Indexed OCR Text

Pages 101-120

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَمَّا
أَنَا فَلاَ آَكُلُ مُتَكِئاً )) .
روى عنه ابنه عَوْن، وإسماعيل بن أبي خالد ، وأبو إسحاق السَّبَيْعِي،
وعليُّ بن الأقمر، والحكم بن عُتَيْبَة - بالمثناة فوقاً - .
وكانت وفاته سنة : اثنتين وسبعين ؛ (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ قَالَ :
قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((أَمّا) - هي لتفصيل ما أُجمل، ولتأكيد الحكم غالباً،
نحو جاء القوم ؛ أمَّا زيد فراكب، وأمَّا عَمرو فماشٍ، وقد تجيءُ لمجرَّد التَّأكيد .
ذكره الرَّضيُّ. والثاني هو المراد هنا .
( أَنَا ) قال ابن حجر : خصَّص نفسه الشريفة بذلك !! لأنَّ من خصائصه كراهته
له دون أمّته ؛ على ما زعمه ابن القاصّ من أئِمَّتنا ، والأصحُ : كراهته لهم أيضاً ،
فوجهُ ذلك أنَّ قضية كماله ◌َِّ عدمُ الاتِّكاء في الأكل ؛ إذ مقامه الشريف يأْباه من كلِّ
وجه ، فامتاز عليهم بذلك . انتهى .
قال في ((جمع الوسائل)): والأَظهر أن يُراد به تعريض غيره من أهل الجاهلية
والأعجام ؛ بأنَّهم يفعلون ذلك إظهاراً للعظمة والكبرياء ، والافتخار والخيلاء ،
وأمّا أنا فلا أفعل ذلك، وكذلك مَن تبعني، قال تعالى ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيَّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ
عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِى﴾ [١٠٨/ يوسف]. وفيه إشارة خفيّة إلى أنَّ امتناعه إنَّما هو
بالوحي الخفيِّ ؛ لا الجليّ . انتهى كلام ملاّ علي قاري رحمه الله تعالى.
( فَلاَ آَكُلُ ) - بالمدّ ؛ على أنَّه متكلم - ( مُتَكِئاً))) - بالهمز - ومعنى المتَّكىء:
المائل إلى أحد الشِّقين ؛ معتمداً عليه وحده .
وحكمةُ كراهة الأكل متكئاً : أنَّه فِعْلُ المتكبِّرين ، المكثرين من الأكل نهمةً
وشَرَهاً ، المشغوفين من الاستكثار من الطعام . والكراهة مع الاضطِجاع أشدُّ منها
مع الاتكاء .
نعم ؛ لا بأس بأكل ما يتنقّل به مضطجعاً ، لما ورد عن عليٍّ كرم الله وجهه أنَّه
١٠١

وَرَوَى أَبْنُ مَاجَهْ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ
الرَّجُلُ وَهُوَ مُنُطِحٌ عَلَى وَجْهِهِ .
أكل كعكاً على برش ، وهو منبطح على بطنه .
قال حُجَّة الإسلام : والعرب قد تفعله . والأكل قاعداً أفضل ، ولا يُكره قائماً
بلا حاجة .
واعلم أنَّ الاتِّكاء أربعة أنواع :
الأوّل : أن يضع جنبه على الأرض مثلاً .
الثَّاني : أن يتربَّع على وطاء ويستوي عليه .
الثالث : أن يضع إحدى يديه على الأرض ويعتمدها .
الرَّابع : أن يُسْنِدَ ظهره على وسادة ونحوها .
وكلُّها مذمومة حالة الأكل ، لكنِ الثاني لا ينتهي إلى الكراهة ، وكذا الرَّابع فيما
يظهر، بل هما خلاف الأولى، وما صار إليه بعضُهم ((من أنَّ الاستناد من مندوبات
الأكل؛ تمشُّكاً بأنَّ المصطفى وَّه كان يأكل وهو مُقْعٍ من الجوع ، أي : مستند لما
وراءه من الضَّعف الحاصل له بسبب الجوع)) !! عليه منعٌ ظاهرٌ لأنَّه لم يفعله إلاَّ
لتلك الضرورة ، والكلام في حالة الاختيار .
وما رواه ابن أبي شيبة عن مجاهد : أنَّه أكل مرة متكئاً !! فلعلّه لبيان الجواز ،
أو كان قبل النهي . ويؤيد الثانيّ ما رواه ابن شاهين عن عطاء : أنَّ جبريل رأى
المصطفى ◌َ يأكل متكئاً فنهاه .
ومن حِكَم كراهة الأكل متكئاً : أنَّه لا ينحدر الطعام سهلاً ، ولا يُسِيْغُه هيِّناً ،
وربَّما تأذَّى به . والله أعلم .
( وَرَوَى) الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يزيد ( أَبْنُ مَاجَهْ) - بالهاء وصلاً
ووقفاً - لقب يزيد والد أبي عبد الله - وقد مرَّت ترجمته ؛ رحمه الله تعالى - .
( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِِّ نَهَىْ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ) - وصفٌ أغلبي - ( وَهُوَ مُنْبَطِحٌ ) ؛
أي: مُلقىَ (عَلَى وَجْهِهِ )، لأنَّه مُضِرٍّ .
١٠٢

وَأَخْرَجَ أَبْنُ عَدِيٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ أَنْ
يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ اَلْيُسْرَى عِنْدَ الأَكْلِ .
وَأَمَّا إِدَامُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَتَوَرَّعُ عَنْ مَطْعَمٍ حَلاَلٍ ؛ إِنْ وَجَدَ
تَمْراً دُونَ خُبْزِ .. أَكَلَهُ ،
( وَأَخْرَجَ ) الحافظ أبو أحمد عبد الله ( بْنُ عَدِيٍّ ) بن عبد الله بن محمّد بن
مبارك بن القطان الجرجاني ، أحد أئمة الحديث ورجاله .
ولد سنة : - ٢٧٧ - سبع وسبعين ومائتين ، وتوفي سنة : - ٣٦٥ - خمس
وستين وثلثمائة ، وعمره : ثمان وثمانون سنة تقريباً .
أخذ عن أكثر من ألف شيخ ، وكان يعرف في بلده بـ ((ابن القطَّان))، واشتهر
بين علماء الحديث بـ (( ابن عَدِيٍّ))، وهو من الأئمة الثقات في الحديث .
له من التّصانيف: (( الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين من الرواة ))،
وكتاب ((علل الحديث))، و((معجم في أسماء شيوخه))، وله (( كتاب الانتصار
على مختصر المُزَنِي )) في الفروع الشافعية . رحمه الله تعالى . آمين
( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ زَجَرَ) أي: منع ( أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَىْ بَدِهِ الْيُسْرَىُ عِنْدَ
الأَكْلِ ) ، وسنده ضعيف .
(وَأَمَّا إِدَامُ رَسُولِ اللهِ؛ فَقَدْ كَانَ وَّر) - كما في (( كشف الغمَّة))
و((الإحياء)) - (لاَ يَتَوَرَّعُ عَنْ مَطْعَمِ حَلاَلٍ ) ؛ ففي الترمذيِّ؛ من حديث أمِّ هانىء
قالت: دخل عليَّ النَّبِيُّنَله؛ فقالَ: ((أَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟)) قلتُ: لاَ، إِلَّ خبزٌ يابس
وخلٌّ، فقال: (( هَاتِيْ ... )) الحديث.
ولمسلم؛ من حديث جابر: أَنَّ النَّيَّ وَّهِ سأل أهلَه الأُدْمَ !! فقالوا : ما عندنا
إِلَّ خَلٌّ ، فدعا به ... الحديث .
( إِنْ وَجَدَ تَمْراً دُوْنَ خُبْزٍ أَكَلَهُ) . روى مسلم، والترمذيُّ ، من حديث أنس
١٠٣

وَإِنْ وَجَدَ لَحْماً مَشْوِيّاً .. أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ خُبْزَ بُرِّ .. أَكَلَهُ ، أَوْ
شَعِيراً .. أَكَلَهُ، وَإِنْ وَجَدَ حَلْوَىُ، أَوْ عَسَلاً . . أَكَلَهُ ،
قال : رأيتُه مُقْعِياً يأكل تمراً . وروى أبو داود ؛ من حديث أنس قال : كان يُؤتى
بالتمر فيه دود فيفتِّشه يُخْرِجُ السُّوس منه .
( وَإِنْ وَجَدَ لَحْماً مَشْوِيّاً أَكَلَهُ) روى الترمذيُّ في (( السنن))؛ وصحَّحَه ، وكذا
في ((الشمائل)) ؛ من حديث أمَّ سلمة أنَّها أخرجتْ إليه جَنْباً مشوياً ؛ فأَكل منه ...
الحديث . وسيأتي في المتن .
( وَإِنْ وَجَدَ خُبْزَ بُرٍّ): حِنطة ( أَكَلَهُ، أَوْ ) خُبْزاً ( شَعِيْراً أَكَلَهُ ) .
روى الشَّيخان ؛ من حديث عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا :
ما شَبِعَ رَسُوْلُ اللهِ وَهِ ثلاثة أيَّام تباعاً من خبز بُرّ، حتى مضى لسبيله . لفظ
مسلم ، وفي رواية له : ما شَبعَ من خبز شعير يومين متتابعين .
والطبراني في (( الكبير))؛ من حديث ابن عبّاس : كان يجلس على الأرض ،
ويأكل على الأرض، ويَعتقل الشَّاة(١)، ويُجيب دعوة المملوك على خبز الشَّعير.
وللترمذي وصحَّحه ، وابن ماجه ؛ من حديث ابن عباس : كان أكثر خبزهم
الشعير .
وروى الترمذيُّ في ((الشمائل)): كان يُدعَى إلى خبز الشَّعير والإِهالة
السَّنِخَة ».
( وَإِنْ وَجَدَ حَلْوَى) - بالمد والقصر - (أَوْ عَسَلاً أَكَلَهُ ) .
روى الشيخان والأربعة من حديث عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا :
أنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ كان يحبُّ الحلْواء والعسل .
والحلْواء : كلُّ ما فيه حلاوة ، فالعسل تخصيصٌ بعد تعميم .
(١) ليحلبها .
١٠٤

وَإِنْ وَجَدَ لَبَنَاً دُونَ خُبْزٍ .. أَكَلَهُ وَأَكْتَفَى بِهِ ، وَإِنْ وَجَدَ بِطِّيخاً ، أَوْ
رُطَباً .. أَكَلَهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مَا حَضَرَ ، وَلاَ يَرُدُّ مَا وَجَدَ .
وقال الخطابيُّ : الحلْواء يختصُّ بما دَخَلَتْه الصّنعة .
وقال ابن سِيْدَه : هي ما عُوْلِجَ من الطعام بحُلْو . وقد تُطلق على الفاكهة .
وقال الثعالبيُّ في ((فقه اللغة)): إنَّ حلْواءه وَِّ التي كان يحبُّها هي المَجِيْعُ ،
وهي تمرٌ يعجن بلبن .
وقال الخطابيُّ: لم تكن محبَّتَه ◌َ لَّ للحلواء على معنى كَثْرة التَّشهِّي لها، وشدَّة
نُزُوع النفس ، وَإِنَّما كان ينال منها إذا حضرت نيلاً صالحاً ؛ فيُعْلَم بذلك أنَّها
تعجبه .
( وَإِنْ وَجَدَ لَبَناً دُوْنَ خُبْزٍ؟ أَكَلَهُ وَأَكْتَفَى بِهِ ) . روى الشيخان من حديث ابن
عباس : أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ شرب لبناً، فدعا بماء فمضمض .
( وَإِنْ وَجَدَ بِطِّيْخاً، أَوْ رُطَباً أَكَلَهُ ) . روى الحاكم ؛ من حديث أنس قال :
كان يأكل الرُّطَبَ ويُلْقِي النَّوَى في الطَّبق. وروى النَّسائي ؛ من حديث عائشة رَضِيَ
اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت : كان يأكل الرُّطَب بالبِطّيخ . وإسناده صحيح .
ولفظ الترمذيِّ : كان يأكل البِطِّيخ بالرُّطَب . وهكذا رواه ابن ماجه ؛ من حديث
سهل بن سعد ، والطَّبرانيُ ؛ من حديث عبد الله بن جعفر .
وزاد أبو داود ، والبيهقيُّ في حديث عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا : ويقول :
((يُكْسَرُ حَرُ هُذَا بِبَرْدِ هَذَا، وبَرْدُ هَذَا بِحَرِّ هَذَا)). وروى الطبرانيُّ في ((الأوسط))،
والحاكم، وأبو نعيم في ((الطب))؛ من حديث أنس قال : كان يأخذ الرُّطَب
بيمينه ، والبِطّيخ بيساره ، فيأكل الرُّطب بالبطيخ ، وكانا أحبَّ الفاكهة إليه .
( وَ) في ((كشف الغمَّة)) و((إحياء علوم الدين)): (كَانَ) رسول الله (وَّل
يَأْكُلُ مَا حَضَرَ ) لديه، ( وَلاَ يَرُدُّ مَا وَجَدَ ). في كتاب ((الشمائل)) لأبي الحسن بن
١٠٥

وَعَنْ زَهْدَمِ الْجَرْمِيِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ، فَأَتِيَ بِلَحْمٍ دَجَاجٍ ، فَتَنَتَّى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ، فَقَالَ: مَا
لَكَ؟
الضَّخَاك بن المقري؛ من رواية الأوزاعيّ قال: قال رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((ما أُبَالِيْ
مَا رَدَدْتُ بِهِ عَنِّي الجوعَ)) !. وهذا معضل ؛ قاله العراقي.
قلت: وقد رواه ابن المبارك في ((الزهد))؛ عن الأوزاعيّ، كذلك . انتهى
شرح ((الإحياء)).
( وَ) أخرج الشَّيخان، والتِّرمذيّ في (( الشمائل))، واللفظ له قال: حدّثنا
هَنَّاد، قال : حدَّثنا وَكِيْعٌ عن سفيان عن أيُوب عن أبي قِلابة
( عَنْ زَهْدَمٍ ) - بفتح الزَّاي ، وسكون الهاء وفتح الدَّال المهملة وآخره ميم ؛
بوزن جَعْفَر - (الجَزْمِيِّ) - بالجيم المفتوحة والرّاء السَّاكنة - ؛ نِسبة لقبيلة جَرْم
كفَلْس .
أبو مسلم البصريّ ، ثقة من الثالثة ، خرَّج له البخاريُّ وغيره .
( قَالَ: ) أي : زَهْدَم الجَرْمِيُّ: (كُنَّا عِنْدَ أَبِيْ مُؤْسَى الأَشْعَرِيِّ) ؛ نسبة إلى
((أشعر)) قبيلة باليمن، واسمه عبد الله بن قَيس - وتقدَّمت ترجمته - (رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ) .
وهذا يدلُّ على مشروعية اجتماع القوم عند صديقهم .
( فَأَتِيَ ) - بصيغة المجهول - أي: جِيءَ ( بِلَحْمِ دَجَاجٍ ) ، أي : فأتاه خادمُه
بطعام فيه لحم دجاج ، وهو اسم جنس مثلّث الدَّال ، واحِدُه دُجاجة ؛ مثلّثة الدال
أيضاً ، سُمِّي به لإسراعه من دَجَّ يَدُجُّ ؛ إذا أسرع .
( فَتَخَّى) ؛ أي : تَبَاعَد ( رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) عن الأكل ، بمعنى أنَّه لم يَتقدَّم له ،
وهذا الرَّجل من بني تيْم الله أحمر ، كأنَّه من الموالي !! أي : العجم .
(فَقَالَ) أي أبو موسى (: مَالَكَ) تَنَخَيْتَ؟! فهو استفهام متضمَّن لِلإِنكار. أي:
أيُّ شيء باعثٌ لك على ما فعلت من التنحي؟! أو أَيُّ شيء مانع لك من التَّقدُّم؟ !.
١٠٦

فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُهَا تَأْكُلُ شَيْئاً، فَحَلَفْتُ أَنْ لاَ آَكُلَهَا. قَالَ : أُدْنُ ،
فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ لَحْمَ الدِّجَاجِ .
وهذا يدلُّ على أنَّه ينبغي لصاحب الطعام أن يسأل عن سبب امتناع مَن حضره مِن
الأكل .
( فَقَالَ ) أي الرَّجل لأبي موسى (: إِنِّيْ رَأَيْتُهَا ) ، أي: أبصرتُ الدَّجاجة حال
كونها ( تَأْكُلُ شَيْئاً ) أي : قَذِراً . وأبهمه لِئَلاَّ يعاف الحاضرون أكلَه عند التصريح
به . زاد في بعض الروايات : فقذِرْتها ، أي : كرِهَتْها نفسي ، ( فَحَلَفْتُ ) - بفتح
اللَّم - أي : أقسمت ( أَنْ لاَ آكُلَهَا ) ، ولعلَّ حلفه لئلاَّ يكلِّفه أحد أكلَه فيعذره
بالحلف . ( قَالَ : ) أي : أبو موسى للرَّجل :
( أُذْنُ) ؛ أي : أقرُبْ ؛ من الدُّنُوِّ وهو القرب . وأمره بالقرب ليأكل من
الدَّجاج؛ ( فَإِنِّيْ رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهِّهِ يَأْكُلُ لَحْمَ الدَّجاجِ ). بيَّن له أبو موسى أنَّ ظنّه
ليس في محله؛ لما رأى من أَكْلِ رَسُولِ اللهِوَ لاَ لها، فينبغي أن يأكل هذا الرَّجل
منها؛ اقتداءً بالمصطفى وَّهِ ويُكفِّر عن يمينه، فإنَّه خير له من بقائه على يمينه ،
لخبر: ((لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يَكُوْنَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ)) .
وهذا يدلُّ على أنَّه ينبغي لصاحب الطَّعام أن يسعى في حنث مَن حلف على ترك
شيء لأمرٍ غيرِ مكروه شرعاً ، إلاَّ إذا كان الحلف بالطلاق ، فلا ينبغي له أن يسعى في
حنثه فيه ، وكذا لو حلف بالعثْق ؛ وهو محتاج لِقِنَّهِ ، لنحو خدمة أو منصب .
ويؤخذ منه جواز أكل الدَّجاج ، وهو إجماع ، إلا ما شذَّ به بعض المُتَعَمِّقِيْنَ
على سبيل الورع ، لكن استثنى بعضهم الجَلَّلَة ؛ فتحرم أو تكره - على الخلاف
المشهور فیھا ۔ .
وما ورد من أنَّهِ وَّ كان إذا أراد أنْ يَأْكل دجاجة أمر بها فرُبِطَتْ أَيَّاماً؛ ثمَّ يأكلها
بعد ذلك !! إنَّما هو في الجلَّلة، فكان يقصرُها حتَّى يذهب اسم الجلاَّلة عنها .
قال ابن القيِّم : ولحم الدَّجاج حارٌّ رطب ، خفيف على المعدة ، سريعُ
١٠٧

وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَفِينَةَ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ جَدِّهِ سَفِينَةً مَوْلَى
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمَ حُبَارَى.
الهضم، جيد الخلط ، يزيد في الدِّماغ والمنيِّ، ويُصفِي الصَّوت ، ويحسِّن
اللَّون ، ويقوِّي العقل .
وما قيل من أَنَّ المداومة عليه تورث النِّفْرِسَ - بِكسر النُّون والرَّاء بينهما قاف
ساكنة ، وآخره سين مهملة - ؛ وهو : وَرَمٌ يحدث في مفاصل القدمين !! لم يثبت .
ولحم الدُّيُوك أسخن مزاجاً، وأقلُّ رطوبة. انتهى ((باجوري رحمه الله تعالی)).
( وَ) أخرج أبو داود، والترمذيُّ في ((الجامع))، واستغربه وفي ((الشمائل))
- واللَّفظ لها - قال: حدَّثنا الفَضْل بن سَهْل الأَعرَج البغدادي ؛ قال: حدَّثنا
إبراهيم بن عبد الله بن مَهْدِي؛ (عَنْ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَفِيْنَةَ) («مولى أمِّ سلمة))،
صدوق من الثالثة ، خرّج له أبو داود .
قال الترمذيُّ في (( الجامع)) : هذا حديث غريب لا يعرف إلاَّ من هذا الوجه ،
وإبراهيم روى عنه ابن أبي فُدَيْك ، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن مَهْدي ،
وأبو الحجَّاجِ النَّضْر بن طاهر البصريّ .
( عَنْ أَبِهِ ) ؛ أي : عمر بن سفينة ( عَنْ جَدِّهِ)؛ أي: ( سَفِيْنَةَ مَوْلَى رَسُوْلٍ
اللهِ وَلِهِ)، يُكنَّى أبا عبد الرحمن، ويقال: كان اسمه ((مهران)) أو غيره.
ولُقِّب (( سَفِيْنَةَ)) ! لكونه حمل شيئاً كثيراً في سفر .
مات بعد السبعين ، خرَّج له مسلم ، والأربعة .
( قَالَ: أَكَلْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِع ◌َ لَحْمَ حُبَارَى) - بضمِّ الحاء المهملة ، وتخفيف
الموحدة ، وفتح الرَّاء ، وفي آخره ألف تأنيث ـ : طائر طويل العنق ، في منقاره
طول، رماديُّ اللون، شديد الطيران، ويسمَّى عند بعض أهل اليمن ((اللوام))،
ولحمه بين لحم الدَّجاج والبطِّ .
١٠٨

وَ(الْحُبَارَى ): طَائِرٌ طَوِيلُ الْعُنُقِ، فِي مِنْقَارِهِ طُولٌ، رَمَادِيُّ
اللَّوْنِ ، شَدِيدُ الطَّيَرَانِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ لَحْمَ اُلِّجَاجِ
قال ابن القيِّم : لحم الحُبارى حارٌّ ، يابس ، بطيء الانهضام ، نافع لأصحاب
الرياضة والتعب .
وهذا الحديث يدلُّ على جواز أكل الحبارى ، وبه صرَّح أصحابنا الشافعيّة .
وفي ذلك الحديث وغيره ردٌّ على من حرَّم أكل اللَّحم من الفِرَقِ الزائغة .
ولم يذكر المصنِّف - كالتِّرمذيِّ - في الحُبارى غيرَ حديث سفينة هذا !!
وفيه عن أنس - رواه ابن عَدِيٍّ في ((الكامل)) - قال: أُتِيَ رَسُوْلُ اللهِ وَّل بطير
حُبارى؛ فقال: ((اللَّهُمَّ اثْتِنِي برَجُلٍ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَإِذَا
عَلِيِّ يَقْرَعُ البَابَ )) . فقال أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْه: رسول الله مشغول. ثمَّ أَتى
الثَّانية ؛ فقال: رسول الله مشغول. ثمَّ أَتى الثالثة؛ فقالَ: (( يَا أَنسُ ؛ أدْخِلْهُ فَقَدْ
عَنَيْتُه )). انتهى. ذكره المناوي ؛ نقلاً عن الحافظ العراقيِّ رحمهم الله تعالى.
( وَالحُبَارَى) ؛ كسُمَانَى ألِفُها للتَّأنيث ؛ يقال له في بعض بلدان اليمن
((اللوام)) وصفته أنه ( طَائِرٌ طَوِيْلُ العُنُقِ؛ فِي مِنْقَارِهِ) بعضُ ( طُوْلٍ ) ، وهو
( رَمَادِيُّ اللَّوْنِ ) أي: على لون الرَّماد؛ ( شَدِيْدُ الطَّيَرَانِ ) ، واسمه يقع على الذكر
والأنثى ؛ والواحد والجمع .
وهو من أكثر الطَّير حيلة في تحصيل الرِّزق ، ومع ذلك يموت جوعاً بهذا
السبب !! وقيل : يوجد في بطنه حَجَر إذا علق على شخص لم يحتلم ما دام عليه ،
وقيل : يُضْرب به المثل في الحمق ، ويقال (( كلُّ شيء يحبُّ ولده ؛ حتَّى
الحُبارى)). وولدها يُقال له ((النَّهار))، وفَرْخُ الكروان ((اللَّيْل)). قال الشاعر:
وَنَهَاراً رَأَيْتُ مُنْتَصَفَ اللَّيْـ ــلٍ وَلَيْلاً رَأَيْتُ نِصْفَ النَّهَارِ
( وَ) في ((كشف الغمَّة)): (كَانَ) رسول الله (ََِّ يَأْكُلُ لَحْمَ الدَّجَاجِ ).
١٠٩

وَالطَّيْرِ الَّذِي يُصَادُ، وَكَانَ لاَ يَشْتَرِيهِ وَلاَ يَصِيدُهُ ، وَيُحِبُّ أَنْ يُصَادَ
لَهُ ، فَيُؤْتَى بِهِ فَيَأْكُلَهُ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهَا : (( إِذَا طَبَخْتُمْ قِدْراً .. فَأَكْثِرُوا فِيهَا مِنَ الدُّبَّاءِ؛ فَإِنَّهَا تَشُدُّ قَلْبَ
اُلْحَزِينِ )) .
رواه الشيخان والترمذيُّ ، وغيرهم ؛ عن أبي موسى الأشعريِّ في حديث طويل قد
تقدَّم .
( وَ) في (كشف الغمَّة)) كـ ((الإحياء)): كان يأكل لحم (الطَّيْرِ الَّذِي
يُصَادُ ) .
قال العراقيُّ: روى التِّرمذيُّ من حديث الحسن ؛ قال: كان عند النَِّيّ ◌َل
طيرٌ، فقال: ((اللَّهُمَّ؛ آثْتِيْ بأحبُّ الخَلْقِ إِلَيْكَ يَأْكُل مَعي هذَا الطَّيْرَ)). فجاء عليّ
فأكل معه . قال: حديث غريب. انتهى ((شرح الإحياء)).
( وَكَانَ لاَ يَشْتَرِيْهِ)، وفي (( الإحياء)): لا يَتْبَعُهُ، ( وَلاَ يَصِيْدُهُ، وَيُحِبُّ أَنْ
يُصَادَ لَهُ فَيُؤْتَى بِهِ فَيَأْكُلَهُ ) .
قال العراقيُّ: هذا هو الظَّاهر من أحواله، فقد قال: « مَنِ أَتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ )).
رواه أبو داود ، والترمذيُّ ، والنَّسائيُّ؛ من حديث ابن عباس ، وقال الترمذيُّ :
حسن غريب .
وأمَّا حديث صفوان بن أُمَّيّة عند الطبرانيِّ: ((قدْ كانَتْ قَبْلِي الله رُسُلٌ كُلُّهُمْ
يَصْطَادُ)) أَوْ: ((يَطْلُبُ الصَّيْدَ)) !! فهو ضعيف جداً. انتهى شرح ((الإحياء)).
( وَ) في ((كشف الغُمَّة)) كـ ((الإحياء)): (كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يَقُوْلُ لِعَائِشَةَ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا): (( يا عائشة؛ ( إِذَا طَبَخْتُمْ قِدْراً) أي : طعاماً في قدر
- بكسر القاف وسكون الدال المهملة ؛ مؤنَّة - : آنيةٌ يُطْبِخ فيها ( فَأَكْثِرُوْا فِيْهَا مِنَ
الدُّبَّاءِ؛ فَإِنَّهَا) أي: الدُّبَّاء ( تَشُدُّ قَلْبَ الْحَزِيْنِ ))) .
١١٠

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الثَِّيدَ بِاللَّحْمِ وَالْفَزَعِ.
وَكَانَ يُحِبُّ الْقَرْعَ ، وَيَقُولُ: ((إِنَّهَا شَجَرَةُ أَخِي يُونُسَ )).
قال العراقيُّ: رُوِيْناه في ((فوائد)) أبي بكر الشافعي من حديثها، ولا يصحُّ؛
قاله في شرح ((الإحياء)). قال الزرقاني على ((المواهب)): ولأحمد وغيره:
أَنَّهِوَّ قال لعائشة: ((إِذا طَبَخْتِ قِدْراً فَأَكْثِرِيْ فِيْها مِنَ الدُّبَّاءِ، فَإِنَّها تَشُدُّ قَلْبَ
الْحَزِينِ )» . انتهى .
( وَ) في ((كشف الغمَّة)) كـ ((الإحياء)): (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ يَأْكُلُ الثَِّيْدَ )
- بفتح المثلَّة وكسر الرَّاء ؛ فَعِيْلٌ ، بمعنى مفعول ، ويقال أيضاً : مَثْرُود - وهو :
أن يثرد ؛ أي : يُفتَّ ثُمَّ يُبلَّ بمرق اللَّحم، وقد يكون معه لحم ، أو يُفتُّ ثُمَّ يبلُّ بأي
مرق كان. وهو ظاهر ((القاموس))، و((المصباح)).
( بِاللَّحْمِ وَالْقَرْعِ ) . رواه مسلم من حديث أنس .
وروى أبو داود ، والحاكم وصحَّحه ؛ من حديث ابن عبّاس : كان أَحَبَّ الطَّعامِ
إِليه الثَّرِيْدُ من الخبز ، والثَرِيْد في الحَيْس .
(وَكَانَ) فَرِ ( يُحِبُّ الْقَرْعَ) - بسكون الراء وفتْحها؛ لغتان - وهو: الدُّبَّاء،
(وَيَقُوْلُ: ((إِنَّهَا شَجَرَةُ أَخِي يُؤْنُسَ))) على نبيِّنا وعليه الصَّلاة والسَّلام.
قال العراقيُّ: روى النَّسائيُّ، وابن ماجه؛ من حديث أنس: كان النبيُّ لَّل
يحبُّ القرعَ. وقال النَّسائيُّ: الدُّباءَ. وهو عند مسلم بلفظ: يُعْجِبُهُ الدُّبَّاء . وروى
ابن مردويه في تفسيره من حديث أبي هريرة في قصة يونس فلفظته في أصل شجرة
وهي الدباء . انتهى .
قلت : وروى الترمذيُّ في (( الشمائل))؛ من حديث أنس : كان يَتبَّع الدُّبَّاء من
حوالي القصعة . وعند أحمد ؛ كما عند مسلم : كان يعجبه القرع .
وقوله تعالى ﴿ وَأَنَْتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ
١٤٠
[الصافات] !! قالوا : هي
الدُّبَّاء. انتهى شرح ((الإحياء)).
١١١

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ طَارِقٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ عِنْدَهُ دُبَّاءَ يُقَطَّعُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟
فَقَالَ: « نُكَثِّرُ بِهِ طَعَامَنَا )).
وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : إِنَّ خَيَّاطاً
وسيأتي الكلام على حديث أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .
( وَ) أَخرج الترمذيُّ في (( الشمائل))؛ (عَنْ جَابِرِ بْنِ طَارِقٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ
عَنْهُ ) صحابيٌّ مُقِلٌّ. روى له النَّسائيُّ ، وابن ماجه . وعنه ابنه حكم .
قال الترمذيُّ: ولا نعرف له إلاَّ هذا الحديث؛ ( قَالَ :
دَخَلْتُ عَلَى الشَِّيِّ ◌ََّ) أي: في بيته، ( فَرَأَيْتُ عِنْدَهُ دُبَّاءَ يُقَطِّعُ ) - بكسر الطَّاء
المهملة ؛ بصيغة المعلوم ، كما هو كذلك في أكثر الأصول من (( الشمائل))، وفي
بعض النُّسخ [يُقطَّع] بصيغة المجهول ، فيكون بفتح الطَّاء المهملة !! وعلى كلِّ ؛
فهوَ بضمِّ الياء وفتح القاف مع تشديد الطَّاء ؛ منَ التَّقطيع ، وهو جَعْل الشيء
قطعاً - .
( فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟! ) أي : ما فائدة هذا التقطيع ؟ !! فليس المراد السُّؤال عن
حقيقته، وإن كان هو الأصل في (( ما )) !! لأنَّه لا يَجْهل حقيقته ،
( فَقَالَ: ((نُكَثِّرُ) - بنون مضمومة وكاف مفتوحة ومثلَّثة مشدّدة مكسورة ؛
- من التّكثير ، ويجوز أن يكون : بسكون الكاف وتخفيف المثلَّثة ؛ من الإكثار ،
لكن الأصول على الأوَّل ـ ( بِهِ) أي: بالتَّقطيع ( طَعَامَنَا)) ).
وهذا يدلُّ على أنَّ الاعتناء بأمر الطَّبخ لا ينافي الزُّهد والتَّوكل ؛ بل يلائم
الاقتصاد في المعيشة ، المؤدِّي إلى القناعة .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، وغيرهما - واللَّفظ لـ ((الشمائل)) -
( عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ : إِنَّ خَيَّاطاً ) لا يعرف له اسم ، لكن في
١١٢

دَعَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامِ صَنَعَهُ .
قَالَ أَنَسِرٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صِّلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ
الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزاً مِنْ شَعِيرٍ ،
وَمَرَقاً فِيهِ دُبَّاءُ، وَقَدِيدٌ . قَالَ أَنَسَرٌ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ حَوَالَىِ الْقَصْعَةِ ،
رواية: أنَّه مولى للمصطفى وَِّ (دَعَا رَسُوْلَ اللّهِ بَ لِطَعَام)؛ قِيل: كان ثَرِيْداً
( صَنَعَهُ ؛
قَالَ أَنَسٌ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَام)؛ تَبَعاً له وَّ لكونه
خادماً ، أو بطلب مخصوص ، ( فَقَرَّبَ ) - بتشديد الرَّاء المفتوحة ؛ مبنيٌّ للفاعل -
أي : فقدَّم الخيَّاطُ ( إِلَى رَسُوْلِ اللهِوَلَه خُبْزاً مِنْ شَعِيْرٍ، ومَرَقاً) - بفتحتين - ( فِيْهِ
دُبَّاءُ)، - بضم الدَّال وتشديد الموحدة وبالمد ويقصر - : القَرْعُ، الواحدة دُبَّاءة،
( وَقَدِيْدٌ ) أي : لحم مَمْلوح مُجَفَّف في الشمس ؛ فعيل بمعنى مفعول . وفي
((السنن))؛ عن رجل: ذَبَحْتُ لرَسُولِ اللهِ وَ لَ شاةً ؛ ونحن مسافرون ، فقال :
(( أَمْلِحْ لَحْمَها )) . فلم أزل أُطْعِمُه منه إلى المدينة .
( قَالَ أَنَسٌ : فَرَأَيْتُ النَِّيَّ ◌َ يَتَبَّعُ) ؛ أيْ يَتَطَلَّبُ ( الذُّبَّاءَ حَوَالَيٍ ) - بِفتح اللَّم
وسكون الثَّحْتِيَّة ؛ مفردٌ مثنَّى الصورة - أي : جوانب .
وفي (( الصحيح)): من حوالي ( الْقَصْعَةِ ) - بفتح القاف في الأشهر الأكثر -
وهي : إناء يَشْبَعُ منه عشرة ، وأمَّا الصَّحفة : فهي الَّتِي تُشْبِعُ الخمسة .
ومن اللَّطائف : لا تَكْسِرِ القَصعة ولا تَفْتحِ الخِزانة .
ثُمَّ تَبِّعُه من جوانبها؛ إمَّا بالنِّسبة لجانب ؛ دون بقية الجوانب ، بدليل أنَّ
أنس بن مالك كان يقرِّبه إلى جهته عليه الصلاة والسلام ، أو مطلقاً .
ولا ينافيه النَّهي عن ذلك !! لأنه للتَّقذر والإيذاء، وهو مُنْتَفٍ فِيه ◌َّ ؛ لأنَّهم
كانوا يَوَدُّون ذلك منه، لتبرُّكهم بآثاره وَّهِ، حتى أنّ نحو بُصاقه ، ومخاطه كانوا
يَدْلِكُون به وجوهَهم، ويشربون بولَه ودمه؛ فلا تناقض بين هذا وحديثٍ: ((كُلْ
١١٣

فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ .
قَالَ النَّوَوِيُّ: ( فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءُ الدُّبَّاءَ، وَكَذَلِكَ
كُلَّ شَيْءٍ كَانَ يُحِبُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) .
ممَّا يَلِيْكَ)).
على أنَّ محلّ كراهة الأكل من غير ما يلي الآكل ؛ إذا اتَّحد لون ما في الإناء ،
لا إن اختلف كما هنا، فإنَّ الإناء فيه قديد ، ودُبَّاء ، ومرق .
قال أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: ( فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمَئِذٍ ) ، أي : من
يوم إذ رأيتُ النَّبِيّ وَّهِ يتَبَّعه. وللترمذيّ من حديث طالوت الشامي: دخلتُ على
أنس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ وهو يأكل قَرْعاً ، وهو يقول : يا لكِ شجرة ، ما أحبّك
إليَّ بحبِّ رَسُولِ اللهِ وَِّ إِيَّاك .
( قَالَ ) العلاَّمة الإمام وليُّ الله تعالى مُخيي الدِّين يحيى (النَّوَوِيُّ ) رحمه الله
تعالى :
( فِيْهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءُ الذُّبَّاءَ ) ، أي: يسعى في الأسباب المحصِّلة
إلى محبّتها ، ( وَكَذَلِكَ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ يُحِبُّهُ وَ)؛ لأنَّ مِنْ خالص الإيمان حبُّ
ما كان يحبُّه، واتِباع ما كان يفعله، ألا ترى إلى قول أنس: ((فلم أزل أحبُّ
الدُّبَّاء .. )) إلى آخره !!.
ولا شكَّ أنَّ محبّة المصطفى ځ مُؤدِّیة إلى محبّة ما كان يحبُّه ، حتى من مأکول
ومشروب وملبوس ؛ فيسنُّ محبّة الدُّبَّاء لمحبََّه ◌َّر له، وقد قال: ((عَلَيْكُمْ
بِالْقَرْعِ؛ فَإِنَّهُ يَزِيْدُ فِي الدِّماغِ)) . رواه الطبرانيُّ؛ عن وَائِلَة .
وللبيهقي: ((فإِنَّ يَزِيدُ في الْعَقْلِ وَيُكَبِّرُ الدِّماغَ)). وروى الإمام أحمد ؛ عن
أنس: أنَّ القَرْعَ كان أحبَّ الطعام إلى رَسُولِ اللهِنَّه. ولعلَّه لما فيه من الرُّطوبة في
البدن .
وفي الحديث أنَّه يسنُّ إجابة الدَّعوة ؛ وإِنْ قلَّ الطعام ، أو كان المدعوُّ شريفاً
١١٤

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَاَلْعَسَلَ .
والذَّاعي دونه ، وأنَّ كَسْبَ الخيَّاط ليس بخبيث، ومحبّة ما يحبُّه المصطفى ومؤاكلة
الخادم ، وجواز أكل الشّريف طعامَ مَنْ دونَ ؛ من مُحترف وغيره ، ومزيد تواضع
المصطفى بَله، وملاطفة أصحابه وجبر خواطرهم، وتعاهدهم بالمجيء
لمنازلهم .
( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، وأصحاب ((السنن الأربعة))، و((الشمائل))
( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ قَالَتْ: كَانَ النَِّيُّ وَّهِ يُحِبُّ الحَلْوَاءَ )
- بالمدِّ على الأشهر فتُكتب بالألف ، وتُقصر ؛ فتكتب بالياء ، وهي مؤنثة - قال
الأزهري ، وابن سِيْدَه: اسم طعام عُولج بحلاوة ، لكنَّ المراد هنا - كما قال
النووي - : كلُّ حلو ؛ وإن لم تَدْخله صنعة ، وقد تطلق على الفاكهة .
( وَالْعَسَلَ) النَّحل، عطف خاصٌّ على عام لشرفه، كقوله تعالى ﴿ وَمَلَبِكَتِهِ،
وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [٩٨/ البقرة]، فما خُلِقَ لنا في معناه أفضل منه، ولا مثلَه،
ولا قريباً منه ، إِذ هو غذاءٌ من الأغذية ، شرابٌ من الأشربة ، دواءٌ من الأدوية ،
حلو من الحلواء ، طلاء من الأطلية ، مُفرح من المفرحات ؛ قاله الزرقاني على
((المواهب)).
وحبُّه ◌َِّ لذلك لم يكن للتَّشهي، وشدّة نُزُوْعِ النَّس له، وتأَثُّق الصَّنْعة في
اتّخاذها كفعل أهل التَّقُّه المترفين الآن ؛ بل معناه أنَّ إِذا قُدِّم له نال منه نيلاً
صالحاً ، فيعلم منه أنَّه أعجبه .
وفيه حلِّ اتِّخاذ الحلاوات والطَّات من الرِّزق ، وأنَّ لا ينافي الزهد ، ورةٌّ على
من كره من الحلواء ما كان مصنوعاً . كيف ؛ وفي «فقه اللُّغة )): أنَّ حلواه التي كان
یحُّها المجِنْع ۔ کعظیم ـ : تمر يُعجن بلبن .
وفيه ردٌّ على مَن زعم: ((أنَّ حلواه أنَّه كان يشرب كلَّ يوم قدح عسل بماء ،
١١٥

وَكَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. اُلْعَسَلُ.
وَكَانَ أَحَبَّ الشَّرابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. اللَّبَنُ.
وأنَّ الحلواء المصنوعة لا يعرفها )) .
ولم يصحَّ أنَّه رأى الشُّكَّر. وخبر: ((أنَّه حضر مَلاك أنصاري وفيه سكر)) !!.
قال الشُّهَيلي : غير ثابت . وشنَّع على من احتجَّ به ؛ كالطحاوي ، لعدم كراهة
النَّّار .
وأوَّل مَن خبص في الإسلام عثمان ؛ خلط بين دقيق وعسل وعصره على النَّار
حتَّى نضج، أو كاد، وبعث به إلى المصطفى ◌َّ فاستطابه . رواه الطبرانيُّ،
وغيره ، وسيأتي .
( وَ) أخرج ابن السُّنِّي، وأبو نعيم: كلاهما في ((الطبِّ النبويِّ))؛ عن عائشة
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت: ( كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ ) ؛ أي : المشروب (إِلَى
رَسُوْلِ اللهِنَّهِ العَسَلُ) ؛ أي : الممزوج بالماء ، كما قيَّده به في رواية أخرى.
وفيه من حفظ الصِّحَّة ما لا يهتدي لمعرفته إلاَّ فضلاء الأطبّاء، فإنَّ شُرْبَه ولَعْقَه
على الرِّيْق يُذيب البلغم وَيغسل خَمَل المعدة ، ويجلو لزوجتها ، ويدفع فضلاتها ،
ويفتح سُدَدَها ، ويسخُّنها باعتدال ، ويفعل ذلك بالكبد والكُلى والمثانة .
وإنَّما يضر بالعَرَض ؛ لصاحب الصَّفراء !! لحدَّته وحدَّة الصَّفراء ، فرُبَّما
هيَّجها !! ودَفْع ضرره لهم بالخل .
( وَ) أخرج أبو نعيم في ((الطب))، عن ابن عبَّس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما
- وهو حديث حسن لغيره ؛ كما في العزيزي - قال :
( كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ وَّةِ اللَّبَنُ) ؛ لكثرة منافعه، ولكونه لا يقوم
مقام الطَّعام غيرُه ، لتركُّبه من الجبنيّة والسَّمنيّة والمائيّة ، فالجبنيّة باردة رطبة ؛
مغذِّية للبدن . والسَّمنيّة معتدلة الحرارة والرطوبة ؛ ملائمة للبدن الإنسانيّ
الصحيح ، كثيرة المنافع . والمائيّة حارَّة رطبة ؛ مطلقة للطبيعة ، مرطِّبة للبدن ،
١١٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَرِبَ اللََّنَ .. قَالَ: ((إِنَّ لَهُ دَسَماً). وَكَانَ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ اللََّنَ خَالِصاً تَارَةً ، وَتَارَةً مَشُوباً بِالْمَاءِ الْبَارِدِ.
وليس شيء من المائعات كذلك، كما قال عليه الصَّلاة والسلام: ((لَيْسَ شَيْءٌ
يُجْزِىءُ مِنَ الطَّعامِ وَالشَّرابِ إِلاَّ اللَّبَنُ)). رواه الإمام أحمد، وأبو داود،
والترمذيُّ ، وابن ماجه ؛ عن ابن عبّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا .
لكن ينبغي أن لا يفرط في استعماله ، لأنَّه رديء للمحموم والمصروع ، وإدامته
تؤذي الدِّماغ ، وتُحدِث ظُلْمة البصر ، والغشي ، ووجع المفاصل ، وسدد الكبد ،
ونفخ المعدة ، ويدفع ضَرَره إضافة العسل أو الشُّكر إليه .
قال في ((العارضة)): العسل واللَّبن مشروبان عظيمان، سيما لبن الإبل(١)،
فإنَّه أجود الألبان ، فإنَّها تأكل من كلِّ الشجر ، وكذا النَّحل لا تبقي نَوْراً إلاَّ أكلت
منه ، فهما مركَّبان من أشجار مختلفة ، وأنواع من النَّبات متباينة ، فكأنَّهما شرابان
مطبوخان مصعَّدان ؛ لو اجتمع الأوَّلون والآخرون على أن يركِّبوا شيئين منهما
ما أمكن ؛ فسبحان جامعهما !!.
واللَّبن أفضلُ من العسل ؛ على ما قاله السبكيُّ ، وقال غيره : العسل أفضل ،
وجُمع بأنَّ اللَّبن أفضل من جهة التَّغذِّي والرِّي ، والعسل أفضل من حيث عمومُ
المنافع ؛ كالشفاء للناس والحلاوة .
ثُمَّ قضيّة حديث ابن عباس: ((لَيْسَ يُجْزِىء مِنَ الطَّعامِ وَالشَّرابِ إلَّ اللَّبَنُ)): أنَّ
اللَّبن أفضل من اللَّحم !! ويعارضه ما ورد: ((أفْضَلُ طعام الدُّنيا والآخرة اللَّحم)).
وهذه الثلاثة - أعني الحلواءَ والعسلَ واللَّحْمَ - مِنْ أفضل الأغذية ، وأنفعها
للبدن والكبد والأعضاء ، ولا ينفر منها إلاَّ من به علَّة وآفة .
( وَكَانَ) رسول الله (وََّ إِذا شَرِبَ اللَّبَنَ؛ قَالَ: ((إِنَّ لَهُ دَسَمَاً )).
وَ) في ((المواهب)): ( كَانَ) رسول الله (بِّهِ يَشْرَبُ اللَّبَنَ خَالِصَاً تَارَةً ،
وَتَارَةً ) أُخرى ( مَشُوْبَاً ) مخلوطاً ( بِالمَاءِ البَارِدِ ) .
(١) لعلها : البقر والله أعلم .
١١٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُنِيَ بِلَبَنٍ .. قَالَ: ((بَرَكَةٌ)).
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَّعُ الثَّمْرَ بِاللَّبَنِ، وَيُسَمِّيهِمَا :
((الْأَطْيَيْنِ)).
ولا يَرِدُ أَنَّ اللَّبَنَ بارد ؛ لأنَّ اللَّبن عند الحَلْب فيه حرارة بالنِّسبة لما بعد الحلب
بمدة ، وتلك البلاد الحجازيَّة في الغالب حارَّة ، فكان يكسر حرَّ اللَّبن النِّسبيَّ بالماء
البارد على عادته في التعديل ، وكان إذا شرب منه ؛ قال: (( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيْهِ وَزِدْنا
مِنْهُ))، بخلاف غيره؛ فيقول: (( وَأَبْدِلْنا خَيْراً مِنْهُ)).
( وَ) أَخرج ابن ماجه؛ عن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - قال العزيزيُّ: وهو
حديث صحيح - ( كَانَ) رسول الله ( بَّهَ إِذَا أُتِيَ بِلَبَنِ؛ قَالَ ((بَرَكَةٌ))) ، أي : هو
بركة ، يعني شربُه زيادة في الخير .
( وَ) أخرج الإمام أحمد - بإسناد قويٍّ - عن بعض الصَّحابة قال:
( كَانَ) رسول اللهِ (لَّهِ [يَتَمَجَّعُ] الثَّمْرَ بِاللَّبَنِ، وَيُسَمِّيْهِمَا: ((الأَطْيَبَيْنِ))) ؛
لأنَّهما أطيب ما يؤكل . وفي رواية الإمام أحمد عن أبي خالد : دخلتُ على رجل
وهو يتمجَّع لبناً بتمر، فقال: أُدْنُ فإنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَ لَ سمَّاهما ((الأطيبين)). ورجاله
ثقات، وإبهام الصحابيِّ لا يضرُ(١).
قال في (( شرح الإحياء )): المَجِيْع - كأمير - : تمر يُعجن بلبن . وقد جاء ذكره
في ((فقه اللُّغة )) للثَّعالبيّ، وأنَّه ◌َِّ كان يحبُّه ، وتقدم .
قال المجد : تمجَّع : أكل الثَّمر اليابس باللَّبن معاً ، أو أكل التَّمر وشرب عليه
اللَّبن .
وعن عائشة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قالت: كان رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يُسَمِّي الثَّمر
واللَّبن: ((الأطيبين)). رواه الحاكم وصحَّحه، وردّه الذهبيُّ بأن طلحة بن زيد
(١) لأن جميعهم ثقات عدول رضي الله عنهم أجمعين .
١١٨

وَأَكَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّمْرَ بِالزُّبْدِ ، وَكَانَ يُحِبُّهُ .
وَفِي ((أَلِإِحْيَاءِ »: أَنَّهُ جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ
بِفَالُوذَجٍ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، وَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ )) .
- راويه عن هشام عن عُروة عنها - ضعيف. انتهى ((زرقاني)).
( وَ) في ((المواهب)): (أَكَلَ نَِّ النَّمْرَ بِالزُّبْدِ ) - بالضم فسكون - :
ما يُستخرج بالخضِّ ؛ من لبن البقر والغنم ، أمَّا المستخرج من لبن الإبل ! فلا
يسمى زُبْداً، بل يُقال ((حباب))؛ (( حَبَابِي)).
( وَكَانَ يُحِبُّهُ) ، يعني الجمع بينهما في الأكل ، لأنَّ الزُّبد حازٌّ رطب، والتَّمر
يابس ، ففيه إصلاح كلٍّ بالآخر .
أخرج أبو داود ، وابن ماجه - بإسناد حسن ؛ كما قال بعض الحفّاظ - عن
عبد الله، وعطيّة ((ابني بسر المازِنِيِّ))؛ قالا: دخل علينا رَسُوْلُ اللهِوَّهِ، فَقَدَّمْنا له
زيداً وتمراً ، وكان يحبُّ الزُّبد والتمر . وفيه جواز أكل شيئين من فاكهة وغيرها
معاً ، وجواز أكل طعامين معاً ، والتوسُّع في المطاعم .
وما رويّ عن السَّلف من خلافه !! محمول على الكراهة في التَّوسُّع، والترقُّه ،
والإكثار ؛ لغير مصلحة دينيّة .
قال القرطبيُّ : ويؤخذ منه مراعاة صفة الأطعمة ، وطبائعها ، واستعمالها على
الوجه اللأَثق على قاعدة الطبِّ. انتهى ((زرقاني)).
( وَفِي ((الإِحْيَاءِ))): يُروى ( أَنَّهُ) وَِّ (جَاءَهُ ( عُثْمَانُ بْنُ عَفَّنَ ) ، ذو
الثُّورين ؛ أحد العشرة المبشَّرين بالجنّةً ، وثالث الخلفاء الراشدين . وتقدَّمت
ترجمته .
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ بِفَالُؤْذَجٍ) : وهو اسم أعجميُّ لنوع من الحلوى ،
( فَأَكَلَ مِنْهُ؛ وَقَالَ : (( مَا هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟))) . قال ابن عبد البرِّ : يكنى أبا
عبد الله ، وأبا عَمرو ؛ كنيتان مشهورتان ، وأبو عَمرو أشهرهما ؛
١١٩

قَالَ: بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، نَجْعَلُ السَّمْنَ وَاَلْعَسَلَ فِي أَلْبُرْمَةِ ،
وَنَضَعُهَا عَلَى النَّارِ ، حَتَّى نَغْلِيَهُ، ثُمَّ نَأْخُذُ مُتَّ الْحِنْطَةِ إِذَا طُحِنَتْ ،
فَتُلْقِيهِ عَلَى السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فِي الْبُرْمَةِ ، ثُمَّ نَسُوطُهُ حَتَّى يَنْصُجَ ؛ فَيَأْتِي
كَمَا تَرَی .
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ هَذَا الطَّعَامَ طَيِّبٌ)).
قيل: إنَّه وَلَدَتْ له رقيّة بنت النبيِّ ◌َِّ ابناً ؛ فسماه عبد اللهِ ، واكتنى به ومات .
ثمَّ وُلِدَ له عَمرو ، فاكتنى به إلى أن مات. قال : وقد قيل : إنَّه كان يكنى أبا ليلى .
(قَالَ: بِأَبِيْ أَنْتَ وَأُمَّيْ، نَجْعَلُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ فِي البُزْمَةِ ) - بالضمِّ - : قِدْرٌ من
فَخَّار ، والجمع بُرَمٌّ ، كغرفة وغرف . ( وَتَضِعُهَا عَلَى النَّارِ ، حَتَّى نَغْلِيَهُ، ثُمَّ نأْخُذُ
مُخَّ الحِنْطَةِ ) ؛ أي: لبابها ( إِذَا طُحِنَتْ، فَتُلْقِيْهِ عَلَى السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فِي الْبُرْمَةِ ، ثُمَّ
نَسُوْطُهُ) أي : نحرِّكه بالسُّوط ( حَتَّى يَنْضُجَ ) ؛ أي : يستوي ، ( فَيَأْتِي كَمَا تَرَى .
فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ هَذَا الطَّعَامَ طَيِّبٌ)) ) .
قال العراقيُّ: المعروف أنَّ الَّذي صنعه عثمانُ : الخبيصُ .
رواه البيهقيُّ في (( الشُّعَب)) من حديث لَيْث بن أبي سليم ؛ قال: أوَّل من
خَبَص الخبيص عثمان بن عفان ، قَدِمَتْ عليهِ عِيْرِ تحمل الدَّقيق والعسل ، فخلط
بينها ، وبعث إلى رَسُولِ اللهِ نَّه، فأكل فاستطابه. وقال العراقيُّ: هذا منقطع.
وروى الطبرانيُّ، والبيهقيُّ في (( الشعب)) من حديث عبد الله بن سلام : أقبل
عثمان ومعه راحلة ، وعليها غرارتان . وفيه : فإذا دقيق وسمن وعسل . وفيه : ثمّ
قال لأصحابه : كلوا هذا الَّذي تُسمِّيه فارس ((الخبيصَ)).
وأمَّا خبر الفالُوذَج !! فرواه ابن ماجه - بإسناد ضعيف - من حديث ابن عبّاس
قال: أوَّل ما سمعنا بالفالُوذَج: أنَّ جبريل أتى النَّيَّ وَّهُ فقال: إنَّ أُمَّتك تُفتح
عليهم الأرض ، ويفاض عليهم من الدنيا ، حتَّى أنَّهم ليأكلون الفالُوذَج .
١٢٠