Indexed OCR Text

Pages 301-320

وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ ( يَجْلُو الْبَصَرَ ): وَهَذَا إِذَا أَكْتَحَلَ بِهِ مَنِ اعْتَادَهُ ،
فَإِنِ أَكْتَحَلَ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ . . رَمِدَتْ عَيْنُهُ .
الإِثمد شبية بحجر الكحل . انتهى كلام ((شرح القاموس)).
( وَقَالَ) ؛ أي: الباجوري ( بَعْدَ قَوْلِهِ (( يَجْلُو أَلْبَصَرَ ) ويُنْبِتُ الشَّعَرَ )) ؛ أي :
يقوِّي البصر، ويقوي طبقات شعر العينين التي هي الأهدابُ. (وَهَذَا إِذَا أَكْتَحَلَ بِهِ
مَنِ أَعْتَادَهُ ، فَإِنِ أَكْتَحَلَ بِهِ مَنْ لَّمْ يَعْتَدْهُ ! رَمِدَتْ عَيْنُهُ) ؛ أي : أصابها الرمد .
٣٠١

اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ
فِي صِفَةٍ شَعَرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَبِهِ ، وَخِضَابِهِ ،
( الفَصْلُ الثَّالِثُ ) ؛
من الباب الثاني
(فِيْ) بيان ما ورد في (صِفَةٍ شَعَرِهِ وََّ) ؛
أي : مقداره طولاً وكثرةً وغير ذلك، والشَّعْرُ - بسكون العين وفتحها -:
الواحدة منه شَعْرة -؛ بسكون العين ، وقد تفتح .
واعلم أنَّ الشعر حيث جاء بدون تاء ؛ فهو بفتح العين وتسكَّن ، وإذا جاء بالتاء
فهو بسكونها وتفتح ؛ قاله في (( جمع الوسائل)) . وقال ابن العربي: والشَّعر في
الرأس زينة، وتركُه سنّةً، وحلقُه بدعة؛ قال بعض شُرَّاح ((المصابيح)): لم يحلق
النبي ◌َّه رأسه في سِنِيِّ الهجرة إِلاَّ في عام الحديبية، وعمرة القضاء، وحجَّة
الوداع ، فليعتبر الطول والقصر منه بالمسافات الواقعة منه في تلك الأزمنة ،
وأقصرُها ما كان بعد حجة الوداع ، فإِنَّه توفِّي بعدها بنحو ثلاثة أشهر ، ولم يقصِّر
شعره إِلاَّ مرة واحدة؛ كما في ((الصحيحين))، انتهى ((مناوي وباجوري)).
( وَ) في بيان ما ورد في (شَيْبِهِ) وَلِّ
من الأخبار . والشَّيْب : ابيضاض الشعر المسْوَدِّ؛ كما في ((المصباح))،
ويؤخذ من ((القاموس)): أنه يطلق على بياض الشعر وعلى الشعر الأبيض .
( وَ) في بيان ما ورد في (خِضَابِهِ) إِليه
من الأخبار ، والخضاب ؛ كالخضب مصدرٌ بمعنى : تلوين الشعر بالحناء
ونحوه ، وهو عندنا - معاشر الشافعية - بغير السواد سُنَّةً ، وبالسواد حرامٌ . يدلُّ
لنا :
٣٠٢

وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ
كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجْلَ الشَّعَرِ حَسَنَهُ ، لَيْسَ ..
١ - ما في ((الصحيحين)): لَمَّا جيء بأبي قحافة يومَ الفتح للنبي وَّر؛ ولحيتُه
ورأسه كالثُّعامة بَيَاضاً؛ فقال: ((غَيِّرُوا هُذَا بِشَيْءٍ وَأَجْتَنِبُوا السَّوَادَ)).
و٢ - ما في ((الصحيحين)) أيضاً؛ عن ابن عمر أنَّه رأى النبي ◌َّ يصبغ
بالصفرة . زاد ابن سعد وغيرُه ؛ عن ابن عمر أنه قال : فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبِغَ بِهَا .
و٣ - ما رواه أحمد، وابن ماجه ؛ عن ابن وهب قال : دخلنا على أمّ سلمة
فأخرجت إلينا من شعر النبي ◌َّر، فإذا هو مخضوبٌ بالحِنَّاء والكَتَم .
وعن أبي جعفر قال: شَمَط(١) عارضا رسول الله وَل﴿ فخضب بحِنَاء وكَتَم .
وعن عبد الرحمن الثمالي قال: كان رسول وَّه يغيِّر لحيته بماءِ السِّدر ، ويأمر
بتغيير الشعر ؛ مخالفة للأعاجم .
وفي حديث أبي ذر: ((إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ الحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ)) أخرجه الأربعة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: دخل رجل على النبي ◌ِِّ وهو أبيضُ الرأس
واللحية، فقال: ((أَسْتَ مُؤْمِناً))؟! قال: بلى !. قال: ((فَأَخْتَصِبْ)). لكن
قيل: إنه حديث منكر، ولا يعارض ذلك ما ورد: أنَّهِ وَّه لم يغيِّر شيبَه، لتأويله
- جمعاً بين الأخبار - بأنه وَّ صَبَغ في وقت وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كلٌّ
بما رأى ، وهذا التأويل كالمتعيِّن ؛ كما قاله ابن حجر ، انتهى ؛ من الباجوري
رحمه الله تعالى . ( وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ) من الترجيل والادِّهان والتقنُّع ونحوها !!
قال العلاَّمة حُجَّة الإِسلام الغزاليُّ في ((الإِحياء)): (كَانَ رَسُوْلُ اللهَِهِرَجْلَ )
- بسكون الجيم وكسرها ـ ( الشَّعَرِ ) - بفتح العين - أي: مسترسله ( حَسَنَهُ ؛ لَيْسَ
(١) أي : ابيضًا شيباً .
٣٠٣

بِالسَّبْطِ وَلاَ الْجَعْدِ الْقَطِطِ، وَكَانَ إِذَا مَشَطَهُ بِالْمُشْطِ .. يَأْتِي كَأَنَّهُ
حُبُكُ الرَّمْلِ ، وَرُبَّمَا جَعَلَهُ غَدَائِرَ أَرْبَعاً؛ يُخْرِجُ كُلَّ أُذُنٍ مِنْ بَيْنٍ
غَدِیرَتَیْنِ ،
بالسَّبْطِ ) - بسكون الباء وكسرها -، (وَلا أُلجَعْدِ القَطَطِ ) - بفتحتين كجسد ؛ على
الأشهر، ويجوز كسر الطاء المهملة الأولى، - أي: شعره وَلّ ليس بنهاية في
الجعودة ؛ وهو : تكشُّره الشديد ؛ كشعر الحبش والزنوج ، ولا بنهاية في
السبوطة ؛ وهو عدم تكشُّره أصلاً كشعر الهنود والجاوة ، بل كان وسطاً بينهما ،
و(( خير الأمور أوساطها)).
قال الزَّمخشري : الغالبُ على العرب جعودة الشعر ، وعلى العجم سُبُوطته .
وقد أحسن الله تعالى برسوله الشمائل ، وجمع فيه ما تفرّق في الطوائف من
الفضائل .
رواه البخاريُّ، ومسلم، والبيهقي في (( الدلائل)) ؛ عن أنس رضي الله تعالى
عنه .
( وَكَانَ إِذَا مَشَطَهُ بِالْمُشْطِ ) - بضم الميم - أي: سرَّحه به ( يَأْتِي كَأَنَّهُ حُبُكُ )
- بضم الحاء المهملة والباء الموحدة - وهي : طرائق ( أُلرَّمْلٍ ) .
وهذا يؤيِّد مَن فَسَّر الرَّجْل بالمتكسِّر قليلاً ، ولا ينافي ذلك ما تقدَّم من
الروايات ، لأنَّ الرُّجولة أمرٌ نسبيِّ، فحيث أُثبتت أُريد بها الوسط بين السبوطة
والجعودة ، وحيث نُفيت أُريد بها السُّبُوطة؛ انتهى (( شرح الإحياء)) مع زيادة .
( وَرُبَّمَا جَعَلَهُ غَدَائِرَ أَرْبَعاً؛ يُخْرِجُ كُلَّ أُذُنٍ مِنْ بَيْنِ غَدِيْرَتَيْنِ ) .
قال العراقيُّ : رَوَى أبو داود ، والترمذي وحسَّنه ، وابن ماجه ؛ من حديث أُمّ
هانىءٍ : قَدِم مكَّة ؛ وله أربع غدائر . انتهى .
قلتُ: ورواه البيهقي في ((الدلائل))؛ من طريق سفيان ؛ عن ابن أبي نجيح ؛
عن مجاهد قال : قالت أم هانىء: قدم رسول الله ◌َ في مكّة قدمة ؛ وله أربع غدائر .
٣٠٤

وَرُبَّمَا جَعَلَ شَغَرَهُ عَلَى أُذُنَّهِ ؛ فَتَبْدُو سَوَالِفُهُ تَتَلأْلأُ .
وَمَعْنَى ( الْغَدَائِرِ ): الذَّوَائِبُ، وَاحِدَتُهَا غَدِيرَةٌ .
وَ( الْحُبُكُ ) - جَمْعُ حِبَاكِ - كَكِتَابٍ، وَهِيَ: الطَّرِيقَةُ فِي الرَّمْلِ
وَنَحْوِهِ. وَكَانَ شَغَرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ الْجُمَّةِ ،
وَفَوْقَ الْوَفْرَةِ.
تعني: ضفائر، والغديرة والضفيرة: هي الذؤابة. ولفظ الترمذي في ((الشمائل)).
قدم مكة قدمة ؛ وشعره إلى أنصاف أُذنيه ، وله أربع غدائر .
والظاهر أنها عَنت قدومه مكَّة عامَ الفتح ، لأنه حينئذ اغتسل وصلَّى الضحى في
بيتها ، وقدماته إلى مكة أربعٌ متَّفقٌ عليها : ١ - في عمرة القضاء، و٢ - الفتح ،
و٣ - لما رجع من حنين ؛ دخلها حين اعتماره من الجِعْرَانة، و٤ - في حِجَّة الوداع .
( وَرُبَّمَا جَعَلَ شَعْرَهُ عَلَى أُذُنَيَّهِ فَتَدُوْ سَوَالِفُهُ) ؛ جمع سالفة ؛ وهي : صفحة
العنق ( تَتَلأْلأُ) ؛ أي: تضيءُ وتتنوَّر من وبيص الطِّيب . (وَمَعْنَىْ أُلغَدَائِرِ) - بفتح
الغين المعجمة والدال المهملة -: ( الذَّوَائِبُ ) ؛ جمع ذؤابة ؛ وهي الخَصلة من
الشعر إذا كانت مرسلة ، فإن كانت ملوِيّة فعقيصة، والغدائر: (وَاحِدَتُّهَا غَدِيْرَةٌ ) ،
وكلٌّ من الغديرة والضفيرة بمعنى الذؤابة ، ويقال : الغديرة : هي الذؤابة ،
والضفيرة : هي العقيصة .
( وَأَلْحُبُكُ ) - بضمتين - ( جَمْعُ ) : حبيكة ؛ كطريقة وطُرُق ، أو جمع ( حِبَادِ
كَكِتَابٍ ) وكُتُب ، ومِثَال ومُثُل ؛ ( وَهِيَ: الطَّرِيْقَةُ فِي الرَّمْلِ وَنَحْوِهِ ) ، ومنه قوله
تعالى ﴿وَالسَّمَلِ ذَاتِ الْحُكِ ﴾﴾ [الذاريات] أي: صاحبة الطرق في الخِلقة كالطرق في الرمل .
( وَ) روى أبو داود في ((سننه))، وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها
قالت : ( كَانَ شَعَرُ رَسُوْلِ اللهِنَّهَ دُوْنَ الجُمَّةِ) - بضم الجيم وتشديد الميم - ( وَفَوْقَ
الوَفْرَةٍ) - بفتح الواو وسكون الفاء - ورواه الترمذي في ((جامعه)) و(( شمائله)»
بلفظ : فوق الجُمَّة ودون الوَفْرة .
٣٠٥

قال الحافظ العراقي في (( شرح الترمذي )) : ورواية أبي داود وابن ماجه هي
الموافقةُ لكلام أهل اللغة ، إِلا أَنْ تُؤَوَّلَ روايةُ الترمذي . وذلك أَنَّه قد يُراد بقوله
(( دون)) النسبة إلى القلّة والكثرة، وقد يراد به النسبةُ إلى محلِّ وصول الشعر،
ورواية الترمذي محمولةٌ على هذا التأويل : أي : أنَّ شعره كان فوق الجُمَّة ، أي :
أرفعَ في المحلِّ ، فعلى هذا يكون شعره لِمَّة ؛ وهو بين الوَفْرة والجُمَّة . وتكون
رواية أبي داود وابن ماجه معناها : كان شعرُه فوقَ الوَفْرة ؛ أي : أكبر من الوفرة ،
ودون الجُمَّة ؛ أي في الكثرة ، وعلى هذا فلا تعارض بين الروايتين ، فروی کُّ راوٍ
ما فهمه من الفوق والدون .
قال تلميذه الحافظ ابن حجر : وهو جمعٌ جيّد ؛ لولا أنَّ مخرج الحديث
مثَّحدٌ !! وأجاب القُسْطُلأَني : بأن إحدى الروايتين نقلٌ بالمعنى، ولا يضرُّه اتّحاد
المخرج ، لاحتمال أنَّه وقع ممن دونه . انتهى . ونحوُه قولُ بعضهم : مآل الروايتين
على هذا التقدير متَّحدٌ معنىّ ، والتفاوتُ بينهما إنما هو في العبارة ، ولا يقدح فيه
اتّحاد المخرج ؛ وهو عائِشة ، لأن مَن دونها أدَّى معنى إحدى العبارتين .
هذا ؛ وقد يستعمل أحد اللفظين المتقاربين مكانَ الآخر كما سبق في (( أفلج
الثنيتين)) ، حيث قالوا: الفَلَج يستعمل مكان الفرق ؛ فكذا يقال بمثله هنا .
انتھی .
قال الحافظ العراقيُّ: وَرَد في شعره ◌ِّرِ ثلاثة أوصاف: جُمَّة ، ووَفرة ،
ولِمَّة ، فالوفرة : ما بلغ شحمة الأذن ، واللِّمة : ما نزل عن شحمة الأذن ،
والجمة : ما نزل عن ذلك إلى المنكبين ؛ هذا قول جمهور أهل اللغة ، وهو الذي
ذكره صاحب ((المحكم)) و((النهاية)) و((المشارق)) وغيرهم.
واختلف فيه كلامُ الجوهري ؛ فذكره على الصواب في مادة ((لمم))، فقال :
واللّمة - بالكسر -: الشعر المتجاوز شحمة الأذن ، فإذا بلغت المنكبين فهي جُمَّة ،
وخالف في ذلك في مادة (( وَفَرَ )) فقال: والوَفْرة إلى شحمة الأذن ثم الجُمَّة ، ثم
٣٠٦

وَكَانَ شَعْرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْرِبُ إِلَى مَنْكِبَيْهِ ، وَكَثِيراً مَا
يَكُونُ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَّهِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَنَ الْجِسْمِ ،
اللِّمة التي أَلَمَّت بالمنكبين، وما قاله في (( باب الميم)) هو الصواب الموافق لقول
غيره من أهل اللغة ، انتهى ((زرقاني)).
( وَ) في ((كشف الغمة)) للعارف الشعراني: ( كَانَ شَعَرُهُ نَّهِ يَضْرِبُ إِلَى
مَنْكِبَيْهِ ) - مثنى مَنْكِب كمَجْلِس ؛ وهو : مجتمع رأس العضد والكتف ، أي : يصل
إليهما . كَنَّى بالضرب عن الوصول .
روى الشيخان ؛ من حديث أنس : كان شعره يضرب مَنكِبيه ، وللبخاري
أيضاً: كان يضرب رأس النبي ◌َِّ مَنْكِبَيْهِ. ( وَكَثِيْراً مَا يَكُوْنُ إِلَى شَحْمَةٍ أُذُنَيْهِ ) ؛
وهي : ما لان في أسفلها ؛ وهي معلَّق القُرْط . روى الشيخان ؛ من حديث البراء :
يبلغ شعره شحمةً أذنيه. وروى البيهقيُّ في (( الدلائل)) ؛ عن أنس : كان شعر
رسول الله وَل﴿ إلى شحمة أذنيه. وروى مسلم؛ عن أنس : كان شعره إلى أنصاف
أذنيه. ولفظ الترمذي في ((الشمائل)): عظيم الجُمَّة إلى شحمة أذنيه ؛ أي :
تكاثفها ينتهي إلى شحمة أذنيه . وفي ((الصحيحين))؛ عن أنس : أَنَّه كان بين أذنيه
وعاتقه . وفي أخرى عند الترمذي وغيره : فوق الجُمّة ؛ ودون الوفرة . وفي
رواية : إن انفرقت عقيقته فرق، وإِلاَّ! فلا يُجاوز شعره شحمة أذنيه . إِذا هو
وفره . وفي أخرى : كان إلى أذنيه . وفي أخرى : إلى كتفيه .
والجمع بين هذه الروايات : أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمتها ،
وما خلفها هو الذي يضرب منكبيه . أو بأنَّ ذلك لاختلاف الأوقات ، فكان إذا ترك
تقصيرَها بلغ المنكب ، وإذا قصَّرها كانت إلى الأذن ؛ أو شحمتها ؛ أو نصفها ،
فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك. انتهى ((شرح الإحياء)).
( وَ) قال النووي في ((التهذيب)): (كَانَ رَسُوْلُ اُللهِنَّهِ حَسَنَ الْجِسْمِ) ؛
أي: معتدل الخَلْق متناسبَ الأعضاء. رواه الترمذي في ((الشمائل))؛ عن أنس
رضي الله تعالى عنه، والبيهقي في ((الدلائل))؛ عن رجل من الصحابة - وقد تقدَّم - .
٣٠٧

بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ، لَهُ شَعْرٌ إِلَى مَنْكِبَيْهِ ، وَفِي وَقْتٍ إِلَى شَحْمَتَيْ
أُذُنَيْهِ ، وَفِي وَقْتٍ إِلَى نِصْفِ أُذُنَيْهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ ،
( بَعِيْدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ ) - روي بالتكبير والتصغير -، و(( ما)) موصولة؛ أو
موصوفة ؛ لا زائدة - كما زعمه بعضهم -
والمَنكِبان ؛ تثنية مَنكِب : وهو مجمع العضد والكتف ، والمراد بكونه ( بعید
ما بين المنكبين )) : أنَّه عريض أعلى الظهر . ويلزمه أنَّه عريض الصدر ، وقد تقدَّم
أنَّه رواه الترمذي في (( الشمائل))؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما .
( لَهُ شَعْرٌ إِلَى مَنْكِبِّهِ، وَفِي وَقْتٍ إِلَى شَحْمَتَّيْ أُذُنَيْهِ ، وَفِي وَقْتٍ إِلَىْ نِصْفٍ
أُذُنَيْهِ ). انتهى كلامُ ((التهذيب))، وهو يشير إلى الجمع بين الروايات في صفة
شعره وَلّر، وقد تقدَّم قريباً أنَّ ذلك لاختلاف الأوقات . والله أعلم .
( وَ) روى البخاريُّ في ((صحيحه))، والترمذي في ((الشمائل))؛ عن ابن
عباس رضي الله تعالى عنهما قال :
( كَانَ) رسول الله (ِّهِ يَسْدِلُ ) - بفتح أوله وسكون السين المهملة وكسر
الدال المهملة ، ويجوز ضمّ الدال ؛ قاله الحافظ وغيره ، وبالضمِّ ضبطه الدمياطي
في ((حاشية الصحيح))، والمنذري في (( حاشية السنن)).
فاستفدنا أنَّ الرواية بالوجهين ؛ قاله الزرقاني - ( شَعْرَهُ ) ؛ أي : يترك شعر
ناصيته على جبهته، لما في رواية للشيخين: سَدَل النبي وَّ ناصيته . ولذلك قال
النووي رحمه الله تعالى : قال العلماء : المرادُ إرساله على الجبين واتخاذه
كالقُصَّة ، أي : بضم القاف ، وإلاَّ! فالسدل لغةً لا يخصُّ الناصية ، بل هو إرخاءُ
الشعر حولَ الرأس من غير أن يقسمه نِصفَين ، يقال: سَدَلْتُ الثوب سَدْلاً: أرخيتُه
وأرسلتُه من غير ضمِّ جانبيه ، فإنْ ضممتهما ؛ فهو قريبٌ من التلفيف ، قالوا :
ولا يقال فيه : أسدلتُه - بالألف - .
٣٠٨

وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ
رُؤُوسَهُمْ ، وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةً أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ،
( وَكَانَ أَلْمُشْرِكُوْنَ ) ؛ أي : كُفَّار مگَّة ( يَقْرُقُوْنَ ) - بضم الراء وکسرها ، روي
مخفَّفاً وهو الأشهر ، ومشدداً من باب التفعيل - (رءُوْسَهُمْ) ؛ أي : شعر
رءُؤْسِهِم ، والفرق - بفتح فسكون - : قسمُ الشعر نصفين ؛ وإرسال نصفٍ من جانب
اليمين على الصدر ، وإرسال نصف من جانب اليسار على الصدر ، وهو ضدُّ السَّدْل
الذي هو : مطلقُ الإرسال من سائر الجوانب .
( وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُوْنَ رءُوْسَهُمْ) ؛ أي : شعرَها ؛ وفي رواية :
أَشعارهم ، ( وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةً أَهْلِ أُلْكِتَابِ ) اليهود حين كان عبدة الأوثان
كثيرين، ( فِيْمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيْهِ بِشَيْءٍ ) ؛ أي : فيما لم ينزل فيه وحي ، أو فيما لم
يطلب منه على جهة الوجوب ، أو الندب ، أو فيما لم يؤمر فيه بالمخالفة لهم ،
يعني فيما لم يخالف شرعه ؛ إيجاباً أو ندباً ، فقَصْرُ الأمر هنا على حقيقته ؛ وهو
الوجوب تقصيرٌ ، وإِنما أحبَّ موافقتهم ! لتمشُّكهم في زمانه ببقايا شرائع الرسل ،
والمشركون وثنيون ؛ لا مستند لهم إلاَّ ما وجدوا عليه آباءهم .
قال الحافظ ابن حجر : فكانت موافقتهم أحبَّ إليه من موافقة عُبَّاد الأوثان ،
فلما أسلم غالبهُم أحبَّ حينئذ مخالفة أهل الكتاب . انتهى .
وقال النووي وغيره : أو كان لاستئلافهم كما تألَّفهم باستقبال قبلتهم ، وتُؤُقِّف
فيه بأن المشركين أولى بالتأليف ، ورُدَّ بأنه قد حرص أوَّلاً على تألُّفهم ؛ ولم يألُ
جهداً في ذلك ، وكلما زاد زادوا نفوراً ، فأحبَّ تأليف أهل الكتاب ليجعلهم عوناً
على قتال الآبِيْن من عَبَدة الأوثان .
وقال القرطبي : حبُّه لموافقتهم كان أوّلاً في الوقت الذي كان يستقبل قبلتهم ؛
ليتألَّفهم حتى يُصغوا إلى ما جاء به ، فلما لم ينفع فيهم ذلك وغلبت عليهم الشِّقْوة
أُمِر بمخالفتهم في أمور كثيرة، لقوله: ((إِنَّ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لاَ يَصْبِغُونَ ؛
فَخَالِفُوهُمْ)). انتهى (( زرقاني )) .
٣٠٩

ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ .
( ثُمَّ فَقَ) - بفتح الفاء والراء مخففاً ومشدداً - (رَسُوْلُ اللهِ وَ رَأْسَهُ ) ؛ أي :
ألقى شعره إلى جانبي رأسه ، فلم يترك منه شيئاً على جبهته .
وحِكمةُ عدوله عن موافقة أهل الكتاب : أن الفرق أنظفُ وأبعد عن الإسراف في
غسله ، وعن مشابهة النساء .
قال العلماء : والفرقُ سنَّةً، لأنه الذي رجع إليه بَّهِ، والصحيح جواز السَّدلِ
والفرقِ معاً ، لكن الفرق أفضل فقط، لأنه الذي رجع إليه بَّ، فكأنَّه ظهر الشرع
به ؛ لكن لا وجوباً ، لأن مِن الصَّحب مَن سَدل بعد ذلك ، فلو كان الفرق واجباً
ما سدلوا بعدُ، ولهذا قال في (( المطامح)): الحديثُ يدلُّ على جواز الأمرين ،
والأمر فيه واسع .
وقال القاضي عياض : نُسخ السَّدل فلا يجوز فعله ، ولا اتخاذ الناصية
والجُمَّة ، قال : ويحتمل أن المراد جواز الفرق ؛ لا وجوبه ، ويحتمل أن الفرق
كان اجتهاداً في مخالفة أهل الكتاب ؛ لا بوحي ، فيكون الفرق مستحباً . انتهى .
والقول بالنسخ ردّه ابن حجر ، وقال القرطبي : أمّا تَوَهُّم النسخ !! فلا يُلتفت
إليه أصلاً ، لإمكان الجمع ، لكن العسقلاني قال : جزم الحازمي أن السدل نُسخ
بالفرق ، واستدَلَّ برواية معمر ؛ عن الزهري ، عن عبد الله بلفظ : ثم أمر بالفرق ،
وكان الفرق آخرَ الأمرين؛ أخرجه عبد الرزاق في (( مصنفه »، وهو ظاهر . والله
أعلم .
قال ابن حجر : والذي يتَّجهُ أنَّ محل جواز السدل حيث لم يقصد به التشبُّه
بالنساء ، وإلاَّ !! حَرُمَ مِن غير نزاع . انتهى .
هذا؛ والحديث الذي ساقه المصنّفُ رواه الترمذي في (( الشمائل)» - كما
تقدَّم -. وفي ((صحيح البخاري)) في الصفة النبوية وفي ((اللباس)) نحوُه، وفي
((صحيح مسلم )) نحوه ، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ؛ قاله الزرقاني
على (( المواهب)).
٣١٠

وَمَعْنَى ( سَدْلِ الشَّعْرِ ): إِرْسَالُهُ .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَنَ السَّبَلَةِ .
وَمَعْنَى ( السَّبَلَةِ ): مُقَدَّمُ اللِّحْيَةِ، وَمَا أَنْحَدَرَ مِنْهَا عَلَى الصَّدْرِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثَّ اللِّحْيَةِ ،
قال المصنف : ( وَمَعْنَى سَذْلِ الشَّعْرِ) - فيما قاله العلماء -: (إِرْسَالُهُ) على
الجبين واتِّخَاذه كالقُصة - أي: بضمِّ القاف بعدها مهملة - انتهى ، وهو المراد هنا .
وقيل : سدل الشعر : أن يرسلَه ولا يضمَّ جوانبه . وقيل : السَّدلُ : أن يُرسل
الشخصُ شعرَه من ورائه؛ ولا يجعله فرقتين. انتهى (( جمع الوسائل)).
( وَ) روى الطبراني في ((الكبير))؛ عن العدَّاءِ - بفتح العين المهملة وتشديد
الدال المهملة والمد - ابن خالد بن هودة العامري ، أسلم يوم حنين هو وأبوه جميعاً
رضي الله تعالى عنهما ؛ قال :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّةِ حَسَنَ السَبَلَةِ) - بالتحريك -: ما أُسبل من مقدّم اللحية ؛
ذكره الزمخشري . قال المصنف - تبعاً للعزيزي - : ( وَمَعْنَى السَّبَلةِ ) - بالتحريك -:
( مُقَدَّمُ اللَّحْيَةِ، وَمَا أَنْحَدَرَ مِنْهَا عَلَى الصَّدْرِ) ؛ وهو الشَّعَرات التي تحت اللَّحي
الأسفل ؛ أو الشارب ، وقال الحفني : ما أُسبل من مقدَّم اللحية الذي تحت العَنْفَقة
وفوقَه العارضان ، انتهى .
( وَ) قال الغزالي في «الإحياء)): ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّةِ حَثَّ اللِّحْيَةِ) ؛ أي :
كثير شعر اللحية ملتفَّها . رواه البيهقي ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها .
ورواه من طريق محمد بن علي بن أبي طالب ؛ عن أبيه ، ورواه من طريق
نافع بن جبير ؛ عنه : كان ضخم الهامة عظيم اللُّحية ، وفي لفظ : ضخم الرأس
واللحية ، ومن حديث أبي هريرة : كان أسود اللحية حسن الشعر ، ومن طريق
أبي ضمضم ؛ عن رجل من الصحابة لم يُسَمَّ : كان رجلاً مربوعاً حسن السَبَلة ؛
قال : كانت اللحية تُدعى في أول الإسلام سَبَلة، ورواه الطبراني في ((الكبير))
٣١١

وَكَانَ يُعْفِي لِحْيَتَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ .
وسماه العَدَّاء بن خالد. انتهى شرح («الإحياء)). وقد سبقت رواية العدَّاء آنفاً.
( وَكَانَ يُعْفِي لِحْيَهُ) ؛ أي : يوفِّرُها، وسيأتي أنَّه كان يأخذ من عرضها
وطولها . ( وَيَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ ) ؛ أي : يقصُّه ، في أيِّ وقت احتاج إليه من غير تقييد
بيوم ، كما أفاده الحديث الذي رواه الترمذي وحسّنه ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما : كان النبي ◌َّه يقصُّ شاربه، وحديث التقييد بالجمعة ضعيف .
وكان ◌َ ه يأمر بإعفاء اللحية وقصِّ الشارب. روى البيهقي في (( السنن))،
وابن عدي ؛ من حديث عمرو بن شعيب ؛ عن أبيه ، عن جدّه: ((أحْفُوا الشَّوَارِبَ
وَأَعْفُوا اللُّحَى)). ورواه أيضاً الطحاوي؛ من حديث أنس بزيادة: وَلاَ تَشَبَّهُوا
بِالْيَهُودِ » .
وروى الترمذي - وقال : حسن صحيح -، والنسائي ، والإمام أحمد ؛ من
حديث زيد بن أرقم قال: قال النبي ◌َّرِ: ((مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنََّ))؛
أي : ليس على طريقتنا الإسلامية ، لِنَذْبِ ذلك مؤكّداً ؛ فتاركه متهاون بالسنة ، هذا
مذهب الجمهور .. وأَخَذ جمع بظاهره فأوجبوا قَصَّه .
وروى الإمام أحمد ؛ عن رجل من الصحابة رفعه: (( مَنْ لَمْ يَحْلِقْ عَانَتُهُ وَيُقَلِّمْ
أَظْفَارَهُ وَيَجُزَّ شَارِبَهُ فَلَيْسَ مِنَّا )) وحسَّنه بعض الحفاظ لشواهده .
وفي ((الصحيحين))؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حديث: (( خَالِفُوا
المُشْرِكِيْنَ، وَفِّروا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ)). ومعنى ((وفِّروا)) - بتشديد الفاء -:
اتركوها وافرة لتكثر وتغزر ، ولا تتعرَّضوا لها . وأَحفوا قال النووي : بقطع الهمزة
ووصلها ؛ من أحفاه وحفاه : استأصله ، وقال الزركشي : بألف قطع رباعي ؛ أشهر
وأكثر، وهو المبالغة في استقصائه ، ومنه (( أحفى في المسألة)) إذا أكثر ، وقال
القاضي عياض: من (( الإحفاء))، وأصله الاستقصاء في أخذ الشارب ، وفي معناه
رواية: ((أَنْهِكُوا الشَّوَارِبَ)) والمراد : بالغوا في قصِّ ما طال منها حتَّى تبين الشَّفَة
بياناً ظاهراً استحباباً . وقيل : وجوباً .
٣١٢

وَقَدْ اختُلِفَ في قصِّ الشارب وحلقه أيُّهما أفضل !؟
فقال القاضي عياض : ذهب كثير من السلف إلى استيعاب الشارب ، وحلقه
لظاهر قوله ◌َّهُ: «أَحْفُوا وَأَنْهِكُوا )) وهو قول الكوفيين .
وذهب كثير منهم إلى منع الحلق ، ومنهم الإمام مالك ، قال : ويُحفي الشارب
ويعفي اللحى ، وليس إحفاء الشارب حلقَه ؛ أي : بل أخذُ ما طال عن الشفة بقصِّ
ونحوه ، بحيث لا يؤذي الآكل ، ولا يجتمع فيه الوسخ . قال القرطبي : وأرى
تأديبَ مَن حلق شاربه ؛ لما فيه من التشُّه بالمجوس . وعن أشهب ؛ عن مالك :
أنَّ حَلْقه بدعة لذلك . قال : وأرى أن يُوجَع ضرباً من فعله .
وقال النووي : المختارُ في قصِّ الشارب أنَّه يقصُّه حتى يبدوَ طرف الشفة ،
ولا يحُفُّه من أصله . وقال الطحاوي : لم نجد عن الشافعي شيئاً منصوصاً في هذا ،
وكان المزنيُّ والربيع يُحفيان شاربهما ، قال : وما أظنُّهم أخذوا ذلك إلاَّ عنه .
وأما أبو حنيفة وأصحابه ! فمذهبهم في شعر الرأس والشارب : أنَّ الإحفاء
- الذي هو الإزالة بالكلية - أفضلُ من التقصير .
وأما أحمد !! فقال الأثرم : رأيته يحفي شاربه شديداً ، ونصَّ على أنَّه أولى من
القَصِّ .
قال في ((فتح الباري)): وذهب ابن جرير إلى التخيير ، فإنَّه لَمَّا حكى قول
مالك وقولَ الكوفيين ؛ ونقل عن أهل اللغة أنَّ الإحفاء هو الاستئصال ؛ قال : دَلَّت
السنة على الأمرين ، ولا تعارض ، فالقصُّ يدلُّ على أخذ البعض ، والإحفاءُ يدلُّ
على أخذ الكلِّ ، فكلاهما ثابت ؛ فيخير فيما شاء .
قال الحافظ ابن حجر : فيؤخذ من قول الطبري ثبوتُ الأمرين معاً في
الأحاديث .
فأما الاقتصار على القصِّ! ففي حديث المغيرة: ضفْتُ النبي ◌َّ وكان شاربي
وَفير فقَصَّه على سواك. رواه أبو داود والبيهقي بلفظ: فَوَضَعَ السِّواك تحت الشارب
٣١٣

وقصَّ عليه . وأخرج البزار ؛ عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ◌َّ أبصر رجلاً
وشاربُهُ طويل؛ فقال : ((إِثْتُونِي بِمِقَصِّ وَسِوَاك)) ، فجعل السواك على طرفه ثم
أخذ ما جاوزه . وأخرج البيهقي والطبراني ؛ عن شرحبيل بن مسلم الخولاني :
رأيت خمسة من الصحابة يقصُّون شواربهم : أبو أمامة الباهلي ، والمقدام بن
معدِيْكَرِب ، وعتبة بن عون السلمي ، والحجاج بن عامر الثمالي ، وعبد الله بن
بُسْر .
وأما الإحفاء ! فأخرج الطبرانيُّ ، والبيهقيُّ ؛ عن عبد الله بن أبي رافع قال :
رأيت أبا سعيد الخدريَّ ، وجابر بن عبد الله ، وابن عمر ، ورافع بن خديج ،
وأبا أُسيد الأنصاري ، وسلمة بن الأكوع ، وأبا رافع يُنْهِكُون شواربهم كالحلق .
وأخرج الطبراني ؛ عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة : أنَّهم كانوا يحلقون
شواربهم .
واختلف في كيفية قصِّ الشارب : هل يقص طرفاه أيضاً ؛ وهما المسمّيان
بـ((السِّبَالين)) ، أم يُترك السبالان كما يفعله كثير من الناس!؟
قال الغزالي في (( الإِحياء )): لا بأس بترك سباليه ؛ وهما طرفا الشارب ، فعل
ذلك عمر رضي الله تعالى عنه وغيره ، لأن ذلك لا يستر الفمَ ، ولا تبقى فيه زُهومة
الطعام ، إذ لا يصل إليه . انتهى .
وروى أبو داود ؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه : كنا نحفي السِّبال إلاَّ في حجة
وعمرة ، وكره بعضهم إبقاءَه ؛ لما فيه من التشُّه بالأعاجم ، وقد قال عمر رضي الله
تعالى عنه: إياكم وزِيَّ الأعاجم !! وقال الإمام مالك: أميتوا سُنَّهَ العجم ، وأحيوا
سُنََّ العرب . وفيه تشبُّه بالمجوس وأهلِ الكتاب ، والقول بالكراهة أولى
بالصواب ، لما رواه ابن حبان في ((صحيحه))، والطبراني ، والبيهقي ؛ من حديث
ميمون: ((إِنَّهُمْ يُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ وَيَحْلِقُونَ لِحَاهُمْ؛ فخَالِفُوهُمْ)) . فكان ابن عمر
يجزُّ سباله كما تُجَزُّ الشاة أو البعير . انتهى .
٣١٤

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ، مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا.
وأما فعل عمر رضي الله تعالى عنه إِنْ صحَّ !! فلعله لم يبلغه النهي . انتهى من
((المواهب اللدنية)) مع شيء من ((شرح الزرقاني)) رحمهم الله تعالى. آمين .
( وَ) روى الترمذيُّ - وقال: حديث غريب - من طريق عَمْرو بن شُعَيْب؛ عن
أبيه؛ عن جدِّه رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ) رسول الله (وَّرِ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ
الشَّرِيْفَةِ ؛ مِنْ عَرْضِهَا وَطُوْلِهَا ) بالسويَّة ؛ كما في رواية ، أي : يأخذ الشَّعر الزائد
في الطول لتقرب من التدوير من جميع الجوانب ، لأنَّ الاعتدال محبوبٌ ، والطولُ
المُفرِط قد يشوِّهُ الخَلْق ، ويُطلِقِ ألسنة المغتابين ، فِفِعْل ذلك مندوبٌ ما لم ينتهِ إلى
تقصيص اللحية وجعلها طاقات ؛ فإنه مكروه ، وكان بعض السلف يقبض على لحيته
فيأخذ ما تحت القبضة ، وقال النَّخَعي : عجبت لعاقل كيف لا يأخذُ من لحيته ؛
فيجعلها بين لحيتين ، فإنَّ التوسُّط في كلِّ شيء حسن ، ولذا قيل : كلما طالت
اللحية تشمَّر العقل ، ففعْلُ ذلك إذا لم يقصد الزينة والتحسين لنحو النساء سنةٌ ، كما
عليه جمعٌ ؛ منهم القاضي عياض وغيره ، واختار النووي تركها بحالها مطلقاً .. ثم
لا ينافي فعله ◌َّ قوله: ((أَعْفُوا اللُّحَى)). لأنَّه في الأخذ منها لغير حاجة؛ أو
لنحو تزين، وهذا فيما احتيج إليه لتشقُّث؛ أو إفراط طول يتأذَّى به ، وقال
الطيبي : المنهيُّ عنه قصُّها كالأعاجم ، أو وصلها كذنب الحمار ، وقال الحافظ ابن
حجر : المنهيُّ عنه الاستئصال أو ما قاربه ، بخلاف الأخذ المذكور ، انتهى .
لطيفة : قال الحسن بن المثنَّى : إذا رأيتَ رجلاً له لحية طويلة ، ولم يتخذ لحية
بين لحيتين ؛ كان في عقله شيء . وجلس المأمون مع أصحابه مشرفاً على دجلة ،
فقال المأمون : ما طالت لحية إنسان قط ؛ إلا ونقص من عقله بقدر ما طال منها ،
وما رأيت عاقلاً قطُّ طويلَ اللحية !. فقال بعض الجلساء: ولا يُرَدُّ على أمير
المؤمنين ؛ إنه قد يكون في طولها عقلٌ ، فأقبل رجل كبير اللحية حَسَن الهيئة فاخر
الثياب ، فقال المأمون : ما تقولونَ فيه !! فقال بعضهم : يجب كونه قاضياً ، فأمر
بإحضاره ، فوقف فسَلَّم فأجاد ، فأجلسه المأمون واستنطقه فأحسن ، فقال
٣١٥

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ تَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُفَارِقُهُ سِوَاكُهُ وَلاَ مُشْطُهُ، وَكَانَ
يَنْظُرُ فِي الْمِرْآَةِ إِذَا سَرَّحَ لِحْيَتَهُ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذا اهْتَمَّ .. أَكْثَرَ مِنْ مَسِّ لِحْيَتِهِ .
المأمون : ما اسمك ؟ فقال : أبو حمدويه والكنيةُ علوية . فضحك المأمون وغمز
جلساءه ، ثم قال : ما صنعتُك ؟ قال : فقيه أجيدُ المسائل . قال : ما تقول فيمن
اشترى شاةً فلما تسلَّمها ؛ خرج من أستها بعرةٌ ؛ ففقأت عين رجل ، فعلى مَن
الدية !؟ قال : على البائع دون المشتري ، لأنه لما باعها لم يشترط أَنَّ في أستِها
منجنيقاً ، فضحك المأمون حتَّى استلقى على قفاه وأنشد :
مَا أَحَدٌ طَالَتْ لَهُ لِخِيَةٌ فَزَادَتِ اللِّحْيَةُ فِي هَيْئَتِهْ
إِلَّ وَمَا يَنْقُصُ مِنْ عَقْلِهِ أَكْثَرُ مِمَّا زَادَ فِي لِحْيَيِّة
( وَ) قال المناوي في ((كنوز الحقائق)): (كَانَ) رسول الله (مَِّ يُكْثِرُ تَسْرِبْحَ
لِخِيَهِ) أي: تمشيطها وإرسالَ شعرِها وحَلَّها بمشطها ؛ رواه الترمذي في ((جامعه ))
و((شمائله))، والبغوي في (( شرح السنة)) كلُّهم ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه
بلفظ : كان يكثر دَهن رأسه وتسريح لحيته ، ويكثر القناع حتى كأنَّ ثوبَه ثوبٌ
زيَّات ، وسيأتي .
( وَ) أخرج الطبراني في ((الأوسط))؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها:
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ لاَ يُفَارِقُهُ سِوَاكُهُ وَلاَ مُشْطُهُ، وَكَانَ يَنْظُرُ فِي المِرْآَةِ إِذَا سَرَّحَ )
- بتشديد الراء - ( لِخِيَهُ) - أي : مشطها -.
( وَ) أخرج ابن السنّي، وأبو نعيم كلاهما في كتاب (( الطب النبوي))؛ عن
عائشة رضي الله تعالى عنها ترفعه ، وأبو نعيم في (( الطب )) أيضاً ؛ عن أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه بسند حسن :
( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا أَهْتَمَّ أَكْثَرَ مِنْ مَسِّ لِحْيِهِ ) ، فيُعرف بذلك كونُه
٣١٦

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَغْتَمَّ .. أَخَذَ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ يَنْظُرُ فِيهَا .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ .. خَلَّلَ لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ .
مهموماً ، قال بعضهم : ويجوز كونُ مسِّه لها تسليماً لله تعالى بنفسه ، وتفويضاً
لأمره إليه، فكأنه موجه نفسه إلى مولاه. انتهى (( مناوي)).
( وَ) أخرج الشيرازي في ((الألقاب))؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
- وهو حديث حسن لغيره - : ( كَانَ) رسول الله (وَّهَ إِذَا أَغْتَمَّ) - بغين معجمة
ومثناة فوقية - أي: حَزِنَ، قال في (( المصباح)): غَمَّه الشيءُ غَمّاً ؛ من باب
( قتل ) : غطاه ، ومنه قيل للحزن غمّ ، لأنه يغطي السرور . انتهى .
( أَخَذَ لِحْيَهُ ) ؛ أي : تناولها ( بِبَدِهِ يَنْظُرُ فِيْهَا) كأَنَّه يتفكّرُ، أو يُسلّي بذلك
حزنه .
( وَ) في ((الجامع الصغير)): (كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَهُ
بِالمَاءِ ) أي : أدخل الماء في خلالها بأصابعه الشريفة ، فيندبُ تخليل اللِّحية الكَثَّة ،
فإن لحيته الشريفة كانت كَثَّة ، ومثلها كلُّ شعر لا يجب غسل باطنه .
قال ابن القَيِّم: ولم يكن يواظب على التخليل. ورمز في (( الجامع الصغير ))
لمن أخرجه برمز أحمد والحاكم وصحَّحه ؛ عن عائشة ، والترمذي والحاكم ؛ عن
عثمان بن عفان - وقال الترمذي : حسن صحيح عنه - ، والترمذي والحاكم ؛ عن
عمار بن ياسر ، والحاكم؛ عن بلال المؤذِّن ، وابن ماجه والحاكم ؛ عن أنس بن
مالك ، والطبراني في (( الكبير)) ؛ عن أبي أمامة الباهلي ، وعن أبي الدرداء ، وعن
أم سلمة، والطبراني في ((الأوسط)) ؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
عنهم أجمعين . قال الحافظ الهيثمي : بعض هذه الطرق رجالُه موثقون ، وفي
البعض مقالٌ . انتهى .
وأشار المصنف - يعني السيوطي - باستيعاب مخرِّجيه إلى ردِّقول أحمد وأبي زرعة
((لا يثبت في تخليل اللحية حديث))؛ قاله المناوي على ((الجامع الصغير)).
٣١٧

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ ، وَيُكْثِرُ
أَتَّخَاذَ اُلْقِنَاعِ
( وَ) أخرج الترمذي في ((الجامع)) و((الشمائل))، والبغوي في ((شَرح
السنة))؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، والبيهقي في ((شعب الإيمان))؛
عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه :
( كَانَ) رسولُ الله (وَِّ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ) - بفتح الدال المهملة وسكون
الهاء - : استعمال الدُّهن - بالضم -، والدهن : ما يُدهن به من زيت وغيره ،
وجمعه دِهان - بالكسر - ، وإكثاره ذلك إنما كان في وقت دون وقت ، وفي زمن
دون آخر ، بدليل نهيه عن الادّهان إِلاَّ غِبّاً في عِدَّة أحاديث .
قال ابن القيم : الدهن يسدُّ مسام البدن ، ويمنع ما تخلَّل منه ، والدهن في
البلاد الحارة كالحجاز من آكد أسبابِ حفظ الصحة ، وإصلاح البدن ، وهو
كالضروري لهم .
( وَتَسْرِيْحَ لِحْيِيِهِ ) بالماء ، أو بماء الورد ونحوه ، وهو عطفٌ على دهن رأسه ؛
كما هو ظاهر ، لا على رأسه ؛ كما وُهِمَ . والمراد تمشيطُها وإرسالُ شعرها وحلُّها
بمشطها ، ولا ينافيه ما في ((أبي داود)) من النهي عن التسريح كلَّ يوم، لأنَّه لا يلزم من
الإكثار التسريح كل يوم ، بل الإكثار قد يصدق على الشيء الذي يفعل بحسب الحاجة ؛
ذكره الوليُّ العراقي، ولم يَرد أنَّه كان يقول عند تسريحها شيئاً ؛ ذكره السيوطي.
( وَيُكْثِرُ أَتَّخَاذَ اُلِقِنَاعِ ) . قال السيوطي رحمه الله تعالى يعني: يَتَطَيْلَس ؛ نقله
المناوي . وقال الحِفني والعزيزي ؛ كالمناوي في (( كبيره )) : والمراد باتخاذ القناع
هنا : تغطيةُ الرأس وأكثرِ الوجه ، وذلك لِمَا علاه من الحياء ، ولذا كان يتقنّع عند
الجماع ، لأنه يُستحيا منه عادة ؛ وإن كان جائزاً .
وقال المناوي في ((كبيره )) : وسبب إكثاره للتقنُّع: أَنَّه كان قد علاه من الحياء
من ربِّه ما لم يحصل لبشر قبله ؛ ولا بعده ، وما ازداد عبدٌ بالله علماً إلا ازداد حياءً
من الله تعالى ، فحياء كلِّ عبد على قدر علمه بربِّه ، فألجأه ذلك إلى ستر منبع الحياء
٣١٨

وَ( الْقِنَاعُ ) : خِرْقَةٌ تُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ حِينَ أَسْتِعْمَالِ الدُّهْنِ لِتَقِيَ
اَلْعِمَامَةَ وَالنِّيَابَ .
ومحلِّه ؛ وهو العين والوجه ؛ وهما من الرأس ، والحياء من عمل الروح ، وسلطانُ
الروح في الرأس ، ثم هو يُنْشَر في جميع البدن ، فأهل اليقين قد أبصروا بقلوبهم أَنَّ
الله يراهم ؛ فصارت جميع الأمور لهم معاينةً ، فهم يعبدون ربَّهم كأنَّهم يرونه ،
وكلما شاهدوا عظمته ومِنَّه ازدادوا حياءً، فأطرقوا رُءُوسهم وَجَلاً ، وقَّعوها
حَجَلاً .
وأنت بعد أن سمعت هذا التقرير انكشفَ لك أنَّ مَن زعم (( أن المراد هنا
بالقناع : خرقة تُلقَى على الرأس لتقي العمامة من نحو دهن )) لم يَدُر حول الحِمى ،
بل في البحر فُوْهُ ؛ وهو في غاية الظمأ !! انتهى .
وقال الحفني على ((الجامع الصغير)): القناع عند أهل الله يسمَّى الخلوة
الصغرى ، لأنَّه يمنع من كثرة الاشتغال بالخلق والنظر إليهم . انتهى .
وقال الباجوري ((على الشمائل)): صحَّ عن ابن مسعود - وله حكمُ المرفوع -:
((التَّقَتُّعُ مِنْ أَخْلاَقِ الأَنْبِيَاءِ»، وفي خبر: ((لاَ يَتَقَنَّعُ إِلَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ الحِكْمَةَ في
قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ )) ويؤخذ منه أنه ينبغي أن يكون للعلماء شعارٌ يختصُّ بهم ، ليُعرَفوا
فيُسألوا ويُمتثل أمرهم ونهيهم ، وهذا أصلٌ في لبس الطيلسان ونحوه ، وله فوائد
جليلة كالاستحياء من الله والخوف منه ، إذ تغطيةُ الرأس شأنُ الخائف الذي لا ناصر
له ؛ ولا معين ، وكجمعه للتفكّر ، لأنه يغطي أكثر وجهه ، فيُحضرُ قلبَه مع ربِّه ،
ويمتِلِىءُ بشهوده وذكرِه ، وتُصان جوارحه عن المخالفات ، ونفسُه عن الشهوات ،
ولذلك قال بعض الصوفية : الطيلسان الخلوة الصغرى . انتهى كلام الباجوري
رحمه الله تعالى .
وبما قرَّرناه تعلمُ ما في قول المصنف ( وَأَلِقِنَاعُ ) - بكسر القاف وخفة النون وفي
آخره مهملة؛ كرجال - : ( خِرْقَةٌ تُوْضَعُ عَلَىُ الرَّأْسِ حِيْنَ ) - أي: بعد - ( اسْتِعْمَالِ
الذُّهْنٍ ) - بالضم - ( لِتَقِيَ أَلْعِمَامَةَ وَالثِّيَابَ ) من أثر الدهن واتساخها به ، شُبِّهت
٣١٩

وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَذَّهَنَ .. صَبَّ فِي رَاحَتِهِ
الْيُسْرَى، فَبَدَأَ بِحَاجِبَيْهِ، ثُمَّ عَيْنَّهِ ، ثُمَّ رَأْسِهِ .
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ.
بقناع المرأة. وفي ((الصّحاح)): هو أوسعُ من المقنعة . انتهى .
( وَ) أخرج الشيرازي في ((الألقاب)) - وهو حديث حسن لغيره - ؛ عن عائشة
رضي الله تعالى عنها قالت :
( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ نَّهِ إِذَا أَدَّهَنَ) - بالتشديد على ((افتعل)): تَطَلَّى بالدُّهن،
أي: إذا أراد أن يدَّهن ـ ( صَبَّ) الدُّهن (فِي رَاحَتِهِ ) ؛ أي : بطن كفِّه
( أُلْيُشْرَى )، ثم أخذ الدهن باليمنى ودَهَنَ، ( فَبَدَأَ بِحَاجِبَيْهِ) فدهنهما أوَّلاً، (ثُمَّ
عَيْنَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ)؛ أي: ثم عَنفقته؛ ثم عارضيه، ثم بقيّة لحيته. انتهى ((حفني)).
قال العزيزي : وفي رواية : كان إذا دهن لحيته بدأ بالعَنْفَقة ، وقال المناوي :
وفي رواية الطبراني ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها : كان إذا دَهن لحيته بدأ
بالعنفقة .
( وَ) أخرج السبعةُ: أحمد، والبخاريُّ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي في
((جامعه))، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في ((الشمائل )) ببعض اختلاف في
اللفظ ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :
( كَانَ) رسول الله (ِّرِ يُحِبُّ) - وفي رواية لمسلم و((الشمائل)): لَيُحِبُّ -
( التَّيَّامُنَ ) - ولفظ رواية مسلم: التَّيَمُّنَ، أي: الابتداء في الأفعال باليد اليمنى
والرجل اليمنى والجانب الأيمن ، وكلّ ما كان من باب التكريم ؛ لأنَّ اليمين مشتقة من
اليُمْن؛ وهو البركة ؛ وهو ◌ٍَّ كان يُحبُّ الفألَ الحسن ، وأصحاب اليمين أهلُ الجنة ،
فاليمين وما نسب إليها وما اشتق منها محمودٌ ممدوح بياناً وشرعاً ؛ دنيا وآخرة ،
والشمال على النقيض ، وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بنسبتهم إليها ، كما ذَمَّ أهل
النار بنسبتهم إلى الشمال ؛ فقال ﴿ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ آلْيَمِينِ (جَ فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبٍ
٣٢٠