ما ورد من الأخبار
في ( صِفَةِ شَرَابِهِ) ◌َّ ،
والشَّراب : ما يُشربُ من المائعات، يقالُ: شربتُ الماءَ وغيرَهُ؛ شرباً
- بتثليث الشِّين لكنَّه بالفتح مصدرٌ قياسيٌّ، وبالضَّمِّ والكسر مصدران سماعيَّان ،
خلافاً لمن جعلهما اسمَيْ مصدر - .
وفي هذا الفصل بيان الأحاديث الَّتي فيها كيفية شربه (وَلا).
قال في ((المصباح)): الشُّرب : مخصوص بالمصِّ حقيقة ، ويطلق على غيره
مجازاً .
( وَ) في بيان الأخبار الواردة في (قَدَحِهِ) وَلِّ .
والقَدَحُ - بفتحتين - : ما يُشْرب فيه، وهو إناءٌ لا صغيرٌ ولا كبيرٌ، وجمعه
أقداح ؛ کسَبَب وأسباب .
وكان له وَ ﴿ قَدَحٌ يسمَّى الرَّيان، وآخر يسمَّى مغيئاً، وقدح مضيَّب بسلسلة من
فضَّة في ثلاثة مواضع ، وآخر من زجاجٍ ، وآخر من عَيدانٍ - بفتح العين المهملة -
والعَيدانة : النَّخْلة السَّحوق ، وهو الَّذيّ كان يوضعُ تحت سريرهِ لِيَبولَ فيهِ باللَّيل.
وقد تقدَّم ( عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ؛ قَالَتْ :
كَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِنَّهِ الحُلْوَ الْبَارِدَ)؛ برفع ((أحبُّ)) على أنَّه
٢٤١

اسم ((كان))، ونصبُ ((الحلو البارد )) على أنَّه خبرها ، وقيل : بالعكس .
أخرجه الإمام أحمد والترمذي في ((الجامع)) و((الشَّمائل)) في (( الأشربة))؛
عن عائشة، والحاكم في ((الأطعمة))؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أيضاً .
وتعقّبه الذَّهبيُّ بِأَنَّه من رواية عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام ، عن
أبيه ، عن عائشة . وعبد الله هالك ! فالصّحيح إرساله . انتهى .
ولذا قال التِّرمذيُّ في ((جامعه)): والصحيح ما روي عن الزُّهري عن النَّبِيّ ◌َل
مرسلاً ؛ ثمَّ يحتمل أن تريد عائشة بـ((الحلو البارد)): الماءَ الحلو العذب ؛
كالعيون والآبار الحلوة ، فإنَّه كان يستعذب له الماء ، ويحتمل أن تريد به الماء
الممزوج بالعسل ، أو الذي ينقع فيه الثَّمر أو الزَّبيب .
قال ابن القَيِّم: والأظهر أنَّه يعمُّ الثَّلاثة جميعاً، لأَنَّه يصدق على الكلِّ أنَّه ماء
حلو .
وكان بَّه يُنْبَذ له أوَّل اللَّيل ويشربه إذا أصبح يومَهُ ذلك واللَّيلةَ التي تجيء والغد
إلى العصر، فَإِنْ بقي منه شيءٌ سقاه الخادمَ ؛ أو أمر به فصُبَّ . رواه مسلم .
وهذا النَّبيذ هو: ماءٌ حلو يُطرح فيه تمرٌ يحلِيه، وله نفعٌ عظيمٌ في زيادة القوَّة ،
ولم يكن يشربه بعد ثلاثٍ ؛ خوفاً من تغيره إلى الإسكار .
فإنْ لم يتغيَّرِ سقاه الخادم ، وإلاَّ صبَّه .
ولا يشكل بأنَّ اللَّين كان أحبَّ إلَيْهِ !! لأَنَّ الكلام في شراب هو ماء ؛ أو فيه
ماء .
وأمَّا حديث عائشة : كانَ أحَبَّ الشَّرابِ إِلَيْهِ العَسَلُ . رواه ابن السُّنِّي وأبو نُعيم
في ((الطب)) ؟! فَالمراد : الممزوجُ بالماء ، كما يأتي في الرواية الَّتي بعد هذا.
وروى الإمام أحمد: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: أَيُّ الشَّراب أطيبُ؟ قال: ((الحُلْوُ
البَارِدُ))، فَإِذا جَمَعَ الماء الوصفين المذكورين - وهما الحلاوة والبرودة - حفظ
٢٤٢

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ الْعَسَلَ الْمَمْزُوجَ
بِالْمَاءِ الْبَارِدِ .
الصِّحَّة ، ونفع الأرواح والقوى ، والكبد والقَلْب ، وقَمَعَ الحرارة وحَفِظَ على البَدَنِ
رُطُوبَاتِهِ الأَصْلِيَّةِ ، وردَّ إليه ما تحلَّل منها، ورقَّقَ الغذاء ونفَّذه إلى العروق .
والماء الملح ؛ أو السَّاخن يفعل ضدَّ هذه الأشياء ، وتبريد الماء وتحليته
لا ينافي كمال الزُّهد !! لأنَّ فيه مزيد الشُّهود لِنِعَمِ اللهِ تَعالى، وإخلاص الشُّكر له ،
ولذلك كان سيِّدي أبو الحسن الشَّاذلي يقول: إِذَا شربْتُ الماءَ الحلْو أحمدُ ربِّي من
وسط قلبي . وليس في شرب الماءِ الملح فضيلةٌ .
ويُكرَه تطييبُهُ بنحوِ مسكٍ كتطييب المآكِلِ، ولذلك كانَ نَّه يستعملُ أنفس
الشَّراب؛ لا أَنَفسَ الطَّعام غالباً، وكان وَّ يُستعذبُ له الماء من بيوت صحبه ،
أي : يُطلب له الماءُ العذبُ من بيوتهم .
( وَ) في ((المواهب)): (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ يَشْرَبُ العَسَلَ ) : النحل، إذ هو
المراد لغةً وطِبّاً . وفي ((القاموس)) العسل - مُحَرَّكةً - : لعابُ النَّحل.
( المَمْزُوْجَ بِالمَاءِ البَارِدِ) .
وقال ابن القيِّم : وفي هذا من حفظ الصِّحَّة ما لا يهتدي إلى معرفته إلاَّ أفاضل
الأَطِبَّاءِ، لما فيه من التَّعديل ، فإنَّ شربَ العَسَلِ وَلَعْقَه على الريق يُزيلُ البَلْغَم ،
ويَغْسِلُ خَمَلَ المعِدَةِ، ويجلو لُزُوجتها (١) ، ويدفع عنها الفَضَلاتِ، ويسخِّنُها
باعتدال ، ويفتح سُدَدها(٢)، والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ البدن،
فَجَمْعُهُ مع العَسَلِ غايةٌ في التَّعديل . وإنَّما يضرُّ بالعرض لصاحب الصَّفراء !! لحدَّته
وحدَّة الصَّفراء ، فَرُبَّما هيَّجَها ، فدَفْع ضرره لصاحبها بالخلِّ .
قال في (( العارضة)): كانَ يشرَبُ الماءَ البارِدَ ممزوجاً بالعَسَلِ ، فيكونُ حلواً
بَارداً ، وكان يَشْرَبُ اللَّبَنَ ، ويصبُّ عليه الماءَ حتَّى يَبْرد أسفله .
(١) شيء كالدهن يتربى على فم المعدة.
(٢) بضم السين المهملة جمع سدة ؛ كغرفة وغرف ، وهي الحاجز بين الشيئين .
٢٤٣

وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ -
وَمَعَهُ صَاحِبٌّ لَهُ - فَسَلَّمَ ، فَرَدَّ الرَّجُلُ وَهُوَ يُحَوِّلُ أَلْمَاءَ فِي خَائِطِهِ ، فَقَالَ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنَّةٍ، وَإِلَّ .. كَرَعْنَا))،
وقال في (( العارضة)) أيضاً : العسلُ واللَّبن مشروبانِ عظيمانِ ، سِيَّما لبن
الإبل(١) ، فَإِنَّها تأكل من كُلِّ الشَّجَرِ ، وكذا النَّحل لا تبقي نَوْراً إلا أَكَلَتْ منه، فهما
مركبان من أشجارٍ مختلفةٍ ، وأنواعٍ من النَّبَاتِ متباينةٍ ، فكأنَّهما شرابان مطبوخان
مصعدان ، ولو اجتمع الأوَّلون والآخرون على أن يركِّبوا شَيْئَينِ منهما لما أَمْكَنَ ،
فسبحانَ جَامِعِهِمَا . انتهى نقله المناوي والزرقاني .
( وَ) أخرج البخاري في موضعين في ((الأشربة))، وأبو داود وابن ماجه في
((الأشربة)) أيضاً؛ (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما (أَنَّهَِّهُ دَخَلَ
عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ ) بستانَه ، وهو أبو الهَيْثَم بن النَّيِّهَانِ - جَزَم به الحافظ ابن حجر
في ((المقدمة))، ومرَّضه(٢) في ((الشرح))، لأنَّ راويَه الواقديُّ، وهو متروك - .
(وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ) أبو بكر الصدِّيقِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (فَسَلَّمَ)، أي: النَّبِيّ ◌َِل
وصاحِبُهُ - كما في رواية، أي: وسلَّم صَاحِبُهُ - على الرَّجل، (فَرَدَّ الرَّجُلُ ) السَّلامَ
عليهما - زاد في رواية للبخاري: وقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمِّي - وهي ساعة حارة.
( وَهُوَ) - في رواية: والرجل - ( يُحَوِّلُ المَاءَ فِي خَائِطِهِ ) ، أي : ينقله من
عمقِ البئرِ إلى ظاهرها ، أو يُجري الماءَ من جانبٍ إلى جانبٍ من بستانه ؛ ليعمَّ
أشجارَهُ بالسَّقي .
(فَقَالَ مَّهِ﴾ للرجل (: ((إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنَّةٍ) - بفتح الشِّين المعجمة
والنُّون المشدَّدة ، وتاء تأنيث ــ : قِربةٍ خلق، وجواب الشَّرط محذوفٌ - صرَّح به في
رواية ابن ماجه، فقال ــ : فَاسْقِنَا مِنْهُ، (وَإِلاَ) يَكُنْ عِنْدَكَ (كَرَغْنَا))) ، - بفتح
(١) لعلها : البقر والله أعلم .
(٢) ضعَّفه أو شكك في صحته .
٢٤٤

فَقَالَ : عِنْدِي مَاءٌ بَاتَ فِي شَنٍّ، فَأَنْطَلَقَ إِلَى الْعَرِيشِ فَسَكَبَ فِي قَدَح
مَاءً، ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنِ آَلَهُ] ؛ فَشَرِبَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ .
الكاف والرّاء ؛ وَتُكْسَر - أي: شربنا من غير إناءٍ ولا كفِّ ؛ بل بالفم .
( فَقَالَ : عِنْدِي مَاءٌ بَاتَ فِي شَنٌّ ) ، قال الجوهري : الشَّن والشَّنة : القربة
الخَلَق ، وقال الدَّاودي : هي الَّتي زال شعرها من البلى .
(فَأَنْطَلَقَ) - بفتحات - أي: النَِّيّ ◌َِّ وصاحبه مع الرَّجل بطلبه (إِلَى العَرِيْشِ )
الموضع المسقف من البُسْتانِ بالأغْصانِ ، وأكثر ما يكون في الكروم ؛ وعليه عشب
وثمام - وفي رواية للبخاري : فانطلِقِ بكسر اللَّم وإسكان القاف فانطلَقَ بهما -
( فَسَكَبَ ) أي : الرَّجل ( فِي قَدَحِ مَاءً، ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ ) لَبَناً ( مِنْ دَاجِنِ [لَهُ])
- بجيم ونون - : شاةٌ تَأْلَفُ الْبُيُوتَ ، كما سيأتي للمصنف .
( فَشَرِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ) ، ثُمَّ شرب الرَّجل الذي جاء معه .
وفي رواية أحمد: وشرب النَّبِيّ وَّر وسقى صاحبه ، قال الحافظ ابن حجر :
وظاهره أنَّه شَرِبَ فضلةَ النَّبِيِّ وَِّ. لكن في رواية لأحمد أيضاً وابن ماجه: ثمَّ
سقاه ، ثمَّ صنع لصاحبه مثل ذلك ، أي : حلب له أيضاً ، وسكب عليه من الماء
البائتِ ؛ هذا هو الظَّاهر، ويحتمل أنَّ المثليّة في مطلق الشَّراب . انتهى .
وعُورض هذا الحديث بما أخرجه ابن ماجه ؛ عن ابن عمر : مررنا على بِرْكة ،
فجعلنا نكرع فيها، فقال ◌ََّ: ((لاَ تَكْرَعُوا، وَلَكِنِ اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ ثُمَّ اشْرَبُوا
بِهَا .. )) الحديث. وفي سنده ضعف، فَإِنْ كان محفوظاً !! فالنَّهي فيه للشَّزيه .
وقوله : وإلاَّ كرعنا !! لبيان الجواز، أو كان قبل النَّي ، أو النَّي في غير حال
الضَّرورة ، وهذا الفعل كان لضرورة شُرب الماء الَّذي ليس ببارد ، فشرب بالكرع
لضرورة العطش ؛ لئلاً تكرهه نفسه إذا تكررت الجرع ، فقد لا يبلغ الغرض من
الرّي . أشار إلى هذا الأخير ابن بَطَّال .
وإنَّما قيل للشُّرب بالفم كرع !! لأَنَّه فعل البهائم لشرِها بأَفواهِهَا ، والغالِبُ أنَّها
٢٤٥

وَ( الشَنُ) : الْجِلْدُ الْبَالِي. وَ( الدَّاجِنُ): مَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ مِنَ
الشِّيَاهِ وَنَحْوِهَا .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَسْتَنَّ .. أَعْطَى السِّوَاكَ
الأَكْبَرَ ،
تدخل أكارعها حينئذٍ . وعند ابن ماجه من وجه آخر ؛ عن ابن عمر : نَهانا
رَسُوْلُ اللهِ وَِّ أَنْ نَشْرَبَ على بطونِنا ؛ وهو الكرعُ . وسنده ضعيف أيضاً .
فَإِن ثبت! احتَمَل أنَّ النَّي خاصٌّ بهذه الصُّورة، وهي أنْ يكون الشَّارِبُ
منبطحاً على بطنِهِ ، ويحمل حديث جابر على الشُّرب بالفم من مكانٍ عالٍ لا يحتاج
إلى الانبطاح. انتهى ((زرقاني)).
( وَالشَّنُّ) : - جمعه شِئَان ؛ مثل سهم وسهام - هو ( الجِلْدُ البَالِي.
وَ) أمَّا (الذَّاجِنُ) - بالدال المهملة والجيم المكسورة ، وآخره نونٌ ؛ بوزن
العاجن - فهي (: مَا يَأْلَفُ البُيُوْتَ مِنَ الشِّيَاءِ) والدَّجاج والحمام ، ( وَنَحْوِهَا )
- والجمع دواجن .
( وَ) أخرج الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول))؛ عن عبد الله بن كعب بن
مالك السّلمي - قال في ((التقريب)): يقال له رؤية ؛ ولا رواية له اتفاقاً ، فالحديث
مرسل . قال في العزيزي : وهو حديث حسن - :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَسْتَنَّ) ؛ أي : تسوَّك، أي : استعمل السِّواك في
أسنانه - من السَّنِّ ؛ وهو إمرار شيء فيه خشونةٌ على آخر، ومنه المسنّ - ( أَعْطَى
السّوَاكَ الأَكْبَرَ ) ، الظَّاهر أنَّ المراد به: الأَفْضَل ، ويحتمل الأَسَنّ ، أي : ناوله بعد
تسؤُكِهِ به إلى أكبر القوم الحاضرين لأَنَّه توقيرٌ له ، فيندب تقديمُ الأكبر في السُّواكِ وغيره
من سائر وجوهِ الإكرام والتَّوقير ، وفيه حِلُّ الاستياك بحضرة الغير ؛ قاله المناوي .
وفي العزيزي : قال الشَّيخُ: وهذا يُشْعِرُ بجواز دفع السِّواك للغير ، لكن ينبغي
حمله على جوازٍ بكراهة في شأن غير الشَّارع ، على أنَّه كان يفعل مثلَ ذلك لبيانٍ
الجوازِ فلا ينافي حينئذٍ كراهة الاستياك بسواكِ الغير . انتهى .
٢٤٦

وَإِذَا شَرِبَ .. أَعْطَى الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُصِنُّ الْمَاءَ مَصّاً ، وَلاَ يَعُبُّ عَبّاً .
وفي الحفني قوله : أعطى السِّواكَ الأَكْبَر ، أي : أكبر الحاضرين ؛ وإن لم يكن
على يمينه ، بخلاف الأَكلِ والشُّرْبِ ، فَيُسَنُّ البدء بمن على اليمين ؛ ولو صغيراً
ومفضولاً .
ويؤخذ من هذا الحديث عدمُ كراهةِ الاستياك بسواكِ الغير إذا كان بإِذنه ، وهو
كذلك ، ففي (( شرح محمد رملي )) : ولا يُكره سواك غيره بإذنه ، ويحرم بدونه ؛
إن لم يعلم رضاه به . انتهى .
قال علي الشُّبْرَاملسي: ((قوله ولا يكره))؛ أي: لكنَّه خلاف الأولى إلاَّ
للتَّرُّك ، كما فعلته عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا . انتهى .
( وَإِذَا شَرِبَ ) ماءً؛ أو لبناً ( أَعْطَى الَّذِي عَنْ يَمِيْنِهِ ) ؛ ولو مفضولاً صغيراً
- كما مرَّ - .
قال ابن حجر : وظاهر تخصيص الشَّراب أنَّ ذلك لا يجري في الأكل ، لكنْ
وقع في حديث أنس خلافُه. انتهى (( مناوي)).
( وَ) في ((الإحياء)): (كَانَ نَّهِ يَمُصُّ المَاءَ ) - بضمِّ الميم وفتحها ، ومنهم
من يقتصر عليه - ( مَصّاً ) - مصدر مؤكِّد لما قبله - أي: يأخذه في مهلة ويشربُه شرباً
رفيقاً .
( وَلاَ يَعُبُّ) - بضمِّ العين - ( عَبّاً) ، أي : لا يشرب بكثرةٍ من غير تنفُسٍ .
روى البغوي ، والطَّبراني ، وابن عَدي ، وابن قانع ، وابن منده ، وأبو نعيم في
((الصحابة))، وابن السّنِّي، وأبو نعيم في ((الطِّب))؛ من حديث بهز: كان يَسْتَاكُ
عرضاً ، وَيَشْرَب مصّاً . وأسانيده كلُّها ضعيفة مضطربة .
وروى الطَّراني؛ من حديث أمِّ سلمة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا :
كان يَبْدأُ بِالشَّراب إذَا كان صائماً ، وكان لا يعبُّ فيشربُ مرّتين أو ثلاثاً .
٢٤٧

وَكَانَ يَدْفَعُ فَضْلَ سُؤْرِهِ إِلَى مَنْ عَلَى يَمِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَىُ يَسَارِهِ
أَجَلَّ رُثْبَةً .. قَالَ لِلَّذِي عَلَى يَمِينِهِ: ((السُّنَّةُ أَنْ تُعْطَى، فَإِنْ أَحْبَيْتَ ..
آثَرْتَهُمْ » .
ولأبي الشَّيخ ؛ من حديث ميمونة : لا يعبُّ ولا يلهثُ . وكلُّها ضعيفة .
وروى سعيد بن منصور، وابن السّنِّي، وأبو نُعيم في ((الطِّب))، والبيهقي في
((الشُّعب))؛ من مرسل ابن أبي حسين: ((إذَا شرب أحدكم فليمصَّ مصّاً ،
ولا يعبَّ عبّاً، فَإِنَّ الكُبَاد من العبّ)). وروى أبو داود في ((مراسيله))؛ عن عطاء
ابن أبي رباح: ((إِذَا شربتم فاشْرَبوا مصّاً ، وَإِذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُوا عرضاً ».
وروى الدَّيلمي من حديث علي: ((إِذَا شَربْتُم الماءَ فاشْرَبُوهُ مصّاً ، ولا تشربوهُ
عبّاً ، فإِنَّ العبَّ يورثُ الكُبَاد )).
والكباد - بضمِّ الكاف وتخفيف الباء - : وجع الكبد ، لأنَّ مجمع العروق عند
الكبد ، ومنه ينقسم إلى العروق ويتولَّد منه السُّدَد فيقوى البلغم ؛ فيورث كسلاً عن
القيام والعبادةِ ، وهذا من محاسنِ حِكمتِهِ عليه الصلاة والسَّلام .
قال ابن القيِّم : وقد علم بالتجربة أنَّ هجوم الماءِ دفعة واحدة يؤلم الكَبِدَ
ويُضْعِفُ حَرَارَتَهَا ، بخلافٍ وروده بالتدريج ، ألاَ تَرَى أنَّ صبَّ الماءِ الباردِ على
القِدْرِ وهي تفورُ يَضُرُّ ، وبالتدريج لا . انتهى .
( وَكَانَ ) بَّهِ (يَدْفَعُ فَضْلَ سُؤْرِهِ) ؛ أي: ما بقي من الشراب ( إِلَى مَنْ عَلَى
يَمِیْنِهِ ) .
قال العراقي : متفق عليه من حديث أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .
ومِن ثم قال ◌ََّ: ((أَلاَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ)) ... أو ((اَلأَيْمَنُونَ فَالأَّيْمَنُونَ)).
واستفيد منه تقديمُ الأيمن ندباً ؛ ولو صغيراً مفضولاً .
( فَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَىْ يَسَارِهِ أَجَلَّ رُتْبَةً! قَالَ ) النَّبِيُّ نَّهِ ( لِلَّذِي عَلَى يَمِيْتِهِ :
((الُنَّةُ أَنْ تُعْطَىْ) - بفتح الطَّاء المهملة؛ مبنياً للمجهول - ( فَإِنْ أَحْبَيْتَ آثَرْتَهُمْ)))
- بفتح الثَّاء - قال العراقي : متَّفق عليه؛ من حديث سهل بن سعد . انتهى .
٢٤٨

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ
( وَ) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والتُّرمذي في ((الجامع)) و((الشَّمائل))
- وقال التِّرمذيُّ : هذا حديث حسن - وابن ماجه ، وفي ألفاظهم اختلاف بالزِّيادة
والنَّقَص - وهذا لفظ (( الشَّمائل)) -؛ كلهم
(عَنْ ) عبد الله ( ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما؛ قَالَ :
دَخَلْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ وَِّ أَنَا ) - ضمير منفصل مؤكَّد، أتى به لأجل العطف ،
كما قال ابن مالك في (( الخلاصة)) :
وإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعٍ مُتَّصِلْ
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلْ
( وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيْدِ ) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن
مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ، القرشي المخزومي .
أبو سليمان - وقيل : أبو الوليد - سيف الله .
أُّه لبابة الصُّغرى بنت الحارث (( أخت ميمونة: أمِّ المؤمنين رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهَا )) ؛ ولبابةُ الكبرى امرأة العبّاس .
أسلم بعد الحديبية ، وكانت الحديبيةُ في ذي القَعْدَة سنَةَ : سِتٍّ مِنَ الهجرة .
وشهد غزوة مُؤْتَة، وسمَّاه النَّبِيّ ◌َِّ يومئذٍ (( سَيْفَ الله)) ، وشهد خيبر وفتح
مكَّة وحُنيناً . رُوي له عن رسول الله وَ له ثمانية عشر حديثاً اتفق البخاري ومسلم على
حدیث .
روى عنه ابن عبّاس، وجابر ، والمقدام بن معدي كَرِب ، وأبو أُمامة بن
سهل ؛ الصَّحابيُّون رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ .
وروى عنه من التَّابعين : قيس بن أبي حازم ، وأبو وائل ، وغيرهما .
وكان من المشهورين بالشَّجاعة والشَّرف والرِّياسة ، وممَّن يوزن بألفٍ من
الرِّجال :
٢٤٩

عَلَى مَيْمُونَةَ ،
مِمَّنْ بِأَلْفٍ يُوزَنُ: المِقْدَادُ خَارِجَةٌ، عُبَادَةُ الْآَسَادُ
كَذَا زُبَيْرٌ، وَعَلِيٍّ مِنْهُمُ وَخَالِدٌ فِي العَدِّ أَيْضاً مَعْهُمُ
وله الآثار العظيمة المشهورة في قتال المرتدِّينَ باليمامةِ ، وفي قتالِ الرُّوم
بالشَّام ، والفرسِ بالعراقِ ، وافتتح دمشقَ .
ولما حضرته الوفاةُ ؛ قال : لقد شهدتُ مائةَ زحف أو نحوها ، وما في بدني
موضع شِبر ؛ إلاَّ وفيه ضربة أو طعنةٌ أو رميةٌ ، وها أنا أموت على فراشي فلا نَامَتْ
أعين الجُبناء ، وما لي من عمل أرجى من (( لا إله إلاَّ الله))؛ وأنا متترِّسُ بها .
وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما سنة : إحدى وعشرين
هجرية بحمص ، وقبره مشهور على نحو ميل من حمص(١) ، وحزن عليه عمر
والمسلمون حزناً شديداً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وعنهم، وعن أصحاب رَسُولِ اللهِّل
أجمعين .
( عَلَىْ) أمِّ المؤمنين ( مَيْمُوْنَةَ) بنتِ الحارث بن حزن الهلالية العامريَّة ،
تزوَّجَها النَّبِيُّ ◌َّهِ بِمَّة سنة ستٍّ، وقيل: سنة سبع، وبنى بها(٢) في سَرِف - بسين
مهملة مفتوحة ، ثمَّ راء مكسورة ، ثم فاء - : موضع بين التَّنْعِيمِ وَالوادي في طريق
المدينة المنوّرة على عشرة أميالٍ من مكَّة ، وقدّر الله أَنَّها ماتت عند قفولها من الحجِّ
بـ (( سَرِف)) وهو المكان الّذي بنى بها فيه النَّبِيّ ◌َل و سنة : - ٥١ - إحدى وخمسين
هجرية ، ودفنت فيه ، فاجتمع في ذلك المكان الهناء والعزاء .
ويُنِيَ على قبرها مسجد یزار ويتبرَّكُ به ،
(١) هو الآن وسطها .
(٢) الصواب أن يقال بنى عليها . وإنما يقال دخل بها ؛ خلاف المشهور . لأن المراد : بنى
عليها قبة ، ودخل عليها هذه القبة . والله تعالى أعلم .
٢٥٠

فَجَاءَتْنَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا
عَلَى يَمِينِهِ ، وَخَالِدٌ عَنْ شِمَالِهِ .
فَقَالَ لِي: «الشَّرْبَةٌ لَكَ ،
وكان الَّذي صلَّى إماماً بالنَّاس على جنازَتِها ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما .
وهي أخت أم الفضل : امرأة العبّاس ، وأخت لبابة الصغرى : أم خالد ،
وأخت أسماء بنت عميس ، فهي خالة خالد بن الوليد وخالة ابن عبّاس ، وهي آخر
أزواج النَّبِيّ ◌َِّ .
روى عنها جماعةٌ ؛ منهم عبد الله بن عبَّاس .
روي لها عن النَّبِيّ ◌َّهِسِنَّةٌ وأربعون حديثاً رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا .
( فَجَاءَتْنَا بِإِنَاءٍ) مملوء ( مِنْ لَنٍ، فَشَرِبَ رَسُوْلُ اللهِ وَلَ )؛ أي: منه (وَأَنَا
عَلَى يَمِيْنِهِ، وَخَالِدٌ عَنْ شِمَالِهِ ) ، أي : والحال أنِّي على يمينه وخالد عن شماله ،
وتعبيره بـ ((على)) في الأوَّل، وبـ ((عن )) في الثَّاني !! للتَّفنُّن الَّذي هو ارتكابُ
فَيْنِ من التعبير مع اتِّحادِ المعنى ، فهما هنا بمعنى واحد وهو مجرَّدُ الحضور .
( فَقَالَ) أي: النَِّيُّ وَّهِ (لِي) - بفتح الياء وتسكَّن - (: ((الشَّرْبَةُ لَكَ ) أي :
هذه المرّة من الشُّربِ حٌّ لك لأَنَّك على اليمين ، ومَن على اليمين مقدَّم على من
على اليسارِ، فقد ورد: ((الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ)). رواه مالك، وأحمد ، وأصحاب
الكتب السَِّّةِ ؛ عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .
والسِّرُّ في تقديم مَن على اليمين على من على اليسار !! أنَّ من على اليمين مجاورٌ
لمَلَكِ الْيَمينِ الَّذِي هو حاكم على مَلَكِ الشِّمالِ، وتجرى هذه السُّنَّة - وهي تقديم مَن على
اليمين - في غير الشَّراب كالمأكول والملبوس وغيرهما ؛ كما قاله المهلَّب وغيرُه ، خلافاً
المالك حيث قال في الشراب خاصة . وقال ابن عبد البرِّ: لا يصحُّ عنه .
وأوَّلَهُ القاضي عياض بِأنَّ مرادَهُ أَنَّه إنَّما جاءت السُّنَّهُ بتقديم الأَيمنِ في الشُّربِ
خاصَّةً ، وغيرُهُ إنَّما هو بطريقِ القياسِ ، فَالسُّنَّةُ البَدَاءَةُ في الشُّربِ ونحوه بعد الكبير
٢٥١

فَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِداً )).
بمن على يمينه ؛ ولو صغيراً مفضولاً ، وتأخير من على اليسار ؛ ولو كبيراً فاضلاً !!
بل ذهب ابن حزم إلى وجوب ذلك ، فقال : لا تجوز البداءةُ بغيرِ الأَيمنِ إلاَّ بِإِذِنِهِ .
فَإِن قيل : يعارِضُ ما تقدَّم ما رواه أبو يعلى ؛ عنِ الحَبْر ابن عبّاس بإسناد
صحيح: كان رَسُوْلُ اللهِ ﴿ إذا سقى قال: ((إِنْدَأُوا بِاْلأَكْبَرِ)) أَوْ قَالَ: بِالأَكَابِرِ )).
أُجيب : بأَنَّ ذلك محمولٌ على ما إذا لم يكن عن يمينه أحدٌ ، بل كان الجميعُ
أَمامه ؛ أو وراءه .
( فَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِداً )) ) - بفتح الَّاء فيها ومدِّ الهمزة - ؛ من آثرت.
يقال : آثرته - بالمدِّ -: فضَّلته وقدّمته، لأنَّ الإيثار معناه: التَّفضيل والتَّقديم،
وأما استأثر بالشَّيء ! فمعناه: استبدَّ به ؛ كما في (( المصباح)) وغيره .
وفي تفويض الإيثار إلى مشيئته تطييبٌ لخاطِرِهِ ، وتنبيهٌ على أنَّه ينبغي له إيثار
خالد ؛ لكونه أكبر منه .
وهذا ليس من الإيثار في القُرَب المكروه ، على أنَّ الكراهة محلُّها حيث آثر مَن
ليس أحقَّ منه ؛ بأنْ كان مساوياً له وأقلَّ منه، أمّا إذا آثر من هو أحقُّ منه !! كأن آثر
مَن هو أحقُّ منه بالإمامة !! فليس مكروهاً .
فَإِنْ قيل: قد اسْتأذن رَسُوْلُ اللهِنَّهِ الأيمن في هذا الخَبَر، ولم يسْتأذن أعرابيّاً
عن يمينه ؛ والصِّدِّيقُ عنْ يسارِهِ في قصة نحوِ هذه!؟ .
أجيب: بأَنَّه إنَّما استأذَنَ هنا ثقةً بطيب نفس ابن عباس بأصل الاستئذان ،
لا سيَّما وخالد قريبُه، مع رياسته في قومه ، وشرف نسبه بينهم ، وقرب عهده
بالإسلام ، فأراد بَّ تطييب خاطره، وتألُّفَه بذلك.
وأمَّا الصِّدِّيق - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - فإِنَّه مطمئنُ الخاطر ؛ راضٍ بكل ما يفعله
المصطفى وَله، لا يتغيَّر ولا يتأثَّر، ولا ينقص ذلك بمقام الصِّدِّيق، ولا يخرجه
عن فضيلته الَّتي أولاه الله إيّاها ، لأنَّ الفضيلة إنَّما هي فيما بين العبد وربِّه ، لا فيما
بينه وبين الخلق .
٢٥٢

فَقُلْتُ : مَا كُنْتُ لأُؤْثِرَ عَلَى سُؤْرِكَ أَحَداً .
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَطْعَمَهُ اللهُ
طَعَاماً .. فَلْيَقُل:
( فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ لأُؤْثِرَ ) - بكسر اللَم ونصب الفعل ، كما في قوله تعالى
وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [٣٣/ الأنفال] -.
( عَلَى سُؤْرِكَ أَحَداً ) السؤْر - بضمِّ السِّين وسكون الهمزة ، وقد تبدل واواً -:
ما بقي من الشَّراب . والمعنى : لا ينبغي أنْ أقدِّم على ما بقي من شَرابكَ أَحداً غيري
يفوز به ؛ لما فيه من البركة، ولا يضرُّ عدم إيثاره لذلك، ولهذا أقرَّه المصطفى وَّل .
وكذا نقل عن بعض الصَّحابة أنَّه لما أَفرع النَّبِيّ وَّ بين رجلٍ وولدهِ في الخروج
للجهاد فخرجت القرعةُ للولد ؛ فقال له أبوه : آثرني ، فقال : يا أبَتِ لا يُؤثِر بالجنَّةً
أحدٌ أحداً أبداً !! فَأَقَرَّ النَِّيّ ◌َ على ذلك، مع أنَّ برَّ الوالدين متأكَّد، لكن على
ما أحكمته السُّنة ؛ دون غيره .
ویؤخذ من هذا الحديث : أنَّ من سبق إلى مجلس عالم أو کبیر وجلس بمجلسٍ
عالٍ لا ينقل منه لمجيء من هو أَفضل منه ، فيجلس ذلك الجائي حيث ينتهي به
المجلس ؛ ولو دون مجلس مَن هو دونه .
( ثُمَّ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ: (( مَنْ أَطْعَمَهُ اللهُ طَعَاماً؛ فَلْيَقُلْ) ندباً مؤكّداً حال
الشروع في الأكل ، فَإِن لم يقل ذلك حال الشُّروع في الأَكل ؛ فليأتِ به بعده ،
ويقدم عليه حينئذٍ صيغةَ الحمد ، نحو قوله (( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا
مسلمين )) ، كذا قاله الباجوري ، تبعاً للمناوي التّابع لابن حجر الهيتمي .
وقال ملاَّ علي قاري في (( جمع الوسائل )) : ليَقُلْ ندباً بعد أكله والحمد عليه .
وأما قول ابن حجر ((فَلْيَقُل حال الأكل، فإن أخّره إلى ما بعده ! فالأولى أنْ
يكون بعدَ الحمد كما هو ظاهر)) !! فليس بظاهر، لأنَّ حال الأكل لا يقال (( أطعمنا
خيراً منه، أو زدنا منه))؛ كما هو ظاهر . انتهى .
٢٥٣

( اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ)، وَمَنْ سَقَاهُ اللهُ لَبَناً ..
فَلْيَقُل : ( اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَنَا فِيهِ ، وَزِدْنَا مِنْهُ ) .
ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ شَيْءٌ
يُجْزِىءُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ » .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ قَاعِداً، وَكَانَ ذَلِكَ عَادَتَهُ ...
(: اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ لَنَا فِيْهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ) ، الظَّاهر أنَّه يأتي بهذا اللَّفظ
المذكور ؛ وإنْ كان وحده ، بل وإنْ كان امرأةً ؛ رعايةً للَّفظ الوارد ، وملاحظةً
لعموم الإخوان من المسلمين .
( وَمَنْ سَقَاهُ اللهُ لَبَناً ؛ فَلْيَقُلْ ) حال الشُّروع في الشُّرب ؛ كما تقدم
(: اللَّهُمَّ؛ بَارِك لَنَا فِيْهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ))) أي: من جنس اللَّن الَّذي شربنا منه،
وَلَمْ يقل - على قياس ما سبق - ((واسقنا خيراً منه)) !! لأنَّه لا خير من اللَّبن،
بخلاف بقيّة الأطعمة ؛ لأنَّ اللَّبن يجزي مكان الطَّعام والشَّراب ؛ ولا كذلك غيره ،
فهو خير من سائر الأَطعمة وليس فيها خير منه .
وأشار المصنّف إلى دليله بقوله: ( ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عبّاس: ( قَالَ: رَسُوْلُ
اللهِ وَهُ: ((لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ) - بضمِّ أَوَّله وهمزة في آخره ؛ من الإجزاء - أي :
لا يقوم، ولا يغني شيء ( مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ غَيْرَ اللَّبَنِ))) - بنصب ((غير))
على الاستثناء ، أو بالرّفع على البدل- يعني : لا يكفي في دفع الجوع والعطش معاً شيء
واحد؛ إلا اللَّبن ، فإنَّه يقوم مقام الطَّعام والشَّراب، لكونه يغذّي ويسكِّنُ العَطَشَ.
وبذلك يُعلم أنَّ سائر الأَشربة لا تُلحق باللَّبن في ذلك، بل بالطَّعام .
وحكمة الدُّعاء حين الطَّعام والشَّراب: إسنادُ ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ،
ورفع مدخليّة غيره في ذلك .
( وَكَانَ) رسولُ اللهِ (ِلّهِ يَشْرَبُ قَاعِداً، وَكَانَ ذَلِكَ عَادَتَهُ ) المستمرَّة .
٢٥٤

رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضاً: أَنَّهُ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً .
وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ .
(رَوَاهُ) الإمام ( مُسْلِمٌ) في (( صحيحه )) .
(وَفِي رِوَايةٍ لَهُ أَيْضاً) من حديث قَتَادَةً عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ (أَنَّهُ) ◌ِّ
( نَهَىْ ) - ولمسلم أيضاً : زجر - (عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً ) .
قال قتادة: فقلنا: فالأَكل!؟ قال: ((ذلك أَشَرُ وأَخْبَثُ))؛ هذا بقيّته في
((مسلم )) .
وكذا رواه أبو داود والترمذي - وفي رواية لمسلم أيضاً - عن عمر بن حمزة :
أخبرني أبو غطفان المرِّي ؛ عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ عن النَّبِيّ ◌َِّ:
(( لاَ يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِماً ، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِىءْ)).
( وَ) في ((الصحيحين)) وغيرهما: (عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُما؛
أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ شَرِبَ مِنْ) ماءِ (زَمْزَمَ) - ولفظه: أتيتُ النَّبِيّ ◌ََّ بِدَلْوٍ من ماء زمزمَ في
حجَّة الوداعِ ؛ فَشَرِبَ - ( وَهُوَ قَائِمٌ ) .
وفي حديث علي بن أبي طالب عند البخاريِّ : أنَّ عليّاً شَرِبَ وهو قائمٌ فَضْلَ
وَضوئِهِ، وكان في رحْبَةِ الكوفَةِ ، ثمَّ قالَ : إنَّ أُناساً يكرهونَ الشُّربَ قائماً ، وإنَّ
رَسُوْلَ اللهِ وَّ﴿ صنع مثل ما صنعت .
ولأَحمد عن علي أنَّه شرب قائماً فرأى النَّاس كأَنَّهم أنكروه ؛ فقال : ما تنظرون
أنْ أَشْربَ قائماً !! فلقد رأيتُ رَسُوْلَ اللهِ وَلِ يَشْرَبُ قائماً ، وإن شربت قاعداً ؛ فقد
رأيتهُ يشربُ قاعداً !!
وكلُّ هذه الأحاديث صحيحة ؛ خلافاً لمن أشار إلى تضعيف أحاديث النَّهي ،
ولا إشكال فيها ، ولا تعارض .
٢٥٥

وغلط مَن زعم أنَّ فيها نسخاً ، وكيف يصار للنَّخِ مع إمكان الجمعِ بين
الأَحاديث ، والنَّسخ إنَّما يكون لو ثبت التَّاريخُ. وأنَّى له بذلك !!
والصَّواب أنَّ النَّهي محمول على كراهةِ الشَّزيه .
وأمَّا شربه وَّرَ قائِماً! فلبيانِ الجواز، أو لأَنَّه لم يجد محلاً للقعود ، ؛
لازدحام النَّاس على زمزم ، أو لِيرى النَّاسُ أنَّه غير صائم، أو لابتلالِ المحلِّ .
فإِنْ قلتَ : كيف يكون الشُّرب قائماً مكروهاً؛ وقد فعله وَلّ؟ ! .
فالجواب : أنَّ فعله ◌ََّ إذا كان بياناً للجواز لم يكن مكروهاً في حقِّه ؛ بل البيانُ
واجبٌ عليه، فيثابُ عليه وَلّ ثوابَ الواجب.
قال النَّوويُّ : وقد ثبت أنَّه توضّأ مرة مرّة ، وَطَافَ على بَعيره ؛ مع أنَّ الإجماع
على أنَّ الوضوء ثلاثاً والطواف ماشياً أكملُ !! ونَظائر هذا لا تنحصر .
وكان ينبّهُ على جواز الشَّيء مرَّة أو مرّات ، ويواظب على الأَفضل ، ولذا كان
أكثر وضوئِه ثلاثاً ، وأكثر طوافِهِ ماشياً ، وأكثر شُرِبِهِ جالساً ؛ وهذا واضحٌ ، فلا
يَتشكَّكُ فيه مَن له نسبةٌ إلى علم .
وأمَّا قوله عليه الصلاة والسلام (( فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِىءْ)) !! محمول على
الاستحباب والنَّب ، فيستحبُّ لِمَنْ شَرِبَ قائماً أنْ يَتَقَيَّ ، لهذا الحديث الصَّحيح ؛
سواء كان ناسياً ؛ أو لا . قاله النَّووي .
وقالت : المالكيَّة : يجوز الشَّراب قائماً؛ وبالجواز صَرَّح ابن رُشدٍ من
أَئِمَّتهم ، لصحَّة الأَدِلَّةِ [ولأنها] أقوى من أَحاديث النَّهي !!
فَإِنَّهم استدلوا لذلك بحديث جبير بن مطعم الصَّحابي ؛ قال : رأيتُ أبا بكرٍ
الصِّديق يشربُ قائماً وهو من أشد النَّاس بعداً عن المكروه .
واستدلُّوا بقول مالك : إِنَّه بلغه عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُم أنَّهم كانوا يَشْربون قياماً ؛ وبلاغاتُ مالك ليست من الضَّعيف؛ لأَنَّها
تُبعت كلُّها فوجدت موصولةً .
٢٥٦

وهذا يُؤَيِّدُ الجوازَ بلا كراهةٍ، وقد صحَّ: ((عَلَيْكُمْ بِسُنَةِ الخُلَفَاءِ الراشِدِينَ مِنْ
بَعْدِي، عَضُوا عَلَيْها بالنَّوَاجِذِ ))، و(( وَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ
وَعُمَرَ)) !!.
قال صاحب ((المفهم)): لم يذهب أحد إلى أنَّ النَّهي في الحديث للتَّحريم ،
ولا التفاتَ لابن حزم! وإنَّما حُمل على الكراهة ؛ والجمهور على عدمها ، فمن
السّلف الخلفاء الأربعة، ثمَّ مالك؛ تمسُّكاً بِشُرِبِهِ لَّم] من زَمْزَمَ قائماً ، وكَأَنَّهم
رَأَوْهُ مُتَأَخِّراً عن النَّهي ، فإِنَّه في حجَّةِ الوداع ؛ فهو ناسخ ، وحقّق ذلك فعل خلفائه
بخلافِ النَّي ، ويبعد خفاؤه عليهم مع شدَّة ملازمتهم له وتشدُّدهم في الدِّين .
وهذا؛ وإنْ لم يَصْلُح دليلاً للنَّخِ يصلح لِتَرجيحِ أحد الحديثين !! انتهى .
وأجاب المالكية عن حديث أبي هريرة : ((لاَ يَشْرَبَنَّ أحَدُكُمْ قَائِماً ، فَمَنْ نَسِيَ
فَلْيَسْتَقِىءْ)) بَأجوبةِ منها: قول المازِري: قال بعض شيوخِنَا: ((لَعَلَّ النَّهي ينصرفُ
لمن أَتَى أصحابَه بماء، فبادَرَ لشربه قائماً)) !! قال : وأيضاً فالأمر بالاستقاء
لا خلاف بين أهل العلم أنَّه ليس على أحدٍ أنْ يستقيءَ، قال : والأظهر لي أن
أحاديثَ شرِبِهِ قائماً تدلُّ على الجوازِ ، وأحاديث النَّهي تحمل على الاستحباب ،
والحثِّ على ما هو أولى وأكمل ؛ لأنَّ في الشُّرب قَائماً ضرراً ما ، فكُرِه من أجله .
وفعله ◌َّهِ !! لأمنه من الضَّرر الحاصل لغيره، قال: وعلى هذا الثَّاني يُحمَلُ
قوله: ((فَمِنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِىءْ)) على أنَّ ذلك يُحرِّك خلطاً يكون القيءُ دواءَه ، وعليه
فالنّهي طِّي إرشاديٌّ .
ويؤَيِّده قول إبراهيم النَّخعي: ((إنَّما نهى عن ذلك لداءِ البَطنِ)) !. انتهى كلام
المازري .
قال ابن القيِّم : وللشُّرب قائماً آفات عديدة ؛
منها : أنَّه ينزلُ بسرعة إلى المعدة ؛ فيخشى منه أنْ يبرِّدَ حرارتها .
ومنها : أنَّه يسرع النُُّوذَ إلى أسافل البدنِ بغير تدريج ؛ لعدم استقراره في
المعدة ، وكلُّ هذا يضرُّ بالشَّارب قائماً ، فإذا فعلَهُ نادراً لم يضرَّه ، وكذا لحاجة !
٢٥٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُتْحِفَ الرَّجُلَ بِتُحْفَةٍ ..
سَقَاهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ .
قال - أعني ابن القيِّم - : ولا يعترض على هذا بالعوائد ، فإنَّها لها طبائع ثوان
وأحكام أخرى ، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء . انتهى .
قال ابن العربي : وللمرء ثمانيةُ أحوال : قائمٌ، وماشٍ ، مستند ، رائع ،
ساجد ، متكىء ، قاعد ، مضطجع ، كلُّها يمكن الشُّرب فيها . وأهْنَؤُها وأكثرها
استعمالاً القعود ، وأمَّا القيامُ! فنُهِي عنه لأَذِيَّتِهِ للبَدَنِ . انتهى .
وللحافظ ابن حجر - وقيل: للحافظ السيوطي -(١) :
بِسُنَّةِ صَفْوَةٍ أَهْلِ الحِجَازِ
إِذَا رُمْتَ تَشْرَبُ فَاقْعُدْ تَفُزْ
وَقَدْ صَخَّحُوا شُرْبَهُ قَائِماً وَلَكِنَّهُ لِبَيَانِ الجَوَازِ
( وَ) أخرج أبو نُعيم في ((الحلية))؛ عن ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما
- قال ((العزيزي)): قال الشَّيخ حديث حسن. انتهى. قال المناويُّ: وخرَّجه
الفاكهي في (( تاريخ مكَّة)): موقوفاً بسند على شرط الشَّيخين -:
( كَانَ) رسولُ اللهِ (وَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُتْحِفَ) - بضمِّ أوَّله، من أتحف ـ (الرَّجُلَ
بِتُحْفَةٍ ) - بسكون الحاء ؛ وقد تفتح ، قال العلقمي : التُّحفة : طرفة الفاكهة ،
وتستعمل في غيرها . وقال في ((المصباح)): التُّحفة: ما أَتْحَفْتَ به غيركَ ــ ( سَقَاهُ
مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ) لجموم فضائله وعموم فوائده ، ومدحِهِ في الكتب الإلهيّة .
قال وهب : إنَّكم لا تدرون ماءَ زمزم !! والله ؛ إنَّها لفي كتاب الله . - أي :
((التَّوراة )» -: ((المضنونة ، وبرة، وشراب الأبرار ؛ لا تنزف ولا تذمّ، طعام من
طعم ، وشفاء من سقم ، لا يعمد إليها امرؤٌ فيتضلَّعَ منها إلاَّ نَفت ما به من داء ،
وأحدثت له شفاء، والنَّظر إلى زمزم عبادةٌ، تحطُّ الخطايا حطّاً))(٢). رواه
عبد الرزّاق وابن منصور بسند فيه انقطاع .
(١) بل هي للحافظ ابن حجر قطعاً؛ لأنه أنشدها لنفسه وعزاها إليه الإمام ابن علان في ((شرح
الأذكار)) .
(٢) انظر بداية الجزء الرابع عند قوله {وَ﴾ ((ماء زمزم لما شرب له)).
٢٥٨

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ مَاءَ زَمْزَمَ .
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ :
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
( وَ) أخرج التِّرمذي، والحاكم ؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا:
( كَانَ) رسولُ اللهِ (وَ يَحْمِلُ مَاءَ زَمْزَمَ) مِنْ مَّة إلى المدينة ، ويهديه
لأصحابه ، وكان يستهديه من أهل مكَّة ، فَيُسَنُّ فعل ذلك .
( وَ) أخرج الترمذي في ((الشَّمائل))؛ (عَنْ) أبي عبد الرحمن - وقيل :
أبي نُصَير ؛ بضمِّ النون - (عَبْدِ اللهِبْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ) بن وائل بن هاشم بن سُعَيْد
- بضم السِّين وفتح العين - ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب
القرشي السَّهمي ، الزَّاهد العابد ، الصَّحابي بن الصَّحابي (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُمَا ) .
كان بينه وبين أبيه في السِّن اثنتا عشرة سنة ، - وقيل : إحدى عشرة سنة - .
وأُّه ريطة بنت منبّه ، بن الحجَّاج بن عامر بن حذيفة بن سُعَيد بن سهم .
أسلمت ، وكان الشَّبِيّ ◌َُّ يقول في حقه: ((نِعْمَ أَهْلُ البَيْتِ: عَبْدُ اللهِ،
وَأَبُو عَبْدِ اللهِ، وَأُمُّ عَبْدِ اللهِ)) أخرجه أحمد، وأبو يعلى؛ عن طلحة رَضِيَ اللهُ
تَعَالَی عَنْهُ ؛
أسلم عبد الله قبلَ أبيهِ ، وكان كثيرَ العلم ، مجتهداً في العبادة ؛ تَلاَّءً للقرآن .
وكان أكثر النَّاس أَخْذاً للحديث والعلم عن رَسُولِ اللهِ وَهِ .
روي له عن رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ سبعمائة حديث؛ اتَّفْق البُخاريُّ ومسلمٌ على سبعة
عشر منها ، وانفرد البخاري بثمانية ، وانفرد مسلم بعشرين ، وشهد مع أبيه فتح
الشَّامِ ، وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك ، وتوفِّي سنة : - ٦٣ - ثلاث وستين .
وقيل غير ذلك ، وكان عمره اثنتين وسبعين سنة .
( قَالَ: رَأَيْتُ) أي: أبصرت (رَسُوْلَ اللهِ بَ) مفعول ((رأيت))، وجملةُ
٢٥٩

يَشْرَبُ قَائِماً وَقَاعِداً .
وَعَنِ اُلْتَزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ : أُنِيَ عَلِيٍّ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ وَهُوَ فِي
الرَّحْبَةِ، فَأَخَذَ مِنْهُ كَفّاً فَغَسَلَ يَدَيْهِ ، وَمَضْمَضَ ،
( يَشْرَبُ ) حالٌ، و(قَائِماً وَقَاعِداً) حالان من فاعل ((يشْرَبُ)).
والمراد أنَّه رآه مرَّة يشرب قائماً ورآه مرّة يشرب قاعداً ، لا أنَّه رآه مرّة واحدة
يشْرب قائماً وقاعداً ، كما يوهمه ظاهر العبارة ؛ فيكون قد جمع في مرَّة واحدة بين
القيام والقعود ، وهو خلاف المراد .
وحيث كان الغالب من فعله وَّه الشُّرب قاعداً، وشربه قائماً إنَّما كان نادراً؛
لبيان الجواز !! كان تقديم القيام في نحو هذا الحديث للاهتمام بالردِّ على المنكر
لذلك ؛ لا لکثرته کما وُهِم .
( وَ) أخرج التِّرمذي في ((الشَّمائل)) (عَنِ النَّزَّالِ ) - بفتح النُّون وتشديد
الزَّاي - ( بْنِ سَبْرَةَ) - بفتح السِّين وسكون الباء الموحّدة وفتح الراء ؛ آخره تاء
تأنيث - الهلاليّ العامريّ الكوفي . قيل: له صُحبةٌ ، خرَّج له الجماعةُ غير مسلم ،
روى عن أبي بكر وعثمان وعلي، وعنه الشَّعبي والضَّخَّاك . وثَّقه العجلي .
( قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ( بِكُوْرٍ مِنْ مَاءٍ؛ وَهُوَ فِي الرَّحْبَةِ ) أي :
والحال أنَّه في الرَّحَبة - أي : رَحَبة الكوفة - كان يقعد فيها للحكم أو للوعظ ، أو في
رَحَبةِ المسجد ؛ - وهي بفتح الرَّاء والحاء المهملة ، وقد تسكن -: المكان
المتَّسع ، ورحبة المسجد منه ؛ فلها حكمه ما لم يعلم حدوثها ، وهي المحوطُ عليه
لأجله ؛ وإن لم يعلم دخولها في وقفه . بخلاف حريمه ؛ فليس له حكمه ،
والحريم ما تلقى فيه قمامات المسجد ؛ وليس منه .
( فَأَخَذَ مِنْهُ) ، أي : من الماء الذي في الكوز (كَفّاً )، أي: ملء كفٍّ من
الماء ( فَغَسَلَ يَدَيْهِ ) إلى رسغيه، ( وَمَضْمَضَ ) .
قال العصام: الظَّاهر أنَّه عطف على ((غسل))، فتكون المضمضة والاستنشاق
٢٦٠