Indexed OCR Text
Pages 261-280
وَمَعْنَى ( الْمُقَصَّدِ ): الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْطُولِ وَالْقِصَرِ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْيَضَ مُشْرَباً بَيَاضُهُ بِحُمْرَةٍ ، وَكَانَ أَسْوَدَ الْحَدَقَةِ ، أَهْدَبَ الأَشْفَار . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَضَ مُشْرَباً بِحُمْرَةٍ ، ضَخْمَ الْهَامَةِ ، محذورَيْ الإفراط والتفريط. انتهى ((مناوي، وباجوري)). وقد روى هذا الحديث أبو داود بلفظ : كان أبيضَ مليحاً ، إذا مشى كأنما يهوِي في صبوب . ورواه مسلم أيضاً بلفظ : كان أبيض مليحَ الوجه . (وَمَعْنَى الْمُقْصَّدِ) - بالتشديد - : ( المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الطُّوْلِ وَالقِصَرِ ) يعني : ليس بجسيم ولا نحيف، ولا طويل ولا قصير ، كأنَّه نُحِي به القصد من الأمور . قال البيضاوي: المقَصَّد : المقتصد . يريد به المتوسّط بين الطويل والقصير ؛ والناحل والجسيم . ( وَ) روى البيهقيُّ في ((الدلائل))؛ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ أَبْيَضَ مُشْرَباً) - بالتخفيف والتشديد - ( بَيَاضُهُ بِحُمْرَةٍ ) ، أي : يخالط بياضَه حمرةٌ ؛ كأنه سُقي بها . ( وَكَانَ أَسْوَدَ الْحَدَقَةِ ) - بفتحات - أي: شديد سواد العين، (أَهْدَبَ ) - بالدال المهملة ــ ( الأَشْفَارِ ) جمع شُفْر - بالضم ويفتح -: حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر ؛ أي : طويل شعر الأجفان كثيراً . ( وَ) روى البيهقي في ((الدلائل))؛ عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرَّم وجهه في الجنة؛ قال: ( كَانَ ) رسول الله ( وَُّ أَبْيَضَ مُشْرَباً بِحُمْرَةٍ) - بالتخفيف من الإشراب ، و [مُشَرَّباً] بالتشديد من التشريب - يقال: بياض مُشْرَب بحمرة - بالتخفيف - فإذا شُدِّد كان للتكثير والمبالغة ، فهو هنا للمبالغة في البياض ، لأن الإشراب خلطُ لون بلون ؛ كأنَّ أَحد اللونين سقى الآخر . ( ضَخْمَ الْهَامَةِ ) - بالتخفيف - أي : عظيم الرأس ، لأن الهامة هي الرأسُ ، وعِظَمِه ممدوح محبوب ، لأنه أعونُ على الإدراكات ونيل الكمالاتِ . ٢٦١ أَغَرَّ أَبْلَجَ ، أَهْدَبَ الأَشْفَارِ. وَمَعْنَى ( الأَغَرِّ ) : الصَّبِيحُ . وَ( الأَبْلَجِ ) : الْحَسَنُ الْمُشْرِقُ الْمُضِيءُ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ عِبَادِ اللهِ عُنُقَاً، لاَ يُنْسَبُ إِلَى الْطُولِ وَلاَ إِلَى الْقِصَرِ ، مَا ظَهَرَ مِنْ عُنُقِهِ لِلشَّمْسِ وَالرِّيَاحِ فَكَأَنَّهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ مُشَرَّبٌ ذَهَباً ، يَتَلأْلأُ فِي بَيَاضِ الْفِضَّةِ وَفِي حُمْرَةٍ الذَّهَبِ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْسَنِ عِبَادِ اللهِ شَفَتَيْنِ ( أَغَرَّ ) ؛ أي : صبيحاً ، ( أَبْلَجَ ) أي : مشرقاً مضيئاً . وقيل : الأبلج : خالي الشعر بين الحاجبين ، فليس بأقرن الحاجبين ، لأن العرب تمدح بعدم القَرَن . ( أَهْدَبَ الأَشْفَارِ ) ؛ أي : أنَّ لأشفارِهِ هُذْباً ؛ أي : شعراً أطول من غيره ، أخذاً من أفعل التفضيل ، وحذف العاطف فيه وفيما قبله !! ليكون أدعى إلى الإصغاء إليه، وأَبعثَ للقلوب على تفهُّم خطابه . فإِنَّ اللفظ إذا كان فيه نوعُ غرابة وعدمُ أُلفة أصغى السمع إلى تدبُّره والفكر فيه ، فجاءت المعاني مسرودة على نمط التعديد؛ إشعاراً بأن كُلِّ منها مستقلٌّ بنفسه ؛ قائم برأسه ، صالح لانفراده بالغرض. ( وَمَعْنَى الأَغَرِّ : الصَّبِنْحُ. وَ) معنى ( الأَبْلَجِ: الحَسَنُ المُشْرِقُ المُضِيْءُ.) وقيل : الأبلجُ : نقيُّ ما بين الحاجبين من الشعر - كما تقدَّم -. ( وَ) في ((الإِحياء)) - وعزاه في ((شرحه)) إلى البيهقي في ((دلائل النبوة)) - ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ أَحْسَنَ عِبَادِ اللهِ عُنُقاً ؛ لاَ يُنْسَبُ إِلَى الطُّوْلِ وَلاَ إِلى الْقِصَرِ، مَا ظَهَرَ مِنْ عُنُقِهِ لِلشَّمْسِ وَالرِّيَاحِ؛ فَكَأَنَّهُ إِبْرِيْقُ فِضَّةٍ مُشَرَّبٌ ذَهَباً ، يَتَلألأُ فِي بَيَاضِ الفِضَّةِ وَفِي حُمْرَةِ الذَّهَبِ ) ، ومَا غَيََّتِ الثيابُ من عنقه وما تحته ! فكأنَّه القمرُ ليلةَ البدر . هذا تمام الكلام ، والحديث طويل جداً ، ساقه في ((شرح الإِحياء)) بطوله. وهو مشتمل على نفائس من أوصافه والتر . . ( وَ) في ((الإِحياء)): ( كَانَ) رسول الله (وَّهُ مِنْ أَحْسَنِ عِبَادِ اللهِ شَفَتَيْنِ ، ٢٦٢ وَأَلْطَفِهِمْ خَتْمَ فَمٍ . وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرِيضَ الصَّدْرِ لاَ يَعْدُو لَحْمُ بَعْضٍ بَدَنِهِ بَعْضاً ؛ كَأَلْمِرْآَةِ فِي أَسْتِوَائِهَا ، وَكَأَلْقَمَرِ فِي بَيَاضِهِ . وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثُ عُكَنٍ يُغَطِّي الإِزَارُ مِنْهَا وَاحِدَةً . وَعَنْ أُمُّ هَانِىء وأَلْطَفِهِمْ خَتْمَ فَمٍ ). رواه البيهقي في ((دَلائِل النبوة)) ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، وهو من جملة الحديث الطويل الذي تقدَّمت الإشارة إليه . ( وَ) في ((الإِحياء)) أيضاً: ( كَانَ) رسول الله ( وَّهُ عَرِيْضَ الصَّدْرِ، لا يَعْدُوْ لَحْمُ بَعْضٍ بَدَنِهِ بَعْضاً ؛ كَالمِزْآَةِ فِي أَسْتِوَائِهَا ، وَكَالقَمَرِ فِي بَاضِهِ ) . قال في (( شرحه)): رواه البيهقي؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ : وكان عريضَ الصدر ممسوحَهُ كأنّه المرآة في سُمُوتها واستوائها ، لا يعدو بعض لحمه بعضاً ، على بياض القمر ليلة البدر . وهو من جملة الحديث الطويل الذي تقدمَتْ مِنه جُمَل . وفي سنده نظر . ( وَ) في ((الإحياء)) أيضاً: (كَانَ لَهُ بِّهِ ثَلاَثُ مُكَنٍ) - العكن: جمع عُكنة بالضم ؛ طيّة من طيات البطن - ( يُغَطِّي أَلإِزَارُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ ) ، وتظهر اثنتان . قال في (( شرحه)): رواه البيهقيُّ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، إلاَّ أَنَّه قال : يغطي الإِزار منها اثنتين وتظهر منها واحدة . ومنهم مَن قال : واحدة وتظهر اثنتان . ثم قال : تلك العُكَن أبيض من القَبَاطي المطواة ، وألينُ مَسّاً . (وَعَنْ أُمِّ هَانِىءٍ) - بهمزة في آخره -، لا خلاف بين أهل اللغة والأسماء، و کُّھم مصرِّحون به . واسم أم هانىء : فاختة بنت أبي طالب أختُ علي بن أبي طالب لأبويه رضي الله تعالى عنها ، وهذا هو المشهور في اسمها . وقيل : اسمها هند ، قاله ٢٦٣ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ بَطْنَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّ ذَكَرْتُ الْقَرَاطِيسَ الْمَثْنِيَةَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ . وَعَنْ مُحَرِّشِ الْكَعْبِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : أَعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ الإمامان الشافعي وأحمد ابن حنبل وغيرهما . وقيل : فاطمة ؛ حكاه ابن الأثير . أسلمت عام الفتح ، وكانت تحت هبيرة بن عمرو ؛ فولدت له عَمْراً وهانئاً ويوسف وجعدة . وهرب زوجُها إلى نجران ففرَّق الإسلام بينهما ؛ فعاشت أَيَّماً ، وماتت بعد سنة أربعين من الهجرة ؛ بعد قتل أخيها عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما. روت عن النبي ◌ِّل ستة وأربعين حديثاً (رَضِيَ اللهُ تَعَالىُ عَنْهَا؛ قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ بَطْنَ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ إِلَّ ذَكَرْتُ الْقَرَاطِيْسَ المَثْنَِّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ). ( وَ) أخرج الإمام أحمد ابن حنبل (عَنْ مُحَرِّشٍ ) - بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الراء الثقيلة ومعجمة - ضبطه ابن ماكولا ؛ تبعاً لهشام بن يوسف ويحيى بن معين . ويقال : بسكون الحاء المهملة وفتح الراء ، وصوَّبه ابن السكن ؛ تبعاً لابن المديني كما في ((الإصابة))، وزاد في (( التبصير)): وقال ابن سعد مُخَرِّش - بالخاء المعجمة -. وقال بعضهم : مهملة . وقال الزمخشري : الصواب بالخاء المعجمة. انتهى. وفي (( الجامع )) لابن الأثير : ويقال : مِخْرَش ؛ بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الراء مخففة وشين معجمة . قال في (( الإصابة)): وهو ابن سويد بن عبد الله بن مُرَّة الخزاعي ( الكَعْبِيِّ) عداده في أهل مكة . وقيل : إنه ابن عبد الله . انتهى (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ . قَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ مِنَ الْجِعْرَانَةِ ) - بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء - وهو الأشهر وصوَّبه النووي في (( تهذيبه))، ونقله عن الشافعي رضي الله تعالى عنه ؛ وأئمةِ اللغة ، ومحَقّقي المحدِّثين، و[ الجعِرَّانة ] بكسر المهملة وتشديد الراء ، وعليه عامَّة المحدِّثين ، لكن عَذَّه الخطَّابي من تصحيفهم . وقال صاحب (( المطالع)): كلا اللُّغتين صوابٌ: ٢٦٤ لَيْلاً فَنَظَرْتُ إِلَى ظَهْرِهِ كَأَنَّهُ سَبِكَةُ فِضَّةٍ . وَفِي ((الْمَوَاهِبٍ )) : عَنْ مُقَاتِلٍ بْنِ حَيَّنَ: . موضع مشهورٌ بين الطائف ومَكَّة ؛ وهو إليها أقربُ ، إذ بينهما ثمانية عشر ميلاً ؛ على ما قاله الرافعي والباجي المالكي وتبعهما الإسنوي . واثنا عشر ؛ على ما قاله الفاكهي والأسدي وغيرهما . ورجَّحه الفاسي بعد تحريره ، فبينها وبين الحرم من جهتها نحو ثلاث أميال . سُمِّيت (( جعرانة)) !! باسم امرأة من تميم ، وقيل : من قريش . وهي المشار إليها بقوله تعالى ﴿كَأَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [٩٢/ النحل] وبها ماء شديد العذوبة. قال الفاكهي: يقال إنه وَلّ حفر موضِعَه بيده الشريفة المباركة فأنبجس فشرب منه ، وسقى الناسَ . أو غرز رمحَه فنبع . قال الواقدي كمجاهد: وإحرامه گالټ بها من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى ( لَيْلاً ) . قال الواقدي : وكانت ليلة الأربعاء لثنتي عشرة بقين من ذي القعدة . انتهى . ( فَتَظَرْتُ إِلَىْ ظَهْرِهِ كَأَنَّهُ سَبِنْكَةُ فِضَّةٍ ) ، فاعتمر وأصبح بها كبائِتٍ . هذا بقية الحديث . وأخرجه أبو داود ، والنسائي ، والترمذي بإسناد حسن . قال الترمذي : ولا يُعرَف له غيره. انتهى (( زرقاني)). ( وَفِي ((أَلمَوَاهِبٍ) اللدنية بالمنح المحمَّدية)) للعلامة القُسْطُلَّني؛ (عَنْ مُقَاتِلٍ بِنِ حَيَّنَ ) - بمهملة فتحتية مشددة - النََّطي - بفتح النون والموحدة - المفسِّر أبي بسطام البلخي الخزاز - بمعجمة وزايين - كما ضبطه الزرقاني على ((المواهب)). وهو مولى بكر بن وائل . وهو من تابعي التابعين ، صدوق فاضل . روى عن سالم بن عبد الله ، وعكرمة (( مولى ابن عباس )) وعطاء بن أبي رباح ، وأبي بردة بن أبي موسى ، وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد ، والحسن البصري ، وأبي الصديق الناجي ، وشهر بن حوشب ، وعبد الله بن بُرَيدة ، والضخَاك بن مزاحم وغيرهم . ورَوَى عنه علقمة بن مَرئد، وعَتَّاب بن محمد ، وأبو جعفر الرازي ، ٢٦٥ قَالَ: أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ((اِسْمَعْ وَأَطِعْ، يَا أَبْنَ الطَّاهِرَةِ الْبِكْرِ الْبُولِ ، إِّي خَلَقْتُكَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ فَجَعَلْتُكَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ، فَإِيَّايَ فَأَعْبُدْ، وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ، فَسِّرْ لِأَهْلِ سُورَانَ إِنِّي أَنَا اللهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لاَ أَزُولُ ، صَدِّقُوا النَّيَّ الأُمّيَّ صَاحِبَ الْجَمَلِ وَالْمِذْرَعَةِ ، وَالْعِمَامَةِ وَالنَّعْلَيْنِ وَالْهِرَاوَةِ ، وعبد الله بن المبارك ، وخلائق غيرهم . واتفقوا على توثيقه والثناء عليه. ورَوَى له مسلم وأصحاب ((السنن))، وأخطأ الأزدي في زعمه (( أنَّ وكيعاً كَذَّبه ))، وإنَّما كذَّب مقاتل بن سليمان !!. مات قبل الخمسين ومائة هجرية بأرض الهند . ( قَالَ: أَوْحَى اللهُ تَعَالَىْ إِلَى) المسيحِ ( عِيْسَىْ) ابنِ مريم - على نبينا و (عَلَيْهِ ) الصلاة (والسَّلامُ) -: جِدَّ في أمري ولا تهزلْ و ( أَسْمَعْ وَأَطِعْ؛ يَا أَبْنَ الطَّاهِرَةِ البِكْرِ الْبَنُوْلِ ) : المنقطعة عن الرجال ؛ (إِنِّي خَلَقْتُكَ مِنْ غَيْرِ فَخْلٍ فَجَعَلْتُكَ آيَةً ) : علامة دالَّة على قدرتي ( لِلْعَالَمِيْنَ ) الإنس والجن والملائكة حيث خلقتك من غير فحل ، ( فَإِيَّايَ فَأَعْبُدْ) لا غيري، ( وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ ) ؛ لا على غيري ، (فَشِّرْ لَأَهْلِ سُؤْرَانَ) - بالسريانية - : بلِّغْ مَن بين يديك ( إِنِّي أَنَا اللهُ أُلحَيُّ ) الدائم البقاء ، ( اُلْقَيُّوْمُ) : المبالِغُ في القيام بتدبير خلقه ، ( الَّذِي لا أَزُوْلُ ، صَدِّقُوْا النَِّيَّ الأُمَّيَّ) العربيَّ (صَاحِبَ الجَمَلِ وَالمِذْرَعَةِ) - بكسر الميم - أي : القتال والملاحم؛ كما في (( السَّامي في الأسماء))؛ وإن كانت في الأصل كالدَّرَّاعة ثوب ، ولا يكون إلاَّ من صوف ؛ كما في ((القاموس))؛ كذا في الزرقاني . وقال المصنّفُ النبهاني في كتاب (( الأسمى)) : صاحب المدرعة هي نوع من الثياب ، ولا تكون إلاَّ من الصوف ، وهي علامة التواضع ولُبس الصالحين . انتهى . ( وَأَلْعِمَامَةِ وَالتَّعْلَيْنِ وَالِهِرَاوَةِ ) - بكسر الهاء ثم راء فألف فواو فتاء تأنيث ـ : ٢٦٦ الْجَعْدَ الرَّأْسِ، أَلْصَّلْتَ الْجَبِينِ، الْمَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، الْأَهْدَبَ الأَشْفَارِ ، الْأَدْعَجَ الْعَيْنَيَّنِ، الأَقْنَى الأَنْفِ، الْوَاضِحَ الْخَذَّيْنِ ، الْكَثَّ اللِّحْيَةِ ، عَرَقُهُ فِي وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُؤِ ، العصا مطلقاً ، أو الضخمة . ( الْجَعْدَ الرَّأْسِ ) - بفتح الجيم وسكون العين - أي : جعودة متوسِّطة ، فلا يخالف قول أنس في «الصحيحين)) والترمذي ((ليس بالجعد القَطَطِ، ولا بالسَّبِطِ)) القَطَطِ ، بفتحتين : الشديد الجعودة كالسودان ، والسَّبْط - بفتح فكسر أو سكون - : المنبسط المسترسل الذي لا تكسُّر فيه ، فهو متوسِّط بين الجعودة والسبوطةِ . ( الصَّلْتَ ) : الواضح ( الجَبِيْنِ ، المَقْرُونَ الحَاجِبَيْنِ ) . وفي (( شرح الإحياء)): المفروق الحاجبين . وهو الموافق لرواية ابن أبي هالة، وزيادة جملة وهي ((الأنجل العينين)). ( الأَهْدَبَ الأَشْفَارِ، اَلأَذْعَجَ العَيْنَيْنِ ) - بمهملة وجيم - أي : الشديد سواد الحدقة مع سَعَتها ، فلا يشكل بأنه ((أشكل))، لأن الشُّكْلة في البياض ؛ لا في السواد . (الأَقْتَى الأَنْفِ) - بقاف فنون - مخففاً من القنى. وفُسِّر في (( النهاية)) بالسائل الأنف المرتفع وسطه مع أحْدِ يدابه وارتفاع أعلاه . ( أُلوَاضِحَ الخَذَّيْنِ ) أي: ليس فيهما نُوْءٌ ؛ ولا ارتفاع ، فهو كقول هند : ((سهل الخدين)). ( الكَثَّ اللِّخيَةِ ) - بفتح الكاف ومثلثة -: غير دقيقها ولا طويلها وفيها كثافة ؛ كما في ((النهاية)). وفي ((التنقيح)): كثير شعرها غير مسبلة. واللِّحية - بكسر اللام وفتحها ؛ وهو لغة الحجاز - : الشعر النابت على الذقن خاصَّة . ( عَرَقُهُ) - بالتحريك - : ما يرشح من جلده ( فِيْ وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُقِ) في الصفاء والبياض، وفي (( شرح الإحياء)): كأنه اللؤلؤ. وللبيهقي؛ عن عائشة رضي الله ٢٦٧ وَرِبِحُ الْمِسْكِ يَنْفَحُ مِنْهُ، كَأَنَّ عُنُقُهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ )) . قَوْلُهُ : ( صَلْتُ أَلْجَبِينِ ) : وَاضِحُهُ . وَ( أَدْعَجُ اَلْعَيْنَيَّنِ ) : شَدِيدُ سَوَادِ الْعَيْنِ . وَ( أَقْنَى الأَنْفِ ) : طَوِيلُهُ مَعَ دِقَّةِ أَرْنَتِهِ ، فِي وَسَطِهِ بَعْضُ أَرْتِفَاعٍ. قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ : تعالى عنها : كان يخصف نعله وكنت أغزل ؛ فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولَّد نوراً . ( وَرِيْحُ المِسْكِ يَنْفَحُ) - بفتح الفاء - أي: يهبُّ ( مِنْهُ) ويظهر رائحته ، ( كَأَنَّ عُنْقَهُ) - بضم المهملة والنون وتسكن - ( إِبْرِيْقُ فِضَّةٍ ) ؛ صفاءً وطولاً متوسطاً لا مفرطاً. قال في ((شرح الإحياء)): رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)). ( قَولُهُ: صَلْتُ الجَبِيْنِ ) معناه: ( وَاضِحُهُ). وقوله ( أَدْعَجُ العَيْنَيْنِ ) معناه : ( شَدِيْدُ سَوَادِ العَيْنِ) من الدَّعَج - بفتحتين - أي: مع اتساعها؛ كما في ((الصحاح)) وغيره. وفي ((النهاية)): الدَّعَج : السَّواد في العين وغيرِها . وقيل : شِدَّة بياض البياض وسوادٍ السواد . ( وَ) قوله ( أَقْتَى الأَنْفِ ) معناه: ( طَوِيْلُهُ مَعَ دِقَّةِ أَرْنَبَتِهِ ) ؛ أي : طرفه ، ( فِي وَسَطِهِ بَعْضُ أَرْتِفَاعٍ ) وهو المعبَّر عنه بالاحديداب . هذا؛ وما وصفه به ابن أبي هالة في الحديث المتقدِّم في قوله: (( سوابغ من غير قرن)) مخالفٌ لما هنا في حديث مقاتل بن حيان من قوله: (( المقرون الحاجبين))، ومخالف لما في حديث أم معبد فإنَّها قالت: ((أحور أكحل ، أزجُ أقرن)) أي: مقرون الحاجبين !!. ( قَالَ ) العلاَّمة الحافظ مجد الدين ( ابْنُ الأَثِيْرِ ) أبو السعادات مبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري . ولد بجزيرة ابن عمر سنة : - ٥٤٤ - أربع وأربعين وخمسمائة ونشأ بها ، ثم ٢٦٨ وَالصَّحِيحُ فِي صِفَةِ حَوَاجِبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَوَابِعُ مِنْ غَيْرِ قَرَنٍ. انتقل إلى الموصل، وأنشأ رباطاً بقرية قرب الموصل تسمى ((قصر حرب)). وكان أشهرَ العلماء ذكراً ، وأكثر النبلاء قدراً . وله المصنفات البديعة منها ((جامع الأصول)) و(( النهاية في غريب الحديث))، و(( الإنصاف في الجمع بين ((الكشف)) و((الكشاف))))، و(( المصَفَّى المختار في الأدعية والأذكار))، و((البديع شرح (( الفصول)) في النحو))، و(( الشافي )) شرح ((مسند الشافعي))، وكتاب لطيف في صنعة الكتابة . توفي في ذي القعدة سنة : - ٦٠٦ - ست وستمائة هجرية رحمه الله تعالى. قال في (( النهاية)): ( وَالصَّحِيْحُ فِي صِفَةِ حَوَاجِهِ نَّهِ أَنَّهَا سَوَابِغُ مِنْ غَيْرِ قَرَنٍ ) ؛ كما وصفه به ابن أبي هالة . وقال غير ابن الأثير : إنه المشهور ، وأن قولَ الحسن: « سأَلتُ خالي هندَ بن أبي هالة؛ وكان وصَّافاً )) رَدٌّ لما جاء بخلافه. وجُمِع على تقدير الصحّةِ ؛ بأنه بحسب ما يبدو للناظرين مِن بُعدٍ ، أو بلا تأمُّل . وأما القريب المتأمِّلُ فيرى بين حاجبه فاصلاً مستبيناً ، فهو أبلجُ في الواقع ؛ أقرنُ بحسب الظاهر للناظر من بُعدٍ ، أو بلا تأمُّل ؛ كما في وصف أنفه : يحسبه مَن لم يتأمَّله أشمَّ ؛ ولم يكن أشمَّ . وبأن بينها شعراً خفيفاً جداً يظهر إذا وقع عليه الغبار في نحو سفر وحديثها سفري وبأن القرن حدث له بعد ، وكان أوَّلاً بلا قرن ، واستُبْعِد . قال الأنطاكي وغيره : والقَرَن معدود من معايب الحواجب ، والعرب تكرهُه ، وأهل القيافة تذمُّه ، ويستحِبُّون البَلَج خلاف ما عليه العجم . وإذا دقَّقتَ النظر علمتَ أنَّ نظر العرب أدقُّ، وطبعَهم أرقُّ. انتهى زرقاني على ((المواهب)). قلت: هذا بحسب ما في ((المواهب)). والذي في ((شرح الإحياء))؛ في حديث مقاتل بن حيان: ((المفروق الحاجبين))، وعليه ؛ فهو يوافق كلام الوَصَّاف هند بن أبي هالة ؛ فلتراجع نسخة ((دلائل النبوة)) للبيهقي التي هي الأصلُ. والله أعلم . ( وَ) روى ابن السُّنِّيِّ في ((عمل اليوم والليلة)) - كما في المناوي؛ على ((الجامع الصغير)) - قال: ورواه عنه أيضا الطََّراني في ((الأوسط)) - قال الحافظ ٢٦٩ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَظَرَ وَجْهَهُ فِي الْمِرْآةِ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي سَوَى خَلْقِي فَعَدَّلَهُ، وَكَرَّمَ صُورَةً وَجْهِي فَحَسَّنْهَا، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)). وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَظَرَ فِي الْمِرْآَةِ .. قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي حَسَّنَ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَزَانَ مِنِّي مَا شَانَ مِنْ غَيْرِي )) . العراقي: وسنده ضعيف. ورواه عنه البيهقي في ((الشُّعَب ))، وفيه هاشم بن عيسى الحمصي ؛ أورده الذهبي في (( الضعفاء ))، وقال : لا يُعرف - عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اَلِنَّهِ إِذَا نَظَرَ وَجْهَهُ) ؛ أي : صورة وجهه ( فِي المِرْآةِ ) المعروفة - بالمدِّ - ( قَالَ: ((اَلْحَمْدُ لهِ الَّذِيْ سَوَّىُ خَلْقِيْ ) - بفتح فسكون - أي : صورة خلقي ( فَعَذَّلَهُ) - بالتشديد والتخفيف - أي : بسبب كونه كرَّم صورته ، ( وَكَزَّمَ صُوْرَةَ وَجْهِيْ فَحَسَتَهَا ) ؛ فيُسنُّ النظر في المرآة وقولُ ذلك ؛ ولو كانت صورةُ وجهه ليست حَسَنة . لأنَّ المراد الحُسن النسبي بالنسبة لغيره ، ( وَجَعَلَنِيْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ ) ليقوم بواجب شكرِ ربِّه تقدَّس . ( وَ) أخرج أبو يعلى، والطبراني في ((الكبير)) - بسند فيه متروك؛ كما قال المناوي - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ( كَانَ) رسول الله (وَّهِ إِذَا نَظَرَ فِيْ اُلمِرْآةِ؛ قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ حَسَنَ ) - بالتشديد : فعَل ـ ( خَلْقِيْ ) - بسكون اللام - ( وَخُلُقِيْ) - بضمِّها - ( وَزَانَ مِنِّيْ مَا شَانَ) - أي: قبح - ( مِنْ غَيْرِيْ ) . قال الطيبي: فيه معنى قوله ((بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ )) فجعل النقص شَيْئاً ؛ كما قال المتنبي : وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْباً كَنَقْصِ الْقَادِرِيْنَ عَلَىْ الشَّمَامِ وعلى نحو هذا الحمدِ حَمْدُ داود وسليمان ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا وَقَالَا اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِينَ (٥)﴾ [النمل] انتهى. ولعل النبي ◌َّه كان يقول هذا مرَّة؛ وهذا أخرى . فيُندب النظر في المرآة والحمدُ على حُسن الخلق والخلقة ، لأنهما نعمتان يجبُ الشكر عليهما . ويقول : ٢٧٠ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((أَنَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِآدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ أَبِي إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِي خَلْقاً وَخُلُقاً )). وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا : الحمد لله الذي حسن خُلُقي؛ وإن كان سَيِّىءَ الخُلُق ، لأن المراد بالنسبة لمن هو أسوأً منه خُلُقاً . وقد كان ابن عمر يكثر النظر في المرآة . فقيل له ، فقال : انظر فما كان في وجهي زين ؛ فهو في وجه غيري شين أحمدُ الله عليه. انتهى ((مناوي وحفني)). ( وَ) في ((الإِحياء)): ( كَانَ لَّهِ يَقُوْلُ: أَنَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِآدَمَ نٍَّ ، وَكَانَ أَبِيْ إِبْرَاهِيمُ) خليل الرحمن (وَ﴿ أَشْبَهَ النَّاسِ بِيْ خَلْقاً) - بفتح الخاء وإسكان اللام - ( وَخُلُقَاً ) . بضمتين . قال في ((شرح الإحياء)): رواه البيهقي في (( دلائل النبوة )) من جملة حديث طويل ، ثم ساق الحديث بطوله بسنده إلى (( دلائل النبوة )) رحمه الله تعالى . ( وَ) روى مسلم في ((صحيحه))، والترمذي في ((الشمائل))؛ ( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ) بن عمرو بن حرام - بالراء - ابن عمرو بن سواد بن سَلِمة - بكسر اللام - ابن سعد بن علي بن أسد بن ساردة - بالسين المهملة - ابن تزيد - بالتاء المثناة فوق - ابن جشم ابن الخزرج الأنصاري الخزرجي السَّلَمي - بفتح السين واللام - المدني ، الصحابي ابن الصحابي ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ) يكنى : أبا عبد الله ، وقيل : أبا عبد الرحمن ، وقيل : أبا محمد . كان من كبار الصحابة وفضلائهم. غزا مع النبي ◌َّ سبعَ عشرة غزوة . وهو أحد المكثرين في الرواية عن رسول الله وَلفيه ، روى عنه ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعين حديثاً ؛ اتفق البخاريُّ ومسلمٌ منها على ستين حديثاً ، وانفرد البخاريُّ بستة وعشرين . وانفرد مسلم بمائة وستة وعشرين . وروى عن أبي بكرٍ وعمرَ وعليٍّ وأبي عبيدةَ ومعاذٍ وخالد بن الوليدِ وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين . ٢٧١ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ ، ورَوَى عنه جماعات من أئمة التابعين ؛ منهم سعيد بن المسيب ، وأبو سلمة ، ومحمد الباقر ، وعطاء ، وسالم بن أبي الجعد ، وعمرو بن دينار ، ومجاهد ، ومحمد بن المنكدر ، وأبو الزبير ، والشعبي ، وخلائق . وَأَسْتُشهِد أبوه يوم أحد ؛ فأحياه الله وكلَّمه ، وقال : يا عبد الله ما تريد ؟ فقال : أن أرجع إلى الدنيا مرّة أخرى فأُسْتَشْهَد مرَّة أخرى . والمعنى : أريدُ زيادةَ رضاك ؛ وهي الشهادة بعد الشهادة ، وهذه المرتبة أعلى مقاماً من حال أبي يزيد حين قيل له : ما تريد ؟ فقال : أريد أن لا أريد . وقال بعض السادة من أهل السعادة : هذه أيضا إرادة . نَعَم من قال : (( أُرِيْدُ وِصَالَهُ وَيُرِيْدُ هَجْرِي فَأَتْرُكُ مَا أُرِيدُ لِمَا يُرِيدُ)) مستحسنٌ جدّاً ، للحديث القدسي: ((تُرِيدُ وَأُرِيدُ ، وَلاَ يَكُونُ إِلَّ مَا أُرِيدُ )). وكانت وفاة جابر بالمدينة المنورة سنة : ثلاث وسبعين ، وقيل : ثمان وسبعين ، وقيل : ثمان وستين ، وهو ابن أربع وتسعين سنة . وكان ذَهَب بصرُه في آخر عمره ؛ وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة المنورة. وحيث أُطلِق ((جابر)) في كتب الحديث ؛ فهو جابر بن عبد الله . وإذا أريد جابر بن سمرة ! قُيِّد . رضي الله تعالى عنهم أجمعين . ( أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَِّ قَالَ: ((عُرِضَ) - بصيغة المجهول - ( عَلَيَّ ) - بتشديد الياء - ( اُلأَنْبِيَاءُ) في النوم بأن مُثِّلت له صورهم على ما كانت عليه حال حياتهم ، أو في اليقظة ليلة المعراج ، لأنه رآهم ليلته بصورهم الحقيقية التي كانوا عليها حال الحياة ، واجتمع بهم حقيقة في السموات ، وفي بيت المقدس . ويقرِّب الأوّلَ روايةُ البخاري: ((أُرَانِي ◌ٌللَّْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي أُلمَنَامِ؛ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسِنِ مَا يُرَى مِنَ الرِّجَالِ تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلَ الشَعَرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، واضِعاً يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ ؛ وَهُوَ يَطُوفُ بِأَلْبَيْتِ ، فَقُلْتُ: مَن هذا ؟ ٢٧٢ فَإِذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ . قالُوا : المَسِيْحُ ابْنُ مَرْيَمَ )) . ويؤيِّد الثانيَ روايةُ البخارِي أيضا: (( لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رَأَيْتُ مُوسَى ... )) الحديث. وفي ذلك إيماءٌ إلى أفضليته وَّل حيث لم يقل ( عُرِضْتُ عليهم ) ، فإِنَّهم كالجنود له ، والعسكرُ تُعرض على السلطان ؛ دون العكس . ولهذا قال بعض العارفين: إنَّهَ وَّلَ بمنزلة القلب في الجيش، والأنبياءُ مقدِّمته، والأولياء ساقته ، والملائكة يمنة ويسرة متظاهرين متعاونين، كما قال تعالى ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرُ ﴾﴾ [التحريم]. والشياطين قُطَّاع الطريق في الدين، والمراد بالأنبياء المعنى الأعمُّ الشامل للرسل. ( فَإِذَا) - للمفاجأة - ( مُؤْسَى) على نبينا و(عَلَيْهِ ) الصلاة و( السَّلاَمُ) ، وهو عطف على محذوف ؛ أي : فرأيت موسى ؛ فإذا موسى ... الخ . وموسى معرَّب مُوشَى - بشين معجمة - سمَّتْه به آسية بنت مزاحم امرأة فرعون لمَّا وُجد بالتابوت بين ماءٍ وشجر لمناسبته لحاله، فإنَّ ((مو)) في لغة القِبْط: الماء ، و(( شَىْ)) في تلك اللغة: الشجرُ، فَعُرِّب إلى موسى. ( ضَرْبٌ) - بفتح فسكون ــ ( مِنَ الرِّجَالِ ) ؛ صفة ضرب ؛ أي : نوع كائن من بين الرجال ؛ وهو الخفيف اللحم المستَدِقُّ ، بحيث يكون جسماً بين جسمين ، لا ناحل ولا مطهّم . (كَأَنَّهُ) - أي موسى - ( مِنْ رِجَالِ شَئُوءَةَ ) التي هي قبيلة من اليمن ؛ أو من قحطان ، وهي على وزن فَعُولة : تهمز وتسهَّل . قال ابن السِّكِّيْت : ربما قالوا شَنْوَة كنَبَّوة . ورجال هذه القبيلة متوسِّطون بين الخِفَّة والسِّمَنِ . والشَّنوءة - في الأصل -: التباعد؛ كما في كلام ((الصحاح)). ومِن ثَمَّ قيل لُقِّبُوا به !! لطهارة نسبهم وجميل حَسَبهم ، والمتبادِرُ أنَّ التشبيه بهم في خِفَّة اللحم ، فيكون تأكيداً لما قبله ، وبياناً له . وقيل : المرادُ تشبيهُ صورته بصورتهم ؛ لا تأكيدُ خِفَّة اللحم ، إذ التأسيس خير من التأكيد . وقال بعضهم : الأَولى أن يكون التشبيه باعتبار أصل معنى شنوءة ؛ فلا يكون ٢٧٣ وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [عَلِيهِ السَّلاَمُ]، فإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ . تأكيداً لما قبله ؛ ولا بياناً له ، بل هو خبرٌ مستقِلٌّ بالفائدة . وإنما لم يشبهه مَّ بفرد معيَّن ؛ كسيدنا إبراهيم وعيسى !! لعدم تشخُّص فرد معيَّن في خاطره حالَ حكايته ذلك لأصحابه . والله أعلم . (وَرَأَيْتُ ) - بصيغة المتكلِّم أي : أبصرت ــ ( عِيْسَىُ ابنَ مَرْيَمَ ) بنتِ عمران الصدِّيقة بنصِّ القرآن ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [٧٥/ المائدة] قيل : من ذرية سليمان بينها وبينه أربعة وعشرون أباً ، ورُفع عيسى عليه السلام وسِنُّها ثلاث وخمسون سنة ، وبقيت بعده خمس سنين . (فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً عُزْوَةٌ) - بمهملات - ( ابنُ مَسْعُودٍ) رَضِيَ اللهُ تَعَالَىُ عَنْهُ الثقفي ؛ لا الهُذَلي كما وُهِم . وهو أبو مسعود ؛ أو أبو يعفور . وأُمهُ قرشية ؛ وهو الذي أرسلته قريش إلى المصطفى ◌َ له يوم الحديبية فعقد معه الصلح؛ وهو كافر ، ثُمَّ أسلم سنةً تسعٍ - بتقديم المثناة على السين المهملة - من الهجرة بعد رجوع النبي رَيّ من الطائف، واستأذن النبيَّ ◌َِّ في الرجوع لأهله ؛ فرجع ودعا قومه إلى الإسلام فرماه واحد منهم بسَهْم ؛ وهو يؤذِّنُ للصلاة ؛ فمات، فقال رسول الله بَّه لما بلغه ذلك: ((مَثَلُ عُزْوَةَ مَثَلُ صَاحِبٍ يَاسِيْنِ؛ دَعَا قَوْمَهُ إِلى اللهِ فَقَتَلُوهُ)) انتهى. وهو أحد الرجلين اللذين قالوا فيهما ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (﴾﴾ [الزخرف] وحِلْيةُ عروةً لم تضبط ! ولعلَّه اكتفى بعلم المخاطَبين ؛ فلم يحصل لنا المعرفة بِحِلْية عيسى عليه السلام ، لكن في روايةٍ لمسلم: ((فَإِذَا هُوَ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِيْمَاسٍ )) أي: حمَّام. وفي رواية أخرى: ((فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ )) فجمع بين الحديثين بأنّه كان له حمرة وأُدْمة لم يكن شيء منها في الغاية ، فوصفه تارة بالحمرة ؛ وتارة بالأُدمَة ، وجمع أيضاً بغير ذلك . ولا يخفى أنَّ ((أقربَ)) مبتدأٌ؛ خبرهُ عروةُ بن مسعود. و(( من)) موصولة وعائدها محذوف ؛ أي : أقرب الذي رأيته ، وبه متعلَّق بـ(( شَبَهاً)) المنصوب على ٢٧٤ وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً صَاحِبُكُمْ ؛ يَعْنِي نَفْسَهُ . وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاَ دَحْيَةُ )). أنَّه تمييزٌ للنسبة، وصِلَة ((القرب)) محذوفةٌ أي : إليه أو منه . (وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيْمَ) الخليلَ على نبينا و(عَلَيْهِ) الصلاةُ و(السَّلاَمُ) قال الماوردي في (( الحاوي)): معناه بالسريانية (( أب رحيم )) ، وفيه خمس لغات بل أكثر : إبراهيم ، وإبراهام؛ وهما أشهرُ لغاته، وبهما قرىء في السَّبْع ، وإبراهُم - بضم الهاء ، وکسرها ، وفتحها ۔۔ ( فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً صَاحِبُّكُمْ). ولذلك وَرَد: (( أَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيْمَ بِهِ)). ( يَعْنِيْ نَفْسَهُ)؛ أي: يقصد النبيُّ نَّهَ بقوله ((صَاحِبُكُمْ)) نفسَه الشريفة . وهذا من كلام جابر رضي الله تعالى عنه . (وَرَأَيْتُ جِبْرِيْلَ) - كِفِعْليل. وفيه ثلاثة عشر وجهاً؛ بَسَط بعضُهم الكلام عليها . وهو سرياني ؛ معناه: عبد الرحمن ، أو عبد العزيز . و(( إيل)): اسم الله عند الجمهور . وقيل غير ذلك . ثم قوله ((رأيتُ جبريل)) معطوفٌ على قوله ((عُرض عليَّ الأنبياء)) عطفَ قصَّته على قصَّته ، فليس داخلاً في عرض الأنبياء حتى نحتاج إلى جعله منهم تغليباً . غايةُ الأمر : أنَّه ذكره في سياق الأنبياء مع كونه غيرَ نبي !! لكثرة مخالطته لهم وتبليغ الوحي إليهم ، نظير ما قيل في قوله تعالى ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّ إِبْلِيسَ﴾ [٣٠-٣١/ الحجر] انتهى ((باجوري ومناوي رحمهما الله تعالى)). ( عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً دِخْيَةُ) - بكسر الدال المهملة وسكون الحاء المهملة وبالتحتانية المفتوحة ؛ على ما قاله أكثر أصحاب الحديث وأهل اللغة . وقال ابن ماكولا في (( الإكمال)): بفتح الدال -. وهو ابن خليفة بن فضالة بن فروة الكلبي الصحابي قديماً المشهور ، بل هو من كبار الصحابة . ٢٧٥ وَمَعْنَى ( ضَرْبٌ ) : نَوْعٌ . وَ( شَنُوءَةُ ) : قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَمَنِ رِجَالُهَا مُتَوَسِّطُونَ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسِعَ الظَّهْرِ ، شهد مع رسول الله وَ له مشاهده كلَّها بعد بدر ، وبايع تحت الشجرة . وفي ((الصحيحين)): كان جبريل يأتي النبي ◌ّ في صورته غالباً ، لأنه كان بارعاً في الجمال ؛ بحيث تُضرَبُ به الأمثال . وكان إذا دخل بلداً برز لرؤيته العواتقُ من خدورهن . نزل الشام وسكن المِزَّة ، وبقي إلى أيام معاوية رضي الله عنه . رَوَى عن النبي ◌ََّ ثلاثة أحاديث. وحديثُه في (( الصحيحين)). وكانت وفاته في سنة: خمس وأربعين تقريباً . قال جمع من العلماء : وحكمةُ إتيان جبريل في صورته أنَّ القرآن عربيٍّ نزل بلسان عربي مبين ، وعادة العرب قبل الإسلام لا يرسلون إلى ملك رسولاً ؛ إلاَّ مثل دحية في الجمال والفصاحة ، والمصطفى ◌َّ أعظم من الملوك؛ فكان يأتيه في صورته جَزْياً على عادتهم . ودِحِيةُ هو رسول نبي الله وَّه إلى قيصر، فلقيه بحمص ، ثم عاد إليه رضي الله تعالى عنه . ( وَمَعْنَى ضَرْبٌ) - بفتح المعجمة وسكون الراء وآخره باء موحدة -: ( نَوْعٌ ) ؛ كما في ((حاشية الباجوري)). (وَشَنُوءَةُ) - بفتح الشين المعجمة وضمِّ النون ؛ ثم واو ساكنة ثم همزة مفتوحة بعدها تاء ؛ على زنة : فعولة -: ( قَبِيْلَةٌ) معروفة ( مِنَ اُلْيَمَنِ ) - ومنه أزْد شنوءة ــ (رِجَالُهَا مُتَوَسِّطُوْنَ) بين الخِفَّةِ والسِّمَن، سُمِّيت به لِشناءَة بينهم ، أو لِتَشَتُّهِم : أي: بُعدهم إِمَّا من الناس، أو من الأدناس، ويرجِّحه قول ((الصحاح)): الشنوءة على وزن فعولة: التعزُّز وهو التباعد، ومِن ثَمَّ قيل : لُقِّبوا به لطهارة نسبهم وجميلٍ حسبهم. انتهى (( مناوي)). ( وَ) في ((الإحياء)): ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ وَاسِعَ الظَّهْرِ)، وبه فُسِّر (( بعيد ٢٧٦ مَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتِمُ الْنُوَّةِ، وَهُوَ مِمَّا يَلِي مَنْكِبَهُ الأَيْمَنَ، فِيهِ شَامَةٌ سَوْدَاءُ ما بين المنكبين))؛ أي: عريض أعلى الظهر - كما تقدَّم -، وقد روي ((بعيد ما بين المنكبين )) في عدَّة أحاديث . روى الشيخان : البخاريُّ ، ومسلم ؛ من حديث البراء رضي الله تعالى عنه : كان مربوعاً بعيدَ ما بين المنكبين ... الحديث . وروى البيهقي ، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ((كان بعيد ما بين المنكبين))، وفي لفظٍ لمسلم : ((له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين)). ( مَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ اُلتُّبُّوَّةِ) - بفتح التاء وكسرها -، والمرادُ به هنا الأثر الحاصل له بين كتفيه لمشابهته للخاتم الذي يُختم به ؛ وهو الطابع . وإضافته للنبوة للدَّلالة عليها. ( وَهُوَ مِمَّا يَلِيْ مَنْكِبَهُ الأَيْمَنَ ) ، فالبَيْنِيَّة المذكورة تقريبية. هذا قولٌ ، والصحيح أنَّه كان عند أعلى كتفه الأيسر ؛ قاله السُّهَيلي . وقد وقع التصريحُ به عند مسلم ، قال : حدَّثَنا حامد بن عمر البكراوي ، وأبو كامل الجحدري ؛ قالا : حذَّثنا حمَّد بن زيد ؛ عن عاصمِ الأحوالِ ؛ عن عبد الله بن سَرْجِسَ قال: رأيت النبيِ نَّ وأكلتُ معه خبزاً ولحماً. وساق الحديث . وفيه : ثُمَّ دُرْتُ خلفه فنظرت إلى خاتم النبوّة بين كتفيه عند نفض كتفه اليسرى ... الحديث . والسِّر في جَعْله على الجانب الأيسر : أَنَّ القلب في تلك الجهة ، فجعل الخاتم في المحلِّ المحاذي للقلب . وهل ١ - وُلد به ، أو ٢ - وضع حين ولد ، أو ٣ - عند شقِّ صدره، أو ٤ - حين نُىء!؟ أقوالٌ. قال الحافظ ابن حجر : أَثْبَتُها الثالث. وبه جزم القاضي عياض . ( فِيْهِ شَامَةٌ سَوْدَاءُ ) ، والشامة : علامةٌ تخالف لونَ البدن التي هي فيه ، جمعه شام وشامات ؛ قاله في ((القاموس)) . وقال الجوهري : الشام جمع شامة؛ وهي ٢٧٧ تَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ، حَوْلَهَا شَعَرَاتٌ مُتَوَالِيَاتٌ كَأَنَّهَا مِنْ عُرْفٍ فَرَسٍ . وَكَانَ خَاتَمُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُدَّةٌ حَمْرَاءَ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ. الخالُ ؛ وهي من الياء(١) . ( تَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ، حَوْلَهَا شَعَرَاتٌ مَنَوَالِيَاتٌ كَأَنَّهَا مِنْ عُرْفٍ ) - بضم العين وإسكان الراء - ( فَرَسٍ ) ؛ وهو الشعر النابت في مُحَدَّب رقبتها . هكذا رواه ابن أبي خيثمة في ((تاريخه))، إلاَّ أنَّه قال : متركِّبات ، بدل : متواليات ؛ قاله في ((شرح الإِحياء)). وسيأتي عن الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) رَدُّ هذه الرواية في صفة خاتم النبوة . ( وَكَانَ خَاتَمُهُ بَّر)؛ أي: خاتم النبوة الذي بين كتفيه (غُدَّةً ) - بضم الغين المعجمة وتشديد الدال المهملة - وهي؛ كما في (( المصباح)) : لحم يحدث بين الجلد واللحم، يتحرَّك بالتحريم . ( حَمْرَاءَ ) ؛ أي : مائلة للحمرة ، لئلا ينافي ما ورد في رواية مسلم: أنَّه كان على لون جسده بَّر؛ قاله في ((جمع الوسائل)). وفي الباجوري : قوله حمراء ... وفي رواية : أَنَّها سوداء ، وفي رواية : أَنَّها خضراء ، وفي رواية : كلون جسده ، ولا تدافع بين هذه الروايات ، لأنَّه كان يتفاوت باختلاف الأوقات ؛ فكانت كلون جسده تارة ، وكانت حمراء تارة ... وهكذا بحسب الأوقات . ( مِثْلَ بَيْضَةِ الحَمَامَةِ). رواه الترمذي في (( الشمائل))؛ عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما بلفظ: ((رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله وَ له غُدَّةً حمراءَ مثلَ بيضة الحمامة )) انتهى. وفي تحديد خاتم النبوَّة أقوال كثيرة ؛ منها : جُمْعٌ عليه خِيلان ؛ كأنها الثآليل السود عند نفض كتفه . رواه مسلم ؛ من (١) احتراز عن الألف: شأم، وعن الميم: شَمَم؛ إذهي من : شيم. ٢٧٨ حدیث عبد الله بن سرجس . وقيل : مثل زر الحجلة . رواه البخاري ؛ من حديث السائب بن يزيد ، وزاد : ويَنمُّ مِسْكاً . ورواه مسلم بلا زيادة . وقيل : كبيضة الحمام . رواه مسلم ؛ من حديث جابر بن سَمُرة . وقيل : مثل السلعة . رواه البيهقي ؛ من حديث معاوية بن قُرَّة عن أبيه . وقيل : شعر مجتمع . رواه الحاكم في ((المستدرك)). وقيل: مثل التفاحة. رواه الترمذي في ((الشمائل))، والبيهقي في ((الدلائل))؛ من حديث إيَاد بن لقيط . وقيل : مثل بعرة البعير . رواه أيضاً ؛ من حديث أبي رِمْئة ؛ عن أبيه . وقيل : مثل السلعة . رواه أيضاً ؛ من حديثه ؛ عن أبيه . وقيل : لحمة ناتئة . رواه أيضاً ؛ من حديث أبي سعيد . وقيل : بَضعة ناشزة. رواه الترمذي في (( الشمائل)). وقيل: كالبندقة . رواه ابن عساكر في (( التاريخ)). زاد الحاكم في (( تاريخ نيسابور )) : مكتوب فيه باللحم ( محمد رسول الله )) . وقيل : كالمحجمة الضخمة . رواه البيهقي ؛ من حديث التنوخي رسولِ هرقل . وللسهيلي في ((الروض)): كأثر المحجم النابضة على اللحم . وقيل : شامةٌ خضراء محتفرة في اللحم . رواه ابن أبي خيثمة في (( التاريخ)). وقيل : ثلاث شعرات مجتمعات ؛ نقله القاضي . وقيل : كبيضة حمام مكتوب بباطنها (( الله وحده لا شريك له ))، وبظاهرها ((توجَّه حيث كنت فإنَّك منصور )) رواه الحكيم الترمذي؛ في ((نوادر الأصول)». وقيل : كان نوراً بتلألأُ . رواه ابن عائذ . قال بعض العلماءِ : وليست هذه الروايات مختلفةً حقيقة ، بل كلٌّ شَبَّه بما سَنَح ٢٧٩ وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ له . وتلك الألفاظ كلُّها مؤدَّاها واحد ، وهو : قطعة لحم . ومَن قال : شعر ، فلأن الشعر حوله متراكب عليه . كما في الرواية الأخرى . وقال القرطبي : الأحاديث الثابتة تدلُّ على أن خاتم النبوة كان شيئاً بارزاً أحمرَ عند كتفه الأيسر ، إذا قُلِّل جُعل كبيضة الحمامة، وإذا كُثِّرِ جُعل كجُمْع اليد. وقال القاضي: رواية (( جُمع الكَفِّ)) تخالف (( بيض الحمام))، و ((زر الحَجَلة)) فتتأوَّل على وفق الروايات الكثيرة ، أي : كهيئة الجُمع ؛ لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة . وقال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)): وأمَّا ما وَرَد أنها كانت كأثر محجم، أو كشامة خضراء ؛ أو سوداء، أو مكتوب عليها: (( محمد رسول الله ))، أو (( سِرْ فأنت منصور))، أو تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متواليات كأنها عُرف فرس بمنكبه الأيمن ، إلى غير ذلك !! فلم يثبت منه شيء . وتصحيح ابن حبان ذلك وَهَمّ . قال الحافظ الهيثمي: مَن روى أنه كان على خاتم النبوة كتابة : (( محمد رسول الله)) !! فقد اشتبه عليه خاتم النبوة بخاتم اليد ، إذ الكتابة المذكورة إنما كانت على خاتم اليد ؛ دون خاتم النبوة. انتهى ملخصاً ((من شرح الإحياء))، والمناوي ، والباجوري . ( وَ) روى الترمذيُّ في ((الشمائِل))؛ (عَنْ بُرَيْدَةَ) - مصغّر - ( أَبْنِ اُلخُصَيْبِ ) - بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة ؛ مصغراً - ابن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمي ، أبو عبد الله ، ويقال : أبو سهل . ويقال : أبو الحُصيب . كان من أكابر الصحابة ، أسلم قبل بدر ؛ ولم يشهدها ، وشهد خيبر وفَتْح مكة. واستعمله النبي ◌َّر على صدقات قومه، وسكن المدينة . وانتقل إلى البصرة ، ثم إلى مرو ؛ فمات بها سنة : اثنتين - أو ثلاث - وستين هجرية ، وهو آخر مَن مات من الصحابة رضي الله عنهم بخراسان . رُوي له عن النبي وَلّ مائة وسبعة وستون حديثاً؛ اتفق البخاري ومسلم على ٢٨٠