Indexed OCR Text
Pages 521-540
وَكَانَ مِنْدِيلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاطِنَ قَدَمَيْهِ . قال المناوي : قال الترمذي عقبَهُ: ليس بالقائم، ولا يصحّ عن النبيّ وَّر فيه شيء ، وفيه أبو معاذ : سليمان بن أرقم ضعيفٌ عندهم ، وقد رخّص قوم من أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم في التمندل بعد الوضوء . انتهى . وقال قبل ذلك : وحينئذ لا يكره التنشُّف ، بل لا بأس به وعليه جمع . وذهب آخرون إلى كراهته ؛ لأنّ ميمونة أتته بمنديل فردّه ، ولما أخرجه الترمذيّ ؛ عن الزهري : أنّ ماء الوضوء يوزن . وأجاب الأوّلون : بأنّها واقعة حال يتطرّق إليها الاحتمال ، وبأنّه إنّما ردّه مخافة مصيره عادة ، ويمنع دلالته على الكراهة ؛ فإنّه لولا أنّه يتنشَّف لما أتته به ، وإنّما ردّه ! لعذرٍ كاستعجال ، أو لشيء رآه فيه ، أو لوسخ ، أو تعسف ريح . وفي هذا الحديث إشعارٌ بأنّه كان لا ينفض ماء الوضوء عن أعضائه ! وفيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره ، ولفظه: ((لاَ تَنْفُضُوْا أنِدِيَكُم فِي الْوُضُوْءِ ؛ كَأَنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطانِ » . قال ابن الصلاح وتبعه النووي : لم أجده . وقد أخرجه ابن حبّان في ((الضعفاء))، وابن أبي حاتم في (( العلل)). انتهى كلام المناوي في (( الكبير)). ( وَ) في ((إحياء علوم الدين))، و((كشف الغمّة))، و((كنوز الحقائق)): ( كَانَ مِنْدِيْلُهُ مَّل) - المنديل - بكسر الميم وفتحها ، وكمنبر - هو الذي يتمسّح به ، وهو مذكّر ، ولا يجوز فيه التأنيث ـ ( بَاطِنَ قَدَمَيْهِ ) . قال العراقي : لا أعرفه مِن فعله !! وإنّما المعروف فيه ما رواه ابن ماجه ؛ من حديث جابر رضي الله تعالى عنه: كنّا زمن رسول الله وَ ﴿ قليلا ما نجد الطعام ، فإذا وجدناه لم تكن لنا مناديل إلّ أَكُفُّنا وسواعِدُنا. والله أعلم. ٥٢١ الْفَصْلُ الثَّانِي فِي صِفَةٍ فِرَاشِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا يُنَاسِبُهُ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرَاشٌ مِنْ أَدَم ، حَشْوُهُ لِيفٌ، طُولُهُ ذِرَاعَانِ أَوْ نَحْوُهُمَا، وَعَرْضُهُ ذِرَاعٌ وَشِبْرٌ أَوْ نَحْوُهُ . ( الفَصْلُ الثَّانِيْ ) من الباب الثالث (فِي) بيان ما ورد في (صفَةٍ فِرَاشِ ◌ِهِ) ، وقدره ، وخشونته ليُقتدى به في ذلك . ( وَ) في صفة ( مَا يُنَاسِبُهُ) ويتعلّق به ؛ كوسادة . والفراش - بكسر الفاء - بمعنى مفروش ، ككتاب بمعنى مكتوب ، وهو : اسم لما يفرش ، كاللباس لما يلبس ، وجمعه فُرُش ، ككتاب وكتب ، ويقال له أيضا : فرش من باب التسمية بالمصدر ، وقد ورد في ((صحيح مسلم)): ((فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِراشٌ لِزَوْجَتِهِ ، وَفِراشٌ لِلضَّيْفِ ، وَفِراشٌ لِلشَّيْطَانِ » . وَإنّما أضافه إلى الشيطان !! لأنّه زايد على الحاجة مذموم . قال الإِمام الشعراني رحمه الله في ((كشفة الغمّة)): ( كَانَ لِرَسُوْلِ اللهِ نَ ◌ّ فِراشٌ مِنْ أَدَمٍ ) - بفتحتين - جمع أَدِيْم؛ وهو الجلد المدبوغ؛ ( حَشْوُهُ) - بالفتح - أي : الأدم باعتبار لفظه ، وإن كان معناه جمعاً ، فالجملة صفة لأدم ، أو حالية من ((فراش))، و((كان)) تامّة؛ أي: محشوُّهُ (لِيْفٌ) - بكسر اللام - أي: من ليف النخل كما هو الغالب عندهم . ( ◌ُوْلُهُ ذِرَاعَانِ أَوْ نَحْوُهُمَا، وَعَرْضُهُ ذِرَاعٌ وَشِبْرٌ أَوْ نَحْوُهُ) . ٥٢٢ وَكَانَ مُتَقَلِّلاً مِنْ أَمْتِعَةِ الدُّنْيَا كُلِّهَا، وَقَدْ أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَىْ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ كُلُّهَا .. فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا، وَأَخْتَارَ الْآخِرَةَ عَلَيْهَا. وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِكِ ؟ قَالَتْ: مِنْ أَدَمٍ ، حَشْوُهُ لِيفٌ . قال في (( تيسير الوصول إلى جامع الأصول )) للحافظ الديبع : عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ((كان فراش رسول الله وَلافر من أدم حشوه ليف)) أخرجه الخمسة إلّ النسائي . انتهى . وهو في (( الشمائل)) من رواية عروة بن الزبير ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ((إنّما كان فراش رسول الله وَ ﴿ الذي ينام عليه من أدم حَشْوُهُ ليف)). ( وَ) قال الإمام النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)): (كَانَ) ◌ِ (مُتَقَلِّلاً مِنْ أَمْتِعَةِ ) - جمع متاع، وهو في اللّغة: كل ما ينتفع به كالطعام ، والبزِّ ، وأثاث البيت . وأصل المتاع: ما يتبلغ به من الزاد - ( الدُّنْيَا) ؛ فُعْلَى ، وسُمِّيت دنيا لدنوها ، والجمع الدُّنَا مثل الكبرى والكُبَر ، وإنّما كان متقلّلا من أمتعة الدنيا ( كُلِّهَا ) ؛ لأَنَّ الله تعالى أمره أن لا يَمُدَّن عينيه إلى الدنيا وزهرتها ، ( وَ) إلى ما متّع به أهلها ؛ فمِن ثَمَّ اقتصر منها على أقلّ ممكن مع تيسيرها عليه ، فـ( قَدْ ) عُرِضَتْ عليه كنوزها ، و( أَغْطَاهُ اللهُ تَعَالَىْ مَفَاتِيْحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ كُلُّهَا ) روى مسلم في ((صحيحه)): ((بَيْنا أنا نَائِمٌ أُوْتِيْتُ مَفَاتِيْحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِيْ )) ؛ ( فَأَبِىْ أَنْ يَأْخُذَهَا )، وما أرادها، ( وَاخْتَارَ الآخِرَةَ عَلَيْهَا ) ، ولو أراد الدنيا لكان أشكرَ الخلق بما أخذه منها ، ولأنفقه كلّه في مرضاة الله تعالى وسبيله . ( وَ) أخرج الترمذيّ في ((الشمائل))؛ من حديث محمد الباقِر مرسلاً قال : ( سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا) ، أي: أنّ سائلاً سألها: ( مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُوْلِ اللهِنَّه فِي بَيْتِكِ؟ قَالَتْ: مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيْفٌ ) . وفيه أنّ النّوم على الفراش المحشوّ ، واتّخاذَه لا ينافي الزهد ، هَبْهُ من أدم أو ٥٢٣ وَ(الْأَدَمُ) - جَمْعُ أَدِيمٍ عَلَىْ غَيْرِ الْقِيَاسِ - وَهُوَ : الْجِلْدُ الْمَذْبُوغُ ، وَيُجْمَعُ عَلَى: أُدُمٍ . وَعَنْهَا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ اْلأَنْصَارِ ، فَرَأَتْ فِرَاشَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطِيفَةً مَثْنِيَّةً، فَبَعَثَتْ إِلَيَّ ◌ِفِرَاشِ حَشْوُهُ الصُّوفُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟! ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فُلاَنَةُ الأَنْصَارِيَّةُ دَخَلَتْ فَرَأَتْ فِرَاشَكَ فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِهَذَا، فَقَالَ: ((رُدِّيهِ يَا عَائِشَةُ ، فَوَاللهِ لَوْ غيره ، حشوه ليف أو غيره ؛ لأنّ عين الأدم واللّيف ليست شرطاً ، بل لأنّها المألوفة عندهم ، فيلحق بها كل مألوف مباح . نعم الأولى لمن غلب عليه الكسل ، وميل نفسه إلى الراحة والترقُّه أن لا يبالغ في حشو الفراش ؛ لأنّه سبب ظاهر في كثرة النوم ، والغفلة ؛ والبطء عن المهمّات والخيرات بدليل حديث حفصة الآتي . ( وَالأَدَمُ) - بفتحتين - ( جَمْعُ) أدمة ، أو جمع ( أَدِيْمٍ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، وَ ) الأديم ( هُوَ الْجِلْدُ الْمَذْبُوْعُ) أو الأحمر ، أو مطلق الجلد ؛ على ما في ((القاموس)). ( وَيُجْمَعُ ) أيضا (عَلَىْ أُدُم ) - بضمتين - وهو القياس . مثل بريد وبرد . ( وَ) أخرج البيهقي، وأبو الشيخ في كتاب ((الأخلاق النبوية))، وابن سعد في ((الطبقات)) ( عَنْهَا) ، أي: عن عائشة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَرَأَتْ فِرَاشَ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ قَطِيْفَةٌ ) ، وفي رواية عباءة ( مَئِيَّةٌ، فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِفِرَاشٍ حَشْوُهُ الصُّوْفُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُوْلُ اللهِ فَقالَ: ((مَا هَذا يَا عَائِشَةُ؟! ) قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ فُلاَنَةُ الأَنْصَارِيَّةُ) - مفاده أنّها سمّتها له فنسي الراوي اسمها ، أو أبهمها لغرض فعبّر عنها بفلانة - ( دَخَلَتْ فَرَأَتْ فِرَاشَكَ فَبَعَثَتْ إِلَيَّ بِهِذَا. فَقَالَ: (( رُدِّيْهِ يَا عَائِشَةُ ؛ فَوَاللهِ لَوْ ٥٢٤ شِئْتُ لِأَجْرَى اللهُ تَعَالَى مَعِيْ جِبَالَ الذَّهَبِ وَاَلْفِضَّةِ)). وَ( الْقَطِيفَةُ ) : دِثَارٌ لَهُ خَمْلٌ . وَسُئِلَتْ حَفْصَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا شِئْتُ لِأَجْرَى اللهُ تَعَالىْ مَعِيْ جِبَالَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ )) ) . فاتّخاذي لهذا الفراش ليس عجزاً عن غيره ، بل اختياراً لعدم الترُّه المُشْعِر بالمباهاة وحظِّ النفس ، واتّباعاً لقوله تعالى ﴿لَا تَمُدَّنَ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّغْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِّنْهُمْ﴾، وفي رواية ابن سعد ، وأبي الشيخ: ((فلم أرذَه ، وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال ثلاث مرات : رُدِّيْهِ يا عائِشَةُ، فَوَاللهِ ... الخ. قالت: فَرَدَدْتُهُ)) . وفيه أنّها لم تردّه بمجرد أمره ؛ لأنّها لم تفهم تحتّمه ، بل فهمت أنه أراد إن شئتٍ ، ولذا لمّا صرح بتحثُّمه ردّته . ( وَالْقَطِيْفَةُ) - بفتح القاف وكسر الطاء المهملة على وزن فعيلة - هي: ( دِثَارٌ) - بالكسر - ما يتدثّر به الإنسان ؛ وهو : ما يلقيه عليه من كساء ، أو غيره فوق الشعار ( لَهُ خَمْلٌ ) - بفتح الخاء المعجمة وإسكان الميم - مثل فلس ، الهدب ، وقد يقال للخمل : قطيفة ، ويقال للقطيفة : طنفسة ، وتجمع القطيفة على قطائف وقُطُف - بضمتين - ( وَ) أخرج الترمذيّ في ((الشمائل))؛ من طريق محمد الباقر مرسلا قال: سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله وَّر في بيتك ؟ قالت : من أدم حشوه ليف . و( سُئِلَتْ ) أمّ المؤمنين ( حَفْصَةُ) بنت الفاروق ؛ عمر بن الخطاب ، أمير المؤمنين ( رَضِيَ اللهُ) تعالى عنه و( عَنْهَا) آمين ، وهي شقيقة عبد الله بن عمر . ولدت وقريش تبني البيت قبل مبعث النبي ◌َّر بخمس سنين ، وتزوجها رسول الله ◌َّه سنة ثلاث من الهجرة في شعبان ؛ على رأس ثلاثين شهراً قبل أُحُد . وكانت حفصة من المهاجرات، وكانت قبل رسول الله وَ له تحت خُنَيْس بن ٥٢٥ مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِكِ ؟ قَالَتْ : مِسْحاً نَثْنِيهِ ثِنْتَيْن فَيَنَامُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ .. قُلْتُ: لَوْ ثَنَيَّتُهُ أَرْبَعَ ثِنْيَاتٍ لَكَانَ أَوْطَأَ لَهُ ، حذافة السهمي ، وكان ممّن شهد بدراً ، وتوفي بالمدينة المنورة . قال ابن سعد: توفي عنها مقدم النبيِ وَ ل ﴿ من بدر، ثمّ بعد أن تزوجها النبي ◌َّ طلّقها طلقة ، ثم راجعها بأمر جبريل عليه السلام ، قال : إنّها صوامة ، قوامة ، وزوجتك في الجنّة ، وأوصى عمر إلى حفصة ، وأوصت حفصة إلى أخيها عبد الله ، قال : قال ابن سعد : قال الواقدي : توقُّيت حفصة في شعبان سنة : - ٤٥ - خمس وأربعين ، وهي بنت ستين سنة . وروي لها عن رسول الله وَ له ستّون حديثا، رحمها الله تعالى ورضي عنها وعن سائر أزواج رسول الله وَلچر . ( مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُوْلِ اللهِ وَّه فِي بَيْتِكِ ؟ قَالَتْ : مِنحاً ) أي كان مسحاً - بكسر الميم وسكون السين - وهو : كساء خشن يعدّ للفراش من صوف ( نَثْنِيْهِ ) بصيغة المتكلّم مع الغير من المبني للفاعل (ثِنْيَتَيَّنِ) - بكسر أوّله - تثنية: ثِنية كسِدْرة ، وفي رواية : ثنيين بدون تاء - بكسر الثاء - تثنية ثِنْ كحِمْل ، يقال : ثناه إذا عطفه وردّ بعضَه على بعض . ( فَيَنَامُ عَلَيْهِ . فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ) («كان» تامّة، وَ«ذات» بالرفع فاعل ، ويروى بالنصب على الظرفية ، وعليه ففاعل ((كان)) ضمير عائد على الوقت ، وعلى كلّ من الروايتين فلفظة ((ذات)) مقحمةٌ ، أو صفة لموصوف محذوف ، أي ساعة ذات ليلة . ( قُلْتُ) أي: في نفسي، أو لبعض خدمي : ( لَوْ ثَيْتُهُ) بصيغة المتكلم الواحد ( أَرْبَعَ ثِنَْاتٍ ) - بكسر المثلثة - منصوب على أنّه مفعول مطلق ، أي : أربع طبقات ( لَكَانَ أَوْطَأَ ) ، أي : ألين ( لَهُ) من وَطُؤَ الفراش فهو وَطِيء ؛ كقرب فهو قريب . ٥٢٦ فَثَنَّنَهُ لَهُ بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ .. قَالَ: ((مَا فَرَشْتُمُوا لِيَ اللَّيْلَةَ؟». قَالَتْ: قُلْنَا: هُوَ فِرَاشُكَ، إِلاَّ أَنَّ ثَنَهُ بِأَرْبَعَ ثِنْيَاتٍ ، قُلْنَا: هُوَ أَوْطَأُ لَكَ ، قَالَ: ((رُدُّوهُ لِحَالَتِهِ الأُولَىْ؛ فَإِنَّهُ مَنَّعَتْنِي وَطْأَتُهُ صَلاَتِيَ اللَّيْلَةَ)). و( الْمِسْحُ): كِسَاءٌ خَشِنٌ مِنْ صُوفٍ يُعَدُّ لِلْفِرَاشِ. وَمَعْنَى ( أَوْطَأُ) : أَلْيَنُ؛ مِنْ وَطُؤَ الْفِرَاشُ فَهُوَ وَطِيءٌ، كَقَرُّبَ فَهُوَ قَرِيبٌ . ( فَثَنَيْنَاهُ لَهُ بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ ) - بكسر المثلثة - بحيث صارت طاقاته أربعاً فنام عليه ، ﴿ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: (مَا فَرَشْتُمُوْا لِيْ ) أي : أي شيء فرشتم لي ( اللَّيْلَةَ ) الماضية ؟ ولعلّه لما أنكر نعومته ولينه ظنّ أنّه غير فراشه المعهود فسأل عنه ، وأتى بصيغة المذكر للتّعظيم ، أو لتغليب بعض الخدم . ( قالَتْ: قُلْنَا: هُوَ فِرَاشُكَ ) أي: المعهود بعينه ( إِلاَّ أَنَّا ) أي: غير أنَّا ( ثَنَيْنَاهُ بِأَرْبَعِ ثِنْيَاتٍ ) - بكسر المثلثة - ( قُلْنَا: هُوَ ) : أي : المثني بأربع ثنيات ( أَوْطَأُ) أيَ : ألين ( لَكَ ) وأرفق لبدنك . ( قالَ: ((رُدُّوْهُ) - أي: فراشي - ( لِحَالَتِهِ الأُوْلَى ) - أي: كونه مثنياً ثنيتين - ( فَإِنَّهُ) - أي: الحال والشأن - ( مَنَعَتْنِيْ وَطْأَنَّهُ صَلاَّتِي اللَّيْلَةَ))) أي : منعني لينه تهجّدي تلك الليلة الماضية ؛ لأنّ تكثير الفراش سبب في كثرة النوم ، ومانع من اليقظة غالباً ، بخلاف تقليله فإنّه يبعث على اليقظة من قرب غالباً . (وَالْمِسْحُ) - بكسر الميم، وإسكان السين المهملة - (كِسَاءٌ خَشِنٌ) غير ليّن يُتّخد (مِنْ صُوْفٍ يُعَدُّ لِلْفِرَاشِ) يشبه كساء، أو ثياب سود من شعر يلبسها الزهاد، والرهبان. (وَمَعْنَى ((أَوْطَأُ))) - بالهمز -: ( أَلْيَنُ) مشتق ( مِنْ) مصدر ( وَطُؤَ الفِرَاشُ) - بالضم - بمعنى لان ، من باب حَسُنَ يَحْسن ، يقال : وطؤ الفراش ( فَهُوَ وَطِيْءٌ ، كَقَرُبَ ) - بضم الراء - أي: على وزنه. ( فَهُوَ قَرِيْبٌ) والوِطاء ككتاب : المهاد الوطيء ، أي : الليِّن . ٥٢٧ وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبَاءَةٌ تُفْرَشُ لَهُ حَيْثُمَا أَنْتَقَلَ، تُثْنَى طَاقَيْنِ تَحْتَهُ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيراً مَا يَنَامُ عَلَى الْحَصِيرِ وَحْدَهُ ، لَيْسَ تَحْتَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ . وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى ( وَ) في ((طبقات الصوفيّة)) للعلاّمة المناوي رحمه الله تعالى: (كانَ لَهُ ◌َله عَبَاءَةٌ ) - بالمدّ كسحابة -: ضرب من الأكسية فيه خطوط . وقيل : هي الجبّة من الصوف . قال الصرفيُّون : همزته عن ياء ، وإنَّ يقال : عباءة وعباية ، ولذلك ذكره الجوهريّ في ((المعتل)). انتهى ((شرح القاموس)). وتجمع العباءة على عباء بحذف الهاء ، وتجمع على عباءات أيضا. انتهى ((مصباح)). ( تُفْرَشُ لَهُ حَيْثُمَا انْتَقَلَ ) في بيوت أزواجه بعد أن ( تُثْنَى طَاقَيْنِ ) فتجعل ( تَحْتَهُ. وَكَانَ) رسول الله (بِّهِ كَثِيْراً مَا يَنَامُ عَلَىُ الحَصِيْرِ ). قال ابن بَطَّال : هي ما صنع من سعف النخل وشبهه ، قدر طول الرجل فأكثر ؛ قاله في ((الفتح )). ولعلّ المراد بها : الخصفة المذكورة في حديث الحاكم الآتي . وكان ينام عليه ( وَحْدَهُ، لَيْسَ تَحْتَهُ ) بَّهِ (شَيْءٌ غَيْرُهُ) أي : غير الحصير ، لتواضعه ، وزهده في الدنيا وزينتها . ( وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ ) الهُذَليّ، تقدّمت ترجمته (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) قال : نام رسول الله وَّر على حصير فقام؛ وقد أثر في جنبه ، فبكيت . فقال : ((مَا يُبْكِيْكَ ؟)) قلت : كسرى وقيصر على الخزّ والديباج ؛ وأنت نائم على الحصير ، هذا يا رسول الله بأبي وأمي ؟! لو كنت أذنتنا ففرشنا لك شيئاً يقيك منه ؟ فقال : ((ما لِيْ وَلِلدُّنْيا، ما أَنَا فِي الدُّنيا إِلَّ كَرَاكِبِ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَها ». رواه الإمام أحمد ، وابن ماجه ، والترمذيّ ، وقال : حسن صحيح ، وكذا صحّحه الحاكم، والضياء في (( المختارة)). ورواه الطبرانيّ ، ولفظه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ( قَالَ: دَخَلْتُ عَلَىُ ٥٢٨ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ كَأَنَّهَا بَيْتُ حَمَّامٍ ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثََّ بِجَنْبِهِ ، فَبَكَيْتُ ، فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكُ يَا عَبْدَ اللهِ (؟))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كِسْرَى وَقَيْصَرُ يَطَؤُونَ عَلَى الْخَزِّ وَالدِّبَاجِ وَالْحَرِيرِ؛ وَأَنْتَ نَائِمٌ عَلَى هَذَا الْحَصِيرِ ، قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِكَ. فَقَالَ: ((فَلاَ تَبْكِ يَا عَبْدَ اللهِ ، فَإِنَّ لَهُمُ الذُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ )). وَعَنْ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ اُلْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ ، قَالَ : فَجَلَسْتُ النَّبِيِّ بَّهِ وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ كَأَنَّهَا بَيْتُ حَمَّامٍ ) - بتشديد الميم - أي : أنّ فيها من الحرّ والكرب كما في بيت الحمام ، ( وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى حَصِيْرٍ قَدْ أَّرَ بِجَنِهِ ، فَبَكَيْتُ ) شفقةً عليه . ( فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيْكَ يَا عَبْدَ اللهِ؟)) . قُلْتُ : يا رَسُولَ اللهِ ؛ كِسْرَى) ملك الفرس، (وَقَيْصَرُ ) ملك الرُّؤْمِ ( يَطَُّونَ ) : يمشون ( عَلَى أُلخَزِّ ) - بخاء وزاي معجمتين - (وَالدِّيْتَاجِ وَالْحَرِيْرِ ) ، وأراد بالجمع ما فوق الواحد ، أو أراد وقومهما ؛ ( وَأَنْتَ نَائِمٌ عَلَىْ هُذَا الْحَصِيْرِ قَدْ أَثَّرَ بِجَنِكَ؟! ) ، وأَنت رسول الله وأفضل خلقه ، وهما كافران ! ( فَقَالَ: ) أي: رسول الله وَّةِ (: ((فَلاَ تَبْكِ يَا عَبْدَ اللهِ، فَإِنَّ لَهُمُ الذُّنْيَا ) - وهي فانية كأنّها لم تكن - ( وَلَنَا الآخِرَة ))) . وهي باقية ، وهي الحيوان ، ولنا في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر، وهم عُجِّلت لهم طیِیاتهم في حياتهم الدنيا . ( وَعَنْ) عبد الله ( بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: حَدَّثَنِيْ ) الفاروق ؛ أبو حفص ( عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ؛ أمير المؤمنين ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَىْ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ وَهُوَ عَلَىْ حَصِيْرٍ قَالَ : فَجَلَسْتُ ، ٥٢٩ فَإِذَا عَلَيْهِ إِزَارُهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، وَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوَ الصَّاعِ، وَإِذَا إِهَابٌ مُعَلَّقٌ ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكَ يَا أَبْنَ الْخَطَّابِ؟)) . فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ وَمَا لِيَ لاَّ أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنبَيْكَ ، وَهَذِهِ خَزَائِنُكَ لاَ أَرَىْ فِيهَا إِلَّ مَا أَرَى، وَذَاكَ كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الثِّمَارِ وَالأَنْهَارِ، وَأَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَصَفْوَتُهُ وَهَذِهِ خَزَائِنُكَ؟! قَالَ: (( يَا أَبْنَ اُلْخَطَّاب ؛ فَإِذَا عَلَيْهِ إِزَارُهُ؛ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيْرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، وَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيْرٍ) - بفتح الشين المعجمة وتكسر - ( نَحْوَ الصَّاعِ، وَإِذَا إِهَابٌ ) ، جلد لم يدبغ ، أو مطلقاً ، دبغ أو لم يدبغ ، والمراد جنس إهاب ، فلا ينافي رواية ((الصحيحين)) أُهُب ( مُعَلَّقٌ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ) : بادَرَتْ بإرسال الدموع مسرعة ؛ ( فَقَالَ : ((مَا يُبْكِيْكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟)). فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ ؛ وَمَا لِيَ لاَ أَبْكِيْ ، وَلهذا الْحَصِيْرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبَيْكَ، وَهْذِهِ خَزَائِنُكَ ) ؛ أي : الأماكن المعدة للادخار ( لاَ أَرَىُ فِيْهَا إِلَّ مَا أَرَى) من شعير نحو صاع؛ ( وَذَاكَ كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الِّمَارِ وَالأَنْهَارِ ، وَأَنْتَ نَبِيُّ اللهِ؛ وَصَفْوَتُهُ) مختاره ، ( وَهْذِهِ خَزَائِنُكَ ) لا أرى فيها إلا ما أرى !! وكرّره مبالغة في إظهار التأشُّف . ( قَالَ: ((يَا ابْنَ الخَطَّابِ) - وفي رواية البخاريّ ومسلم -: ((فوالله ما رأيت في بيته شيئاً يردّ البصر غير أهبة ثلاثة ، فقلت : ادع الله فليوسّع على أمّتك ، فإنّ فارِسَ والروم قد وسّع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله. فجلس بَّر وكان متّكئاً؛ فقال: ((أَوَ فِي هُذَا أَنْتَ يَا أَبْنَ الخَطَّابِ ؟!)) - بهمزة استفهام وواو عطف على مقدر بعدها - قال الكرماني : أي : أنت في مقام استعظام التَّجمُّلات الدنيويّة واستعجالها ؟ !. وفي رواية للشّيخين أيضا: ((أَوَ فِي شَكِّ أَنْتَ يا ابْنَ الْخَطَّاب !! )) أي : أنت ٥٣٠ أَمَا تَرْضَىْ أَنْ تَكُونَ لَنَ الآخِرَةُ وَلَهُمُ الذُّنْيًا؟! أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ وَشِيكَةُ الإِنْفِطَاعِ، وَإِنَّا قَوْمٌ أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّباتُنَا فِي آخِرَتِنَا)). في شكِّ أَنّ التوسُّع في الدنيا مرغوب عنه؟ ! . فقلتُ : يا رسول اللهِ استغفر لي)). أي : من اعتقادي أنّ تجمّل الدنيا مرغوب فيه ، قال : ((أَمَا تَرْضَىْ أَنْ تَكُوْنَ لَنَا الآخِرَةُ ) الباقية ( وَلَهُمُ الذُّنْيَا))) الفانية ؟ وجمع ضمير لهم !! على إرادتهما ومن تبعهما ، أو كان على مثل حالهما ، بدليل رواية الشيخين . وهذا الحديث رواه ابن ماجه بإسناد صحيح بهذا اللّفظ الذي أورده المصنّف . ورواه الحاكم بلفظ: قال عمر رضي الله عنه: ((استأذنت على رسول الله وَله فدخلت عليه في مشربة ؛ وإنّه لمضطجع على خصفة ، وإنّ بعضه لعلى التراب ، وتحت رأسه وسادة محشوّة ليفاً، وإنّ فوق رأسه لإهاب(١) عطين ، وفي ناحية المشربة قَرَظُ ، فسلمت عليه وجلست ؛ فقلت : أنت نبيّ الله وصفوته وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير ؟ !. فقال : ( ((أُوْلَئِكَ قَوْمٌ مُجَّلَتْ لَهُمْ طَيَِّاتُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ وَشِيْكَةُ) - بمعجمة وكاف : قريبة - (الإنْقِطَاعِ)، أي: الزوال ( وَإِنَّا قَوْمٌ أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي آخِرَتِنا»)، وإضافة الآخرة لهم !! لأنّهم المنتفعون بها ، حتّى كأنّها منسوبة لهم ؛ لا لغيرهم . وفي رواية للشيخين : ((أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا )) . فقلت : استغفر لي ؛ يا رسول الله . قال النووي في (( شرح مسلم)): وهذا يحتجّ به من يفضِّل الفقر على الغنى، (١) بالنصب اسم ((إن)) وكتب بحذف الألف على لغة ربيعة وجرى عليه كثير من المحدثين. وعَطِين أي متغيراً منتناً اهـ . ٥٣١ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيرٌ مُرَمَّلٌ بِالْبَرْدِيِّ، وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ أَسْوَدُ ، وَقَدْ حَشَوْنَاهُ بِالْبَرْدِيِّ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَلَيْهِ ، فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُمَا .. أُسْتَوَى جَالِساً، فَنَظَرَا، فَإِذَا أَثَرُ السَّرِيرِ فِي جَنْبٍ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالاَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ ما يُؤْذِيكَ لما في مفهومه أنّ بمقدار ما يتعجّله من طيّبات الدنيا يفوته من ادّخار الأجر له في الآخرة ، وقد يتأوّله الآخرون بأنّ المراد أنّ حظّ هؤلاء من النعيم ما تعجّلوه في الدنيا ، ولاحظّ لهم في الآخرة لكفرهم . ( وَ) أخرج ابن حبّان في ((صحيحه)) المسمى بـ((الأنواع والتقاسيم))؛ (عَنْ ) أُمّ المؤمنين ( عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُوْلِ اللهِ وَّهِ سَرِيْرٌ مُرَمَّلٌ) - بضم الميم وفتح الراء وشدّ الميم - بالبَرْدِيِّ - بفتح فسكون -: نبات يعمل منه الحصر على لفظ المنسوب إلى البَرْد ، كما في ((المصباح)). فالمعنى أنّ قوائم السرير موصولة مغطّاة بما نسج من ذلك النبات ؛ كذا قال الزرقاني . وفي حديث عمر في الصحيح : فإذا هو مضطجع على رمال حصير . قال القسطلاني : بكسر الراء وتضم ، أي : سرير مرمول بما يرمّل به الحصير ، أي : ينسج ، ورمال الحصير ضلوعه المتداخلة فيه كالخيوط في الثوب . انتهى . قال في ((النهاية)): والمراد أنّه كان السرير قد نسج وجهه بالسعَف ؛ ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير . انتهى كلامه . ( وَعَلَيْهِ ) - أي السرير - ( كِسَاءٌ أَسْوَدُ ، وَقَدْ حَشَونَاهُ بِالبَرْدِيِّ ، فَدَخَلَ أَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَلَيْهِ؛ فَإِذَا النَّبِيُّ نَّهِ نَائِمٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُمَا اسْتَوَى جَالِسَاً) إِكراماً لهما، ( فَظَرَا فَإِذَا أَثَرُ السَّرِيْرِ فِي جَنْبٍ رَسُوْلِ اللهِ وَِّ، فَقَالاً: يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ ما يُؤْذِيْكَ ) - بحذف همزة الاستفهام تخفيفاً - أي: أما يؤذيك ٥٣٢ خُشُونَةٌ مَا نَرَىْ مِنْ فِرَاشِكَ وَسَرِيرِكَ؛ وَهَذَا كِسْرَىُ وَقَيْصَرُ عَلَىْ فُرُش الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ؟! فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((لاَ تَقُولاَ هَذَا ؛ فَإِنَّ فِرَاشَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِي النَّارِ ، وَإِنَّ فِرَاشِي وَسَرِيرِي هَذَا عَاقِبَتُهُ إِلَى الْجَنَّةِ » . وَمَا عَابَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَضْجَعاً قَطُ، إِنْ فُرِشَ لَه .. أُضْطَجَعَ، وَإِلاَّ .. أَضْطَجَعَ عَلَى الأَرْضِ. ومَعْنَى (مُرَمَّلٍ ) : ( خُشُوْنَةُ مَا نَرَى مِنْ فِرَاشِكَ وَسَرِيْرِكَ؛ وَهذا كِسْرَى وَقَيْصَرُ) أتى بالإشارة لتحقّق كونهما ( عَلَىْ فُرُشِ الدِّيْبَاجِ وَالْحَرِيْرِ ؟!) ، حتّى كأنّهما مشاهدان يشار إليهما . ( فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَةُ وَالسَّلاَمُ: ((لاَ تَقُوْلاَ هذا، فَإِنَّ فِرَاشَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِي الثَّارِ ) - كناية عن عذابهما وحقارتهما ؛ بجعل النار ظرفاً لفراشهما محيطة به - ( وَإِنَّ فِرَاشِيْ وَسَرِيْرِيْ هُذا عَاقِبَتُهُ إِلَى الجَنَّةِ)))، لم يقل ((في الجنّة)) على نمط ما قبله !! إشارة إلى تصرُّفه فيها كيف شاء ، وذلك أبلغ في تعظيمه من مجرّد كون فراشه وسريره بها . وقد أشار إلى ما تقدّم الحافظ زين الدين العراقي في ((ألفيَّته في السيرة )) فقال : لِيْفٌ فَلا يُلْهِيْ بِعُجْبٍ زَهْؤُهُ فِرَاشُهُ مِنْ أَدَمٍ وَحَشْوُهُ بِشِيْتَيْنِ عِنْدَ بَعْضِ النِّسْوَةِ وَرُبَّمَا نَامَ عَلىَ الْعَبَاءَةِ ما تَحْتَهُ شَيْءٌ سِوَى السَّرِيْرِ وَرُبَّما نامَ على الْخَصِيْرِ ( وَمَا عَابَ رَسُوْلُ اللهِنِ ◌ّهِ) - عبارة القسطلاني في ((المواهب اللّدنَّة)): ويروى أنّه عليه الصلاة والسلام ما عاب - ( مَضْجَعَاً قَطُ ) ؛ أي : مكانا يضطَجع فيه ( إِنْ فُرِشَ لَهُ اضْطَجَعَ ) على ما فرش له، ( وَإلاّ) يفرشْ له شيء ( اضْطَجَعَ عَلَى الأَرْضِ ، أَلچر . ( وَمَعْنَى مُرَمَّلٍ ) - بضم الميم وفتح الراء وشد الميم الثانية آخره لام - ٥٣٣ مَنْسُوجٍ . وَ( الْبَرْدِيُّ ) : نَبَاتٌ . وَتَغَطَّىُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللِّحَافِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((مَا أَتَانِي جِبْرِيلُ وَأَنَا فِي لِحَافِ أَمْرَأَةٍ مِنْكُنَّ .. غَيْرِ عَائِشَةَ )). ( مَنْسُوْجٍ ) بالسعَف كما تقدّم آنفاً . ( وَالْبَرْدِيّ ) - بفتح الباء الموحدة وسكون الراء آخره ياء مثنّة على لفظ المنسوب - هو ( نَبَاتٌ) يعمل منه الحصر كما تقدّم . (وَتَغَطَّى ◌َّهِ بِاللِّحَافِ ) بزنة كتاب: كلّ ثوب يتغطّى به، والجمع لحف ؛ كما في (( المصباح)). ( قَالَ ) النّبِيّ (عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ) فيما رواه البخاريّ ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها : اجتمع صواحبي إلى أمّ سلمة ؛ فقلن: والله ؛ إنَّ النّاس يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة، وإنّا نريد الخير كما تريد عائشة. فمري رسول الله وَلقر أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان ، أو حيثما دار . فذكرت ذلك أمّ سلمة له . قالت : فأعرض عنّي ، فلمّا عاد إليّ ذكرت له ذلك فأعرض عنّي ، فلمّا كان في الثالثة ذكرت له فقال: ((يَا أُمَّ سَلَمَةَ؛ لاَ تُؤْذِيْنِي فِي عَائِشَةَ، فَوَ اللهِ ( مَا أَتَانِيْ جِبْرِيْلُ ) - وفي رواية: (( مَا نَزَلَ عَلَيَّ الوَحْيُ)) - ( وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِ عَائِشَةَ)) ) رضي الله تعالى عنها إكراماً من الله لها وسبق عناية بها . وقيل: لمبالغتها في تنظيف ثيابها ، أو لمكان والدها ، وأنّه لم يفارق النبي ◌َّ في أغلب أحواله ، فسرى سرّه إلى ابنته ؛ مع مزيد حبّ المصطفى لها . وفيه فضلها على جميع نسائه ، ويحتمل أنّ المراد غير خديجة ؛ لأنها ماتت قبل ذلك فلم تدخل في الخطاب بقوله : مِنْكُنَّ ؛ قاله الحافظ ابن حجر ، وجزم السيوطيّ بما أبداه احتمالاً . ثمّ المصنّف ذكر هذا دليلاً لقوله تغطّى باللّحاف؛ لأنّ الاستثناء من النفي ٥٣٤ وَكَانَ وِسَادُهُ الَّذِي يَتَّكِىءُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَمٍ ، حَشْوُهُ لِيفٌ . وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَكِئاً عَلَىْ وِسَادَةٍ عَلَىْ يَسَارِهِ . إثبات ، فكأنّه قيل : أتاني وأنا متغطٌّ بلحاف عائشة ، والمتبادر أنّها معه فيه . ( وَ) أخرج الإمام أحمد ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ وِسَادَهُ) - بكسر الواو -: المخدّة ( الَّذِيْ يَتْكِىءُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَم ) - بفتحتين - جمع أدمة أو أديم، وهو الجلد المدبوغ . (حَشْوُهُ) أي الأدم ( لِيْفٌ) . والجملة صفة لأدم ، وفيه إِيذان بكمال زهده وإعراضه عن الدنيا ونعيمها ، وفاخر متاعها ، وحلّ اتّخاذ الوسادة ونحوها من الفرش . وقد روى هذا الحديثَ الإمامُ أحمد أيضاً ، وأبو داود ، والترمذيّ ، وابن ماجه ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ: (( كان وسادته التي ينام عليها باللّيل من أدم حشوها ليف)) . وفيه حل اتّخاذ الوسادة ونحوها ، والنوم عليها ، وغير ذلك . قالوا : لكن الأولى لمن غلبه الكسل ، والميل للدّعة والترقُّه أن لا يبالغ في حشو الفراش ؛ لأنّه سبب لكثرة النوم والغفلة ، والشغل عن مهمّات الخيرات . ( وَ) أخرج أبو داود، والترمذي في ((الجامع)) و((الشمائل)) - وقال: حسن غريب - ( عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ؛ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌ََّ) أي: أبصرته حال كونه ( مُتَكِئاً عَلَى وِسَادَةٍ ) - بكسر الواو - كإفادة : ما يتوسّد به من المِخَدّة - بكسر الميم وفتح الخاء المعجمة - وقد يقال : وساد - بلا تاء -، وأساد - بالهمزة - بدل الواو ( عَلَى يَسارِهِ ) ؛ أي : حال كون الوسادة موضوعة على يساره . أي : جانبه الأيسر ، فهو صفة لوسادة ، جيء به لبيان الواقع لا للتّقييد ، فيحلّ الاتكاء يميناً أيضاً . وقد بيّن الراوي في هذا الخبر التُّكَأَة ، وهي الوسادة هنا ، وكيفيّة الاتّكاء . ٥٣٥ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْخَصِيرِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى بِسَاطٍ . والتُّكَأَةُ بوزن اللُّمَزة : ما يتَكأ عليه من وسادة وغيرها ممّا هيء وأُعدّ لذلك، فخرج الإنسان فلا يسمى تكأة ؛ وإن اتُكىء عليه . ( وَ) في ((كنوز الحقائق)): (كَانَ) رسول الله (ِّرِ يُصَلِّيْ عَلَى الْحَصِيْرِ ) من غير سجّادة تبسط له فراراً عن تزيين الظاهر للخلق ، وتحسين مواقع نظرهم ، فإنّ ذلك هو الرياء المحظور ، وهو ؛ وإن كان مأموناً منه لكنّ قصده التشريع . والمراد بالحصير : ما نسج من ورق النخل ، هكذا كانت عادتهم . ثمّ هذا الحديث رمز له المناوي في (( كنوزه )) برمز عبد الرزاق ! ورواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والحاكم ؛ عن المغيرة بن شعبة بلفظ : كان يصلي على الحصير ، والفروةِ المدبوغة . قال المناوي: وعورض هذا الحديث بما رواه أبو يعلى، وابن أبي شيبة، وغيرهما من رواية شُرَيْح أنّه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النَّبِيّ وَّهِ يصلي على الحصير؛ والله سبحانه وتعالى يقول ﴿ وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِنَ حَصِيرًا ﴾ [الإسراء]؟! ٨ قالت : لم يكن يصلّي عليه . ورجاله كما قال الحافظ الزين العراقي : ثقات . وأُجيب تارة بأنّ المنفيّ في خبرها المداومة ، وتارة أخرى أجيب بأنّها إنّما نفت علمها ، ومن علم صلاته على الحصير مقدّم على النافي ، وبأنّ حديثها ؛ وإن كان رجاله ثقات ؛ لكن فيه شذوذ ونكارة . فإنّ القولَ ((بأنّ المراد في الآية الحصير التي تفرش)» مرجوحٌ مهجور ، والجمهور على أنّه من الحَصْرِ ، أي: ممنوعون عن الخروج منها ؛ أفاده الحافظ العراقي قال : وفيه ندب الصلاة على الحصير ، ونحوه مما يقي بدن المصلي عن الأرض ، وقد حكاه الترمذيّ عن أكثر أهل العلم ؛ ذكره المناوي . ( وَ) أخرج ابنُ ماجه ، والحاكم ، وابن أبي شيبة بسند حسن ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال : ( كَانَ) رسول الله (وَّهِ يُصَلِّيْ عَلَى بِسَاطٍ) أي: حصير كما في (( شرح ٥٣٦ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ أَنْ تَكُونَ لَهُ فَرْوَةٌ مَدْبُوغَةٌ يُصَلِّي عَلَيْهَا . أبي داود)) للوليّ العراقيّ، وسبقه إليه أبوه في (( شرح الترمذيّ)) حيث قال: في ((سنن أبي داود)) ما يدلّ على أنّ المراد بالبساط الحصير . قال ابن القيّم: كان يسجد على الأرض كثيراً ، وعلى الماء ، والطين ، وعلىُ الخُمرة المتّخذة من خوص النخل ، وعلى الحصير المتّخذ منه ، وعلى الفروة المدبوغة ؛ كذا في ((زاد المعاد)). ولا ينافيه إنكاره في ((المصايد)) على الصوفيّة ملازمتهم للصلاة على سجادة. وقول ابن القيّم: ((لم يصلّ رسول الله وَّر على سجادة قطّ، ولا كانت السجادة تفرش بين يديه )) !! ، مراده السجادة من صوف على الوجه المعروف ، فإنَّه كان يصلّي على ما اتّفق بسطه . انتهى ؛ ذكره المناوي في (( الكبير)) رحمه الله تعالى. ( وَ) أَخرج ابن سعد في (( طبقاته)) بسند ضعيف ؛ عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (َِِّ يَسْتَحِبُّ)؛ أي: يحب ( أَنْ تَكُوْنَ لَهُ فَرْوَةٌ مَذْبُوْغَةٌ ) . الفروة قيل: بإثبات التاء ، وقيل : بحذفها ، والجمع فِراء ؛ كَسَهْم وسهام ، وهو على أنواع: فمنها السمور ، والأزق ، والقاقون ، والسنجاب ، والنافه ، والقرسق ، وأولاهنّ أعلاهنّ ، وهي جلود حيوانات تدبغ فتخيط ويلبس بها الثياب ، يلبسونها اتّقاء البرد . قال الأزهريّ : الجلدة إذا لم يكن عليها وَبَرٌ، ولا صوف لا تسمّى ((فروة)). انتهى ((شرح القاموس)). ( يُصَلِّيْ عَلَيْهَا ) بيّن به أنّ الصلاة على الفروة لا تكره ، وأنّ ذلك لا ينافي كمال الزهد ، وأنّه ليس من الورع الصلاة على الأرض ، لأنّ محلّ ذلك القلب . وفيه إشارة إلى أنَّ التنزُّه عنها توهّماً لتقصير الدبّاغ عن التطهير ليس من الورع ، وإيماءٌ إلى أنّ الشرط تجنُّب النجاسة إذا شوهدت ، وعدم تدقيق النظر في استنباط الاحتمالات البعيدة ، وقد أخطأ قوم استفرغوا أنظارهم في دقائق الطهارة والنجاسة ، وأهملوا النظر في دقائق الرياء والظلم !! فانظر كيف اندرس من الدين رسمه ؛ كما اندرس تحقيقه وعلمه !! نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق إلى أقوم طريق . انتهى . مناوي رحمه الله تعالى . ٥٣٧ اَلْفَضْلُ الثَّالِثُ فِي صِفَةٍ خَاتَمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ خَاتِمُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرِقٍ ، ( الْفَصْلُ الثَّالِثُ ) من الباب الثالث : ( فِي ) بيان ما ورد في ( صِفَةٍ خَاتَمِهِ ) - بفتح التاء المثنّة فوق وكسرها - وفي صفة تختّمه (وَّر) ؛ أي: لبسه الخاتم . والمراد بالخاتم الطابع الذي كان يختم به الكتب ، لا خاتم النبوّة ؛ فإنّه البَضْعة الناشزة بين كتفيه ، وليس مراداً هنا . وفي الخاتم عشر لغات نظمها الحافظ ابن حجر في قوله : ثَمانِياً ما حواها قَطُّ نَظّامُ خُذْ عَدّ نَظْمٍ لُغَاتِ الخَاتَمِ انْتُظَمَتْ مٌ خَاتِيامُ وخَيْتومٌ وخَيتامُ خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ خَاتِمٌ وَخِئًا ساغَ القياسُ أَتَمَّ العَشْرِ خَأْتَامُ وَالهَمْزُ مَعْ فَتْحٍ خاءٍ تاسِعٌ وإذا قالوا : والخاتم حلقة ذات فصّ من غيرها ، فإنْ لم يكن لها فصّ فهي فَتَخة - بفاء ومثناة فوقية وخاء معجمة - كقَصَبة . قال ابن العربي : والخاتم عادة في الأمم ماضية ، وسنّة في الإسلام قائمة . وقال ابن جماعة وغيره : وما زال الناس يتّخذون الخواتيم سلفاً وخلفاً من غير نكير . ( كَانَ خَاتَمُ رَسُوْلِ اللهِ ◌َ﴿ مِنْ وَرِقٍ) - بكسر الراء وتسكّن تخفيفاً - أي: فضّة، وأخذ بعض أئمة الشافعيّة من إيثار المصطفى ◌َّهر الفضّة كراهةَ التختّم بنحو حديد أو ٥٣٨ وَكَانَ قُصُهُ حَبَشِيّاً . نحاس . وأيّد بما في روايةٍ أنّه رأى بيد رجل خاتماً من صُفْر ؛ فقال: ((مالِيْ أَجِدُ مِنْكَ رِيْحَ الأَصْنام ؟)) فطرحه ، ثمّ جاء وعليه خاتَم من حديد ؛ فقال: ((مالِيْ أَرى عَلَيْكَ حِلْيَةً أَهْلِ الثَّارِ )» ؟ . ويويّده أيضاً ما في رواية: (( أنّه أراد أن يكتب كتاباً إلى الأعاجم يدعوهم إلى الله تعالى))؛ فقال له رجل : يا رسول الله ؛ إنّهم لا يقبلون كتاباً إلاّ مختوماً . فأمر أن يعمل له خاتم من حديد ، فجعله في أصبعه ، فأتاه جبريل فقال له : إِنْبِذْهُ مِنْ أُصْبُعِكَ . فنبذه من أصبعه وأمره بخاتم آخر يصاغ له ، فعمل له خاتم من نحاس ؛ فجعله في أصبعه ، فقال له جبريل : انبذه ، فنبذه ، وأمر بخاتم يصاغ له من وَرِق ؛ فجعله في أصبعه . فأقرَّه جبريل ... )) إلى آخر الحديث. لكن اختار النوويّ أنّه لا يكره، لخبر الشيخين: ((اِلْتَمِسْ؛ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيْدٍ))، ولو كان مكروهاً لم يأذن فيه، ولخبر أبي داود: كان خاتم النبي ◌َّ من حديد ملويّاً عليه فضّة . قال : وخبر النهي ضعيف . ويؤخذ من الحديث أنّه يسن اتّخاذ الخاتم ، ولو لم يحتجه لخَتْم وغيره ، وعدم التعرض في الخبر لوزنه !! يدلّ على أنّه لا تحجير في بلوغه مثقالاً فصاعداً ، ولذلك أناط بعض الشافعية الحكم بالعرف ؛ أي : بعرف أمثال اللّبس . لكن ورد النهي عن اتّخاذه مثقالاً في خبر حسن، وضعّفه النوويّ في (( شرح مسلم)) ، لكنّه معارض بتصحيح ابن حبّان وغيره له ، وأخذ بعضهم بقضيته . وللرجل لبس خواتيم ، ويكره أكثر من اثنين . ( وَكَانَ فَصُّهُ) - بفتح أوّله وكسره ؛ وقد يضمُّ وبتشديد الصاد -: ما ينقش فيه اسم صاحبه أو غيره ( حَبَشِيّاً ) ؛ أي : حجراً منسوباً إلى الحبش ، لأنّه معدنه . رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذيّ في ((الجامع)) و(( الشمائل)) عن أنس رضي الله تعالى عنه . ٥٣٩ وَ( ألْوَرِقُ ) : أَلْفِضَّةُ . وَ( ألْفَصُ ) : مَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ اسْمُ صَاحِبِهِ. وَ( الْحَبَشِيُّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَبَشِ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ جَزْع ؛ وَهُوَ : خَرَزٌ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ ، أَوْ مِنْ عَقِيقٍ، وَمَعْدِنُهُمَا بِالْحَبَشَةِ . ( وَالْوَرِقُ) - بكسر الراء وتسكّن تخفيفاً -: (الْفِضَّةُ) وهي في الأصل النقرة المضروبة ، وقيل : النقرة مضروبة أوّلاً . (وَالْفَصُّ ) قال القُسطُلاَّني : بفتح الفاءِ والعامّة تكسرها ، وأثبتها بعضهم لغة ، وزاد بعضهم الضمّ ، وعليه جرى ابن مالك في ((المثلّث)). انتهى . وفي ((القاموس)): الفصّ للخاتم مثلّثة ، ووهم الجوهريّ في جعله الكسر لحناً . نعم قال ابن السكّيْت والفارابيّ : إنّه رديء . وللفصّ معان كثيرة ، والمراد هُنا : ( مَا يُكْتَبُ) أي : ينقش ( عَلَيْهِ اسْمُ صَاحِبِهِ) أو غيره . (وَالْحَبَشِيُّ: مَنْسُوْبٌ إِلَى الْحَبَشِ) ؛ أي : جيء به من الحبشة، ( فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ جَزْعٍ) - بفتح الجيم وسكون الزاي ـ ( وَهُوَ: خَرَزٌ فِيْهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ) يشبه به الأعين، (أَوْ مِنْ عَقِيْقٍ ) كأمير ( وَمَعْدِنُهُمَا بِالْحَبَشَةِ ) . وهذا أقرب ممّا قيل : إِنّ معدنهما باليمن ؛ وهي من الحبشة ، أو أنّ لونه حبشيّ ، أي : أحمر يميل إلى السواد ، أو صانعه حبشيّ ، أو مصنوع كصنع الحبشة . هذا عصارة ما في الشروح المشهورة والزُّبُر المتداولة !! لكن الوجه الذي لا محيد عنه ما قاله الجلال السيوطيّ وغيره؛ اعتماداً على ما في ((مفردات)) ابن البيطار : إنّ الحبشيّ نوع من الزبرجد يكون ببلاد الحبش ؛ لونه يميل إلى الخضرة ، من خواصّه أنّه ينقي العين، ويجلو ظلمة البصر ؛ ذكره المناوي في ((شرح الشمائل)). وَأَمّا خاتم العقيق !! فعن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله وَّه قال: ((تَخَتَّمُوْا بِالْعَقِيْقِ، وَالْيَمِيْنُ أَحَقُّ بِالزِّيْنَةِ )) . وفي سنده مجهول ، بل قال في ((اللسان)) : هو موضوع بلا ريب، لكن لا أدري من وضعه . انتهى . وروي بلفظ: ((تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيْقِ فَإِنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ )). ٥٤٠