Indexed OCR Text
Pages 401-420
وَأَمَّا بُكَاءُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَكَانَ مِنْ جِنْسٍ ضَحِكِهِ ، لَمْ يَكُنْ بِشَهِيقٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ ، كَمَا لَمْ يَكُنْ ضَحِكُهُ بِقَهْقَهَةٍ ، وَلَكِنْ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ حَتَّى تَهْمُلاَنٍ ، وَيُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ ، يَبْكِي : رَحْمَةً لِمَيِّتٍ، وَ: خَوْفاً عَلَى أُمَّتِهِ وَشَفَقَةٌ، وَ: مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى، كلام رسول الله وَّر، وفي بعض نسخ ((الشمائل)): غَيْرِي. وتوجيهه أن يجعل ((يعلم)) مقولاً لقول محذوف ؛ أي : قائلاً يعلم ، ويجعل ذلك حالاً من فاعل ((يَعْجَبُ ))، والمعنى أنه تعالى يعجب من عبده إذا قال ((ربِّ اغفر لي )) حالة كونه تعالى قائلاً يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري؛ كما يؤخذ من المناوي. انتهى ((باجوري)). (وَأَّا بُكَاءُ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ فَكَانَ مِنْ جِنْسِ ضَحِكِهِ، لَمْ يَكُنْ بِشَهِيْقٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ ، كَمَا لَمْ يَكُنْ ضَحِكُهُ بِقَهْقَهَةٍ ، وَلْكِنَْ تَدْمَعُ عَيْنَهُ حَتَّى تَهْمُلاَنِ ) - بضمَ الميم -: يسيل دمعهما، وإثباتُ النون مع (( حتى)) قليلٌ ، نحو : أَنْ تَقْرَآَنِ عَلَىْ أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا مِنِّي السَّلاَمَ وَأَن لَّ تُشْعِرا أَحَدا أو على حذف المبتدأ ، أي: أنَّهما تهمُلان، أو هما تهملان، فـ(( حتَّى)) ابتدائية . نحو : حَتَّى مَاءُ دَجْلَةَ أَشْكَلُ ( وَيُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيْزٌ) - بزايين منقوطتين - : أي صوت، وأصل الأزيز : غليان القدر . ( يَبْكِيْ رَحْمَةً لِمَيِّتٍ ) استئنافٌ بيانيٌّ، وهو الواقع في جواب سؤال مقدَّر نشأ مما قبله ، كأن قائلاً قال له : لِمَ كان يبكي ؟ فقال : يبكي رحمة لميت . ( وَخَوْفاً عَلَىْ أُمَّتِهِ وَشَفَقَةً) عليهم، ( وَمِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى ) ؛ وهي خوف مقرون بتعظيم ناشىءٍ عن معرفةٍ كاملة ، وهي للعلماء بالله تعالى ، قال الله تعالى ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ﴾ [٢٨/ فاطر]؛ أي: لا الجهال، وقال ◌َِّ: (( أَنَا أَتْقَاكُمْ للهِ وَأَشَدُّكُمْ لهِ خَشْيَةً)) . فالخشية أخصُّ من الخوف ، وخشيةُ الله تعالى هي خوفُ عقابه ، مع تعظيمه بأنه غير ظالم في فعله ، بخلاف مطلق الخوف ، فإنه یتحقّق عند تهدید الظالم له . ٤٠١ وَ: عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ ، وَ: أَحْيَاناً فِي صَلَةِ اللَّيْلِ . فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ اُلْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ . ( وَعِنْدَ سَمَاعِ القُرْآنِ، وَأَحْيَاناً فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ )؛ قاله في ((الهدي النبوي))، نقله عنه في ((المواهب)). أما بكاؤه في صلاة الليل ، ففيما رواه أبو داود ، والنسائي ، والترمذي في ((الشمائل)) وهذا لفظها، ورواه ابن خزيمة وابن حبَّان في ((صحيحيهما )) ؛ ( فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيْرِ ) - بمعجمتين مشددتين مكسورتين فمثناة تحتية فراء - ابن عوف بن كعب بن وقدان بن الجريش (( وهو معاوية )) بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكعبي الجرشي البصري ، نزيل البصرة . صحابيٍّ من مسلمة الفتح ، خَرَّج له الجماعة إلا البخاريَّ ، وأدرك الجاهلية والإسلام ، وروئ له مسلم في « صحيحه » حدیثین ، روى عنه ابناه زيد ومطرّف ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَهُوَ يُصَلِّيْ ) ؛ أي : والحال أنَّه يصلي . فالجملة حاليّة ، وكذا جملة قوله ( وَلِجَوْفِهِ ): صدره ( أَزِيزٌ) - بزايين منقوطتين بينهما تحتية على وزن فَعِيل - أي: غَلَيان. وقيل: صوت ( كَأَزِيْزِ المِرْجَلِ) - بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم وآخره لام - هو : القِدْر من النحاس ، وقيل : كلُّ قدر يطبخ فيه ، سُمِّي بذلك !! لأنَّه إذا نصب فكأَنَّه أُقيم على رجلين . ويؤخذُ من ذلك أنَّه إذا لم يكن الصوتُ مشتملاً على حرفين ؛ أو حرف مفهم لم يضرَّ في الصلاة . وفي رواية ابن خزيمة وابن حبَّان بلفظ ((كأَنِيْنِ الرَّحَى)) (مِنَ الْبُكَاءِ ) ؛ أي : من أجله بسبب عظيم الخوف والإجلال لله سبحانه وتعالى ، وذلك مما ورثه من أبيه إبراهيم ، فإنه كان يسمع من صدره صوت كغليان القدر على النار من مسيرة ميل . وفيه دلالةٌ على كمال خوفه وخضوعه لربِّه، قال: ((إِنِّي لأَعْلَمُكُمْ بِاللهِ وَأَشَدُكُمْ لَهُ خَشْيَةً)» وقال: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيْلاً، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً)» رواهما البخاريُّ . ٤٠٢ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِقْرَأْ عَلَيَّ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلْ؟! قَالَ: ((إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي )» . فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ ومن هذا الحديث الذي في المتن ونحوِه استنَّ أهل الطريق الخوف والوجل والتواجد في أحوالهم، وهذا الحال إنَّما كان يعرض له وَّر عند تجلِّي الله عليه بصفات الجلال والجمال معاً ، فيمتزج الجلال مع الجمال ، وإلاَّ! فالجلالُ غير الممزوج لا يطيقُه أحدٌ من الخلائق ، وإذا تجلَّى الله عليه بصفات الجمال المحضٍ تلألأً سروراً ونوراً وملاطفة وإيناساً وبسطاً . ( وَ) أما بكاؤه عند سماع القرآن ! ففيما أخرجه البخاريُّ ، ومسلم ، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي في ((الجامع)) و(( الشمائل)) واللفظ لها ؛ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ ) الصحابيِّ الجليل صاحب النعلين والوساد - وقد مرَّت ترجمته - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِيْ رَسُوْلُ اللهِ وََّ)؛ وهو على المنبر - كما في ((الصحيحين)) -: ( ((إِثْرَأْ عَلَيَّ )) ) بتشديد الياء . ( فَقُلْتُ يَا رَسُوْلَ اللهِ ؛ أَقْرَأُ عَلَّيْكَ ) ؛ أي : أأقرأ عليك ؟ فهو استفهامٌ محذوفُ الهمزة. ( وَ) الحال أنَّه (عَلَيْكَ)؛ لا على غيرك ( أُنزِلْ ) !! فهم ابن مسعود أنَّه أمره بالقراءة ليتلذَّذ بقراءته ؛ لا ليختبر ضبطه وإتقانه ، فلذا سأل متعجباً ، وإلاَّ! فلا مقام للتعجب . ( قَالَ: ((إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِيْ ) ، وإنما أَحَبَّ ذلك !! لكون السامع خالصاً لتعقُّل المعاني ، بخلاف القارىء ، فإنَّه مشغول بضبط الألفاظ وإعطاء الحروف حقَّها ، ولأنَّه اعتادَ سماعه من جبريل ، والعادة محبوبةٌ بالطبع . ومن فوائد هذا الحديث التنبيهُ على أن الفاضل لا ينبغي أن يأنف من الأخذ عن المفضول ، فقد كان كثيرٌ من السلف يستفيدون من طلبتهم. ( فَقَرَأْتُ سُوْرَةَ النِّسَاءِ ) ؛ أي : شرعتُ في قراءتها ، وفي ذلك ردٌّ على مَن ٤٠٣ حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. قَالَ: فَأَيْتُ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَهْمُلاَنِ . وَعَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنَةً لَهُ صَغِيرَةً قال: ((لا يقال سورة النساء)) مثلاً، وإنما يقال (( سورة تذكر فيها النساء)). ( حَتَّى بَلَغَتُ )؛ أي: وصلت إلى قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدُالْفَ﴾) [النساء]. وفي ((الصحيحين)) زيادة أنه قال له: ((حَسْبُكَ الآنَ))، ومعنى الآية - والله أعلم - : فكيف حالُ من تقدَّم ذكرُهم ، إذا جئنا من كلِّ أمة بشهيد يشهدُ عليها بعملها ؛ فيشهدُ بقبيح عملها وفسادِ عقائدها وهو نبيُّها ، وجئنا بك يا محمد على هؤلاء الأنبياء شهيداً ، أي : مزكِّياً لهم ومثبتاً لشهادتهم ، وقيل : الذين يشهدونَ للأنبياء هذه الأمة والنبي ◌َّهِ يزكِّيها . ( قَالَ ) ؛ أي : ابن مسعود: فالتفتُّ إليه ( فَرَأَيْتُ عَيْنَيْ رَسُوْلِ الهِ مَلاَ تَهْمُلَانِ ) - بفتح التاء وسكون الهاء وضم الميم أو كسرها - أي : تسيل دموعهما لفَرْط رأفته ومزيد شفقته ؛ لأنه ◌َ﴿ استحضر أهوال القيامة وشدَّة الحال التي يحقُّ لها البكاء. وفيه ندبُ الاستماع للقراءة ، والإصغاء إليها والبكاء عندها ، والتدبُّر والتواضع لأهل العلم ورفع منزلتهم ، وجواز استماع القرآن من محلِّ عال والقارىءُ أسفل منه ، وجواز طلَبها ممَّن هو دونه رتبةً وعلماً ، وحِلُّ أمرِ الغير بقطع قراءته للمصلحة . والله أعلم . ( وَ) أما بكاؤه رحمةً لميت !! ففيما أخرجه النسائي ، والترمذي في ((الشمائل)) - واللفظ له -: (عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ) الهاشمي - تقدَّمت ترجمته - (رَضِيَ اللهُ تَعَالَىْ عَنْهُمَا ؛ قَالَ : أَخَذَ رَسُوْلُ اللهِوَِّ أَبْنَةً لَهُ) - زاد النسائي في روايته - ( صَغِيْرَةً) ؛ وهي بنت بنته زينب من أبي العاصي بن الربيع ، فنسبتها إليه مجازية ، وليس المراد بنتَه لصلبه ، لأنَّە پے کان له أربع بنات ، و کلُّھنَّ كَبِرن وتزوَّجن ، وإن کان ثلاث منهن ٤٠٤ تَقْضِي ، فَأَحْتَضَنَهَا فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَمَاتَتْ وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَصَاحَتْ أُمُّ أَيْمَنَ ، فَقَالَ : - يَعْنِي: النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (( أَتَبْكِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ؟!)). أَيْ: بُكَاءً مَحْظُوراً مُقْتَرِناً بِالصِّيَاحِ دَالاً عَلَى الْجَزَعِ متْنَ في حياته ، لكن لا يصلح وصف واحدة منهن بالصغر ، وقد وصفها في رواية النسائي بالصغر ، فتعيَّنَ أن يكون المرادُ إحدى بناتِ بناته ؛ وهي أُمَامَة بنتُ بنتِهِ زينبَ المتقدِّمة . ( تَقْضِيْ ) - بفتح التاء وكسر الضاد _؛ أي : تُشْرِف على الموت ، وإن كان أصلُ القضاء الموتَ؛ لا الإشراف عليه، ومع ذلك لم تمت حينئذ، بل عاشت بعده وَّ حتَّى تزوَّجها عليٌّ بن أبي طالب . ومات عنها ، كما اتفق عليه أهلُ العلم بالأخبار . ( فأخْتَضَنَهَا ) ؛ أي : حملها في حِضنه - بكسر الحاء - وهو: ما دون الإبط ؛ أي : الكشح . ( فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) ؛ أي : بين جهتيه المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه ، فسُمِّيت الجهتانِ (( يدين)) لكونهما مسامتتين لليدين ، كما يسمَّى الشيء باسم مجاوره . ( فَمَاتَتْ ) ؛ أي : أشرفت على الموت - كما علمت - (وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ ) الجملة حالية ؛ أي : والحال أنها بين يديه، ( وَصَاحَتْ)؛ أي: صرخت (أُمُّ أَيْمَنَ ) - بفتح الهمزة والميم - واسمها بركة - بفتح الباء الموحدة والراء - وكنِيت بابنها أيمن رضي الله عنه، وهي حاضنته بَّ ر ومولاتُه، ورثها من أبيه وأعتقها حينَ تزوَّج بخديجة ، وزوَّجها لزيد مولاه ، وأتت له بأسامة ، وماتت بعد وفاة عمر بعشرين يوماً . ( فَقَالَ - يَعْنِي النَّبِيَّ ◌َلـ) وهذا تفسير من التابعي، والضمير في (( يعني)) راجع إلى ابن عباس: ( (أَتَيْكِيْنَ ) - بهمزة الاستفهام الإنكاري - ( عِنْدَ رَسُوْلٍ اللهِ؟!))) وَ !! (أَيْ) أتبكين ( بُكَاءً مَحْظُوْراً مُفْتَرِناً بِالصِّيَاحِ؛ دَالاً عَلَى الجَزَعِ) وعدم الرضا بالقضاء ، والقصد من ذلك الإِنكارُ والزجر ، وإنما قال : عند رسول الله . ولم يقل عندي !! لأنَّ ذلك أبلغُ في الزجر وأمنعُ عن الخروج عما جوَّزته ٤٠٥ فَقَالَتْ: أَسْتُ أَرَاكَ تَبْكِي؟ قَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ أَبْكِي، إِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ بِكُلِّ خَيْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، إِنَّ نَفْسَهُ تُنْزَعُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ، وَهُوَ يَحْمَدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ)). الشريعة . والصياحُ ؛ وهو : رِفع الصوت بالبكاء حرامٌ ، لكنَّها لما رأت دمع عينيه ظنت حِلَّه؛ ( فَقَالَتْ : أَلَسْتُ أَرَاكَ تَبْكِيْ ) ؟ فأنا تابعتُك واقتديت بك ، وظنِّي جوازٌ البكاء ؛ وإن اقترن بنحو صياح !! ( قَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ أَبْكِيْ ) بُكاءً على سبيل الجزع وعدم الصبر كبكائك ، ولا يصدر عني ما نهى الله عنه من الويل والثبور والصياح وغير ذلك ، بل بكائي دمعُ العين فقط ( إِنَّمَا هِيَ ) ؛ أي : الدمعة التي رأيتِها (رَحْمَةٌ)) ) ؛ أي أثر رحمة جعلها الله تعالى في قلبي . ولا ينافي هذا قولُ عائشة رضي الله تعالى عنها ( ما بكى رسول الله وَّر على ميت قطُّ وإنَّما غايةُ حزنه أن يمسك لحيته ) لأنَّ مرادها ما بكى على ميت أسفاً عليه بل رحمة له . ويؤيِّدُه ما ورد: ((إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلَّ مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا عَلَى فِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيْمُ لَمَخْزُونُونَ))؛ قاله ملا علي قاري في (( جمع الوسائل )) رحمه الله . ثُمَّ إِنَّه ◌ِوَِّ بَيَّن وجه كونِها رحمةً؛ فقال: ( إِنَّ أُلمُؤْمِنَ ) - الكامل ملتبس - ( بكُلِّ خَيْرٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ ) - من نعمة أو بلية ، لأنه يحمدُ ربَّه على كلٍّ منهما ، أما النعمة ! فظاهر ، وأما البلية ! فلأنه يرى أنَّ المِحنة عينُ المنحة لما يترتَّب عليها من الثواب، كما قال : - ( إِنَّ نَفْسَهُ) - أي: روحَه ــ ( تُنْزَعُ ) - بصيغة المفعول ؛ أي: تقبض - ( مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ؛ وَهُوَ) - أي والحال أنه ــ ( يَحْمَدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ) ، فلا تشغله تلك الحالة من الحمد . قال في ((جمع الوسائل)): والمعنى ينبغي أن يكون المؤمنُ الكامل ملابساً بكلِّ خير على كلِّ حال من أحواله ، حتَّى أنه في نزع روحه يحمد الله تعالى ، ويراه من الله سبحانه رحمةً له وكرامة ، وخيراً له من حياته ، فإن الموت تحفةُ المؤمن وهدية الموقِن . انتهى . ٤٠٦ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: شَهِدْنَا أَبْنَةً لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيَّهِ تَدْمَعَانِ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : ( وَ) فيما أخرجه البخاريُّ في ((صحيحه))، والترمذي في ((الشمائل)) واللفظ له : (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) خادم رسول الله ◌ََّ عشرَ سنين - تقدَّمت ترجمته - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَىَ عَنَّهُ قَالَ : شَهِدْنَا) - أي: حضرنا - ( أَبْنَةً لِرَسُوْلِ الهِ بَِّ) هي: أمُّ كلثوم، ووَهِم من قال ( رقية )، فإنَّها ماتت ودُفنت ورسولُ اللهِ مَّ في غزوة بدر . ولما عُزِّيِِّ برقيّة قال: ((الْحَمْدُ لهِ ، دَفْنُ البَنَاتِ مِنَ المَكْرُمَاتِ)) . ثم زوَّج عثمانَ ((أمَّ كلثوم)» هذه، وقال: (( وَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مِائَةَ بِنْتٍ لَزَوَّجْتَكَهُنَّ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ » . ( وَرَسُوْلُ اللهِ) - أي: والحال أن رسول الله - ( جَالِسٌ عَلَىْ أَلِقِبْرِ) أي : على طرفه ( فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ ) - بفتح الميم - أي: تسيل دموعهما ، وتمام الحديث؛ فقال: ((أَفِيْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ)) ؟! قال أبو طلحة : أنا، قال : (إِنْزِلْ)) فنزل في قبرها. انتهى ... الحديث . ومعنى ((لَمْ يُقَارِفْ))؛ أي: لم يجامع تلك الليلة ، فالمقارفة كنايةٌ عن الجماع، وأصلها الدَنوُّ واللُّصوق، وفي رواية: ((لاَ يَدْخُلِ القَبْرَ أَحَدٌ قَارَفَ البَارِحَةَ))، فتنخَّى عثمانُ لكونه كان باشر تلك الليلة أمةً له، فمنعه رسول الله وَّ مِن نزول قبرها ؛ معاتبةً له لاشتغاله عن زوجته المحتَضَرة ، وأيضاً فحديث العهد بالجماع قد يتذكَّر ذلك فيَذْهَل عما يطلب من أحكام الإلحاد وإحسانه . ( وَ) فيما أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي في ((الجامع)) وفي ((الشمائل )) باختلاف في الألفاظ - وهذا لفظ ((الشمائل)) -: (عَنْ عَائِشَةَ) بنتِ أبي بكر الصِّديقةِ بنتِ الصِّديقِ - تقدَّمت ترجمتها - (رَضِيَ اللهُ) تَعَالَى (عَنْهَا) وعن والدها، وعن أصحاب رسول الله أجمعين، وجمعنا بهم في مستقرٍّ رحمته . آمين . ٤٠٧ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَهُوَ مَيِّتٌ ، وَهُوَ يَبْكِي . ( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ قَبَلَ) - بتشديد الباء - ( عُثْمَانَ ) في وجهه ، أو بين عينيه ( بْنَ مَظْعُوْنٍ ) - بالظاء المعجمة - ، وكان أخاه من الرضاع ، وهو قرشيٍّ أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً ، وهاجر الهجرتين ، وشهد بدراً ، وكان حَرَّم الخمر في الجاهلية ، وهو أوَّل مَن مات من المهاجرين بالمدينة ؛ في شعبان على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة ، وكان عالماً عابداً مجتهداً من فضلاء الصحابة ، ودفن بالبقيع، ولما دفن قال ◌َله: «نِعْمَ السَّلَفُ هُوَ لَنَا)). وقولُه ( وَهُوَ مَيِّتٌ ) جملةٌ حالية ؛ أي : والحال أن عثمان ميِّت ، وفيه ندب تقبيل الميت الصالح . قال ابن حجر الهيتمي في ((فتح الإله شرح المشكاة)): حكم المسألة إن كان الميت صالحاً سُنَّ لكلِّ أحد تقبيلُ وجهه التماساً لبركته ، واتباعاً لفعله بَّر في عثمان بن مظعون - كما سيأتي - وإن كان غير صالح ؟ جاز ذلك بلا كراهة لنحو أهله وأصدقائه ، لأنَّه ربَّما كان مخففاً لما وجده من ألم فقده ، ومع الكراهة لغير أهل الميت ، إذ قد لا يرضى به ؛ لو كان حياً من غير قريبه وصديقه ، ومحلُّ ذلك كلِّه ما لم يحمل التقبيل فاعله على جزع؛ أو سخط كما هو الغالب من أحوال النساء ، وإلاَّ حَرُم ؛ أو كره . ذكره في (( شرح الأذكار )) . انتهى . (وَهُوَ) - أي: والحال أن النبي ◌َُّ ــ (يَيْكِي)؛ أي: حتى سالت دموع النبي ◌َّر على وجه عثمان؛ كما في ((المشكاة)). قال في ((جمع الوسائل)): وأخرج ابن سعد في (( الطبقات))؛ عن سفيان الثوري؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنَّ رسول الله وَّلَ قَبَّلَ عثمان بن مظعون وهو ميت، قال: فرأيت دموع النبي ونَ ﴿ تسيل على خدِّ عثمان. ٤٠٨ هُوَ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ . وَكَانَتْ عَيْنَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرَةَ الدُّمُوعِ وَاَلْهَمَلاَنِ . وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ مَرَّةً ، وأخرج أيضاً عن أبي النضر ؛ قال : مُرَّ بجنازة عثمان بن مظعون ، قال رسول الله ◌َ﴿ل: ((ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَّسْ مِنْهَا بِشَيْء))، يعني: من الدنيا. وهذا مرسلٌ ، لكن له شاهد عند ابن الجوزي في (( كتاب الوفاء)) ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: لَمَّا مات عثمان بن مظعون كَشَف النبي ◌َِّ الثوبَ عن وجهه، وقبّل بين عينيه، ثم بكى طويلاً، فلما رفع السرير؛ قال: ((طُوبَى لَكَ يَا عُثْمَانُ؛ لَمْ تَلَبَّسْكَ الدُّنْيَا، وَلَمْ تَلَبَّسْها)) ، انتهى . قال المصنّ: (هُوَ) - أي: عثمان - ( أَخُوْهُ)؛ أي أخو النبي ◌ََّ ( مِنَ الرَّضَاعَةِ ) - وقد تقدم ذلك - . ( وَ) أمّا بُكاؤه خوفاً على أمته! ففيما ذكره الشعراني في (( كشف الغمة)) بقوله : ( كَانَتْ عَيْنَاهُ وَلِ كَثِيْرَةَ الذُّمُوعِ وَأَلهَمَلاَنٍ) - محركة -، يقال: هَمَلت عينه تهمِل - بالكسر - وتهمُّل - بالضم - ، هَمَلاً وهملاناً وهمولاً : فاضت كانهملت ، انتھی ( قاموس )) . ( وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ ) أي : استتر نورها كلُّه ؛ أو بعضه ، يقال كَسَفت - بفتح الكاف ــ وانكسفت بمعنىّ، وأنكر الفَرَّاء (( انكسفت)»، وكذا الجوهريُّ ونسبه إلى العامَّة . ( مَرَّةً) على عهد رسول الله وَِّ يومَ موت ولده إبراهيم ، ففي البخاري : كسفت الشمس على عهد النبي ◌َّ﴿ يومَ مات إبراهيم، فقال الناس: كَسَفت الشمس لموت إبراهيم . ٤٠٩ فَجَعَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي فِي الصَّلاَةِ وَيَنْفُخُ، وَيَقُولُ: (( يَا رَبِّ ؛ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لاَ تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ، وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَكَ ؟ وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ يَا رَبِّ)). وجمهور أهل السير على أنَّه مات في العاشرة . وقيل : في التاسعة ، وذكر النووي أنَّه لم يُصَلِّ لكسوف الشمس إِلاَّ هذه المرّة . وأما خسوف القمر ! فكان في الخامسة ، وصلَّى له صلاة الخسوف ؛ انتهى . والمشهور في استعمال الفقهاء : أنَّ الكسوف للشمس والخسوف للقمر ؛ قاله الحافظ . ( فَجَعَلَ نَّهَ يَبْكِيْ فِي الصَّلاَةِ وَيَنْفُحُ ) ؛ من غير أن يظهر النفخ . ولا من البكاء حرفان أو حرفٌ مفهم ، أو أنَّه کان یغلبُه ذلك بحیث لا يمكنه دفعه . ( وَيَقُولُ: ((يَا رَبِّ؛ أَلَمْ تَعِذْنِيْ أَنْ لاَ تُعَذِّبَهُمْ، وَأَنَا فِيهِمْ) بقولك ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [٣٣/ الأنفال] ... الآية، ربِّ ألم تعدني أن لا تعذبهم (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُوْنَكَ)، أي بقولك ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ٣٣ [٣٣/ الأنفال] (وَنَحْنُ نَستَغْفِرُكَ يَا رَبِّ))). وإنما قال ذلك !! لأن الكسوفَ مِظِنَّةً العذاب ، وإن كان وعد الله لا يتخلّف ، لكن يجوز أن يكون مشروطاً بشرط اختلّ . وهذا الحديث رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي في ((الشمائل)) باختلاف في الألفاظ ، وفي بعضها بدون ذكر البكاء والنفخ ؛ كلهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص . قال في (( جمع الوسائل )) : ووقع في رواية أحمد وابن خزيمة وابن حبان والطبراني بلفظ : وجعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد ، وذلك في الركعة الثانية . انتهى . ٤١٠ وَأَمَّا عُطَاسُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَطَسَ .. وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَىُ فِيهِ ، وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَطَسَ .. حَمِدَ اللهَ، فَيُقَالُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَيَقُولُ: ((يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ )) . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ الْعَطْسَةَ الشَّدِيدَةَ فِي الْمَسْجِدِ . ( وَأَمَّا عُطَاسُ رَسُوْلِ اللهِوَلِّ! فَقَدْ ) ثبت فيما رواه أبو داود ، والترمذي ؛ وقال حسن صحيح ، والحاكم ؛ وقال : صحيح ، وأقرّه الذهبي ، كلُّهم ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ) رسول الله (وَّرُ إِذَا عَطَسَ) - بفتح الطاء ؛ من باب (( ضرب)) ، وقيل: من باب ((قتل)) - ( وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيْهِ ، وَخَفَضَ ) ، وفي رواية : غَضَّ ( بِهَا صَوْتَهُ) ؛ أي : لم يرفعه بصيحة كما يفعله العامَّة ، وفي رواية لأبي نعيم : خَمَّر وجهه وفاه ، وفي أخرى : كان إذا عطس غَطَّى وجهه بيده ؛ أو ثوبه ... الخ، قال التوربشي : هذا نوع من الأدب بين يدي الجلساء ، فإنَّ العطاس يكره الناس سماعَه ، ويراه الراءُون من فضلات الدِّماغ . ( وَ) أخرج الإمام أحمد، والطبراني في (( الكبير)) بإسناد حسن ؛ عن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين : ( كَانَ بِّهِ إِذَا عَطَسَ حَمِدَ اللهَ) - بكسر الميم - أي: أتى بـ (( الحمد )) عقبه، والوارد عنه : الحمد لله رب العالمين ، وروي : الحمدُ لله على كلِّ حال ؛ ( فَيُقَالُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ) ظاهرُه الاقتصار على ذلك ، لكن ورد عن ابن عباس بإسناد صحيح يقال: عافانا اللهُ وإيَّاكم من النار ، يرحمكُم الله ، ولا يسنُّ تشميت العاطس إلاَّ بعد أن يحمد الله تعالى ، ويسنُّ تذكيرهُ الحمد ؛ ( فَيَقُولُ: ((يَهْدِيْكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ )) ) ؛ أي : حالكم . ( وَ) أخرج البيهقي في ((سننه))، وكذا في (( الشعب))؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ ) رسول الله (وَلِّ يَكْرَهُ العَطْسَةَ الشَّدِيْدَةَ فِي أُلمَسجِدِ ) ٤١١ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْمُطَاسِ . أَمَّا التَّثَاؤُبُ: فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَمَا تَثَاءَبَ نَبِيٌّ قَطُ . - زاد في رواية : أنَّها من الشيطان - ، والعطسة الشديدة مكروهةٌ في المسجد وغيرِه ، لأنَّه كان يكره رفع الصوت بالعطاس ، لكنها في المسجد أشدُّ كراهة . انتهى. « مناوي وعزيزي )) . ( وَكَانَ) رسول الله (وَِّ يَكْرَهُ رَفْعَ الصَوْتِ بِالْعُطَّاسِ. أَمَّا التََّاؤُبُ ) !! قال القاضي : تفاعُل؛ من الثوباء - بالمد - وهو: فتح الحيوان فمَه ، لِمَا عراه من تمطّي وتمدُّدٍ لكسل وامتلاء ، وهي جالبةُ النوم الذي هو من حبائل الشيطان ، فإنَّه به يدخل على المصلي ويخرجه عن صلاته ، فلذا كَرِهه مَلِ؛ كما قال المصنف : ( فَقَدْ كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ يَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِهِ) ؛ أي : يكره سببه ؛ وهو كثرةُ الأكل ، لأنَّه المفضي إلى التكاسل عن العبادة ، لأنَ من أكل كثيراً شرب كثيراً ؛ فنام كثيراً ؛ ففاته خير كثير . ويُطلب ممَّن غلبه التثاؤب أن يضع يده اليسرى على فيه لدفع الشيطان . (وَقَدْ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَىْ مِنْهُ) ، لأَنَّه من الشيطان ، والأنبياء معصومون من الشيطان، وذكر المصنف التثاؤب لأنَّ كلامه في شمائِله وَّر، ومنها عدمُ التثاؤب بخلاف غيره ، فليس ذكرُه استطراداً لمضادَّته للضحك . ( وَ) قد ورد في ((تاريخ البخاري)) و((مصنف ابن أبي شيبة))؛ عن يزيدَ بنِ الأصمِ ابنِ أخت ميمونةَ ؛ (( أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها)) مرسلاً : ( مَا تَشَاءَبَ نَبِيّ قَطُّ ) . قال مسلم بن عبد الملك : ما تثاءب نبيٌّ قط ، وإنَّها من علامة النبوة، وفي ((البخاري)) مرفوعاً: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَةُ اُلْتَّثَاؤُبَ)). ٤١٢ اَلْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي صِفَةٍ كَلاَمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُكُوتِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْرُدُ كَسَرْدِكُمْ هَذَا، وَلَكِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَام بَيِّنِ فَضْلٍ ، ( الْفَصْلُ التَّاسِعُ ) من الباب الثاني (فِي) بيان ما ورد في ( صِفَةٍ كَلاَمِ نَّهِ وَسُكُوتِهِ ) . والكلام : اسم مصدر بمعنى التكلُّم . أو بمعنى ما يُتكلّم به ، ويصحُّ إرادة كلِّ منهما هنا ، إذ يلزم من بيان صفة التكلُّم صفةُ ما يتكلَّم به ؛ وبالعكس . وقد كان ﴿ أعذبَ خلق الله كلاماً، وأسرعَهم أداءً، وأحلاهم منطقاً، حتَّى كأنَّ كلامَه يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح . يُنَظِّمُ دُرُّ الثَّعْرِ نَثْرَ مَقُولِهِ فَيَّا حُسْنَهُ فِي نَثْرِهِ وَنِظَامِهِ فَكُلُّ كَلِيْمٍ بُرْؤُهُ فِي كَلاَمِهِ يُنَاجِي فَيُنْجِي مَنْ يُناجِي مِنَ الجَوَی روى الترمذي في ((الشمائل)) بسنده؛ (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : مَا كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ يَسْرُدُ) - بضم الراء ؛ من السرد - وهو: الإتيان بالكلام على الولاء، فمعنى (( يسردُ »: يأتي بالكلام على الولاء ويتابعه، ويستعجلُ فيه ( حَسَرْدِكُمْ ) - وفي نسخة : سردّكم - ، بدون كاف ، والمعنى عليها ، فهو منصوبٌ بنزع الخافض ( هَذَا ) الذي تفعلونه فإِنه يورث لَبْساً على السامعين . ( وَلْكِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامِ بَيِّنٍ ) - بتشديد التحتية المكسورة - أي: ظاهرٍ . ( فَضْلٍ ) - بالجر : تأكيد لـ(( بَيِّن)) - أي : مفْصُول ممتازٍ بعضه من بعض، ٤١٣ يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ . وَكَانَ فِي كَلاَمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزْتِيلٌ . وَكَانَ كَلاَمُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْفَظُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ .. أَعَادَهَا ثَلاَئاً بحيث يتبيَّنُهُ من يسمعه ، ويمكنه عدُّه، وهذا أدعى لحفظه ورسوخه في ذهن السامع ؛ مع كونه يوضّحُ مراده ، ويبيّنُهُ بياناً تامّاً ، بحيث لا يبقى فيه شبهة . ( يَحْفَظُهُ) - أي: كلامَه - ( مَنْ جَلَسَ ) عنده وأصغى ( إِلَيْهِ ) ؛ لظهوره وتفصيله ، والجلوس ليس بقيد ، فالمرادُ أصغى إليه ؛ وإن لم يجلس ، ولو من الكفار الذين لا رغبة لهم في سماعه . وفي (( سنن أبي داود)) ؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان كلامُه كلاماً فصلاً ؛ يفهمه كلُّ مَن سمعه . قال الزين العراقي : وإسناده حسن . ( وَ) أخرج أبو داود في ((سننه))؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما؛ قال: ( كَانَ فِي كَلَمِهِ بَِّ) - وفي رواية: كان في قراءتِه - (تَزْتِيْلٌ ) : تَأَنِّ وتمهُّلٌ مع تبيين الحروف والحركات ، بحيث يتمكن السَّامع من عَدِّها . ( وَ) أخرج النسائي في ((اليوم والليلة))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ كَلاَمُهُ بَِّ يَحْفَظُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ) من العرب وغيرهم ، لظهوره وتفاصيلٍ حروفه وكلماته ، واقتداره لكمال فصاحته على إيضاح الكلام وتبيّنه ، ولهذا تعجّب الفاروق من شأنه ؛ وقال : مالَكَ أفصحُنا ؛ ولم تخرج من بين أظهرنا؟ !. قال: ((كَانَتْ لُغَة إسْمَاعِيْلَ قَدْ دَرَسَتْ - أي : متممات فصاحتها ۔ فَجَاءَنِي بِهَا جِبْرِيْلُ فَحَفِظْتُهَا)). انتهى ((مناوي)). ( وَ) أخرج الإمام أحمد والبخاريُّ، والترمذيُّ ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسولُ الله ((وَلِيرٍ)) - قال الكرماني: قال الأصوليون: مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار - ( إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ ) ؛ أي: بجملة مفيدة ( أَعَادَهَا ثَلاَثًاً ) ٤١٤ حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ .. سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثاً . من المرّات . قال مُلاًّ علي قاري في (( شرح الشفاء)): ولعل الأوَّل للسماع ، والثاني للتنبيه ، والثالث للفِكر ، والأظهرُ أنَّ الثلاث باعتبار مراتب مدارك العقول من الأعلى والأوسط والأدنى . انتهى كلامه . ( حَتَّى تُفْهَمَ ) هذا بيانٌ للمراد من تكرير الثلاث ، وفي رواية البخاري : (( ليُفهِم )) - بمثناةٍ تحتية مضمومة وبكسر الهاء - ، وفي رواية له بفتحها . ( عَنْهُ) ؛ أي : لتحفظ وتنقل عنه ، وذلك إمّا لأنّ مِن الحاضرين مَنْ يَقْصُرُ فهمه عن وعيه ؛ فيكرره ليُفهم ويرسخ في الذهن ، وإمّا أن يكون المقولُ فيه بعضُ إشكال فيتظاهر بالبيان ؛ دفعاً للالتباس . وفي ((المستدرك)): ((حتى تُعقل عنه)) بدل (( حتى تفهم))، وهذا من شفقته وحسن تعليمه وشدَّة النُّصح في تبليغه . قال ابن التين : وفيه أن الثلاث غايةُ ما يقعُ به الإقرار والبيان . ( وَإِذَا أَتَّى عَلَىْ قَوْمٍ ) ؛ أي : وكان إذا قدم على قوم ( فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ) هو من تتميم الشرط ( سَلَّمَ عَلَيْهِمْ) - جواب الشرط - ( ثَلَاثاً) في سلام الاستئذان ، بأن أراد الدخول على قوم في محلّهم ؛ فيكرِّر لهم السلام ثلاثاً إِذا لم يعلم سماعهم من مرَّة أو مرَّتين ليُعلمهم أنَّه يستأذنهُم في الدخول . قال في (( الفتح)): وقد فهم البخاريُّ هذا بعينه، فأورد هذا الحديث مقروناً بحديث أبي موسى في قصَّة عُمَر ، لكن يَحتمل أن يكون ذلك كان يقع أيضاً منه إذا خشي أن لا يُسمع سلامه . انتهى . وسبقه إليه جمع منهم ابن بَطَّال ؛ فقال: يكرِّرُه إذا خشي أنَّه لا يُفهم عنه أو لا يسمع ، أو أراد الإبلاغ في التعليم ، أو الزجر في الموعظة . وقال النووي في ((الأذكار)) و((الرياض)): هذا محمولٌ على ما لو كان الجمع ٤١٥ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ .. يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ . كثيراً . وجرى عليه ابن القيّم ؛ فقال : هذا في السلام على جمع كثير لا يبلغُهم سلامٌ واحد ، فيسلِّم الثاني والثالث ؛ إذا ظَنَّ أنَّ الأول لم يحصل به إسماع ، ولو كان هديُه دوامَ التسليم ثلاثاً ؛ كان صحبُه يسلِّمون عليه كذلك ، وكان يسلِّمُ على كلِّ مَن لقيه ثلاثاً ، وإذا دخل بيتَه سلَّم ثلاثاً ، ومَنْ تأمّل هديه عَلِم أنَّه ليس كذلك ، وأن تكرار السلام كان أحياناً لعارض . إلى هنا كلامه . قال الكرماني : والوجهُ أنَّ معناه : كان إذا أتى قوماً يُسّلم تسليمةَ الاستئذان ، ثم إذا قعد سلَّم تسليمَ التحية ، ثم إذا قام سلَّم تسليمَة الوداع ، وهذه التسليمات كلُّها مسنونة ، وكان يواظب عليها . انتهى ؛ قاله المناويُّ في ((كبيره)) مع شيء من العزيزي والحِفْني . ( وَ) أخرج أبو داود، والبيهقيُّ في ((دلائل النبوة)) بإسناد حسن ؛ عن عبد الله بن سَلام - بالفتح والتخفيف - الإسرائيليِّ الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه قال : ( كَانَ) رسول الله (وَِّ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ ) ؛ انتظاراً لما يوحَى إليه وشوقاً إلى الرفيق الأعلى ؛ ذكره الطيبي. وقوله ((جلس يتحدَّث)) ! خرج به حالةُ الصلاة ، فإنَّه كان يرفع بصره فيها إلى السماء أوّلاً حتَّى نزلت آيةُ الخشوع في الصلاة فتركَهُ . فإن قلت : يُنافيه أيضاً ما ورد في عدَّة أخبار: أن نظره إلى الأرض كان أكثرَ من نظره إلى السماء !! ؟ قلت : يمكن الجواب بأن ذلك مختلفٌ باختلاف الأحوال والأوقات ، فإذا كان مترقِّباً لنزول الوحي عليه متوقعاً هبوط المَلَك إليه ؛ نظر إلى جهته شوقاً إلى وصول كلام ربِّه إليه ، واستعجالاً ومبادرة لتنفيذ أوامره ، وكان في غير هذه الحالة نظره إلى · الأرض أطولَ؛ ذكره المناوي في ((كبيره)). ٤١٦ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ حَدِيثاً، لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ .. لِأَحْصَاهُ. ( وَ) أخرج البخاريُّ، ومسلم ، وأبو داود ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما ( كَانَ) رسولُ الله (ِّر) يَسردُ الحديث سردَكم هذا! كان (يُحَدِّثُ حَدِيْثاً) ؛ ليس بمُهَذْرِمٍ مسرعٍ ، ولا متَقَطِّعِ يتخلَّلُه السَّكتات بين أفراد الكَلِمِ ، بل يبالغ في إِيضاحه وبيانه بحيث ( لَوْ عَدَّهُ العَالٌ) ، أي : لو أراد المستمع عَدَّ كلماتِهِ أو حروفه (لأَحْصَاهُ) ، أي : أمكنه ذلك بسهولة ، والمراد بذلك : المبالغةُ في التفهيم والترتيل ، وهذا أتت به عائشة رضي الله تعالى عنها تُعرِّضُ بأبي هريرة رضي الله تعالى عنه . وصَدْرُ الحديث : عن عُروة ؛ عنها أنَّها قالت : أَلا يعجبك أبو فلان - ولفظ ((مسلم)): أبو هريرة - جاء فجلس إلى جانب حجرتي؛ يحدث عن رسول الله وَل يسرد، يسمعني ذلك ؛ وفي رواية : فقال: ألا تسمعين يا رَبَّةَ الحُجرَةِ !! وكنتُ أُسَبِّح، فقام قبل أن أقضي سُبْحَتِي، ولو أدركتُه لرددتُ عليه أنَّ رسول الله وَه ما كان ... فذكرتِ الحديثَ . قال الحافظ ابن حجر : واعتُذرَ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ؛ بأنَّه كان واسع الرِّوايةِ ، كثيرَ المحفوظِ ، فكان لا يتمكَّن من الثَّرتيل عند إِرادة التَّحديث ، كما قال بعض البلغاء : أُريد أَن أَقْتَصِرَ فتتزاحمُ عليَّ القوافي . ومن حديثٍ عائِشةَ المذكورِ أُخِذَ أنَّ على المدرّس أن لا يسرد الكلام سرداً ، بل يُرَتِّلُهُ ويزيَّتُهُ ويتمهلُ لِيَتَفَكَّرَ فيه هو وسامِعُهُ ، وإذا فَرَغَ من مسألة أو فصلٍ سكت قليلاً ليتكلَّمَ مَنْ في نفسه شيء . انتهى (( مناوي )) . وأخرج التِّرمذيُّ في ((الجامع))، و((الشَّمائل))، والحاكم ؛ عن أنسٍ رضي الله تعالى عنه قال: ((كان رسول الله وَّهِ يعيدُ الكلمة ثلاثاً حتى تُعقل عَنْهُ)) ؛ أي : ليتدبَّرها السَّامِعونَ ، ويرسِّخَ معناها في القوَّةِ العاقلةِ . وفيه أن الثَّلاثة غاية الإِعذار والبيان ؛ كما قال ابنُ التينِ ، فمنْ لَمْ يفهم بها لا يفهمُ بما زِيدَ عليها ؛ ولو مرَّاتٍ عديدة . ٤١٧ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلَ الصَّمْتِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرَ السُّكُوتِ ، وقد ورد: أنَّه ◌َ لّهِ كان لا يراجَع بعد ثلاث؛ وفيه ردٌّ على من كَرِهَ إِعادة الحديث ، وأنكر على الطَّالب الاستعادة ، وعَدَّه من البلادة . قال ابن المنيِّ : والحقُّ أنَّه يختلف باختلاف القرائح ، فلا عيبَ على المستفيد الذي لا يحفظ من مرة إِذا استعاد ، ولا عذر للمفيد إِذا لم يُعِدْ ، بل الإِعادة علیه آكد من الابتداء ، لأنَّ الشُّروع ملزم. انتهى ((زرقاني)). ( وَ) أخرج الإمام أحمد في ((مسنده )) بإسناد صحيح ؛ من حديث سِمَاك ؛ عن جابرِ بن سَمُرَةَ رضي الله تعالى عنهما . قال سماك : قلت لجابر : أَكُنتَ تجالسُ النَّبِيَّ وَِّ؟ قال: نعمَ، و( كَانَ)؛ أي: رسولُ اللهِ (وَّرَ طَوِيْلَ الصَّمْتِ ) ، في غَيرِ أوقاتِ الذِّكرِ ، فالمراد الصَّمتُ عَمَّا لا ثوابَ فيهِ ، وذلك لأنَّ كَثْرَةَ السُّكُوتِ من أقوى أَسبابِ التَوقِيرِ ، وهو من الحِكمَةِ وداعية للسَّلامةِ من اللَّغَطِ ، ولهذا قيلَ : مَن قَلَّ كلامُهُ قَلَّ لَغَطُهُ . وهو أجْمَعُ للفِكْرِ . انتهى . وتمام الحديث بعدَ قوله (( طويلَ الصَّمْتِ)): قليلَ الضَّحِكِ. انتهى ((مناوي)). ( وَ) في ((الشِّفاءِ)) للقاضي عياض: (كَانَ) رسول الله (ِِّ كَثِيْرَ السُّكُوْتِ ) التفكُّره في مشاهدةِ المَلكُوتِ وتَذَكُّرِهِ مُطَالعَةَ الجبروتِ . وكان سكُوتُهُ على أربع : على الحِلْمِ والحَذَرِ والتَّقديرِ والتَّفَكُّرِ . فأمَّا تقديرُهُ ففي تَسْوية النَّظرِ ، والاستماعِ بين النَّاسِ ، وأمَّا تَفَكُّرُهُ ففيما يَبْقى وَيَفْنَى، وجُمع له الحِلْمُ في الصَّبر ؛ فكان لاَ يُغْضِبُهُ شَيءٌ يَسْتَفِزُّهُ ، وجُمِعَ له في الحَذَرِ أَخْذُه بالحَسَنِ ليُقتدى به ، وتَرْكُه القبيح ليُنتهى عنه ، واجْتِهادُ الرأي بما أصلح أمَّته ، والقيامُ لهم بما جَمَعَ لهم أمرَ الدُّنيا والآخرة ؛ ذكره في ((الشفاء )) للقاضي عياض . وهذا الحديث رواه التِّرمذي في (( الشمائِل))؛ من حديثٍ هندٍ بن أبي هالَة ٤١٨ لاَ يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَيُعْرِضُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ جَمِيلٍ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلَّ فِيمَا يَعْنِيهِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزْرَ أَلْكَلَامِ ، سَمْحَ الْمَقَالَةِ ، رضي الله تعالى عنهُ بلفظ : طويل الشُّكوت ( لاَ يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ ) ؛ أي : من قضيَّةٍ ضروريّة دينيّة ، أو دنيويَّة، أو مسألة عملية أو علميّة، لقوله تعالى ﴿ وَلَّذِينَ هُمْ [المؤمنون] ، ولحديث: (( مِنْ حُسنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرَكُهُ ٣ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ مَا لاَ يَعْنِهِ )). (وَيُعْرِضُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ جَمِيْلٍ) ؛ بما لا يُستحسَنُ ذكره ولا يباحُ أمره، إذا صدر عمَّن تكلّم بِنَاءً على جهله، لقوله تعالى ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ [الأعراف]. والظَّاهر أنَّ المرادَ بالإعراض هو الصَّفْحُ وعدم الاعتراض ، فيختصُّ بالمكروهاتِ التَّنزيهَّةِ على مُقْتَضى القواعِدِ الشرعيّة . وأمَّا المحرَّمات القطعيَّة ؛ وكذا المكروهات التحريميَّة !! فلا بدَّ للشَّارِعِ مِن أَن يأمُر ويزجر قياماً بحقِّ النُُّوَّةِ والرِّسالة. انتهى (( مُلاَّ علي قاري)). ( وَ) في (( كنوز الحقائق )) للمناوي ؛ ورمز له برمز ابن ماجه : ( كانَ) رسول الله (وَّهِ يَخْزُنُ) - بالخاء وضمِّ الزَّاي المعجمتين والنون آخره - أي : يَصُونُ ( لِسَانَهُ) ، ومنه الخزانة ، لأنَّ لا يُحِبُّ كَثْرةَ الكلامِ ، قال : إِذَا المَرْءُ لَمْ يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسَانَهُ فَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ سِواهُ بِخازِنِ ( إِلاَّ فِيْمَا يَعْنِيْهِ ) - بفتح المثنَّةِ التحتية وكسر النون - أي: يهمُّه ويَنْفَعُهُ من جواهر كَلِمِهِ وزواجِرٍ حِكَمِهِ وَّر . وفي ((كَشْفِ الغُمَّةِ )) للعارِفِ الشَّعراني رحمه الله تعالى : ( كَانَ) رسول الله (ِّرُ نَزْرَ الكَلَام) ؛ أي: قليله عند الحاجة إليه، (سَمْحَ الْمَقَالَةِ ) ؛ أي : سهل الكلام يُواتيه بلا تكلف . ٤١٩ يُعِيدُ الْكَلَامَ مَرَّتَيْنِ لِيُفْهَمَ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلاَمُهُ كَخَرَزَاتِ النَّظْمِ . وَكَانَ يُعْرِضُ عَنْ كُلِّ كَلاَمٍ قَبِحٍ ، وَيَكْنِي عَنِ اَلأُمُورِ الْمُسْتَغْبَحَةِ فِي الْعُرْفِ إِذَا أَضْطَرَّهُ الْكَلاَمُ إِلَى ذِكْرِهَا . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى بَيْنَ كُلِّ خَطْوَتَيْنِ . ( يُعِيْدُ الكَلَمَ مَرَّتَيْنِ ) ؛ أَوْ أَكْثَرَ ، كثلاثٍ ، وهي غايةُ ما يقع به الإِيضاح والبيانُ، وذلك ( ليُفْهَمَ) عنه ◌ِِّ، ولا يراجَعُ بعد ثلاثٍ . ( وَ) في ((كشف الغُمَّةِ)) أيضاً: (كان) رسول الله (مَِّ كَلاَمُهُ كَخَرَزَاتِ النَّظْمِ ) الخرزات : جمع خَرَزَةٍ محركة ، وهي : اسم لما يُنظَمُ من جواهِرَ وغيرها ، والنَّظْمُ المنظوم باللُّؤلؤ والخَرَز ، وهو في الأصل مصدر ؛ يقال : نَظْمٌ من لؤلؤ، ونَظَمَ الُّؤْلؤَ ينِظِمُهُ نظماً ونظاماً - بالكسر - ، ونَظَّمه تنظيماً ، ألَّفه وجمعه في سلك فانتظم وتنظّم . والمعنى : إنَّ كلامه مفصّلٌ ممتَازٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ ، ظاهِرُ الكلماتِ والحروفِ ، مع حلاوةٍ في مَنْطِقِهِ ، وذلك لكمالِ فصاحتِهِ . روى الطَّراني من حديثِ أمَّ مَعْيَدٍ : وكأن مَنْطِقَهُ خرَزَاتُ النَّظْمِ يَنْحَدِرْنَ، حُلْوَ المَنْطِقِ ؛ لاَ نَزْرَ وَلاَ هَذْرَ . ( وَكَانَ يُعْرِضُ عَنْ كُلِّ كَلَامٍ قَبِيْحٍ) لا يرضاه ، فيُعلم بإعراضه عنه أنَّه غير مَرْضِيٍّ له ◌َِّ، وهذا من وقارِهِ، وليس المراد به أن يكونَ حراماً، لأنَّهِ وَلَّ لا يُقِرُّ على مثله . ( ويَكْنِيْ عَنِ الأُمُورِ المُسْتَقْبَحَةِ فِي الْعُرْفِ إِذَاَ اضْطَرَّهُ الْكَلاَمُ إِلَى ذِكْرِهَا ) كقوله : ((خُذي فِرْصة مُمَسَّكة فتطهَّري بها )) . فإن اقتضى الحالُ التَّصريحَ صَرَّحَ بذلك، كقولِهِ الرَّجُلِ: ((أَنِكْتَها))، بعد قوله له: ((لعلَّك قبَّلتَ !! لعلَّك فَاخَذْتَ !! )) وذلك لأن الحُكْمَ الشَّرعيَّ هنا يترتَّبُ على التَّصريحِ بِالجِماعِ . ( وَكَانَ) رسول اللّهِ (تَّهِ يَذْكُرُ اللهَ تَعَالِىُ بَيْنَ كُلِّ خَطْوَتَيْنِ ) . ٤٢٠