Indexed OCR Text

Pages 361-380

وَيَقُولُ: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: النِّسَاءُ ،
ولحضور الملائكة الحَفَظة والكتبة عندهم ، ولملاقاتهم له بما يحبُّه ، ومن مُروءةٍ
الإنسان نظافتهُ وطيب رائحته .
(وَيَقُوْلُ) - كما في الحديث الذي رواه النسائي، والطبرانيُّ في ((الأوسط))
و(( الصغير))، والحاكم في ((المستدرك)) - بسند جيد بدون لفظ: وَجُعِلَتْ؛
وقال: على شرط مسلم -، والبيهقي في ((سننه))، وأبو عوانة في (( مستخرجه
على الصحيح))، وابن عدي في ((كامله))، - وقال العقيلي: إنَّه ضعيفٌ، لكن
قال الحافظ : إسناده حسن ، قال الشهاب الخفاجيُّ كالحافظ السخاوي في
((المقاصد الحسنة)): وأخرجه أحمد وأبو يعلى في ((مسنديهما))، قال الزرقاني:
وأخرجه الإمام أحمد في ((كتاب الزهد ))، ووَهِم من عزاه لـ(( مسنده)) - كلُّهم ؛ عن
أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله نَّه قال: ( (حُبِّبَ ) - بالبناء
للمفعول - ( إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: النِّسَاءُ) لنقل ما بَطَن من الشريعة مما يُستحيا من ذكره
بين الرجال .
قال الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) : الأنبياء زيدوا في النكاح لفضل
نُوَّتهم ، وذلك أن النُّور إذا امتلأ منه الصدر ، فغاصَ في العروق ؛ ألتذَّت النفس
والعروق ؛ فأثار الشهوة وقّواها .
وقال الشيخ تقي الدين السبكي : السُّ في إباحة نكاحٍ أكثر من أربع
لرسول الله وَّلهُ: أَنَّ الله تعالى أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يستحيا من
ذكره، وما لا يستحيا منه، وكان رسول الله وَ ﴿ل أشدَّ الناس حياءً، فجعل الله له
نِسوةً ينقلن من الشرع ما يَرينه من أفعاله ؛ ويَسمعنه من أقواله التي قد يستحي من
الإفصاح بها بحضرة الرجال ، ليكتمل نقل الشريعة ، فقد نقلنَ ما لم يكن ينقلْه
غيرهن ، في ما رأينه في منامه وحالةٍ خلوته من الآيات البينات على نُبُوَّته ، ومن
جدِّه واجتهاده في العبادة ، ومن أمور يشهد كلُّ ذي لبِّ أنَّها لا تكون إلاَّ لنبي ،
وما كان يشاهدُها غيرُهنَّ، فحصل بذلك كلُّ خير عظيم. انتهى (( عزيزي)) .
٣٦١

وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ )).
( وَالطِّيْبُ ، ) لأنَّه حظُّ الملائكة ، ولا غرضَ لهم في شيء من الدنيا سواه ،
فكأنَّه يقول : حُبِّي لهاتين إنما هو لأجل غيري ، قال الطيبي : جيءَ بالفعل
مجهولاً !! دلالة على أنَّ ذلك لم يكن من جِبِلَّته وطبعه ، وأنه مجبورٌ على هذا
الحبِّ ؛ رحمةً للعباد ورفقاً بهم ، بخلاف الصلاة فمحبوبة له بذاتها فلذا قال :
( وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي) - فرحها وسرورها - ( فِي الصَّلاَةِ)) ) ذات الركوع
والسجود ، لأنَّها محلُّ المناجاة ومعدن المصافاة .
وقيل : المرادُ صلاة الله وملائكته عليه ، ومُنِعٍ بأنَّ السياق يأباه .
وقدَّم النساء !! للاهتمام بنشر الأحكام وتكثير سوادٍ الإسلام ، وأردف
بالطِّيب ؛ لأنَّه من أعظم الدواعي لجماعِهِنَّ، مع حسنه بالذَّات وكونِه كالقوت
للملائكة ، وأفرد الصلاة عنهما !! لأنَّها غيرُهما بحسب المعنى ، إذ ليس فيها
تقاضي شهوة نفسانية ؛ كما فيهما .
قال العلامة ابن الحاج في كتابه (( المدخل)) : وانظر إلى حكمة قوله عليه
الصلاة والسلام ((حُبِّبَ إِلَيَّ)) ولم يقل: أَحببتُ، وقال (( مِنْ دُنْيَاكُمْ)) ، فأضافها
إليهم ؛ دونَه عليه الصلاة والسلام ، فدلَّ على أن حبَّه كان خاصّاً بمولاه تبارك
وتعالى ، فلذا غايرَ ؛ فقال: (( وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ )) ، فكان عليه الصلاة
والسلام بَشَري الظَّاهر ؛ ملكوتي الباطن ، وكان عليه الصلاة والسلام لا يأتي إلى
شيء من الأحوال البشرية إلاَّ تأنيساً لأُمَّته وتشريعاً لها ، لا لأنَّه محتاجٌ إلى شيء من
ذلك بحيث لو تَرَكه لأَضَرَّ به، ألا تريٍ إلى قوله تعالى ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَآيِنُ
اَللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكُ﴾ [٥٠/ الأنعام]، فقال ((لكم)) ولم يقل (( إني
مَلَك))؛ فلم ينف المَلَكية عنه إلاَّ بالنسبة إليهم ، أعني بكونه مَلَكاً في معانيه عليه
الصلاة والسلام ؛ لا في ذاته الكريمة ، إذ أنه عليه الصلاة والسلام يلحق بشريته
ما يلحق البشر ، ولهذا قال سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي : هو بشرٌ ليس
كالأبشار ، كما أن الياقوتَ حجرٌ ليس كالأحجار ، وهذا منه رحمه الله تعالى على
٣٦٢

وَرِوَايَةُ: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلاَثٌ)) .. لاَ أَصْلَ لَهَا، فَفِي
((أَلْمَوَاهِبٍ)):
سبيل التقريب للفهوم ، فدَلَّ على أنَّه وَّ﴿ كان مَلَكيَّ الباطن، ومن كان ملكي الباطن
ملك نفسه ، فلا تغلب عليه بحب شيء من الدنيا. انتهى كلام ((المدخل))؛ نقله
عنه القسطلاني .
قال المصنف رحمه الله: (وَرِوَايَةُ: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلاَثٌ)))؛ كما
اشتهر على الألسنة (لاَ أَصْلَ لَهَا، فَفِي) ((شرح الشفاء)) للعلامة ملّ علي قاري:
إِنَّ لفظ ((ثلاث)) خطأٌ فاحش . ومما يدلُّ على بطلانه تغيّر سياق الحديث في قوله :
((وَجُعِلَتْ ... الخ)). انتهى. وقال الشهاب الخفاجي: إنَّها غيرُ ثابتة ؛ وإن
أثبتها الزمخشري والغزاليُّ في ((الإحياء)) ، والقاضي عياض تبعاً لهم ، وقد أفردنا
هذا الحديث بتعليقة مستقلةٍ . انتهى .
وفي ( ((المَوَاهِبِ ) اللدنية)) للعلامة القسطلاني :
تنبيه: وقع في (( الإحياء )) للغزالي في موضعين ، وفي تفسير آل عمران ؛ من
((الكشاف)) عند قوله تعالى ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْتَكُ مَّقَامُ إِبْرَهِيَّةٌ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَّاً ﴾
[٩٧/ آل عمران] وتبعه البيضاوي ، وكذا وقع للراغب وابنٍ عربي في (( الفصُوص )» و کثیرٍ
من كتب الفقهاء ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلاَثٌ)) ، وقالوا : إنه عليه الصلاة والسلام ،
قال (( ثَلاَثٌ)) ولم يذكر إلاَّ اثنتين: الطَّيْبُ والنّساء !! لتذهب نفس السامع كل
مذهب ممكن في تعيين ما يصلح جعله مثالاً للمتروك ، ومنه قول الشاعر :
مَالِي وَكُنْتُ بِهِنَّ قِدْماً مُؤْلَعَا
إِنَّ الأَحَامِرَةَ الثَّلاثَةَ أَهْلَكَتْ
بِالزَّعْفَرَانِ فَلاَ أَزَالُ مُوَلَّعَا
الْخَمْرُ وَأَلْمَاءُ الْقَرَاحُ وَأَطَّلِي
وبعضُھم ینشدُها هكذا :
مَالِي وَكُنْتُ بِهِنَّ قِدْماً مُؤْلَعًا
إِنَّ الْأَحَامِرَةَ الثَّلاَثَةَ أَهْلَكَتْ
بِالزَّعْفَرَانِ فَلَنْ أَزَالَ مُوَلَّعًا
الرَّاحُ وَاللَّخْمُ السَّمِيْنُ وَأَطَّلِي
٣٦٣

قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ الْحَافِظُ أَبْنُ حَجَرٍ :
فلم يذكر الماء، وهذا عندهم يسمَّى ((طَيّاً))، وهو: أن يُذكر جمع ثم يؤتى
ببعضه ويسكت عن ذكر باقيهِ لغرضٍ للمتكَلِّم ، كإبهامه على السامع ، لعدم إرادة
المتكلِّم وقوفَ السامع عليه لنكتة ، وأنشد الزَّمخشريُّ شاهداً علیه قول جرير :
كَانَتْ حَنِيفَةُ أَثْلاَئاً فَتُلْتُهُمُ مِنَ الْعَبِيْدِ وَثُلْثٌ مِنْ مَوَالِيْهَا
فصرَّح بذكر ثلثين وطوى ذكر الثالث ، كأنه قيل : والثالث من الأخيار الذين
ليسوا مواليَ ولا عبيداً ، وفائدة الطيِّ عندَهُم : تكثيرُ ذلك الشيء، لتذهَب النفس
كلَّ مذهب ممكن، لكن هذا التكلُّف إنّما يجيءُ لو ورد لفظ (( ثلاث)) ولم يَرد !!.
فقد ( قال شَيْخُ الإِسْلاَم ) شهاب المِلَّة والدين أحمد بن علي بن محمد بن
علي بن أحمد أبو الفضل (الحَافِظُ أَبْنُ حَجَرٍ ) : لَقَبٌّ لبعض آبائه ، الكناني
العسقلاني القاهريّ الشافعي ، الحافظ الكبير الشهير ، الإمام المنفردُ بمعرفة
الحديث وعلله في الأزمنة المتأخِّرَة .
ولد في ثاني عشر شعبان سنة : - ٧٧٣ - ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر.
ونشأ بها يتيماً في كَنَفَ أحدِ أوصيائِه فحفظ القرآن ؛ وهو ابن تسع ، وتفقّه
بالبُلقيني والبَرْماوي وابنِ الملقِّن والعزِّ بن جماعة ، وعليه أخذ غالب العلوم الآلية
والأصولية ، ثم حَبَّب الله إليه فنَّ الحديث ، فأقبل عليه بكلِّيَّته فعكف على الزين
العراقي وحمل عنه علم الحديث ؛ سنداً ومتناً ، وعللاً واصطلاحاً .
وارتحل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن ومكة ، وأكثر جداً من المسموع
والشيوخ ، وسمع العالي والنازل ، واجتمع له من ذلك ما لم يجتمع لغيره ، وأدرك
من الشيوخ جماعةً كلُّ واحد رأس في فتِهِ الذي اشتهر به ؛ فالتنوخيُّ في معرفة
القراءات ، والعراقيُّ في الحديث ، والبلقينيُّ في سَعة الحفظ وكثرة الاطلاع ، وابنُ
الملقِّن في كثرة التصانيف، والمجدُ صاحب ((القاموس)) في حفظ اللغة ، والعزّ بن
جماعة في تفتُّه في علوم كثيرة بحيث كان يقول : أنا أقرأ في خمسة عشر علماً
لا يعرف علماء عصري أسماءَها .
٣٦٤

إِنَّ لَفْظَ ((ثَلاَثٌ)) لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ، وَزِيَادَتُهُ تُفْسِدُ
الْمَعْنَىُ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ
ثم تصدَّى لنشر الحديث وقَصَر نفسه عليه ؛ مطالعة وإقراء ، وتصنيفاً وإفتاءً ،
وتفرّد بذلك ، وشهد له بالحفظ والإتقان القريبُ والبعيد ، والعدوُّ والصديق ، حتَّى
صار إطلاقُ لفظ ((الحافظ)) عليه كلمةَ إجماع ، ورحل الطلبةُ إليه من الأقطار ،
وطارت مؤلفاته في حياته ، وانتشرت في البلاد ، وتكاتبت الملوك من قطر إلى قطر
في شأنها، وهي كثيرةٌ جِدّاً عدَّدها السخاوي في ((الضوء اللامع))، وأخذ عنه
الناس طبقة بعد طبقة ، وألحقَ الأصاغر بالأكابر .
واستمر على طريقته حتى مات في أواخر ذي الحجة سنة : - ٨٥٢ - اثنين
وخمسين وثمانمائة ، وكان له مشهد لم يُرَ مثله ، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى .
قال في تخريج أحاديث ((الكشاف)): (إِنَّ لَفْظَ ((ثَلاَثٌ)) لَمْ يَقَعْ فِي شيءٍ مِنْ
طُرُقِهِ ، وَزِيَادَتُهُ تُفْسِدُ المَعْنَى) ، لأن الصلاة ليست من أمور الدنيا .
(وَكَذَلِكَ قَالَهُ) شيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن
إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم (الوَلِيُّ)؛ أي: ولي الدين بن زين الدين ( العِرَائِيُّ )
الحافظ ابن الحافظ ، الإمام العلاَّمة المتفَنِّنُ المحقّق البارع .
ولد في سَحَر يوم الإثنين ثالث ذي الحجة سنة : - ٧٦٢ - اثنتين وستين
وسبعمائة بالقاهرة ، وأحضره والده على جماعة من الشيوخ ، ورحل به إلى دمشق
فأحضره بها على أعيان علمائها ، وأخذ عمن دَبَّ ودرج ، وكتب الطِّباق وضبطَ
الأسماء ، وتدرَّب بوالده في الحديث وفنونه ، وكذا في غيره من فقه وأصول وعربية
ومعان وبيان ، وبرع في جميع ذلك وشارك في غيرها من الفضائل ، وأَذِن له غيرُ
واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس ، واستمرّ يترقّى لمزيد ذكائه حتى ساد ، وأبدأ
وأعاد ، وظهرت نَجَابته ونباهته ، واشتهر فضله وبَهَر عقله، مع حسن خَلْقه
وخُلُقه ، وشرف نفسه ، وتواضعه ، وانجماعه ، وصيانته وديانته ، وأمانته ،
٣٦٥

فِي (( أَمَالِيهِ)) ،
وعقّته ، وضيق حاله وكثرةٍ عياله ، ودرَّس وهو شاب في حياة أبيه ؛ وقال أبوه مادحاً
لدروسه :
وَذَاكَ عِنْدَ أَبِيْهِ مُنْتَهَى أَرَبِةْ
دُرُوسُ أَحْمَدَ خَيْرٌ مِنْ دُرُوسِ أَبِهِ
وولي القضاء بعد موت والده ، فسار فيه أحسنَ سيرة ، بعقَّة ونزاهة ، وحرمة
وصرامة ، وشهامة ومعرفة ، وله مؤلفات كثيرة ، وأقرأ مصنَّّاته في حياته ، وكان
موتُه مبطوناً شهيداً آخر يوم الخميس سابع عشر من شعبان سنة ؛ - ٨٢٦ - ست
وعشرين وثمانمائة ، ثم دفن إلى جنب والده بتربته رحمه الله تعالى .
( فِي (( أَمَالِيْهِ)) ) - جمع إملاء ؛ وهو : من وظائف العلماء قديماً ، خصوصاً
الحفاظ من أهل الحديث في يوم من أيَّام الأسبوع يوم الثلاثاء ؛ أو يوم الجمعة ،
وهو المستحبُّ ، كما يستحبُّ أن يكون في المسجد لشرفهما(١) .
وطريقهم في الإملاء : أن يكتب المستملي في أوّل القائمة : هذا مجلس أملاه
شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا ، ويذكر التاريخ ، ثم يورد المملي بأسانيده
أحاديثَ وآثاراً ، ثم يفسِّرُ غريبَهما ويُورِدُ من الفوائد المتعلّقة بها بإسناد ؛ أو بدونه
ما يختاره ويتيسر له ، وقد كان هذا في الصدر الأول فاشياً كثيراً ، ثم ماتت الحُفَّاظ
وقلَّ الإملاء .
وقد شرع الحافظ السيوطيُّ في الإملاء بمصر سنة : - ٨٧٢ - اثنتين وسبعين
وثمانمائة ، وجدَّده بعد انقطاعه عشرين سنة ، من سنة مات الحافظ ابن حجر ، على
ما قاله فى ((المزهر)).
وكُتُب الأمالي كثيرة : منها أمالي أبي زرعة الوليِّ العراقي المذكورة ، وهي
تنوف عن ستمائة مجلس ، وقبلها أمالي ابن السَّمعاني ، وابن عساکر ، وابن دريد ،
وابن الشجري ، وابن الحاجب ، أمالي الحافظ السلامي ، أمالي المحاملي ، أمالي
(١) أي : شرف الجمعة وشرف المسجد .
٣٦٦

وَعَبَارَتُهُ : ( لَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ: وَهِيَ ( ثَلاَثٌ) فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبٍ
اُلْحَدِيثِ
بديع الزمان الهمذاني ، أمالي ثعلب ، أمالي الزمخشري ، أمالي الزجاج ، أمالي
الإمام الرافعي ، أمالي الإمام الشافعي ، أمالي شمس الأئمة السرخسي ، أمالي
الإمام أبي يوسف ، أمالي الحاكم أبي عبد الله ، أمالي قاضي خان ، أمالي القالي ،
أمالي القضاعي ، أمالي الحافظ ابن حجر العسقلاني ، وهذه الأمالي أغلبها في
الحديث ، وبعضها في النحو والعربية ، وبعضها في الفقه .
وقد كانت سُنَّةً الإملاء انقطعت بموت الحافظ ابن حجر وتلاميذه كالحافظين
السخاوي والسيوطي ، وبهما ختم الإملاء ، فأحياه بعد مماته نادرةُ الدنيا في عصره
ومصره ، الذي لم يأت بعد الحافظ ابن حجر وتلاميذه أعظم منه اطلاعاً ، ولا أوسع
رواية ، ولا أعظم شهرة ، ولا أكثر منه علماً بهذه الصناعة الحديثية ، الشيخ العلامة
الحافظ السيد محمد بن محمد مرتضى الزبيدي المتوفى سنة : - ١٢٠٥ - خمس
ومائتين وألف رحمه الله تعالى ، خِرِّيْت هذه الصناعة ، ومالك زمام تلك البضاعة ،
فأحيا إملاء الحديث على طريق السلف ، في ذكر الأسانيد والرُّواة والمخرجين من
حفظه على طرق مختلفة ، ووصلت أماليه إلى نحو أربعمائة مجلس ، كان يملي في
كل إثنين وخميس ، وقد جمع ذلك في مجلدات ، ذكر ذلك الحافظ السيد
عبد الحي الكتاني في كتاب ((فهرس الفهارس)) رحمهم الله تعالى . آمين .
(وَعِبَارَتُهُ) قال العلامة المحقق أحمد بن حجر الهيتمي المكي رحمه الله تعالى
في كتابه ((الحق الواضح)): المقرِّر الناقل متى قال ((وعبارته كذا )) تعيَّن عليه سوق
العبارة المنقولة بلفظها ، ولم يجز له تغيير شيء منها ، وإلاَّ كان كاذباً ، ومتى قال :
(( قال فلان)) كان بالخيار بين أن يسوق عبارته بلفظها ؛ أو بمعناها من غير نقلها ،
لكن لا يجوز له تغيير شيء من معاني ألفاظها ، انتهى نقله عنه في (( الفوائد
المكية)) .
( لَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ: وَهِيَ ((ثَلاَثٌ)) فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الحَدِيْثِ ) فليست
٣٦٧

وَهِيَ مُفْسِدَةٌ لِلْمَعْنَىِ؛ فَإِنَّ الصَّلاَةَ لَيْسَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا ، وَكَذَا صَرَّحَ
بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ ، كَمَا حَكَاهُ شَيْخُنَاَ - يَعْنِي الْحَافِظَ السَّخَاوِيَّ ...
مدرجة أيضاً ، كما زعمه من لا إِلمام له بالفن ، فالمدرج الملحَقُ بحديث من قول
راو بلا ظهور فصل .
( وَهِيَ مُفْسِدَةٌ لِلْمَعْنَى، فَإِنَّ الصَّلاَةَ لَيْسَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا. وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ )
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بهادر بدر الدين ( الزَّرْكَشِيُّ) بوزن : الجعفري ،
التركي الأصل المصري الشافعي المشهور ، العلامة المحقق الفقيه الأصولي
المتفنن ، المولود سنة : - ٧٤٥ - خمس وأربعين وسبعمائة ، والمتوفى سنة :
- ٧٩٤ - سبعمائة وأربع وتسعين - بتقديم المثناة على المهملة ...
له تصانيف كثيرة في عِدَّة فنون، منها ((البرهان في علوم القرآن))، و(( البحر
المحيط)) في الأصول، و((لقطة العجلان))، و((الديباج في توضيح المنهاج))،
و((الخادم شرح الروضة))، و((الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة))،
و((قواعد الفقه)) وغيرها، رحمه الله تعالى.
قال في ((الأحاديث المشتهرة)) له: لم يَرد فيه لفظ (( ثلاث)) وزيادته محيلةٌ
للمعنى ، فإن الصلاة ليست من الدنيا . (وَغَيْرُهُ) وكأنَّهم لم يعتبروا توجيه
الزمخشري وغيره بأنه من الطي ، لأنَّ إنَّما يصار إليه لو وجدت(١) ، أما حيث لم
توجد ؛ فلا داعي للتوجيه ، بل ذكر التوجيه والاعتناءِ به يوهم قاصرَ الباع في
الحديث ورودَها ؛ ( كَمَا حَكَاهُ ) ؛ أي : ما نقله عن الحافظ ابن حجر والوليِّ
العراقي والبدرِ الزركشي ( شَيْخُنَا - يَعْنِي) العلاَّمة ( الحَافِظَ ) أبا الخير محمد بن
عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الملقب (( شمس الدين ( أُلسَّخَاوِيَّ))) الأصل ،
نسبة لـ ((سَخَا)) : قرية غربي الفسطاط بمصر بلد آبائه ، القاهري المولد والنشأة ،
(١) أي لفظة ((ثلاث)) في الحديث.
٣٦٨

فِي ((الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ)) - وَأَقَرَّهُ) أَنْتُهَى.
وَأَنْكَرَهُ أَيْضاً أَبْنُ أَلْقَيِّمِ .
.
الشافعي المذهب ، الإمام شيخ الإسلام ، المؤرِّخ المحقّق الرَّحالة الناقد .
المولود بالقاهرة في شهر ربيع الأول سنة : - ٨٣١ - إحدى وثلاثين وثمانمائة ،
والمتوفى سنة : اثنتين وتسعمائة - بتقديم المثناة على السين - وقد تقدمت ترجمته
رحمه الله تعالی
(فِي) كتابه ( (( اُلمَقَاصِدِ الحَسَنَةِ ) في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على
الألسنة )) (وَأَقَرَّهُ ) قائلاً : ما رأيتُها في شيء من طرق الحديث بعد مزيد التفتيش ، وقال
في جزء ألَّفه في هذا الحديث : يمكن أن تكون الصلاة في أمور الدنيا بالنظر إلى اللذّة
الحاصلة لمُدِيْمها ؛ كما قال في ((الإحياء)): جعل الصلاة من جملة ملاذٌّ الدنيا، لأنَّ كلَّ
ما يدخل في الحس والمشاهدة ؛ فهو من عالم الشهادة وهو من الدنيا ، والتلذُّذ بتحريك
الجوارح بالسجود والركوع !! إنما يكون في الدنيا ؛ فلذا أضافها إليها ؛ انتهى .
(إِنْتَهَى )؛ أي كلام ((المواهب)) ممزوجاً بشيء من ((شرح الزرقاني)) عليها .
( وَأَنْكَرَهُ)؛ أي لفظ ((ثلاث)). ( أَيْضاً)؛ من آض إذا رجع ، وكلمة
((أيضاً )) لا تستعمل إلاَّ مع شيئين بينهما توافقٌ، ويمكن استغناءُ كلٍّ منهما عن
الآخر ، وهو مفعولٌ مطلقٌ حُذف عامله وجوباً ؛ سماعاً ، أو حال حُذف عاملها
وصاحُبها، والتقدير على الأول: ارجع إلى إنكار لفظ (( ثلاث)) رجوعاً، وعلى
الثاني: أنكر لفظ ((ثلاث)) راجعاً إلى الإنكار لها ثانياً.
قال الجلال الشُّيُوطي : وتوقَّف ابن هشام في عربيتها ، وظنَّ أنها مولَّدة من
استعمال الفقهاء ، وليس كما ظنَّ، فقد ثبتت عربيتها في الكلام الفصيح ، وساقَ
جملة من الأحاديث الدالّة على صِحَّة ما قاله ، فليراجعه مَن أراده .
( ابْنُ أَلْقَيِّمِ ) : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن جرير الزرعي
الدمشقي ، شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي ، العلامة الحافظ المجتهد
المصنّف المشهور البارع ، ولد سنة : - ٦٩١ - إحدى وتسعين وستمائة ، وأخذ عن
٣٦٩

والده والصفيِّ الهندي ، وابن تيمية ، وبرع في جميع العلوم ، وغلب عليه حبُّ ابنِ
تيمية ، حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله ، بل ينتصر له في جميع ذلك ، ومات
في شهر رجب سنة : - ٧٥١ - إحدى وخمسين وسبعمائة رحمه الله تعالى.
قال في ((زاد المعاد )): مَن رواه (( حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلاَثٌ)» فقد وَهِمَ ، ولم
يقل وَية ((ثلاث))، والصلاة ليست من أمور الدنيا حتى تضاف إليها. انتهى.
قال الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني المتوفى سنة : - ١١٦٢ - اثنتين وستين
ومائة وألف هجرية ، في كتابه « كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من
الأحاديث على ألسنة الناس)) ؛ بعد سَوْق ما تقدَّم عن ابن حجر والولي العراقي
والزركشي وابن القيّم ما نصُّه :
وأقول: في قولهم (( بل هي مفسدةٌ للمعنى ؛ كقول الزركشي زيادة ((ثلاث))
محيلة للمعنى .. الخ)) نظرٌ؛ وإن أقرُّوه، بل المحيل زيادة (( مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلاَثٌ))؛
لا لفظُ ((ثلاث)) فقط فتأمَّلْ.
وقال الجلال السيوطي في تخريج أحاديث (( الشفاء)) : أخرجه النسائي ،
والحاكم، عن أنس بدون (( ثلاث)). لكن عند أحمد ؛ عن عائشة رضي الله تعالى
عنها: كان يُعجِبُ رسولَ اللهِ وَّهِ من الدنيا ثلاثةُ أَشياء : النساءُ والطِّيبُ والطعامُ،
فأصاب اثنتين ؛ ولم يصب واحدة ، أصاب النساء والطيب ؛ ولم يصب الطعام ..
إسناده صحيح ، إلا أن فيه رجلاً لم يُسَمَّ . انتهى .
وأقول : يؤخَذُ منه أن الثالثة هي الطعام على فرض ثبوت ثلاثٍ فتأمَّل . انتهى
كلام العجلوني .
وقد ذَكَر لفظةَ (( ثلاث)) الإمامُ أبو بكر محمد بن الحسن بن فُؤْرَك الأصبهاني ،
الأصولي النحوي المتكلِّمُ الواعظ ، صاحب التصانيف القريبة من مائة المتوفى
سنة : - ٤٠٦ - ست وأربعمائة، وألف فيها جزءاً مفرداً، ووجَّهَها في هذا الجزء ،
٣٧٠

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الطِّبَ وَيَكْرَهُ الرَّائِحَةَ
الرَّدِيئَةَ .
وأطنب في ذلك ، ونقله عنه العلامة الحافظ السخاوي في جزئه الذي أَلَّفه في هذا
الحديث ، فليطلبه من أراد .
( وَ) قال الغزالي في ((الإحياء))، والشعراني في ((كشف الغمة)): ( كَانَ
رَسُوْلُ اللهِنِ يُحِبُّ الطَّيْبَ ) ، والروائح الطيبة؛ وإن كان هو طَيِّب الرائحة دائماً
- كما مرَّ - (وَيَكْرَهُ الرَّائِحَةَ الرَّدِيْئَةَ) ؛ لأنها تضرُّ بالروح وتحبُّها الشياطين ؛ عكس
الملائكة ، فإنها تحبُّ الرائحة الطيبة ، وقد سبق الكلامُ على حكمة محبته للطيب
وفوائده .
٣٧١

اَلْفَصْلُ السَّادِسُ
فِي صِفَةٍ صَوْتِهِ صَلَّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ : مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّ إِلَّ حَسَنَ الْوَجْهِ ،
حَسَنَ الصَّوْتِ ، وَكَانَ نَبِّكُمْ أَحْسَنَهُمْ وَجْهاً ، وَأَحْسَنَهُمْ صَوْتاً .
( الْفَصْلُ السَّادِسُ )
من الباب الثاني
(فِي) بيان ما ورد في (صِفَةِ صَوْتِهِ) الشريف (أَلّر )،
وقد كان صوتُه على غاية من الحسن والسَّعة ؛ كما صرَّحت به الأحاديثُ ؛
فقد روى الترمذيُّ في ((جامعه))، والدارقطني ؛ من حديث قتادة ( عَنْ أَنَسٍ
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) ؛ أي : موقوفاً : ( مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً إِلاَّ) - وقد خلقه ۔ ( حَسَنَ
أُلوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ . ) ليدلَّ حسنُ ظاهره على حُسْنٍ باطنه ، إذ الظاهر عنوان
الباطن ، ( وَكَانَ نَبِيِّكُمْ) من ابتداء وجوده وخلقته ( أَحْسَنَهُمْ ) ؛ أي : الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام ( وَجْهاً ، وأَحْسَنَهُمْ صَوْتاً ) ، فحسن الوجه يدلُّ على كمال
الخَلْقِ والخُلُق ؛ لأَنَّ الظاهر عنوان الباطن ؛ كما قيل :
يَدُكُّ عَلَىْ مَعْرُوفِهِ حُسْنُ وَجْهِهِ وَمَا زَالَ حُسْنُ الوَجِهِ أَهْدَىْ الدَّلائِلِ
وقال آخر في ضدِّ ذلك :
يَدُكُ عَلَىْ قُبْحِ الطَّرِيَّةِ مَا تَرَى بِصَاحِبِها مِنْ قُبْحِ بَعْضِ مَلاَمِحِةْ
وحُسن الصوت بكونه جَهْوَريَّا يُسمع من بعيد ؛ مع لطف فيه يدرَكُ بالذوق ،
ولا يلزمه كونه على رسم الموسيقى. وهذا يدلُّ على أنه ◌ّ كان أجمل من يوسف
وأحسنَ صوتاً من داود عليهم الصلاة والسلام ، باعتبار الصَّبَاحة والملاحة وزيادة
البلاغة والفصاحة، وكانت قراءته وَ ل﴿ في بيته ليلاً تُسمع عند الكعبة، وفيما بَعُدَ من
٣٧٢

وَكَانَ صَوْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْلُغُ حَيْثُ لاَ يَبْلُغُهُ
صَوْتُ غَيْرِهِ . فَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فِي خُدُورِ هِنَّ .
منازل المدينة ، وقد أعطى الله نبينا محمَّداً وَ ﴿ كمالَ الجلال والجمال من تمام
الصباحة ؛ فما رآه أحد إلاَّ هابه، ومن تمام الملاحة ؛ فما رآه أحد إِلاَّ أحبَّه:
مُنَزَّةٌ عَنْ شَرِيكٍ فِي مَحَاسِنِهِ فَجَوْهَرُ الحُسْنِ فِيهِ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ
وأما قوله في حديث المعراج في يوسف : ((فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ [ أَحْسَن ] مَا خَلَقَ
اللهُ، قَد فَضَلَ النَّاسَ بِالحُسْنِ، كَالقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ اٌلْكَوَاكِبِ » رواه
البيهقي، والطبراني، وابن عائذ !! فيحمل على أن المراد غير النبي ◌َّهِ .
ويؤيِّدُه القولُ بأن المتكلِّم لا يدخل في عموم خطابه ، وقوله في رواية مسلم :
((فَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ )) !! حمله ابن المنيّر على أن المرادَ أُعطي شطر
الحسن الذي أُوتِيَه نبينا وَلِ .
قال السخاوي في كتاب ((الامتنان )): وقد سئل الجلال المحلي رحمه الله تعالى
عن حديث ( أُعطي نبيِّنا جميع الحسن . ويوسف شطره ) !! فقيل : كيف يكون
الشيء الواحدُ جميعه في شيء ونصفه في آخر !؟ فقال : لم يظهر لي جوابه ، وكذا
قال ابن حجر رحمهم الله تعالى ؛ نقله عنه الشهاب الخفاجي في (( شرح الشفاء)).
قال في ((المواهب)): ( وَكَانَ صَوْتُ رَسُوْلِ اللهِ نَّهِ يَبْلُغُ حَيْثُ) - أي:
مكاناً - (لاَ يَبْلُغُهُ صَوْتُ غَيْرِهِ)، و((حيث)) هنا بمعنى المكان مجرّدةٌ عن الظرفية .
( فَعَنِ الْبَرَاءِ) - بتخفيف الراء - ( قَالَ: خَطَبَنَا رَسُوْلُ اللهِنَِّ ) فعلا صوته
( حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ ) جمع عاتق ؛ وهي : الشابَّة أوَّلَ ما تُدرِك . وقيل : التي لم
تَبِّن من والديها، ولم تتزوَّج ؛ وقد أدركتْ وشبَّت، وتجمع أيضاً على عُثَّق ؛ كما
في (( النهاية)). وخَصَّهُنَّ بالذِّكر !! لبُعْدِهِنَّ واحتجابهن في البيوت، فسَمَاعُهُنَّ آيَة
علوٍّ صوته زيادةً على غيره ( فِي خُدُورِهِنَّ ) جمع خِذْر ؛ أي : ستر ، ويطلق على
٣٧٣

وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبُرِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: ((إِجْلِسُوا))،
فَسَمِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَهُوَ فِي بَنِي غَنْمٍ ، فَجَلَسَ فِي مَكَانِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذِ التَّيْمِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: خَطَبَنَا
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنِىَ، فَفَتَحَ اللهُ أَسْمَاعَنَا، حَتَّى إِنْ كُنَّأَ
البيت إن كان فيه امرأة ، وإلاَّ فلا . رواه البيهقي .
( وَ) أخرج أبو نعيم: (قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: جَلَسَ رَسُوْلُ
اللّهِوَّهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ؛ فَقَالَ لِلنَّاسِ ((اجْلِسُوا)).
فَسَمِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ ) بن ثعلبة بن امرىء القيس بن عمرو بن امرىء القيس
الأكبر بن مالك الأعز بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج
الأنصاري الحارثي المدني رضي الله تعالى عنه - تقدمت ترجمته -.
( وَهُوَ فِي بَنِي غَنْم ) - بغين معجمة مفتوحة فنون ساكنة فميم آخرة ، : بطن من
الخزرج بالمدينة - ( فَجَّلَسَ فِي مَكَانِهِ )؛ مبالغةً في الامتثال لأمره وَِّ، مع أنَّه ليس
مأموراً بذلك ، إذ قصدُه أمرُ الحاضرين للخطبة بالجلوس .
( وَ) أخرج ابن سعد: ( قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذِ ) بن عثمان بن عمرو بن
كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي ( التَّيْمِيُّ ) ابن عمِّ طلحة بن
عبيد الله، قال البخاري وغيرهُ: له صحبةٌ. وعَدَّه ابن سعد من مُسلِمة الفتح(١)
( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: خَطَبَنَا رَسُوْلُ اللهِنَّهِ بِمِنَى، فَفَتَحَ اللهُ أَسْمَاعَنَا ) بأن خلق الله
فيها قوَّة سَمْعِ زيادة على معتادها ، فكأنها كانت مغلقةً ففتحت ؛ فشبَّه الأسماع
بأبواب مغلقة ، وأثبت لها الفتحَ تخييلاً ؛ فهو استعارةٌ بالكتابة تخییلیة ( حَتَّى ) غاية
لمقدر ؛ أي : فقويت حتَّى (إِنْ كُنَّا ) - مخففة من الثقيلة ، بدليل اللام في
(١) أي الذين أسلموا في فتح مكة .
٣٧٤

لَنَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا .
وَعَنْ أُمِّ هَانِىءٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّا نَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَأَنَا عَلَى عَرِيشِي .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ .. أُشْتَدَّ غَضَبُهُ
وَعَلاَ صَوْتُهُ ،
- ( لَنَسْمَعُ مَا يَقُوْلُ؛ وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا) وأخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ،
والنسائي بلفظ: ((ففتحت أسماعنا)) بدل قوله: ((ففتح الله أسماعنا )).
( وَ) أخرج ابن ماجه؛ (عَنْ أُمِّ هَانِىءٍ ) بنتِ أبي طالب واسمها : فاختة ،
وهي شقيقة الإمام علي كرَّم الله وجهه - وقد مرَّت ترجمتها - ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا ؛
قَالَتْ: كُنَّا نَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَِّّ وَّهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ عِنْدَ الكَعْبَةِ ) - متعلق بـ(( قراءة )) -
( وَأَنَا عَلَى عَرِيْشِيْ) ؛ أي: سريري، وحَمْلُه عليه أبلغ من سقف بيتي ، كما هو
أحد معاني العريش كالعرش ؛ كما في ((القاموس)) ، فسماعُها له وهي على سريرها
داخلَ بيتها البعيد عن محلِّ القراءة دليلٌ على قوَّته .
وفي ((الصحيحين))؛ عن البراء: قرأنَّ في العشاء ﴿ وَأَلِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾﴾ فلم
أسمع صوتاً أحسنَ منه . وروى أبو الحسن بن الضحاك ؛ عن جبير بن مطعم رضي
الله تعالى عنه قال: كان ◌َله حسن النغمة .
( وَ) أخرج مسلم ؛ عن جابر بن سمرة ، وابنُ ماجه ، وابن حبان ، والحاكم؛
عن جابر رضي الله تعالى عنهما: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ إِذَا خَطَبَ ) ؛ أي : وعظ
( أَشْتَدَّ غَضَبُهُ) لله سبحانه وتعالى على مَن خالف زواجره . قال القاضي عياض :
يعني بشدَّته : أَنَّ صفَتَه صفةُ الغضبان ، وهذا شأن المنذِر المخوِّف ، ويحتمل أنَّه
لنهي خولف فيه شرعه ، وهكذا تكون صفةُ الواعظ مطابقةً لما يتكلّم به . وقال
النووي : أو كان عند إنذاره أمراً عظيماً. زاد في رواية : وَأَحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ .
( وَعَلاَ صَوْتُهُ) ؛ أي : رفع صوته ليؤثر وعظه في خواطر الحاضرين حتَّى
٣٧٥

كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ : صَبَّحَكُمْ وَمَسَّكُمْ .
( كَأَنَّهُ مُنْذِرُ) : محذِّر ( جَيْشٍ ) ؛ أي : كمن ينذر قوماً من جيشٍ عظيم قصدوا
الإغارة عليهم ، فإنَّ المنذِرَ المعلم يعرِّفُ القوم بما يَذْهَمُهم من عدوّ ؛ أو غيره ،
وهو المخوِّف أيضاً حال كونه ( يَقُوْلُ: صَبَّحَكُمْ) - بفتح الصاد والباء المشدَّدة -
أي : أتاكم الجيش وقت الصباح ( وَمَسَاكُمْ) - بالفتح - مثقَّلاً ؛ أي : أتاكم وقت
المساء .
قال الطِّيبي : شبَّه حالَه في إنذاره وخطبته بقرب يوم القيامة ، وتهالك الناس
فيما يُرَادُ بِهِمْ بحال من يُنذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة
بهم ؛ بغتة بحيث لا يفوته منهم أحد ، فكما أن المنذِرَ يرفع صوتَه وتحمُ عيناه
ويشتدُّ غضبه على تغافلهم؛ فكذا حاله وَّهِ عند الإنذار، وفيه أنَّه يسنُ للخطيب
تفخيمُ أمرِ الخطبة ورفعُ صوته وتحريك كلامِه ، ويكون مطابقاً لما تكلّم به من
ترغيب وترهيب .
قال في ((المطامح)): فيه دليل على إغلاظ العالِم على المتعلّم ، والواعظ على
المستمع وشدَّة التخويف .
ثم هذا قطعةٌ من حديث ، وبقيته عند ابن ماجه وغيره : ويقول : (( بُعِثْتُ أَنَا
وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ )) ، وَيَقْرُنُ بين أَصابعه السََّّابةِ والوسطى. ثم يقول: ((أَمَّا بَعْدُ ؛
فَإِنَّ خَيْرَ الأُمُورِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ أَلَهَذْىِ هَذْيُ مُحَمَّدٍ نَّهِ، وَشَرُّ الأُمورِ
مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَاَلَةٌ)). انتهى (( مناوي وزرقاني)) .
٣٧٦

الفَصْلُ السَّابِعُ
فِي صِفَةٍ غَضَِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُرُورِهِ
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَ .. يُرَىُ رِضَاهُ
وَغَضَبُهُ فِي وَجْهِهِ لِصَفَاءِ بَشَرَتِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَ .. أَحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ.
( اُلْفَضْلُ السَّابِعُ ) ؛
من الباب الثاني
( فِي) بيان ما ورد في (صِفَةِ غَضَبِهِ بَّهُ وَ) في صفة ( سُرُؤْرِهِ ) ،
أما غضبُه فقد ذكر العارف الشعراني في كتاب ((كشف الغمة)): أنّه ( كَانَ
رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا غَضِبَ) لله تعالى ( يُرَىْ رِضَاهُ وَغَضَبُهُ) ؛ أي : أثرُهما ( فِي
وَجْهِهِ ) الشريف ( لِصَفَاءِ بَشَرَتِهِ) - محرَّكة -: ظاهرُ الجلد، لأنَّهَ وَلّ لطيف الظاهر
والباطن ، وهو علامةُ اعتدال المزاج .
روى أبو الشيخ في (( كتاب أخلاق النبي ◌َّرِ))؛ من حديث ابن عمر رضي الله تعالى
عنهما: كان رسول الله ◌َ لا يُعرَفُ رضاه وغضبه بوجهه ... الحديث، وإسناده ضعيف.
( وَ) أخرج الطبرانيُّ في ((الكبير))؛ عن ابن مسعود، وعن أم سلمة رضي الله
عنها : ( كَانَ) رسولُ الله (﴿ إِذَا غَضِبَ أَحْمَرَّتْ وَجْتَتَاهُ) تثنية وجنة ؛ وهي
ما ارتفع من لحم الخدِّ ، والجمع وَجَنات ؛ مثل سَجْدة وسَجَدات ، وهذا لا ينافي
ما وصفه الله به من الرأفة والرحمة ، لأنَّه كما أنَّ الرحمة والرِّضا لا بدَّ منهما
الاحتمن إليهما ؛ كذلك الغضب في حَيِّرَه وأوانه ووقته وإبَّانه، قال تعالى ﴿وَلَا
تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اللّهِ﴾ ٢٦/ النور، وقال ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [٢٩/ الفتح] ،
فهو إذا غضب إنما يغضب إش راق نور الله على قلبه ؛ ليقيم حقوقه وينفِّذَ أوامره ،
وليس هو من قبيل العلو في الأرض ، وتعظيم المرء نفسه ، وطلب تفرّدها
بالرناس ، ونفاذ الكلمة في شيء .
٣٧٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَ وَهُوَ قَائِمٌ .. جَلَسَ، وَإِذا
غَضِبَ وَهُوَ جَالِسٌ .. أَضْطَجَعَ ، فَيَذْهَبُ غَضَبُهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَضِبَ .. لَمْ يَجْتَرِىءْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلاَّ
عَلِيٍّ. وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْعَدَ النَّاسِ غَضَباً، وَأَسْرَعَهُمْ رِضاً .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْضَبُ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلاَ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ .
( وَ) أخرج أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب ((ذم الغضب))؛ عن أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ) رسول الله (ِّهِ إِذَا غَضِبَ وَهُوَ قَائِمٌ جَلَسَ، وَإِذَا غَضِبَ وَهُوَ جَالِسٌ
أَضْطَجَعَ ) ، لأن ذلك أبعدُ عن المسارعة إلى الانتقام ؛ وأسكن للحدَّة، ( فَيَذْهَبُ
غَضَبُهُ) وهو تعليم الأُمَّة، وإلا فغضبه وَلّ الله تعالى فلا ينبغي تسكينه ، وكان تارة
يتوضَّأُ لإطفاء الغضب .
( وَ) أخرج أبو نعيم في ((الحلية))، والحاكم في ((المستدرك))؛ وقال:
صحيح ، والطبراني بزيادةٍ ؛ كلُّهم عن أمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : ( كَانَ )
رسول الله (َّ﴿ إِذَا غَضِبَ لَمْ يَجْتَرِىءْ) - بسكون الهمزة - (عَلَيْهِ أَحَدٌ). زاد
الطبراني : أن يكلمه ( إِلاّ) أمير المؤمنين ( عَلِيُّ ) بنُ أبي طالب ، لما يعلمه من
مكانته عنده وتمكّن ودِّه من قلبه بحيث يحتمل كلامه في حال الحِدَّة ، فأعظمْ بها
منقبة للإمام علي تفرَّد بها عن غيره .
( وَ) في ((الإحياء)) و((كشف الغُمَّة)): (كَانَ) رسول الله (ٍِّ أَبْعَدَ أُلنَّاسِ
غَضَباً ، وَأَسْرَعَهُمْ رِضاً) . هذا من المعلوم .
ويدلُّ على ذلك إخباره بَّرِ: أنَّ بني آدم خيرُهم بطيُ الغضب سريعُ الفيء.
رواه الترمذي ؛ من حديث أبي سعيد الخدري ، وقال : حديث حسن ، وهو ◌َّ
خيرُ بني آدم وسيِّدهم .
(وَ) في ((كشف الغمة)) ((كالإِحياء)): (كَانَ) رسول الله (وَلِّ يَغْضَبُ لِرَبِّهِ عَزَّ
وَجَلَّ)، ولا يغضبُ لأجل الدنيا، لعدم نظره إليها ومبالاتِه بها، (وَلاَ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ) ،
٣٧٨

وَكَانَ يُنَفِّذُ أَلْحَقَّ وَإِنْ عَادَ ذَلِكَ بِالضَّرَرِ عَلَيْهِ وَعَلَىْ أَصْحَابِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَرِهَ شَيْئاً . . عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ .
ولا ينتصر لها ، بل يعفو عن المعتدي عليه ؛ لكمال حُسن خُلُقُه ، فلم يبقَ فيه حظّ
من حظوظ الدنيا وشهواتها وإراداتها ، بل تمخَّضت حظوظُه وأغراضه وإرادته لله
سبحانه وتعالى ، فهو مُعرضٌ عن حقوق نفسه ؛ قائم بحقوق ربه .
قال العراقي : رواه الترمذي في (( الشمائل))؛ من حديث هند بن أبي هالة ،
وفيه : وكان لا تُغضبه الدنيا وما كان منها ، فإذا تُعُدِّيَ الحقُّ لم يقم لغضبه شيءٌ
حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ؛ ولا ينتصر لها. وفيه راوٍ لم يُسمَّ . انتهى ؛
نقله شارح (( الإحياء)).
( وَ) فيهما أيضاً: (كَانَ يُنَقِّذُ) - بالفاء المشددة والذال المعجمة - ( أُلحَقَّ؛
وَإِنْ عَادَ ذَلِكَ بِالضَّرَرِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ ) ، أشار به إلى قصَّة أبي جندل بنِ
سهيل بن عمرو ، وهي عند البخاري في قصَّة الحديبية ، وذكرها في (( الشروط))
مطوّلة ؛ كذا وجد بخطِّ الحافظ ابن حجر في طُرَّة كتاب شيخه ، وقد أغفله
العراقي؛ قاله في (( شرح الإِحياء)).
( وَ) روى الطبراني في ((الأوسط)) - بإسنادين؛ رجال أحدهما رجال
الصحيح - عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ؛ قال :
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا كَرِهَ شَيْئاً عُرِفَ) - رواية الطبراني: رُؤي - ( ذَلِكَ
فِي وَجْهِهِ ) الشَّريف ، لأنَّ وجهه ؛ كالشمس والقمر ، فإذا كره شيئاً كَسَا وجهَه ظلٌّ
كالغيم على النَّرين ، فكان لغاية حيائه لا يصرِّحُ بكراهته ، لأنه لا يواجه أحداً بما
يكره ، بل إنما يُعرَف في وجهه .
وهذا الحديث أصلُه في (( الصحيحين))؛ من حديث أبي سعيد الخدري
رضي الله تعالى عنه ، ولفظه: كان أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها ، فإذا رأى شيئاً
يكرهُهُ عرفناه في وجهه . ذكره المناوي .
٣٧٩

وَأَمَّا سُرُورُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ . . أَسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ .. فكَأَنَّ وَجْهَهُ الْمِرْآَةُ، وَكَأَنَّ
الْجُدُرَ یُرَیُ شَخْصُهَا فِيهِ .
(وَأَمَّا سُرُؤْرُ رَسُوْلِ اللهِنَّرِ)؛ أي: فرحه بشيء !! (فَقَدْ) روى البخاريُّ
ومسلمٌ ؛ من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال :
( كَانَ ) رسول الله (بِّهِ إِذَا سُرَّ أَسْتَنَارَ وَجْهُهُ) ؛ أي: أضاء ورُثِيَ فيه البِشْر
( كَأَنَّهُ) أي : الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو جبينه ( القَمَرُ)؛ في الإشراق
والاستنارة، ورواية (( الصحيحين)): قطعةُ قمر .
وكأنَّ المصنَّ حَذف لفظة (( القطعة)) جرياً على عادة البلغاء من تشبيه الوجه
بالقمر بغير تقييد بقطعة . وكعب بن مالك قائلُ هذا من شعراء الصحابة الفصحاء
البلغاء ، فلا يَعدِلُ عن المتعارف بينهم إِلاَّ لسبب ، فلا بدَّ للتقييد بذلك من حكمة .
ووجهُ العدول ؛ - كما قال البلقيني - : أنَّ القمر فيه قطعةٌ يظهر فيها سواد ؛
وهو المسمى بالكَلَف ، فلو شَبَّه بالمجموع لدخلت هذه القطعة في المشبّه به ،
وغرضُه إنما هو التشبيه على أكمل الوجوه، فلذا قال: كأنه (قطعةُ قمر)) يريد
القطعة الساطعة الإشراق الخالية من شوائب الكدر . انتهى .
( وَ) في ((المواهب اللدنية))؛ نقلاً عن ((النهاية)) لابن الأثير:
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا سُرَّ فَكَأَنَّ) - بتشديد النون - ( وَجْهَهُ أُلمِرْآةٌ ) التي
ترى فيها صور الأشياء ، وهي ممدودةٌ على وزن : مفتاح ، جمعها مَراءٍ ؛ على وزن
جَوارٍ وغَواشٍ؛ كما في ((المصباح)).
( وَكَأَنَّ) - بتشديد النون - (ألجُدُرَ ) - بضمتين جمع جدار - ؛ وهو الحائط
تلاحك وجهه ، والملاحكة : شدَّة الملاءمة؛ أي ( يُرَى شَخْصُهَا ) - أي : الجدر -
(فِيْهِ) أي: في وجهه وَّهِ لشدّة ضيائه وصفائه، والله أعلم.
٣٨٠