Indexed OCR Text
Pages 441-460
وَأَلْكِسَاءَ الْخَشِنَ، وَأَلْبُرْدَ الْغَلِيظَ، وَيَقْسِمُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَقْبِيَّةً الدِّبَاجِ الْمُخَوَّصَةَ بِالذَّهَبِ ، وَيَرْفَعُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ ؛ إِذِ الْمُبَاهَاةُ فِي اُلْمَلَابِسِ ( وَالكِسَاءَ ) : قريبٌ من البُرْدِ؛ (الخَشِنَ ) - بفتح فكسر - أي : الغليظ ، ضدّ الدَّقيق الليِّن . (والبُزْدَ ) - بضمٍّ أوَّله وسكون الرَّاء - أي: اليَمانيِّ؛ وهو الثَّوب الَّذي فيه خطوط . ( الغَلِيْظَ )، أي : الخشن ، واختار هذا كله زهداً وقناعة وتنزُّهاً عمَّا يَلْبَسُهُ من لا خلاق له تفاخراً، وليس ذلك من عجزه وَّر عن فاخر الألبسة ، بل لعدم ميله إليها كما قال . ( وَيَقْسِمُ) - بالتَّخفيف، ويجوز تشديده بقصد التكثير - ( عَلَى مَنْ حَضَرَهُ ) ؛ أي : حضر عنده ( أَقْبِيَةَ)، جمع قباء : وهو المخيط من اللباس . ( الدِّيْبَاجِ ) - بكسر الدَّال وقد تفتح - وهو نوع من الحرير معروف . ( المُخَوَّصَةِ ) - بضمِّ الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو المفتوحة يليها صاد مهملة وهاء - : المزيَّنة ( بِالذَّهَبِ ) ؛ أي : المنسوجة بأعلامٍ من ذهبٍ كالخُوصِ . ( وَيَرْفَعُ)؛ أي: يَدَّخر منها ( لِمَنْ لَمْ يَحْضُزْ) القسمة إلى أن يحضر فيعيطها له ، إشارة لِقِصَّةِ مخرمةَ الَّتي رواها البُخاري ومسلم ؛ عن المِسْوَرِ بنِ مخرمةَ رضي الله تعالى عنه قال: قال لي أبي: بلغني أنَّه ◌َ لُه جاءته أقبية، فاذهب بنا إِليهِ . فذهبنا ؛ فوجدناه في منزله ، فقال : ادْعُهُ لي ، فأعظمتُ ذلك . فقال: يا بُنَّيَّ ؛ إِنَّه ليس بجبَّارٍ. فدعوته وَّرَ فخرج ومعه قبَاءٌ من دِيبَاجِ مزرَّر بالذَّهب، فقال : ((يَا مَخْرَمَةُ، خَبَّأْتُ لَكَ هُذَا)»، وجعل ◌َِّ يريه محاسنه ، ثمَّ أعطاه له ، فنظر إليه فقال: ((رَضيَ مَخْرَمَةُ)) فأعطاه إيَّه . زاد البخاري: وكان في خُلُق مخرمةَ شدَّة محبّة . وجَزَمَ الدَّاوودي أنَّ قوله ((رَضِيَ مَخْرَمَةُ)) من كلامِ النَّبِيِوَِّ، ورجَّح الحافظ أنَّ مِن كلام مخرمَة . (إذِ المُبَاهَاةُ ) تعليل لاقتصاره على ما تدعو ضرورته إليه ؛ أي : لأنَّ إظهار الفخر ( فِي المَلاَبِسِ ) ؛ جمع ملبس - بفتح الميم والباء - وهو ٤٤١ وَاَلْتَّزَيُّنُ بِهَا .. لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الشَّرَفِ وَالْجَلَاَلَةِ، وَهِيَ مِرْ سِمَاتِ النِّسَاءِ. وَالْمَحْمُودُ مِنْهَا نَقَاوَةُ الثَّوْبِ ، واللِّباس بمعنى، وأصلُ المباهاةِ المفاخرةُ ، فَتُزِّل إظهارها والعجب بها ( وَالتَّزَيُّنُ بِهَا ) ؛ أي : إظهار الزينة في الملابس منزلةَ ذلك . ( لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الشَّرَفِ ) ؛ أي : شمائل أصحاب الشَّرافة ( وَ ) أصحاب ( الجَلَاَلَةِ ) ، أي : العظمة المعنويَّة ، أي : إنَّ المغالاة في ذلك وإظهاره ليس مما يُعَدُّ شَرفاً ، ولا ممَّا يقصده الأشراف . قال الخفاجي : قال الفقهاء : لُبس الثَّوب الجميل للتَّزيُن مباحٌ في الجُمَعِ والأعيادِ ومجامعِ النَّاسِ ، وما يستر العورة ويدفع الحرّ والبرد واجبٌ ، وما فيه جمالٌ لصاحبه مسنونٌ ، بشرط أن لا ينويَ به العظمة والزِّينة ، بل إِظهارَ نعمةِ اللهِ وتعظيمَ من يجتمع لملاقاته ، وقد كان ◌َ لإر يفعله ، وقلت في ذلك : نَصِيحَةٌ لَطِيفَةٌ قَالَتْ بِهَا الأَكْيَاسُ كُلْ مَا اشْتَهَيْتَ وَالْبَسْ مَا تَشْتَهِيهِ النَّاسُ وقد تقدَّم في الفصلِ الخامسِ في صفة طيبه ، الكلام على التجمُّل واللِّباس بأبسط ممَّا هنا ، فاعتمد ما هناك . ( وَهِيَ)، أي: المباهاة ( مِنْ سِمَاتٍ) - بكسر السِّين - أي : من خصال (النِّسَاءِ ) ومَن في حكمهِنَّ كالأطفال، وأكثرُ مَن يَتَبَاهَى بذلك مُحْدَث النعمة ومن لا قدر له . ( وَالمَحْمُودُ ) ؛ أي : الممدوح ( مِنْهَا ) عند الله وعند النَّاسِ ( نَقَاوَةُ) - بفتح النون وضمِّها - أي : نظافة ( الثَّوْبِ ) ؛ أي : كونه نقيّاً من الوسخ والنَّجاسةِ . قال الخفاجي: وفي (( البستان)) : يُستحبُّ للرَّجل الذي له مروءة وعلم أن تكون ثيابه نقيّة من غير كِبْرٍ، ورأىُ النَّبِيُّ ◌ََّ رجلاً وسخت ثيابه، فقال: ((أَمَا وَجَدَ هَذَا شَيْئاً يُنَقِّي ثِيَابَهُ)). وقال أيضاً: (( مَا عَلَىُ الرَّجُلِ حَرَجٌ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ سِوَى ٤٤٢ وَالتَّوَسُّطُ فِي حِنْسِهِ ، وَكَوْنُهُ لُبْسَ مِثْلِهِ .. غَيْرُ مُسْقِطٍ لِمُرُوءَةٍ جِنْسِهِ . وَفِي ((أَلْمَوَاهِبِ)): إِنَّ الْجَمَالَ فِي الصُّورَةِ وَاَللَّبَاسِ وَاَلْهَيْئَةِ ثَلاثَةُ أَنْوَاعِ: مِنْهُ مَا يُحْمَدُ ، وَمِنْهُ مَا يُذَمُّ ، وَمِنْهُ مَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَدْحٌ وَلاَ ذَمِّ : فَالْمَحْمُودُ مِنْهُ: مَا كَانَ للهِ، وَأَعَانَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَىُ، وَتَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ، وَالاسْتِجَابَةِ لَهُ؛ كَمَا كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَمَّلُ لِلْؤُفُودِ ، توْبَي مِهْنَتِهِ)). وفي المثل: ((المَرُوءَةُ الظَّاهِرَةُ فِي الشِّابِ الطَّاهِرَةِ)». انتهى كلام الخفاجي . ( وَالتَّوَسُّطُ فِي جِنْسِهِ ) ، أي : المحمودُ في اللُّباس استعمالُ الوسط منهُ، فلا يكونُ نفيساً جدّاً ولا خسيساً ، لورود الذَّمِّ عن لبس الشّهرتين . قال النووي : كانوا يكرهون الشّهرتين : الثِّبُ الجيادُ والثِّيَّاب الرَّذلة ، إِذ الأَبْصار تمتدُّ إِليهما جميعاً ، وبهذا ورد الحديث. انتهى ؛ نقله الزرقاني على ((المواهب)). ( وَكَوْنُهُ لُبْسَ ) - بضم فسكون - ( مِثْلِهِ) ، أي : ممَّا تلبسه أمثاله حال كونه ( غَيْرَ مُسْقِطٍ لِمَرُوءَةٍ جِئْسِهِ ) ، أي : لا يُعدُّ مسقطاً المروءة أمثاله ، فينبغي أن يوافق أمثالَهُ في لباسهم ولا يخالفهم ؛ فيوقع النَّاس في الفتنة . ( وَ) قال القُسْطُلَّني (فِي ((المَوَاهِبِ ) اللدنيّة)): (إِنَّ الجَمَالَ فِي الصُّورَةِ ) لتحسينها بإزالة الشَّعث، (وَ) في ( اللِّبَاسِ) بكونه ليس جنس لابسه. (وَالهَيْئَةِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعِ: مِنْهُ مَا يُحْمَدُ ، وَمِنْهُ ما يُذَمُّ ، وَمِنْهُ مَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَدْحٌ وَلاَ ذَمُّ) فهو جائز . ( فَالمَحْمُودُ مِنْهُ: مَا كَانَ للهِ وَأَعَانَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالىْ وَتَنْفِيْذِ أَوَامِرِهِ وَالاسْتِجَابَةِ )؛ أي: الإجابة (لَهُ، كَمَا كَانَ رَّهِ يَتَجَمَّلُ لِلْوُفُودِ) لملاقاتهم ، استعانةً على تنفيذ أَوامر اللهِ تعالى ، لما جرت به عادة البَشَرِ من انقيادهم لصاحب الهيئة وقبول كلامه . ٤٤٣ وَهَذَا نَظِيرُ لِبَاسِ آَلَّهِ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ، وَلِبَاسِ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ ، وَالْخُيَلاَءِ فِيهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُودٌ إِذَا تَضَمَّنَ إِعْلَاَءَ كَلِمَةِ اللهِ تَعَالَىْ ، وَنَصْرَ دِينِهِ ، وَغَيْطَ عَدُوِّهِ . وَالْمَذْمُومُ مِنْهُ: مَا كَانَ لِلدُّنْيَا، وَالرِّئَاسَةِ، وَالْفَخْرِ وَالْخُيَّلاَءِ ، وَأَنْ يَكُونَ هُوَ غَايَةَ الْعَبْدِ وَأَقْصَىْ مَطْلَبِهِ . وَأَمَّا مَا لاَ يُحْمَدُ وَلاَ يُذَمُّ: فَهُوَ مَا خَلاَ عَنْ هَذَيْنِ اُلْقَصْدَيْنِ ، وَتَجَرَّدَ عَنِ الْوَصْفَيْنِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُضَيّقُ بالاقْتِصَارِ بِالاقْتِصَارِ عَلَى صِّنْفٍ مِنَ اللَّبَاسِ بِعَيْنِهِ ، وَلاَ يَطْلُبُ النَّفِيسَ الْغَالِيَ ، بَلْ يَسْتَعْمِلُ مَا تَسَّرَ . ( وَهَذَا نَظِيرُ لِبَاسِ آلَةِ الحَرْبِ لِلْقِتَالِ ) لإعلاء كلمة الله تعالى، وتخويف أعدائه، ( وَلِبَاسِ الحَرِيْرِ فِي الحَرْبِ) على قول من أجازه، ( وَالخُيَلاَءِ ) : التبختر (فِيهِ ) وإظهار العجب، ( فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُودٌ إِذَا تَضَمَّنَ إِعْلاَءَ كَلِمَةِ اللهِ تَعَالَى ): الشَّهادة له بالوحدانيَّة ولنبيِِّ بالرِّسالةِ ، (وَنَصْرَ دِيْنِهِ وَغَيْظَ عُدُوِّهِ. وَالمَذْمُومُ مِنْهُ) ؛ وهو النَّوعِ الثَّاني: ( مَا كَانَ لِلُّنْيَا وَالرِّئَاسَةِ وَالفَخْرِ وَالخُيَلَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ هُوَ غَايَةَ العَبْدِ وَأَقْصَىْ مَطْلَبِهِ ) ، فإنَّ كثيراً من النَّاس ليس له همَّة في سوى ذلك ، بئست الهِمَّة . كما قال الشَّاعر يهجو : إِنِّي رَأَيْتُ مِنَ المَكَارِمِ حَسْبَكُمْ أَنْ تَلْبَسُوا خَزَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا ( وَأَمَّا مَا لاَ يُحْمَدُ وَلاَ يُذَمُّ)؛ وهو النَّوْعُ الثَّالِثُ (فَهُوَ: مَا خَلاَ عَنْ هَذَيْنِ القَصْدَيْنِ، وَتَجَرَّدَ عَنْ) هذين ( الوَصْفَيْنِ ) لا يحمد ولا يذُّ فهو جائز ، ( وَقَدْ كَانَ الشَِّيُّ ◌ََّ) يتجوَّز من اللباس؛ أي: يتوسّع و( لاَ يُضَيِّقُ بِالاقْتِصَارِ عَلَى صِنْفٍ مِنَ اللَّبَاسِ بِعَيْنِهِ، وَلاَ يَطْلُبُ النَّفِيْسَ) أي: (الغَالي) - بالغين المعجمة - (بَلْ يَسْتَعْمِلُ مَا تَشَرَ ) بلا كلفة . ٤٤٤ ثُمَّ قَالَ: رَوَىْ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ((أَلْحِلْيَةِ)) ولذا أورد البخاري في الباب حديث عمر في جلوس النَِّيِّوَِّ فِي المَشْرُبَةِ، لَمَّا حلف (( لا يدخل على نسائه شهراً))، وفيه: فدخلت فإذا النَّبِيُّ وَّل على حصير قد أثَّرَ في جنبه ، وتحت رأسه مرفقة من أدم حشوها ليف ، وإذا أُهُبِّ معلقةٌ وقرظ . وحديثُ أمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها: استيقظ النَّبِيُّ ◌َِّ وهو يقول: ((لاَ إِلَّهَ إِلَّ اللهُ؛ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ ؟! مَاذَ أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ ؟! مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجَرِ ؟! كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ يَوْمَ القِيَامَةِ )) . فِفِيه التحذير من لبْسٍ رقيق الشِّابِ الوَاصِفَةِ لِلْجَسَدِ ، وهو وجه إدخاله في هذه التَّرجمة . وروى أبو نُعَيْمٍ ، وابنُ عدي ؛ عن عبادةَ بنِ الصَّامِتِ - رضي الله تعالى عنه - قال: صلَّى بنا رسول الله - وَل﴿ ـ في شملةٍ أراد أن يتوشَّح بها فضاقت، فعقدها في عنقه هکذا ۔ وأشار سفیان إلى قفاه - ليس له غيرها . ( ثم قال) في ((المواهب اللدُنيَّة)) بعد نقل كلام ((الشِّفاء)) السابق: وقد ( رَوىْ أَبُو نُعَيمٍ ) الحافظ المؤرِّخ أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني ، ولد سنة : - ٣٣٦ - ستِّ وثلاثين وثلثمائة هجرية، وكان من الثِّقَاتِ المعروفين بالحفظ والإتقان . ومن مؤلّفاتِهِ ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء))، و(( معرفة الصَّحابة)) و((طبقات المحدِّثين والرواة)) و(( دلائل النُّؤَّة)) و(( ذكر أخبار أصْبهان)). وكانت وفاته سنة : - ٤٣٠ - ثلاثين وأربعمائة ؛ (فِي) كتاب ( ((الحِلْيَةِ))) الذي قيل فيه: إنَّه لم يصنَفْ مثله، ولما صَنَّه حُمل الكتاب في حياة مؤلِّفه إلىْ نَيَّسَابُورَ فاشتروه بِأَربعمائة دينارٍ . وهو كتاب حسن معتبر يتضمن أسامي جماعةٍ منَ الصَّحابة والتَّابعينَ ، ومَنْ بعدهم مِنَ الأَئْمَّة الأعلام المحقّقينَ والمتصوِّفة والنَُّّاكِ ، وبعض أحاديثهم وكلامهم ، رحمه الله تعالى . ٤٤٥ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعاً: ((إِنَّ مِنْ كَرَامَةِ الْمُؤْمِنِ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ .. نَقَاءَ ثَوْبِهِ ، وَرِضَاهُ بِالْيَسِيرِ )) . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلاً وَسِخَةً ثِيَابُهُ فَقَالَ: ((أَمَا وَجَدَ هَذَا شَيْئاً يُنَقِّي بِهِ ثِيَابَهُ؟ )) . قَالَ: وَكَانَتْ سِيرَتُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَلْبَسِهِ أَثَمَّ وَأَنْفَعَ لِلْبَدَنِ وَأَخَفَّ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنْ عِمَامَتُهُ بِالْكَبِيرَةِ الَّتِي يُؤْذِي حَمْلُهَا وَيُضْعِفُهُ وَيَجْعَلُهُ عُرْضَةٌ لِلآفَاتِ ، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) بن الخطاب ( مَرْفُوعاً) قال: ( ((إنَّ مِنْ كَرَامَةِ المُؤْمِنِ عَلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ) - أي: نَفَاسَتِهِ وعزَّته، أي : من حُسْنِ حالِهِ الَّذِي يُتِبُهُ عَلَيْهِ ، ويَصِيرُ بِهِ مُقَرَّباً عنده - ( نَقَاءَ ثَوْبِهِ ) - أي: نظافَته ونزاهته عن الأَدْناس - ( وَرِضَاءُ) - بالقصر - ( باليَسِيْرِ ) ؛ من مَلْبَسٍ ومأكلٍ ومشربٍ أو من الدُّنيا ، قيل : دخل زائر على أبي الحَسَن العَروضِيِّ؛ فوجده عُزْيَاناً !! فقال : نحن إذا غسلنا ثيابنا نكون كما قال القاضي أبو الطيِّبٍ : قَوْمٌ إِذَا غَسَلُوا ثِيَابَ جَمالِهِمْ لَبِسُوا الْبُيُوتَ وَزَرَّرُوا الأَبْوابا ( وَلَهُ) أَيضاً؛ (مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ) - رضي الله تعالى عنه - (أَنَّ النَِّيَّ نَّهِ رَأَى رَجُلاً وَسِخَةً ثِيَابُهُ؛ فَقَالَ: ((أَمَا وَجَدَ ) - وفي نسخة: (( أَمَا رَأَى)) - ( هَذَا شَيْئاً يُتَقِّي بِهِ ثِيَابَهُ )) .) استفهام توبيخي على وسخ ثوبه ، ولم يخاطبه لئلاً ينكسر خاطره ، وإِشارة إلى أَنَّ الحكم لا يختصُّ به . ( قال) في ((المواهب)) أيضاً: ( وَ) قد ( كَانَتْ سِيْرَتُهُ بِّهِ فِي مَلْبَسِهِ أَتَمَّ ): اسم تفضيل ، وكذا قوله ( وَأَنْفَعَ لِلْبَدَنِ، وَأَخَفَّ عَلَيْهِ ) ، والمفضَّل عليه محذوف ؛ أي : مِمَّا جرت العادة بلبسه . (فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنْ عِمَامَتُهُ بِالكَبِيرَةِ الَّتِي يُؤْذِي حَمْلُهَا ) حاملَها ( وَيُضْعِفُهُ، وَيَجْعَلُهُ عُرْضَةٌ لِلآفَاتِ ) كصداع ومرض عين وزكام ؛ كما يُشَاهد من حال أصحابها . ٤٤٦ وَلَاَ بِالصَّغِيرَةِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْ وِقَايَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْحَرِّ وَاَلْبَرْدِ ، وَكَذَلِكَ اُلأَرْدِيَةُ وَالأُزُرُ أَخَفتُّ عَلَى الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطَوِّلُ أَكْمَامَهُ وَيُوَسِّعُهَا ) أُنْتُهَى. (وَلاَ بِالصَّغِيرَةِ الَّتِي تَقْصُرُ عَن ◌ِقَايَةِ ) - بكسر الواو ، وفتحُها لغةٌ - : حِفْظِ ( الرَّأْسِ مِنَ الحَرِّ وَالبَرْدِ)، بل كانت وسطاً بين ذلك، ( وَكَذَلِكَ الأَرْدِيَةُ): جمع رداء، (وَالأُزُرُ) : جمع إزار ، ( أَخَفُّ عَلَىُ البَدَنِ مِنْ غَيْرِهَا) كالجوخ والفِراء ، ( وَلَمْ يَكُنْ ◌ِِّ يُطَوِّلُ أَكْمَامَهُ وَيُوَسِّعُهَا ) ، بل كان كمُّ قميصه إلى الرّسغ كما سيأتي. قال ابن القَيِّم : وأمَّا هذه الأكمامُ الواسعة الطوال التي هي كالأخراج ، وعِمَائِمُ كالأَبْراجِ !! فلم يلبسها عليه الصَّلاة والسَّلام هُوَ ولا أحد من أصحابه ، وهي مخالفة لسنَّتَه ؛ وفي جوازها ، فإنَّها من جنس الخيلاء . انتهى . قال صاحب ((المدخل )) : ولا يخفى على ذي بصيرة أن كُمَّ بعضٍ مَن يُنسب إلى العلم اليوم فيه إضاعة المال المنهيّ عنه، لأنَّه قد يُفضَّل من ذلك الكم ثوب لغيره . انتهى . وهو حسنٌ . لكن حدث للنَّاسِ اصطلاحٌ بتطويلها ، وصار لكلِّ نوع من النَّاس شعار يعرفون به ، فيجوز لمن صارت شعاره ، بل قد يُطلب ، لأن مخالفته تخلُّ بمروءة صاحبه ، وما كان من ذلك على سبيل الخيلاء ؛ فلا شكّ في تحريمه ؛ ولو كان شعاراً ، وما كان على طريق العادة ! فلا تحريم فيه ، بل يجوز ما لم يصل إلى جَرِّ الذَّيل الممنوع منه . ونقلَ القاضي عياض عن العلماءِ كراهة كلِّ ما زاد على العادة للنَّاس وزاد على المعتادِ في اللِّباس لمثل لابسه في الطُول والسَّعة ، فينبغي تجنُّب ذلك . ( انتَهى ) ؛ أي: كلام ((المواهب)) مع شيء من شرح الزَّرقاني رحمهم الله تعالى . ( وَ) أخرج التِّرمذي في ((الجامع)) و((الشمائل))، وأبو داود ، والنسائي، والحاكم ، كلهم ؛ عن أمِّ سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت : ٤٤٧ وَكَانَ أَحَبَّ الثِّيَّابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهُ .. الْقَمِيصُ . وَ( الْقَمِيصُ): أَسْمٌ لِمَا يُلْبَسُ مِنَ الْمَخِيطِ الَّذِي لَهُ كُمَّانِ وَجَيْبٌ ، يُلْبَسُ تَحْتَ أَلْثِّيَّابِ، وَلاَ يَكُونُ مِنْ صُوفٍ . كَذَا فِي ((الْقَامُوسِ)). ( كَانَ أَحَبَّ الثِّيَّابِ ) جمع ثوب، وهو : اسم لما يَسْتُر به الشَّخص نفسه ؛ مخيطاً كان أو غيرها - ( إِلَى رَسُوْلِ اللهِ وَّهِ يَلْبَسُهُ)؛ جملة حالية عن (( أحب الثياب)) وتذكير الضمير !! باعتبار الثوب، ( القَمِيْصُ ) وفيه إشعار بما لأجله كان أحبَّ إليه ، إنَّه كان يحبُّهُ لِلُبسه؛ لا لنحو إِهدائه، فهو أحبُّ إِليه لُبساً، وقولُه ((أحبُ)) اسمُ (( كان))؛ فيكون مرفوعاً ، والقميصُ خبرها ؛ فيكون منصوباً ، وهو المشهور في الرِّواية ، وقيل عكسه ، أي: بنصب ((أحبّ)) على أنَّه الخبر، ورفع ((القميص)) على أنّه اسم ((كان))، قال الزرقاني : ورجّح بائَّه وصف ، فهو أولى بكونه حكماً . ولا يردُ عليه أن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين مُنِعَ تقديمُ الخبر !! لأنَّ محله حيث لا ناسخ ؛ كما في قوله ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَدُهُمْ﴾ [١٥/ الأنبياء]، ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا﴾ [١٤٧/ آل عمران]. انتهى. ومعنى كون القميص أحبّ ــ كما قال المناوي وغيره -: أنَّه كان يميل إلى لبسه أكثر منْ غيره، لأنَّه أَسْتَرُ للبدن من الإِزار والرِّداء ، لاحتياجهما إلى حَلِّ وعقد ، بخلاف الثَّوب ، ولخفَّةِ مُؤْنَتِهِ وَخِفَّتِهِ عَلى البدن ، ولا بسه أقلُّ كبراً من لابس غيره . فالقميص أحبُّها إليه لُبساً ، والحِبَرَةُ أحبُّها إليه رداءً ، فلا یعارض حديث أنس الآتي : كان أحبَّ الثياب إلى رسول الله وَّهِ يلبسه الحِبَرة. أو أن القميص أحبّ المخيط ، والحِبَرَة أحبّ غيره ، انتهى . (وَالقَمِيْصُ) - جمعه قمصان وقُمُص بضمَّتين - وهو: (أَسْمٌ لِمَا يُلْبَسُ مِنَ المَخِيْطِ الَّذِيْ لَهُ كُمَّانِ وَجَيْبٌ ) غير مفرَّج؛ ( يُلْبَسُ تَحْتَ النَُّابِ، وَلاَ يَكُوْنُ ) إلاَّ من قطن، أمَّا ( مِنْ صُوْفٍ! ) فلا؛ ( كَذَا فِي «القَامُوْسِ )) ) ، مأخوذ من التقمُّصِ ٤٤٨ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَىْ قَمِيصٍ وَاحِدٍ ؛ فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاءٌ لِعَشَاءٍ ، وَلاَ عَشَاءٌ لِغَدَاءٍ ، وَلاَ أَتَّخَذَ مِنْ شَيْءٍ زَوْجَيْنِ ، وَلاَ قَمِيصَيْنٍ وَلاَ رِدَاءَيْنٍ وَلاَ إِذَارَيْنِ ، وَلاَ زَوْجَيْنِ مِنَ النَّعَالِ . وَكَانَ كُمُّ قَمِيصٍ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرُّسْغِ . بمعنى التقلُّب ؛ لِتقلُّبِ الإِنسان فيه . وقيل : سمِّي باسم الجلدة الَّتي هي غلاف القلب ، فإن اسمها القميص ، وهو مذكَّر، وقد يُؤَنَّث ، والظَّاهر أنَّ المراد في الحديث القُطْنُ والكَثَّان ؛ دون الصُوف، لأنَّه يؤذي البدنَ ويدرُّ العرق، ويُتَأْذَّى بريح عرقه المصاحب . ( وَ) قال الباجوري كالمناوي: (لَمْ يَكُنْ لَهُ بَِّ سِوَى قَمِيْصٍ وَاحِدٍ ؛ فَقَدْ وَرَدَ ) في ((الوفا)) بسنده ؛ ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَفَعَ رَسُوْلُ اللهِِّ غَدَاءٌ لِعَشَاءٍ؛ وَلاَ عَشَاءً لِغَدَاءٍ ، وَلاَ اتَّخَذَ مِنْ شَيْءٍ زَوْجَيْنِ ؛ وَلاَ قَمِيْصَيْنِ، وَلاَ رِدَاءَيْنٍ، وَلاَ إِذَارَيْنِ، وَلاَ زَوْجَيْنِ مِنَ النِّعَالِ ) . انتهى كلامهما . قال المصنف في ((جواهر البحار)) بعد ذكره ذلك : وقد صرح بعض الأئمَّةِ بضعف هذا الحديث . ( وَ) أخرج أبو داود، والترمذي في (( الجامع)) - وقال: حسن غريب ، وفي ((الشَّمائل)) واللّفظ لها - ورواه أيضاً البيهقي في ((الشُّعَب))؛ كلهم عن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد الأنصارية - رضي الله تعالى عنها - قالت : ( كَانَ كُمُّ ) - بالضم وتشديد الميم - ( قَمِيْصٍ ) - وفي رواية: (( كَانَ كُمُ يَدِ )) - (رَسُوْلِ اللهِنَّر) - قال الزَّين العراقي: رواية التِّرمذي في ((الشمائل)) مقيّدة بالقميص ، وروايته في (( الجامع)) مطلقة ، فيحتمل حملها عليه ، ويحتمل العموم - ( إِلَى الرُّسْغِ) - بضمِّ الرَّاء وسكون السِّين أو الصَّاد لغتين، ثم غين معجمة بزنة قُفْل. قال الزُّرقاني: وبالضَّاد رواه الترمذي ، وأبو داود ، وبالسِّين غيرهما - . ٤٤٩ وَ( الرُّسْغُ): مَفْصِلُ مَا بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ مِنَ اْلإِنْسَانِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنُّهُ مَعَ الأَصَابِعِ . وحكمة كونه إلى الرُّسْغِ : أنَّه إِنْ جاوز اليد مَنَع لابسه سرعة الحركة والبطش ، وإن قصر عن الرُّسْغِ! تَأَذَّى السَّاعد بيروزه للحرِّ والبرد ، فكان جعله إلى الرُّسغ وسطاً ، وخير الأمور أوساطها ، فينبغي لنا التأسِّي به . ولا يعارض هذه الرِّواية روايةٌ ((أسفل من الرسغ))! لاحتمال تعدُّد القميص ، أو المراد : التقريب، أو الاختلاف بحسب أحوال الكُمِّ ، فحال جِدَّتِهِ وعقب غسله يكون أطولَ لعدم تَثَنِيه وتجعُّده ، وإذا بعد عن ذلك تثنَّى وقصر . ولا يعارضه أيضاً ما رواه الحاكم وصحَّحه، وأبو الشَّيخ ؛ عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: أنَّ رسول الله وَ ل﴿ لبس قميصاً وكان فوق الكعبين ، وكان كُّه إلى الأصابع .! لأنَّ الرُّسغَ مخصوص بقميص السّفر ، أما في الحضر فكان يلبس قميصاً من قطن فوق الكعبين ؛ وكمَّاه مع الأصابع ، كما جمع بينهما بذلك بعضُهم ؛ نقله الجلال السيوطي قائلاً : ويؤيده ما أخرجه سعيد بن منصور ، والبيهقي ؛ عن علي : أنه كان يلبس القميص ثم يمدُّ الكمَّ حتَّى إِذا بَلَغَ الأَصابعَ قطع ما فَضَل؛ ويقول: ((لاَ فَضْلَ لِلْكُمَّيْنِ عَلَى الأَصَابِعِ)) . انتهى . ويجري ذلك في أكمامنا . قال الحافظ زين الدِّين العراقي: ولو أطال أكمام قميصه حتَّى خرجت عن المعتاد ؛ كما يفعله كثير من المتكبِّرِين !! فلا شكَّ في حُرمة ما مَسَّ الأرض منها بقصد الخُيلاء ، وقد حدث للناس بتطويلها ، فإن كان من غير قصد الخيلاء بوجه من الوجوه ! فالظاهر عدم التحريم . انتهى . ( وَالرُّسْخُ) - بالسِّين والصَّاد لغتان صحيحتان - : (مَفْصِلُ) - بزنة مسجد - (مَا بَيِّنَ الكَفِّ وَالسَّاعِدِ مِنَ الإِنْسَانِ)، وهو مختصرٌّ في الآدميِّ باليد ؛ دون الرِّجل . ( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي: (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ كُمُّهُ مَعَ الأَصَابِعِ ) ؛ ٤٥٠ وَكَانَ قَمِيصُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ ، وَكَانَ كُمُّهُ مَعَ الأَصَابِعِ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَبِسَ قَمِيصاً .. بَدَأَ بِمَّيَّامِنِهِ . وَعَنْ قُرَّةَ ورمز له برمز الحاكم ، وهذا قطعة من الحديث الآتي بعده . ( وَ) أخرج الحاكم ؛ عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: ( كَانَ قَمِيْصُهُ نَّهِ فَوْقَ الكَعْبَيْنِ ) ؛ أي : إلى أنصاف ساقيه ؛ كما في رواية : ( وَكَانَ كُتُّهُ مَعَ الأَصَابِعِ ) ؛ أي : مساوياً لا يزيد ولا ينقص عنها، وقد علمتَ أنَّ هذا محمولٌ على حالة الَحَضَر، فلا يعارض ما تقدَّم أنَّ كمَّه إلى الرسْغِ . وقد أخرج البيهقي في (( الشُّعب))؛ من طريق مسلم الأعور ؛ عن أنس : أنَّهِ وَ ◌ّ كان له قميص من قطن قصير الطُّول قصير الكمّ . وأخرج أيضاً ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كان يلبس قميصاً قصير الكمَّين والطّول. انتهى (( مُناوي)) . ( وَ) أخرج الترمذي في ((جامعه)) بسند - قال العراقي: رجاله رجال الصَّحيح - وأخرجه النَّسائي أيضاً كلاهما ؛ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال : ( كَانَ ) رسول الله (وَّةٍ إِذَا لَبِسَ قَمِيْصاً بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ ) ؛ جمع ميمنة : كمرحمة ومراحم ، والمراد بها هنا : جهة اليمينِ . فيندَبُ التيامن في اللُّبسِ كما يندب التياسر في النّرع ، لخبر أبي داود ؛ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - : كان إذا لبس شيئاً من الشِّاب بدأ بالأَيمن ، فإذا نزع بدأ بالأيسر . وله من حديث أنس : كان إذا ارتدى أو ترجَّل بدأ بيمينه ، وإذا خلع بدأ بيساره . قال الزَّين العراقي : وسندهما ضعيف . ( وَ) أخرج أبو داود، وابن ماجه، والتّرمذي في (( الجامع)) وصحَّحه ؛ وفي (( الشَّمائِل))، وابن حبَّان وصحَّحه أيضاً؛ (عَنْ قُرَّةَ) - بضم القاف وفتح الراء ٤٥١ أَبْنِ إِيَاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ لِنُبَايِعَهُ ، وَإِنَّ زِرَّ قَمِيصِهِ مُطْلَقٌ ، قَالَ : فَأَدْخَلْتُ يَدِيَ فِي جَيْبٍ قَمِيصِهِ ، فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ . المشددة - ( ابْنِ إِيَاسٍ ) - بالكسر - ابن هلال المزني . صحابيّ نزل البَصْرةَ ، ومات سنة : أربع وستين هجرية ، خرَّج له الأربعة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ فِي رَهْطٍ ) ، أي : مع رهط ، فتكون ((في )) بمعنى ((مع))، كقوله تعالى ﴿ أَدْخُلُواْ فِيَ أُسَمٍ﴾ [٣٨/ الأعراف]؛ أي: مع أمم، والرَّهْطُ - بفتح الرَّاء وسكون الهاء - اسم جمع لا واحد له من لفظِهِ ؛ وهو من ثلاثة إلى عشرة أو إلى أربعين، ويطلق على مطلق القوم؛ كما في ((القاموس))، ولا ينافي التعبير بـ ((الرَّهط)) رواية أنَّهم كانوا أربعمائة !! لاحتمال تفرّقهم رهطاً رهطاً ؛ وقُرَّةُ كان مع أحدهم ، أو أنَّه مبنيٌّ على القول الأخير . ( مِنْ مُزَيْنَةَ) - بالتصغير - قبيلة من مُضَرَ ، وأصله اسم امرأة . (لِتُبَايِعَهُ) - أي: على الإِسلام، وهو متعلّق بقوله ((أتيت)) - ( وَإِنَّ زِرَّ قَمِيْصِهِ ) بالإضافة ( مُطْلَقٌ ) - بلام - أي : غير مربوط ، والجملة حال . ( قَالَ ) : قَرَّةُ ( فَأَدْخَلْتُ يَدِي ) - بصيغة الإفراد - ( فِي جَيْبٍ قَمِيْصِهِ ) ؛ أي : فتحته الَّتي عند النَّحر ؛ إذ جيب القميص : ما ينفتح على النَّحرِ ، وجمعه : أجيابٌ ، وجيوبٌ، ويطلق الجَيْبُ أيضاً على ما يُجعل في صدر الثَّوبِ أو جنبه ليوضع فيه الشَّيء ، لكنَّ المراد من الجيب في هذا الحديث طوقه المحيط بالعنقِ ، وهذا يدلُّ على أنَّ جيبَ قميصه وَّر على الصَّدر كما هو المعتاد الآن ؛ قال الجلال السُّيوطي : وظنَّ من لا علم عنده أنَّه بدعةٌ ؛ وليس كما ظن . انتهى . (فَمَسِسْتُ) - بكسر السِّين الأولى في اللُّغة الفصحى، وحكي فتحها - (الخَاتَمَ ) ؛ أي : خاتم النُّؤَّة ، والمسُّ : الجسنُّ باليد، يقال: مسستُهُ؛ إذا أفضيت إِليه بيدك من غير حائل . هكذا قَيَّدوه ، والظَّاهر أنَّ قُرَّةَ كان يعلم الخاتم ، ٤٥٢ وَكَانَ أَحَبُّ الْثِيَّابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِبَرَةَ - بِوَزْنِ عِنَّةٍ - بُرْدٌ يَمَانِيٌّ مُحَبٌَّ؛ أَيْ: مُزَيِّنٌ مُحَسَّنٌ . وَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ ، فِيهِمَا خُطُوطُ خُضْرٌ وإنَّما قصد التبرُّك، ومن ثمَّ اغتفرَ له ◌َّ هذا الفعل الذي ينافيه جلالة منصبه الكبير ، ورعاية الأدب معه ، لا سيَّما بحضرة النَّاسِ . وفي هذا الحديث حِلُّ لُبس القميص ، وَحِلُّ الزُّرِّ فيه ، وحِلُّ إِطلاقه، وسَعَةُ الجيب بحيث تدخل اليد فيه، وإِدخال يد الغير في الطَّوق لمسِّ ما تحته تبرُّكاً، وكمال تواضعه ◌َّه. ( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود ، والنَّسائي، والتِّرمذي، في ((الشمائل )) ؛ عن أنَسِ بنِ مَالِكِ رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ أَحَبُّ الِيَّابِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِنِ ◌ّر) أن يلبسها - هذا لفظ رواية الشَّيخين - ( الحِبرَةَ) - بالنصب، خبر ((كان))، و ((أحبُّ)): بالرفع ، اسمها ، ويجوز عكسه ـ والحبرة ؛ ( - بِوَزْنِ عِنْبَةٍ -: بُرْدٌ يَمَانِيٌّ) من قطنِ ( مُحَبٌَّ) - بالنَّشديد - ( أَي : مُزَيَّنٌ مُحَسَنٌ) بخطوط حمر ، والتَّحبير : التَّزيين والتَّحسين ، والظَّاهر أنَّه إنَّما أَحَبَّهَا لِلِيْنِهَا وحسن انسجام صَنْعَتِهَا وموافقتها لجسده الشَّريف ، فإنَّه كان على غاية من النُّعومة واللَّيْنِ ، فيوافقه اللَّيِّنُ النَّاعم ، وأمَّا شديدُ الخشونة فيؤذيه ، ولا يعارض ذلك ما تقدَّم من أنَّه كان الأحبَّ إِليه القَميص ، لأنَّ ذلك بالنسبة لما خيط وهذا بالنِّسبة لما يرتدي به ، أو أنَّ محبّته للقميص كانت حينَ يكون عند نسائه ، والحبرة كانت حين يكون بين صحبه ، على أنَّ هذا الحديث أصحُّ من حديث أمِّ سلمة السَّابق لاتُّفاق الشَّيخين عليه ، فلا يعارضه الحديث السَّابق ، والله أعلم . ( وَ) في ((كشف الغمَّة)) للإِمامِ الشَّعرانيِّ رحمه الله تعالى: (كَانَ لِرَسُوْلِ اللهِنَّهِ بُرْدَانٍ) - تثنية برد، وهو؛ كما في ((القاموس)): ثوب مخطّط ـ ( أَخْضَرَانِ ) ، أي : ( فِيْهِمَا خُطُوْطٌ خُضْرٌ) ، أي : مخطَّطان بخطوط خضر ، ٤٥٣ لاَ بَحْتاً . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ النَِّابُ الْخُضْرُ. وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ ( لاَ بَحْتاً) - بفتح الموحّدة وسكون المهملة وفوقية ، أي : خالصاً ، لما علمتَ أن البرد ثوب مخطّط ، فتعقيبُه بالخُضْرةِ يدلُّ على أنَّه مخطّط بها ، ولو كان أخضر بحتاً لم يكن برداً . روى التِّرمذي في ((جامعه)) وفي (( الشمائل))؛ عن أبي رِمْثة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله وَله؛ وعليه بردان أخضران. ( وَ) في ((إحياء علوم الدين)) للغزالي رحمه الله تعالى: ( كَانَ) رسول اللهِ (تَّهَ يُعْجِبُهُ النِّيَابُ الخُضْرُ ) ، أغفله العراقيُّ في تخريجه . وقد روى أبو الشَّيخ وأبو نعيم في (( الطب)) من حديث أنس : كان أحبّ الألوان إليه الخضرة . أي : من الثِّياب وغيرها ، لأنَّ الخضرة من ثياب الجنَّة . قال ابن بطَّال : وكفى به شرفاً موجباً للمحبّة . ورواه كذلك البزار . وأخرج ابن عديٍّ والبيهقيُّ ؛ عن قتادة قال : خرجت مع أنسٍ رضي الله تعالى عنه إلى أرضٍ فقيل : ما أحْسَنَ هذه الخضرة! فقال أنسٌ: كنا نتحدَّثُ أنَّ أحبَّ الألوان إلى النبيَّ وَّر الخضرة. انتهى ((شرح الإحياء)). ( وَ) أخرج التّرمذي في ((الجامع)) و((الشمائل)) بسنده؛ (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) - بتقديم الجيم على الحاء المهملة -: وهب بن عبد الله السُّوائي - بضمِّ المهملة والمدِّ - مشهورٌ بكنيته . ويقال له (( وهب الخير )) ، صحابيٌّ مشهور معروف ، وصحب علياً ومات سنة : - ٧٤ - أربع وسبعين هجريةً. (رَضِيَ اللهُ تَعالَى عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ )، أي: في بطحاء مكَّة في حجَّة الوداع، كما صرَّح به في رواية البخاريِّ . ( وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ) ؛ أي: والحال أنَّ عليه حلَّةً حمراء ، ٤٥٤ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ . وَ( الْخُلَّةُ) بِالضَّمِّ: إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَلاَ تَكُونُ حُلَّةً إِلَّ مِنْ تَوْبَيْنِ ، أَوْ ثَوْبٍ لَهُ بِطَانَةٌ . فالجملة حالية ، ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيْقِ ) لمعان ( سَاقَيْهِ ) . والظَّاهر أنَّ ((كَأَنَّ)) للتَّحقيق، لأنَّها قد تأتي لذلك، وإنَّما نظر إلى بريق ساقيه ! لكون الحُلَّة كانت إلى أَنْصاف ساقيهِ الشَّريفتين . وهذا يدلُّ على جواز النظر إلى ساق الرَّجل ، وهو إِجماعٌ حيث لا فتنة ؛ ويؤخذ منه ندب تقصير الثِّياب إلى أَنْصاف السَّاقين ، فيسُّ للرَّجل أن تكون ثيابُه إلى نصف ساقيه، ويجوز إلىُ كَعْبَيْهِ، وما زاد حرام إِنْ قصدَ به الخُيَلاء . وإلاّ كُره، ويُسَنُّ للأنثى ما يسترها ، ولها تطويله ذراعاً على الأرض ، فإن قَصَدَتِ الخيلاء! فكالرَّجل . وهذا التفصيل يجري في إسبال الأكمام وتطويل عذبة العمائم ، وعلى قصد الخيلاء يحمل ما رواه الطَّبراني: ((كُلُّ شَيْءٍ مَسَّ الأَرْضَ مِنَ الثَّيَّابِ فَهُوَ فِي النَّار)). وما رواه البخاريُّ: ((مَا أَسْفَل مِنَ الكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فِي النَّارِ )». أي: محلُّه فيها فتجوّز به عن محله . ( وَ) في ((القاموس)) (الخُلَّةُ - بِالضَّمِّ -: إِزَارٌ وَرِدَاءٌ) مثلاً ، برد أو غيره ، وإلا فمتى وُجِد ثوبان على البدن كانا حلَّة ، على ما يفيده قوله : ( وَلاَ تَكُوْنُ ) ، أي : توجد ( حُلَّةٌ إِلَّ مِنْ ثَوْبَيْنِ ، أَوْ ثَوْبٍ لَهُ بِطَائَةٌ) . وفي ((المصباح)): الحلة لا تكون إلاَّ من ثوبين من جنسٍ واحد، والجمع حُلَل كغرفة وغُرف. وفي ((الفتح)): قال أبو عبيد: الحلل: برودُ اليَمن، والحلَّة : إِزار ورداء . ونقله ابن الأثير وزاد : إذا كان من جنس واحد ، وقال ابن سِيْده في ((المحكم )) : الحلَّة برد أو غيره . وحكى عياض: أَنَّ أصل تسمية الثَّوبين ((حلَّة )) أنَّهما يكونان جديدين كما حل خَيْطهما، وقيل : لا يكون الثَّوبان حلَّة حتَّى يُلْبس أحدهما فوق الآخر ، فإذا كان فوقَه فقد حلَّ عليه ، والأوَّل أشهر . انتهى . ٤٥٥ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْسُو بَنَتِهِ خُمُرَ الْقَزِّ وَأَلْإِبْرَيْسَمِ. وَ(الْخُمُرُ) - كـ ((كُتُبٍ))، جَمْعُ خِمَارٍ - وَهُوَ : مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا . قال سفيان أحد رواة هذا الحديث : أظنُّ هذه الخُلَّة الحمراء المذكورة في الحديث مخطّطة ؛ لا حمراء قانية . انتهى . وهذا بناء على مذهبٍهٍ من حُرمة الأحمر البحث ، أي : الخالص . وقال ابن القيِّم : غلط مَن ظَنَّ أنَّها حمراء بحت لا يخالطها غيرها ، وإنَّما الحلَّةُ الحمراءُ بردان يمانِيَّانِ مخطَّطان بخطوط حمرٍ مع سود ، وإلاَّ؛ فالأحمر البحث منهيٌّ عنه أشدَّ النَّهِي، فكيف يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ وَّ أنَّه لبسه ؟! ورُدَّ هذا بأنَّ حمْل الحلَّة على ما ذكر مجرَّد دعوى ، والنهي عن الأحمر البحث للتَّنزيه؛ لا للتَّحريم ، ولبسه ◌َّ للأحمر القاني مع نهيه عنه !! لتبيين الجواز، فقد ردّه الطبراني ؛ من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أنَّه كان يلبس يوم العيد بردة حمراء ، قال الهيثمي : ورجاله ثقات ، فالصَّحيح جواز لبس الأحمر ؛ ولو قانياً ، انتهى ((باجوري )) مع زيادة . ( وَ) أخرج ابن النجار في (( تاريخه))؛ عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَِّ يَكْسُوْ بَنَاتِهِ خُمُرَ) - بخاء معجمة مضمومة - ( القَزِّ ) - بفتح القاف وشدِّ الزَّاي؛ معرَّب ـ (وَالإِبْرَيْسَمِ). قال الليث: القزُّ هو ما يعمل منه الإبريسم. ولهذا قال بعضهم: القزُّ والإبريسم مثل الحنطة والدَّقيق ، فالإبريسم ما يؤخذ من القزِّ كأخذ الدَّقيق من الحنطة . وفيه أن استعمال القزِّ والحرير جائز للنِّساء. ( وَالخُمُرُ) - بضمتين - (كَ: ((كُتُبٍ))؛ جَمْعُ خِمَارٍ) ككتاب، ( وَهُوَ : مَا تُغَطِّي بِهِ المَرْأَةُ رَأْسَهَا)، واختمرت وتَخَمَّرَتْ: لبست الخمار. انتهى (( مناوي)) . ٤٥٦ وَكَانَ يَتَّبِعُ الْحَرِيرَ مِنَ النِّيَّابِ . . فَيَنْزِعُهُ. وَكَانَ قِيمَةُ ثَوْبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ . وَعَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ النَِّيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ أَسْمَالُ مُلَيَيْنِ . وَقَوْلُهُ ( مُلَيْنِ ) - تَصْغِيرُ مُلاَءَةٍ - وَهِيَ : كُلُّ ثَوْبٍ لَمْ يُضَمَّ بَعْضُهُ إِلَىْ بَعْضٍ بِخَيْطٍ ، بَلْ كُلُّهُ نَسْجٌ وَأَحِدٌ . ( وَ) أخرج الإمام أحمد في (( مسنده)) بإِسناد حسن ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله وَهُ ( يَتَّبعُ) - بفتح أوَّله وتشديد ثانيه ، وقيل : بفتح أوَّله وسكون ثانيه ـ ( الحَرِيْرَ مِنَ الِّيَابِ ) ، أي : الحرير الخالص أو ما أكثره حرير ، ( فَيَنْزِعُهُ) ، أي : يأمر بنزعه عن الرِّجالِ ، ويمنعهم من لبسه ، لما في الحرير من الخنوثة التي لا تليق بشهامة الرجال ، فيحرم لبسه على الرِّجال . ( وَ) في ((كنوز الحقائق)) للمناوي: ( كَانَ قِيمَةُ ثَوْبِهِ بَّهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، وَ) أخرج التّرمذي في (( الشمائل)) بسنده ؛ (عَنْ قَيْلَةَ) - بقاف مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة - ( أبنَتِ مَخْرَمَةَ) - بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفَتح الرَّاء والميم - السرية ، وقيل: العنبريّة ، وقيل : القنويَّة، صحابيّة لها حديث طويل في الصِّحاح، خرَّج لها البخاريُّ في ((الأدب)) ، وأبو داود ؛ ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : رَأَيْتُ النَِّيَّ ◌َّهُ وَعَلَيْهِ أَسْمَالُ مُلَيْنِ ) ، أي: والحال أنَّ عليه أَسمال مُليَّتين ، والأسمال : جمع سَمَل - بسين مهملة وميم مفتوحة - كسبب وأسباب ، وهو : الثَّوب الخلق ، والمراد بالجمع ما فوق الواحد ، فيصدق بالاثنين وهو المتعيِّن هنا ، لأَنَّ إضافته إلى المليَّتين للبيان . ( وَقَوْلُهُ ((مُلَيَتَيْنِ))) تثنية مُلَيَّةَ بضمِّ الميم وفتح اللَّم وتشديد الياء المفتوحة - وهي (تَصْغِيْرُ مُلاَءَةٍ ) بضم الميم والمدّ ؛ لكن بعد حذف الألف ، ( وَهِيَ ) ، أي : الملاءة ؛ كما في ((القاموس)). ( كُلُّ تَوْبٍ لَمْ يُضَمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ بِخَيْطٍ ، بَلْ كُلُّهُ نَسْجٌ وَاحِدٌ ) . وفي ٤٥٧ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَىْ أُسَامَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ ((النّهاية)): هي الإزار، وفي ((الصحاح)): الملحفة، ولا تدافع ، لصدقها على التعريف الأوَّل ((بكل))، وتمام الحديث بعد قوله ((مليّتينٍ)): كانتًا بِزَعْفَرَان وَقَدْ نَفَضَتْهُ، وفي الحديث قصَّة طويلة. انتهى كلام ((الشمائل)). ومعنى قوله (( كَانَتًا بِزَعْفَرَان)) ؛ أي : كانت المليَّتان مصبوغتين بزعفران ، وقوله ((وَقَدْ نَفَضَتْهُ))؛ أي: وقد نفضت الأَسمال الزعفران، ولم يبق منه إلاَّ الأثر القليل؛ فلُبْسُهُ وَِّ لهاتين المليتَّين، لا ينافي نهيه عن لبس المزعفر، لأنَّ النهيَ محمول على ما إذا بقي لون الزَّعفران براقاً ، بخلاف ما إِذا نفض وزال عن الثَّوب ولم يبق منه إلا الأَثر اليسير ، فليس هذا منهيّاً عنه . ( وَ) أخرج التُّرمذي في ((الشمائل)) بسنده؛ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَِّيَّ وَهِ خَرَجَ ) ؛ أي: من بيته ( وَهُوَ يَتَوَكَأُ ) هكذا هو في ((الشَّمائل)) في باب الاتكاء : من التوكُّؤْ، ومنه قوله تعالى ﴿أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا ﴾ [١٨/ط]. وفي نسخة من ((الشمائل)): يَتَّكىءُ من الاتِّكاء ، ومنه قوله تعالى ﴿ُتَّكِينَ فِيهَا عَلَى الْأَزَآَيِكِ﴾ [١٣/ الإنسان] وفي نسخة: وهو متوكِّىء بصيغة اسم الفاعل ؛ وكلها بمعنى واحد ، وهو الاعتماد ، أَيْ: يعتمد لضعفه من المرض (عَلَى أُسَامَةَ ) بن زيد بن حارثة بن شراحيل القضاعيّ الكلبي ، صحابيّ مشهور ، مولى رسول الله وَّه وابن مولاه وابن مولاته أم أيمن، وحِبُّه وابن حِبِّه، أمَّره مَّر على جيش فيه عمر رضي الله عنه ؛ وعمره دون عشرين سنة ، مات سنة : - ٥٤ - أربع وخمسين، عن خمس وسبعين سنة بالمدينة المنورة ، (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) وعن والده آمين . وخروجه ◌َّي ذلك في مرض موته، بدليل ما رواه الدارقطني: أنَّه خَرَجَ بَيْنَ أُسَامَةَ وَالفَضْلِ وَزَيدِ إِلى الصَّلاةِ فِي المَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَيَحتَمِلُ أنَّهُ فِي مَرَضٍٍ غَيْره؛ (وَعَلَيْهِ)، أي: على النَّبِّ نَّهِ (تَوْبٌ) - بالتَّنوين، والجملة حاليّة من ٤٥٨ قِطْرِيٌّ قَدْ تَوَشَّحَ بِهِ .. فَصَلَّى بِهِمْ. وَ(قِطْرِيٌّ) : نِسْبَةٌ إِلَى الْقِطْرِ؛ وَهُوَ : نَوْعٌ مِنَ الْبُرُودِ الْيَمَانِيَّةِ تُتَّخَذُ مِنْ قُطْنٍ ، وَفِيهِ حُمْرَةٌ وَأَعْلَامٌ مَعَ خُشُونَةٍ . وَ( تَوَشَّحَ بِهِ ) أَيْ : ضمير ((خرج )) أو ((يتوكًا)) - ( قِطْرِيٌّ) - بقافٍ مكسورة وطاء مهملة ساكنة بعدها راء - ( قَدْ تَوَشَّحَ)، أي : تغشى ( بِهِ) - والجملة صفة - ( فَصَلَّى بِهِمْ) ، أي : بالنَّاس . وقد أخرج ابن سعدٍ ؛ من طريق أبي ضمرة اللَّيثي ؛ عن حميد ؛ عن أنس أنَّه قال: آخِرُ صَلَةٍ صَلَّهَا رَسُولُ اللهِوَّهِ مَعَ القَوْمِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيْهِ ، فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحاً بِهِ قَاعِداً . ( وَ) قوله (قِطْرِيٌّ) - بكسر القاف وإسكان الطَّاء بعدها راء، ثم ياء النِّسبة -: ( نِسْبَةٌ إِلَى القِطْرِ) - بكسر القاف وسكون الطَّاء بعدها راء ـ ( وَهُوَ : نَوْعٌ مِنَ الْبُرُؤْدِ الْيَمَانِيَّةِ ) - نسبة لليمن على غير قياس - ( تُتَّخَذُ مِنْ قُطْنٍ، وَفِيْهِ حُمْرَةٌ وَأَعْلَامٌ مَعَ خُشُوْنَةٍ ) ، ونوع من حلل جيادٍ يُحمل من بلد بالبحرين اسمها قَطَر - بفتحتين -، فكُسِرَتِ القَافُ لِلنِّنْبَةِ وسُكِّن الطَّاء على خلاف القياس، كذا قاله شراح ((الشمائل )) كالمناوي ، وعلي القاري ، والباجوري ، وغيرهم ، وتبعتهم وهو غير جيد . والمعتمد عندي هو القول الثَّاني وهو أن الثوب القَطَريَّ منسوب إلى قَطَر - يفتحتين - إِقليم بجهة البحرين من الخليج العربيِّ، ويقرأ هكذا : ثوبٌ قَطَرِيٌّ ؛ بفتح القاف وبفتح الطَّاء المهملة وكسر الرَّاء ، وآخره ياء ، نسبة إلىُ قَطَرَ - بفتحتَين -، البلد المعروف في الخليج العربيِّ، وهو مشهور بصنع البرود والشِّاب من قديم الزَّمان إلى عصرنا الحاضر ، لكن لمَّا كثرت الثِّياب المستوردة من الخارج ؛ وهي أنضر وأقلُّ ثمناً ؛ آثروها على صنع بلادهم ، فقلَّت صنعة الثِّياب عندهم ، وكل ذلك مكيدة من الكفّار لأهل الإسلام ، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم . ( وَ) قوله (تَوَشَّحَ بِهِ ) - بتشديد الشِّينِ المعجمة - قال الباجوري: ( أَي : ٤٥٩ وَضَعَهُ فَوْقَ عَاتِقَيْهِ ، أَوْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْه وَرَبَطَهُمَا بِعُنُقِهِ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدٌ . وَ(الْمِرْطُ ) : كِسَاءٌ طَوِيلٌ وَاسِعٌ . وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وضَعَهُ فَوْقَ عَاتِقَيهِ ) - تثنية عاتق - وهو: ما بين المَنكِب والعنق، يذكَّر ويؤنَّث ، ( أَو خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَرَبَطَهُمَا بِعُنُقِهِ ) . انتهى . ( وَ) أخرج مسلم، وأبو داود، والتّرمذي في ((الجامع)) و((الشمائل)) (عَنْ عَائِشَةَ ) أمِّ المؤمنين ( رَضِيَ الله تَعَالىُ عَنْهَا قَالَتْ : ((خَرَجَ رَسُولُ اللهِّهِ)، أي: من بيته ( ذَاتَ غَدَاةٍ)؛ العرب تستعمل ذات يوم وذات ليلة ويريدون حقيقة المضاف إليه نفسه، وما هنا كذلك، فلفظ ((ذات)) مُقْحَمٌ للتأكيد ، والمعنى: خرج بكرةً ( وَعَلَيْهِ مِرْطٌ) كَمِسْكِ ( مِنْ شَعَرٍ ) - بفتح العين المهملة وتسكن - ( أَسودُ) - بالرفع على أنه صفة ((مرط)) ، أو بالجر بالفتحة على أنه صفة شعر، والجملة حال من فاعل ((خرج))، وفي ((الصحيحين)): كَانَ لَهُ كِسَاءٌ يَلْبَسُهُ، وَيَقُولُ: ((إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ ، أَلْبَسُ كَمَا يَلْبَسُ العَبْدُ » . وكان يلبس الكساء الخشن ، ويقسم أقبية الخزِّ المخوَّصة بالذَّهب في أصحابه ، ولم تطلب نفسه التغالي في اللِّباس والمباهاة فيه ، لأنَّ المحمود للرجال نقاوة الثَّوب والتوسُّط في جنسه ، وعدم إسقاطه لمروءة لابسه كما مرَّ . (وَالِمِرْطُ) - بكسر فسكون - هو: ( كِسَاءٌ طَوِيْلٌ وَاسِعٌ) ؛ من خزٍّ أو صوفٍ أو شَعَرٍ أو كَثَّانٍ ، يُؤْتَزَرُ به . ( وَ) أخرج التِّرمذيُّ في ((الجامع)) و((الشمائل)) مختصراً باللَّفظ الَّذي أورده المصنّف، وهو في ((الصَّحيحين )) وغيرهما مطول ؛ (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) الثقفي الكوفي . ٤٦٠