Indexed OCR Text
Pages 181-200
وَأَمَّا أَسْمُ أَحْمَدَ : فَقَدْ قَالَ أَلْبَاجُورِيُّ فِي ((حَاشِيَبِّهِ)) : هُوَ فِي الأَصْلِ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ ، الحادي عشر : محمد بن اليُحمِد - بضمِّ التحتية وسكون المهملة وكسر الميم - الأَزْدي . الثاني عشر : محمد بن يزيد بن عمرو بن ربيعة التميمي . الثالث عشر : محمد بن الأُسَيِّدي - بضم الهمزة وفتح السين المهملة وكسر التحتية الثقيلة - . الرابع عشر : محمد الفُقَيمي - بضم الفاء وفتح القاف وسكون التحتية - . الخامس عشر : محمد بن عمرو بن مُغْفِل - بضمِّ أوَّله وسكون المعجمة وكسر الفاء ثم لام - ، والد هُبَيْب - بموحدتين مصغّر - . وكلُّهم لم يدركوا الإسلام إلاَّ الأوّل ؛ وهو محمد بن عدي ، ففي سياق خبره الذي رواه البغويُّ وابنُ سعد وابن شاهين وابن السَّكن وغيرهم ما يشعر بإدراكه الإسلام . ولفظ الخبر ؛ عن خليفة بن عبدة النصري قال : سألت محمد بن عدي : كيف سَمَّاك أبوك في الجاهلية محمداً ؟! قال : سألتُ أَبي عمَّا سألتني ؛ فقال : خرجت رابعَ أربعة من تميم أنا أحدُهم ، وسفيان بن مجاشع ، ويزيد بن عمرو ، وأسامة بن مالك ؛ نريد الشام ، فنزلنا على غدير عند دير ؛ فأشرف علينا الديراني ؛ فقال لنا : إنَّه يُبعث منكم وشِيكاً نبي فسارِعوا إليه . فقلنا : ما اسمُه ؟ قال : محمد . فلما انصرفنا وُلِد لكلِّ منا ولد فسمَّاه محمداً لِذلك . انتهى . وقد ذكره ابن سعد والبغويُّ والباروديُّ وغيرهم في الصحابة ، وأنكره ابن الأثير على ابن منده ؛ وتبعه الذهبي ، فقال : لا وجه لذكره فيهم . قال في (( الإصابة )): ولا إنكار عليه، لأن سياقه يقتضي أنَّ له صحبةً . (وَأَمَّا أَسْمُ أَحْمَدَ !! فَقَدْ قَالَ ) الشيخ العلاَّمة إبراهيم ( ألبَاجُوْرِيُّ) رحمه الله تعالى ( فِي ((حَاشِيَّهِ))) على ((الشمائل)): (هُوَ فِي الأَصْلِ ((أَفْعَلُ)) تَفْضِيْلٍ ) ١٨١ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ لِرَبِّهِ؛ فَفِي (( الصَّحِيحِ)): أَنَّهُ يُفْتَحُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَحَامِدَ لَمْ يُفْتَحْ بِهَا عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ ، وَكَذَلِكَ يُعْقَدُ لَهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ ، وَيُخَصُّ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ . وَبِالْجُمْلَةِ: فَهُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ حَامِدِيَّةً وَمَحْمُودِيَّةً ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَحْمَدَ وَمُحَمَّداً . وَلِهَذَيْنِ الاسْمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ اُلأَسْمَاءِ ، فَيَنْبُغِي تَحَرِّي التَّسْمِيَةِ بِهِمَا ، حذف المفضَّل عليه قصداً للتعظيم نحو ((الله أكبر))، أي: من كلِّ شيء. ثم نقل ولُحِظ أصلُه ، فلا يرد عليه أَنَّه عَلَم ؛ فكيف يفيد ما ذكره ؟ . (وسُمِّيَ بِذَلِكَ !! لأَنَّهُ أَحْمَدُ الْحَامِدِيْنَ لِرَبِّهِ)، وكذلك معنى ((أحمد )) فاسمه مطابقٌ لمعناه ( فَفِي ((الصَّحِيْحِ))): البخاري ومسلم ( أَنَّهُ يُفْتَحُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ) في المقام المحمود ( بِمَحَامِدَ ) - جمع محمدة ، بمعنى حمد - ( لَمْ يُفْتَخْ بِهَا عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ) ؛ أي : يلهمه الله محامد عظيمة لم يُلهمها لغيره، وأصل الفتح ضدٌ الغلق ؛ فاستعير للإلهام ، ( وَكَذَلِكَ يُعْقَدُ لَهُ لِوَاءُ الحَمْدِ ) الحقيقي وعِلْم حقيقته عند الله ؛ أي : لواء يتبعه كلّ حامد ومحمود ، وأصحاب الحمد مَن لهم الشفاعة يومئذ كالأنبياء ، أو هو تمثيل لشهرته في الموقف وعدمُ التأويل أَسَدُّ - كما قيل - (وَيُخَصُّ بِالْمَقَامِ المَحْمُوْدِ ) ؛ وهو مقام الشفاعة العظمى الذي يحمدُه فيه الأوَّلون والآخرون . ( وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ ) وَ ( أَكْثَرُ النَّاسِ حَامِدِيَّةً وَمَحْمُودِيَّةٌ ، فَلِذْلِكَ سُمِّيَ أَحْمَدَ وَمُحَمَّداً)، لأنَّ هُذين الاسمين اشتُقًّا من أخلاقه بَّهِ وخصائله المحمودة : التي لأجلها استحقَّ أن يسمَّى ((محمداً )) و((أحمد )). ( وَلِهُذَيْنِ أَلاسْمَيْنِ الشَّرِيْفَيْنِ مَزِيَّةٌ) أي: فضلٌ (عَلَىُ سَائِرِ الأَسْمَاءِ) ؛ أي: سوى ((عبد الله)) و((عبد الرحمن)) - على ما اعتمده العلامة ابن حجر في ((التحفة))؛ من أفضليتهما على اسمَيْ ((محمد)) و((أحمد)) - ( فَيَتْبَغِي تَحَرِّيْ التَّسْمِيَّةِ بِهِمَا)؛ أي: باسْمَيْ ((محمد )) و((أحمد))، وقد سمَّى الإمام الشافعيُّ ١٨٢ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: ((إِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لاَ أُدْخِلَ النَّارَ مَنِ اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَلاَ مُحَمَّدٌ )). وَرَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيُّ ولَده محمداً ؛ وقال : سَمَّيْتُهُ بأحبّ الأسماء إليَّ . ومن خصائصه و ل﴿ أنَّ اسمه ميمونٌ ونافع في الدنيا والآخرة، ( فَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيْثِ القُدْسِيِّ) الذي رواه أبو نعيم: ((قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ((وَعِزَّتِي وَجَلَاَلِي ؛ لا عَذَّبْتُ أَحَداً تَسَمَّى بِأَسْمِكَ فِي أَلنَّارِ )) )) . كما جاء في التسمية بـ ((محمد )) و((أحمد )) فضائلُ عليَّةٌ في عدَّة أحاديث . فمنها ما ورد عنه وَ ل﴿ أَنَّه قال: (( يُوقَفُ عَبْدَانِ بَيْنَ يَدَي اللهِ تَعَالَىْ فَيَأْمُرُ بِهِمَا إِلى الْجَنَةٍ، فَيَقُولاَنِ: رَبََّ بِمَ أَسْتَأْهَلْنَ الجَنَّةَ؛ وَلَمْ نَعْمَلْ عَمَلاً تُجَازِيْنَا بِهِ الجَنَّةً!؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى : أُدْخُلاَ الجَنَّةَ؛ ( إِنِّي أَلَيْتُ عَلَى نَفْسِيْ أَنْ لا أُدْخِلَ النَّارَ مَنِ اسْمُهُ أحْمَدُ وَلاَ مُحَمَّدٌ ))). ومنها ما (رَوَاهُ) ( الذَّيْلَمِيُّ) في (( مسند الفردوس))؛ (عَنْ ) أمير المؤمنين الإمام ( عَلِيٍّ ) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المكي المدني الكوفي أمير المؤمنين ((ابن عم رسول الله وَّر)). وأمه فاطمةُ بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية . وهي أوَّل هاشمية وَلَدت هاشمياً . أسلمت وهاجرت إلى المدينة . وتوفيت في حياة رسول الله وَعليه؛ وصلَّى عليها رسول الله مَّه، ونزل في قبرها . وكنية علي: ((أبو الحسن)). وكنّاه رسول الله وَ ◌ّ﴾ ((أبا تراب))، فكان أحبَّ ما ينادى به إليه . وهو أخو رسول الله وَّر بالمؤاخاة، وصهرُه علَى فاطمة سيِّدةِ نساء العالمين ، وأبو السِّبْطين ، وأوَّل هاشمي ولد بين هاشميين ، وأوَّل خليفة من بني هاشم . ١٨٣ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا مِنْ مَائِدَةٍ وُضِعَتْ فَحَضَرَ عَلَيْهَا مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدُ .. إِلَّ قَدَّسَ اللهُ ذَلِكَ الْمَنْزِلَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ) أنتُھَىُ. وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله وَلَّه بالجنة، وأحد الستّة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله مَّر وهو عنهم راضٍ . وأحد الخلفاءِ الراشدين ، وأحد العلماء الربَّانيين ؛ والشُّجعان المشهورين ، وأحد الزُّهَّاد المذكورين ، وأحد السابقين إلى الإسلام . توفي في الكوفة ليلةَ الأحد التاسع عشر من شهر رمضان سنة : أربعين . ضربه ابن ملجم (( أشقى الآخِرِين لعنه الله )) بسيف مسموم في جبهته فأوصله دماغَه ، ليلة الجمعة الموافق ١٧ رمضان سنة : أربعين هجرية في قصة يطول شرحها ، وتوفي وعمره ثلاث وستون سنة على الأصحِّ . والأحاديث الصحيحة الواردة في فضله كثيرة ، ومناقبة جَمَّة أُفردت بالتأليف ( رَضَيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) وكرَّم وجهه في الجنة . آمين . ( مَا مِنْ مَائِدَةٍ وُضِعَتْ فَحَضَرَ عَلَيْهَا مَنِ اسْمُهُ (( مُحَمَّدٌ)) أَوْ ((أَحْمَدُ )) إِلَّ قَدَّسَ اللهُ ذَلِكَ المَنْزِلَ فِي كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ . انتهى ) . قال العلاَّمة السيد عبد الله بن محمد بن الصِّديق الغُماري: وللحافظ أبي عبد الله : الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي جزء مطبوع في فضل التسمية بـ(محمد)) و((أحمد)). انتهى. لكن قال المجدُ صاحب ((القاموس)) في خاتمة ((سفر السعادة))؛ باب فضيلة التسمية بـ(محمد)) و((أحمد)): والمنعُ من ذلك لم يصحَّ فيه شيء. وتبعه العجلوني في (( كشف الخفا))، وسبقهما الحافظ ضياء الدين أبو حفص عمر بن بدر الموصلي في كتاب (( المغني عن الحفظ والكتاب )) ؛ فقال : قال أبو حاتم الرازي: قد ورد في هذا الباب أحاديثُ عن رسول الله ◌َّ ليس فيها ما يصحُ. وتعقّبه الشيخ حسام القدسي في رسالته (( انتقاد المغني)) بما فيه نظر ، فليراجعه مَن أراده . ١٨٤ الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ خِلْقَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُنَاسِبُهَا مِنْ أَوْصَافِهِ الشَّرِيفَةِ وَفِيهِ عَشَرَةُ فُصُولٍ ( الْبَابُ الثَّانِي ) من الأبواب الثمانية (فِي صِفَةِ خِلْقَةِ رَسُوْلِ اللهِ ◌ِّهِ)؛ أي : صورته التي خُلق عليها، ( وَمَا يُنَاسِبُهَا مِنْ أَوْصَافِهِ الشَّرِيْفَةِ ) ؛ كصفة بصره ، وشعره ، وشيبِهِ ، وخضابه ، وعرقه ، وطِيبه ، وتطيِّبه . ( وَفِيْهِ عَشَرَةُ فُصُوْلٍ . ١٨٥ اَلْفَضْلُ الأَوَّلُ فِي جَمَالِ صُورَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا شَاكَلَهَا الْفَصْلُ الأَوَّلُ : فِي جَمَالِ صُوْرَتِهِ وََّ )؛ وهي: ما يظهر للناظرين من جسده (وَ*)، وفي ((المصباح))؛ قال سيبويه : الجمالُ رقَّة الجسد ، والأصل جَمَالة بالهاء مثل ( صبح صَبَاحة ) لكنهم حذفوا الهاء تخفيفاً لكثرة الاستعمال . ( وَمَا شَاكَلَهَا )، أي : ناسبها . واعلم أنَّ الكلامَ على خِلْقَتِهِ وَ له يستدعي الكلام على ابتداء وجوده ؛ فاحتيج إلى ذكره ، وإن أغفله المصنّ رحمه الله تعالى . وملخصه أنه صحَّ في ((مسلم )) أَنَّه قال: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ مَقَادِيْرَ الخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمُوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ » . ومن جملة ما كُتب في الذكر ؛ وهو ((أُمُ الكتاب)): أَنَّ محمداً خاتم النبيين . وصحَّ أيضاً : ((إِنِّي عِنْدَ اللهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِّينَ ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِيْنَتِّهِ )) أي : لَطريح ملقى قبل نفخ الروح فيه . وصحَّ أيضاً : يا رسول الله؛ متى كُنت نبيّاً؟! قال: ((وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَأَلجَسَدِ)). ورُوي (كُتِبْتَ))؛ من الكتابة. وروى الترمذي وحسَّنه: يا رسول الله ؛ متى وجبتْ لك النبوة ؟! فقال: ((وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ)). ومعنى وجوب النبوة وكتابتها ثبوتُها وظهورُها في الخارج ؛ أي: للملائكة، وروحه بَّر في عالم الأرواح ؛ إعلاماً بعظيم شرفه وتميُّه عن بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ١٨٦ وخُصَّ الإظهار بحالةِ كون آدم بين الروح والجسد !! لأنَّه أوانُ دخول الأرواح إلى عالم الأجساد ، والتمايز حينئذ أتمُّ وأظهر فاختُصَّ وَّه بزيادةِ إِظهار شرفه حينئذ ، ليتميَّز على غيره تميّزاً أظهرَ وأتمّ . وأجاب الغزالي في بعض كتبه عن وصف نفسه بالنبوة قبل وجود ذاته ، وخبرِ « أَنَا أَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ خَلْقاً وَآخِرُهُمْ بَعْئاً)»: بأن المراد بالخلق هنا التقدير ، لا الإيجاد ، فإنه قبل أن تحمل به أُّه لم يكن مخلوقا موجوداً ، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير ؛ لاحقةٌ في الوجود . فقوله: ((كُنْتُ نَبِيّاً)) - أي: في التقدير - قبل تمام خِلْقة آدم. إذ لم يُنْشأ إِلَّ لِيُسَزَع من ذرَّته محمد نَّهَ . وتحقيقُه أنَّ للدارِ في ذهن المهندسين وجوداً ذهنيّاً ؛ سبباً للوجود الخارجي وسابقاً عليه، فاللهُ تعالى يقدِّر ثم يُوجد على وفق التقدير ثانياً . انتهى . وذهب السبكي إلى ما هو أحسنُ وأبينُ؛ وهو أنَّه جاء: ((إنَّ الأَزْوَاحَ خُلِقَتْ قَبْلَ اُلأَجْسَادِ )). والإشارة بـ((كُنْتُ نَبِيًّ)) إِلى روحه الشريفة، أو حقيقة من حقائقه لا يعلمها إِلاَّ الله تعالى ، ومَن حباه بالاطلاع عليها . ثم إنَّ الله تعالى يُؤتي كلَّ حقيقة منها ما شاء ؛ في أيٍّ وقتٍ شاء ، فحقيقته ◌َّ قد تكون من قَبْل خلق آدم آتاها الله ذلك الوصف بأن خلقها متهيئة له ؛ وأفاضه عليه فصار نبيا ، وكتب اسمه على العرش ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده ، فحقيقته موجودةٌ من ذلك الوقت ؛ وإن تأَخَّر جسده الشريف المتَّصفُ بها ؛ فحينئذٍ فإيتاؤه النبوة والحكمةَ وسائر أوصاف حقيقته وكمالاته مُعجَّل لا تأخير فيه ، وإنما المتأخِّر تكَوُّنه وتنقُّله في الأصلاب والأرحام الطاهرة إلى أن ظهر بَّهُ . ومَن فسَّر بـ ( علم الله تعالى أنَّه سيصير نبيًّا) !! لم يصل لهذا المعنى ، لأن علمَه تعالى محيطٌ بجميع الأشياء ، فالوصف بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يُفهمَ منه أنَّه أمر ثابت له ، وإلاَّ لم يختصَّ بأنه نبيٌّ حينئذ ، إذ الأنبياء كلُّهم كذلك بالنسبة لعلمه تعالى . وقال العماد ابن كثير؛ في تفسير قوله تعالى ﴿ وَإِذْأَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ﴾ الآية [٨١/آل عمران]: ١٨٧ إنَّ الله تعالى لم يبعث نبياً إلاَّ أخذ عليه العهد في محمد بَّهِ إِنْ بُعث ؛ وهو حي : ليؤْمِنَنَّ به وَلَينصرَنَّه ، ويأخذ العهد بذلك . وأخذ السبكي من الآية : أَنَّه على تقدير مجيئه في زمانهم مرسل إليهم ؛ فتكون نبَّتُه ورسالته عامَّة لجميع الخلق من آدم إلى يوم القيامة . وتكون الأنبياءُ والأُمم كلُّهم من أمته . فقوله : ((وَيُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً)) يتناول مَن قبل زمانه أيضا ، وبه يتبيَّنُ معنى قوله (( كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَاَلجَسَدِ )) ، وكذا حكمةُ كونِ الأنبياء تحتَ لوائه في الآخرة وصلاتِه بهم ليلة الإسراء . فَأَوَّل الأشياءِ على الإِطلاق : النور المحمّدي ، ثم الماء ، ثم العرش ، ثم القلم . ولما خلق الله آدم جعل ذلك النورَ في ظهره ؛ فكان يلمع في جبينه ، ولما توفي كان ولده شيث وصيَّه، فوصَّى ولدَه بما وصَّاه به أبوه (( أن لا يوضع هذا النور إِلاَّ في المطهّرات من النساء)) ، ولم يزل العمل بهذه الوصية إلى أن وصل ذلك إلى عبدِ الله مطهّراً من سِفاح الجاهلية كما أخبر رسول الله وَّر عن ذلك في عِدَّة أحاديث . ثم زوَّج عبد المطلب ابنه عبد الله بآمنةَ بنتِ وهب ، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريشٍ نسباً وموضعاً؛ فدخل بها ، وحملت بمحمد وَّر ، فظهر في حمله ومولده عجائب تدُّ لما يؤول إليه أمر ظهوره ورسالته . وقد صح أَنَّ أُمَّهَ وَّر رأت حين وضعته نوراً أضاء له قصور الشام ، ووُلد مختوناً - في قولٍ - عام الفيل ، وحكي الاتفاق عليه ، والمشهور أنَّه بعده بخمسين يوما ، وقيل : بأربعين ، وقيل : بعشر سنين ، وقيل غير ذلك . ثم الجمهورُ على أَنَّه ولد في شهر ربيع الأول، فقيل: ثانِيَهُ . وقيل : ثامِنْهُ . وانتصر له كثير من المحدِّثين . وقيل : عاشِرَهُ . وقيل : ثانِيَ عَشَرِهِ وهو المشهور . وقيل غير ذلك ، وذلك في يوم الاثنين - كما صحَّ في (( مسلم )) - عقب الفجر - كما في رواية ضعيفة - ١٨٨ قَالَ فِي ((الْمَوَاهِبِ )): (إِعْلَمْ أَنَّ مِنْ تَمَامِ الإِيمَانِ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. الإِيمَانَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ خَلْقَ بَدَنِهِ الشَّرِيفِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَظْهَرْ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ خَلْقُ آدَمِيٌّ مِثْلُهُ . ومدَّة حمله تسعةُ أشهر ، أو عشرة ، أو ثمانية ، أو سبعة ، أو ستة : أقوال . بمكة بمولده المشهور الآن؛ وهو الأصحُ. وقيل: بالشِّعب . وقيل : بالروم . ثم أرضعته حليمة السعدية ، والمشهور موت أبيه بعد حمله بشهرين ، وقيل : وهو في المهد ، وماتت أمه ودفنت بالأبواء ، وقيل : بالحجون . وجمع بعض كما في ((الخميس)) بأنها دفنت أَوَّلاً بالأبواء ؛ وكان قبرها هناك، ثم نُبُشت ونقلت إلى مكة ؛ كما في الزرقاني على (( المواهب)). ومات جدّه كافلُه عبد المطلب ؛ وله ثمان سنين ، أو : تسع ، أو : عشر ، أو ست : أقوال . ثم كَفَله عمُّه شقيقُ أبيه أبو طالب . وتزوَّج خديجةَ ؛ وهي بنت أربعين . وهَدَمت قريش الكعبة وعمره خمسٌ وثلاثون سنة . ثم لما بلغ أربعين سنة - أو : وأربعين يوماً ، أو : وَشھرین - بعثه الله رحمة للعالمين يوم الاثنين ؛ لخبر ((مسلم))، في رمضان ، وقيل: ربيع . فأقام بمكّة ثلاث عشرة سنة ، وبالمدينة عشر سنين . ( قَالَ) - أي - العلامة القُسْطُلَّني (فِي ((المَوَاهِبِ ) اللَّدُنَّةِ بِالْمِنَحِ المُحَمَّدِيَّة » : (إِعْلَمْ أَنَّ مِنْ تَمَامِ الإِيْمَانِ بِ نَّهِ، أَلإِيْمَانُ) ؛ أَي : التصديقُ والاعتقاد ( بِأَنَّ اللهَ تَعَالَىْ جَعَلَ خَلْقَ) - أي: تقدير - ( بَدَنِهِ الشَّرِيْفِ عَلَى وَجْهٍ ) - أي : حال ؛ وهيئة - ( لَمْ يَظهَرْ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ خَلْقُ آدَمِيٌّ مِثْلُهُ) ؛ أي : لم يجتمع في بدن آدمي من المحاسن الظاهرة ما اجتمع في بدنه بَّه . وسِرُّ ذلك: أنَّ المحاسنَ الظاهرة آياتٌ ١٨٩ وَللهِ دَرُّ الْأَبُوصِيرِيِّ حَيْثُ قَالَ : فَهْوَ أَلَّذِي تَمَّ مَعْنَاهُ وَصُورَتُهُ ثُمَّ أَصْطَفَاهُ حَبِيباً بَارِىءُ النَّسَمِ على المحاسن الباطنة ، والأخلاق الزكية ؛ ولا أكمل منه وَّ ، ولا مساوٍ له في هذا المدلول ؛ فكذلك الداُّ ، فيكون ما يُشاهَد مِن خلق بدنه آياتٌ على ما يتّضحُ من عظيم خُلُق نفسه الكريمة . وما يتَّضحُ من عظيم أخلاقِ نفسه ، آياتٌ على ما تحقَّق له من سِرِّ قلبه المقدّس ، أي : ما اشتمل عليه من المعاني البديعة . فالمعاني مكنونةٌ فيه لا يُطَّلَع عليها، ولكن يُستدَلُّ عليها بما ظهر من أخلاقه وكمالاته . وهو ◌َّ*؛ وإن ظهر منه كمالاتٌ لا تُحصى؛ فهي بالنسبة لما خَفِيَ كنقطة من بحر . فالمراتب إذن ثلاث : المشاهَدُ دليلٌ على الباطن ، وذلك الباطنُ دليلٌ على ما أُودع في قلبه من العلوم والمعارف . ( وَلِلّهِ دَرُّ الْأَبُوصِيْرِيِّ ) : محمد بن سعيد الصَّنهاجي الدَّلاصي المولد ، المغربي الأصل، البوصيري المنشأ. ولد بـ (( دلاص )) أول شوال سنة : - ٦٠٨ - ثمان وستمائة ، وبرع في النظم . قال فيه الحافظ ابن سيِّد الناس : هو أحسن من الجزار والوراق. ومات سنة : - ٦٩٥ - ٦٩٤ - خمس؛ أو: أربع وتسعين وستمائة . كان أحد أبويه من (( بوصير الصعيد)) والآخر من (( دَلاص)) بفتح الدال المهملة : قرية بـ ((البهنسا))، فرُكِّبت النسبة منها ؛ فقيل الدلاصيري. ثم اشتهر بالبوصيري ؛ لنشأته بها ، أو لأنَّها بلد أبيه. فقوله ((الأبوصيري)) مُنتَقَد ، لأنَّ القرية إنما هي ((بوصير)) والنسبة إليها البوصيري، كما في ((المراصد)) و((اللباب)) و (( لُبِّه)) في باب الموحدة ؛ لا الهمزة . ( حَيْثُ قَالَ) في ((بردة المديح)) : ( فَهُوَ الَّذِي تَمَّ ): كمل ( مَعْنَاهُ): حال باطنِهِ ، ( وَصُوْرَتُهُ ) : حالُ ظاهِرِه ؛ بالرفع عطف على ((معناه )) والنصبِ مفعول معه ( ثُمَّ أَصْطَفَاهُ ) : اختاره ( حَبِيْباً بَارِىءُ) : خالق ( النَّسَمِ ): جمع نَسَمة - بفتحتين - : وهي الإنسان . و (ثُمَّ)) للترتيب في الإخبار؛ دون الصفات، أو في الاصطفاء؛ كما قال المحلِّي، نظراً للوجود الخارجي ، فإن اتخاذه حبيباً ومخاطبتَه به بعد تمام معناه وصورته : ١٩٠ مُنَزَّةٌ عَنْ شَرِيكٍ فِي مَحَاسِنِهِ فَجَوْهَرُ الْحُسْنِ فِيهِ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ وَقَدْ حَكَىْ أَلْقُرْطُبِيُّ رَحَمِهُ اللهُ تَعَالَى فِي ( كِتَابِ الصَّلاَةِ ) ، أَنَُّ قَالَ: لَمْ يَظْهَرْ لَنَا تَمَامُ حُسْنِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَنَا تَمَامُ حُسْنِهِ .. لَمَا طَاقَتْ أَعْيُنَا رُؤْيَتَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنْتُهَىُ. ( مُنَزَّةٌ ) : مبعَّد (عَنْ شَرِيْكِ فِيْ مَحَاسِنِهِ ) ؛ جمع مَحْسَن ؛ بمعنى الحسن أي: لا شريك له في حسنه ، ( فَجَوْهَرُ الحُسْنِ) أصله ( فِيْهِ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ ) ؛ أي : متفرِّق . ومعنى البيتين : هو الذي كَمُلَ باطنه في الكمالات ، وظاهرُه في الصفات . ثم اختاره خالق الإنسان حبيباً لا شريك له في الحُسن . وجوهره لا يقبل القسمة بينه وبين غيره . كما أن الجوهر الفرد المتوهّم في الجسم ، ويقول المتكلمون : الجسم مركَّب منه غير منقسم بوجه ؛ لا بالفرض ، ولا بالوهم ، ومَن كان موصوفاً بكمال الصفات ظاهراً وباطناً كان محبوباً ؛ قاله الشيخ خالد . ( وَقَدْ حَكَىْ ) الشيخ العلاَّمة محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح - بإسكان الراء وبالحاء المهملتين - أبو عبد الله الأنصاري الأندلسي ( القُرْطَبِيُّ) - بضم القاف والطاء المهملة وموحدة - ؛ نسبةً إلى قرطبة مدينة بالأندلس ، المفسِّر وكان من عباد الله الصالحين ، والعلماء العارفين الورعين ، الزّاهدين المشغولين بأمور الآخرة . أوقاته ما بين توجُّه وعبادة وتصنيف . وله تصانيف كثيرة . أخذ عن أبي العبّاس أحمد بن عمر القرطبي شارح ((مسلم)) المتوفى بالإسكندرية سنة : - ٦٢٦ - ست وعشرين وستمائة. وأخذ عن غيره واستقر بـ (( مِنْيَة ابن خصيب))، وبها مات سنة : - ٦٧١ - إحدى وسبعين وستمائة (رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ ) ؛ عن بعضهم : ( أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَظْهَرْ لَنَا تَمَامُ حُسْنِهِ نََّ) ؛ رفقاً من الله تعالى بنا ، (لأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَنَا تَمَامُ حُسْنِهِ لَمَا طَاقَتْ أَعْيُنُنَا رُؤْيَتَهُ وَِّ) ؛ لعجزنا عن ذلك. ( انتهى) ما في ((المواهب)). ولقد أحسن البوصيري حيث قال: ١٩١ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسَنَ الْجِسْمِ. رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ . وَرَوَىُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَِّيلِ لِلْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فِيْهِ غَيْرُ مُنْفَحِمٍ أَغْيَا أَلوَرَى فَهْمُ مَعْنَاهُ فَلَيْسَ يُرَی صَغِيْرَةً وَتُكِلُّ الطَّرْفَ مِنْ أَمَمٍ (١) كَالشَّمْسِ تَظْهَرُ لِلْعَيْنَيَّنِ مِنْ بُعُدٍ و( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ حَسَنَ الجِسْم) ، والحسن - كما قال بعضهم - : عبارة عن كلِّ بهج مرغوب فيه حِسًّا ؛ أو عقلاًَ. وهو هنا صادق بهما جميعا . والجسم : هو الجسد من البدن والأعضاء . والمراد بحُسْن جسمهِ أَنَّه معتدل الخَلْق ، متناسب الأعضاء ؛ كما في المناوي . (رَوَاهُ) أي : ما ذُكر من حُسن جسمه (غَيْرُ وَاحِدٍ ) من المحدِّثين؛ منهم الحافظ الترمذي في (( الشمائل)) عن أنس رضي الله تعالى عنه . ومنهم الحافظ البيهقيُّ عن رجل من الصَّحَابة ؛ كما في الزرقاني . وذكره الإمام النووي في ((التهذيب)). ( وَرَوَىْ) مسلمٌ في ((صحيحه))، و(التِّزْمِذِيُّ) في ((الشمائل))؛ (عَنْ أَنَسٍ) ((خادمِ رسول الله وَ لجر عشر سنين)). والمرادُ حيث أُطلق أنس بن مالك؛ وإن كان هناك جماعة يسمَّى كلٌّ منهم أنساً . وقد تقدَّمت ترجمته (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ؛ قَالَ : كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَّر) ((كان)) مع المضارع لا تفيد التكرار ، كما نقله النووي في ((شرح مسلم))؛ عن المحققين . وقال ابن الحاجب: تفيدُه، وليس المرادُ أَنَّها تفيده مطلقا ، بل في مقام يقبله ، لا كما هنا . ( لَيْسَ بِالطَّوِيْلِ) خبرُ ((كان)» وليس لنفي مضمون الجملة حالا ؛ وهو (١) أمم : قرب. ١٩٢ الْبَائِنِ ، وَلاَ بِالْقَصِيرِ ، وَلاَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ ، المناسبُ هنا . وقيل : إنها لنفي مضمونها في الماضي ، وعليه فتكون حالاً ماضية قُصد دَوَام نفيها ( ألبَائِنٍ ) - بالهمز - ووهم مَن جعله بالياء لوجوب إعلالُ اسم الفاعل ؛ إذا أُعل فعله، كبائع وقائل. وهو إمَّا من ((بان يبين بياناً))؛ إذا ظهر على غيره ، وعليه فهو بمعنى الظاهر طوله. أو مِن ((بان يبون بَوْناً))؛ إذا بعُد ، وعليه فهو بمعنى البعيد عن حدِّ الاعتدال ، ويصحُّ أن يكون من البَيْن ؛ وهو القطع ، لأن مَن رأى فاحشَ الطول تصوَّر أنَّ كُلّ من أعضائه مبانٌ عن الآخر. انتهى ((مناوي)). ( وَلاَ) عطف على خبر (( ليس)) ولا مؤكِّدة للنفي، ( بِالقَصِيْرِ) - أي - المتردِّد الداخل بعضه في بعض - كما سيأتي -. والمعنى أَنَّه كان متوسِّطا بين الطول والقصر ، لا زائد الطول ولا القصر . وفي نفي أصل القصر ونفي الطول البائن لا أصل الطول إِشعارٌ بأنه وَّ كان مربوعاً ؛ مائلاً إلى الطول ، وأنَّه كان إلى الطول أقربَ ؛ كما رواه البيهقي . ولا ينافيه وصفُه الآتي بأنه ربعة !! لأنه أمرٌ نسبي ، ويوافقه خبر البراء : كان ربعة؛ وهو إلى الطول أقرب. وقد ورد عند البيهقي؛ وابن عساكر أَنَّ وَلٍّ لم يكن يماشيه أحدٌ من الناس إلاَّ طاله وَّةِ، ولربَّما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولُهما، فإذا فارقاه نُسب إلى الرَّبْعة. وفي ((خصائص ابن سبع)): كان إذا جلس يكون كتفُه أعلى من الجالس . قيل : ولعل السرَّ في ذلك أنَّه لا يتطاول عليه أحدٌ صورةً ، كما لا يتطاول عليه معنىَ . ( وَلاَ) - عطف على خبر (( ليس)) ولا مؤكِّدة للنفي - ( بِالأَبْيَضِ الأَفْهَقِ ) ؛ أي : الشديد البياض الخالي عن الحُمرة والنُّور ؛ كالجص ؛ وهو كريه المنظر ربَّما توهَّمُه الناظر أبرصَ ، بل كان بياضُه نيّرا مشرَّبا بحمرة ؛ كما في روايات أُخر ؛ منها أنَّه كان أزهر اللون . فالنفيُ للقيد فقط . واعلم أنَّ أشرف الألوان في هذه الدار البياضُ المشرَّب بالحمرة ، وفي الآخرة البياضُ المشرَّب بصفرة . ١٩٣ وَلاَ بِأَلْآدَم ، وَلاَ بِالْجَعْدِ . فإن قيل : من عادة العرب أن تمدح النساء بالبياض المشرَّب بصفرة ، كما وقع في لاميّة امرئ القيس . وهذا يدلُّ على أَنَّه فاضل في هذه الدار أيضا . أجيب بأنه لا نزاع في أنه فاضل فيها ، ولكن البياض المشرَّب بحُمْرة أفضل منه فيها ، وحكمةُ التفرقة بين هذه الدار ؛ وتلك الدار : أن الشَّوْبَ بالحُمرة ينشأ عن الدم وجريانه في البدن وعروقه ، وهو من الفضلات التي تنشأ عن أغذية هذه الدار ، فناسب الشوب بالحمرة فيها . وأما الشَّوْبُ بالصفرة التي تورث البياض صقالةً وصفاءً ؛ فلا ينشأ عادةً عن غذاء من أغذية هذه الدار ؛ فناسب الشوب بالصفرة في تلك الدار ، فظهر أنَّ الشوب في كلٌّ من الدارين بما يناسبه ، وقد جمع الله تعالى لنبيه وَّ بين الأشرفين، ولم يكن لونُه في الدنيا كلونه في الأُخرى !! لئلا يفوتَه أحد الحُسْنَيين . انتهى ملخصاً من المناوي وابن حجر رحمهما الله تعالى . ( وَلاَ بِالْآدَمِ) ، أي: ولا بالأسمر الآدم ؛ أي : شديد الأدمة أي : السمرة ، وآدم - بمدِّ الهمزة - أصله: أأدم - بهمزتين - على وزن (( أفعل)) أبدلت الثانية ألفاً ، وعُلِم مما ذكر أن المنفيَّ إنَّما هو شِدَّة السمرة ، فلا ينافي إثبات السمرة في الخبر الآتي ، لكن المراد بها الحُمْرة ، لأن العرب قد تُطلِقِ على مَن كان كذلك أسمر . ومما يؤيِّدُ ذلك روايةُ البيهقي كان أبيضَ ؛ بياضه إلى السمرة . وفي (( مسند أحمد))؛ عن الحبر: جسمه ولحمه أحمر . وفي رواية : أسمر إلى البياض . فثبت بمجموع هذه الروايات أنَّ المراد بالسمرة : حمرةٌ تخالط البياض ، وبالبياض المثبت ما يخالط الحمرة . وأما وصف لونه في أخبارٍ بشدّة البياض كخبر البزار ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : كان شديدَ البياض . وخبرِ الطبراني ؛ عن أبي الطُفَيل : ما أنسى شدّة بياض وجهه !! فمحمول على البريق واللَّمعان ، كما يشير إليه حديث: كأنّ الشمس تحرك في وجهه، انتهى (( مناوي وباجوري)). ( وَلاَ بِالجَعْدِ ) - بفتح الجيم وسكون العين - من الجعودة ؛ وهي في الشعر أن ١٩٤ اُلْقَطَطِ وَلاَ بِالسَُّّطِ . وَمَعْنَى ( أَلْبَائِنِ ) : الظَّاهِرُ طُولُهُ . وَ(الأَمْهَقِ ) : الشَّدِيدُ الْبَيَاضِ، الْخَالِي عَنِ الْحُمْرَةِ. وَ(أُلَآدَم ): الأَسْمَرُ . وَ( الْجَعْدِ ): مَنْ فِي شَعْرِهِ الْتِوَاءٌ . وَ( الْقَطِطِ ): شَدِيدُ الْجُعُودَةِ. وَ( السَّبْطِ ): مُسْتَرْسِلُ الشَّعْرِ . يتكسّر تكشُّراً تامًّاً ، ولا يترسّل ( القَطَطِ) - بفتحتين - كجَسَد على الأشهر ، وبكسر الثاني ؛ وهو شدَّة الجعودة . قال المناوي : والجعد يَرِد بمعنى : الجواد ، والكريم ، والبخيل ، واللئيم جميعاً ، ومقابل السَّبط، ويوصف بالقَطط في الكلِّ ؛ فالقَطط لا يعيِّنُ المراد ، فلذا قابله بقوله : ( وَلاَ بِالسَّبِطِ ) - بفتح المهملة وكسر الموحدة ، وتسكن ، وبفتحتين - . والمراد أنَّ شعره ليس نهاية في الجعودة ؛ وهي تكسره الشديد ، ولا نهاية في السبوطة ؛ وهي عدم تكشُّره وتئنِّه بالكلية ، بل كان وَسَطاً بينهما، و(( خَيْرُ الأُمور أوسطُها)). قال الزمخشري : الغالب على العرب جعودة الشعر ، وعلى العجم سُبُوطته . وقد أحسنَ الله لرسوله الشمائل ، وجمع فيه ما تفرق في غيره من الفضائل . ( وَمَعْنِىْ أُلبَائِنِ) - بالهمزة - : ( الظَّاهِرُ طُوْلُهُ، وَ) معنى ( الأَمْهَقِ: الشَّدِيْدُ البَيَاضِ الخَالِيْ عَنِ الْحُمْرَةِ ) ، والنّور كالجصِّ؛ وهو كريه المنظر ربما توهَّمه الناظرُ بَرَصاً، بل كان بياضه وَ ﴿ نِيِّراً مُشَرَّبا بحُمرة - كما تقدم -. ( وَ) معنى ( أَلَآدَم: الأَسْمَرُ)، والشُّمرة : منزلة بين البياض والسواد . ( وَ) معنى ( الجَعْدِ: مَنْ فِي شَعْرِهِ الْتِوَاءٌ)، وفي ((المصباح »: جَعُدَ الشعرُ - بضم العين وكسرها - جعودة ، إذا كان فيه التواء وانقباض . ( وَ) معنى ( القَطَطِ) - بفتحتين، ويفتح فكسر -: ( شَدِيْدُ الجُعُودَةِ، و) معنى ( السَّبِطِ: مُسْتَزْسِلُ الشَّعْرِ )؛ ١٩٥ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجِلاً مَرْبُوعاً، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ، عَظِيمَ الْجُمَّةِ ( وَ) في ((الشمائل الترمذية))؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه : ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ رَجِلاً) - بفتح الراء وكسر الجيم - وهو: الذي بين الجعودة والسُّبُوطة ؛ قاله الأصمعيُّ وغيرُه : ووقع في الروايات المعتمدة بضم الجيم !! فيحتمل أن يكون المراد به المعنى المتبادر المتعارف الذي يُرادُ بلفظ الرجل ؛ وهو المقابل للمرأة ، ومعناه واضح، وهو خبر مُوَطِّىءٌ ، لأن الخبر في الحقيقة قولُه ( مَرْبُوعاً) إذ هو يفيد الفائدة المعتدَّ بها، كقوله تعالى ﴿ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [النمل] . [الحشر]، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تَمْهَلُونَ والمربوع يُرادف الرَّبْعَة ؛ وهو: المتوسّطُ بين الطويل والقصير . وهذا تقريبٌ ؛ لا تحديد ، فلا ينافي أَنَّه كان يضرب إلى الطول ؛ كما في خبر ابن أبي هالة الآتي : كان أطولَ من المربوع ؛ وأقصرَ من المشذَّب . (بَعِيْدَ مَا بَيْنَ اُلمَنْكِبَيْنِ)، روي بالتكبير، و [بُعَيْد] بالتصغير، و(( ما )) موصولةٌ، أو موصوفة ، لا زائدة ؛ كما زعمه بعضُهم . والمَنْكِبَان - تثنية مَنْكِب - وهو : مجمعُ العَضُد والكتف ، والمراد بكونه بعيدَ ما بين المنكبين : أَنَّه عريضُ أعلى الظهر، ويلزمُه أنَّه عريضُ الصدر، ومِن ثَمَّ جاء في رواية: ((رَحْبَ الصدر)) ، وذلك آية النَّجابة ، وفي رواية التصغير إشارةٌ إلى تقليل البُعد ؛ إيماءً إلى أن بُعْد ما بين منكبيه لم يكن منافياً للاعتدال . ( عَظِيْمَ الجُمَّةِ ) - بضم الجيم وتشديد الميم - أي : كثيفها . قال حسوس : والجُمَّة عند جمهور أهل اللغة : ما سَقَط من شعر الرأس إلى المنكبين . وأما الوَفْرة !! فهي : التي تصل إلى شحمة الأذن ، وأما ما نزل عن الأذنين ؛ ولم يصل إلى المنكبين !! فهو اللِّمّةُ، وعلى هذا قول من قال : الْوَفْرَةُ الشَّعْرُ لشَحْمَةِ الأُذُنْ وَجُمَّةٌ إِنْ هِي لِمَنْكِبٍ تَكُنْ ١٩٦ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَّهِ . وَمَغْنِى ( الرَّجِلِ ) : مَنْ فِي شَعُرِهِ تَكَشُرٌ قَلِيلٌ . وَ(الْجُمَّةُ): مُجْتَمَعُ شَعُرِ الرَّأْسِ ؛ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنَ الْوَفْرَةِ وَاَللّمَّةِ . وَسَمِّ مَا بَيْنَهُمَا بِاللُّمَّةِ قَدْ قَالَ ذَا جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ وقال الزَّمخشريُّ في المقدمة : الجُمَّة : ما تدلَّى من الشعر إلى شحمة الأذن . وفي ((الصحاح)): الجُمَّة : الشَّعر المجموعُ على الرأس وظاهرِه مطلقاً . وفي (( ديوان الأدب)): إن الجُمَّة هي الشعر إذا تدلَّى من الرأس إلى شحمة الأُذن ، وإلى المنكبين ، وإلى أكثرَ من ذلك. فتحصَّل أنَّ في الجُمَّة ثلاثةَ أقوال : ١ - ما وصل إلى المنكبين . ٢ - ما وصل إلى شحمة الأذن. ٣ - ما تدلّى من شعر الرأس مطلقاً. فقوله ( إِلَى شَخْمَةٍ أُذُنَتِهِ ) إنَّما يأتي على القول الثاني والثالث ؛ دون الأول . انتهى «كلام حسَّوس)). ( وَمَعْنَى الرَّجِلِ) - بكسر الجيم - (: مَنْ فِي شَعْرِهِ تَكَشُرٌ قَلِيْلٌ . وَأَلْجُمَّةُ) - بضمِّ الجيم وتشديد الميم - ؛ قال في ((الصحاح)): هي ( مُجْتَمَعُ شَعْرِ الرَّأْسِ؛ وَهِيَ) - أي: الجُمَّة - ( أَكْثَرُ مِنَ الوَفْرَةِ وَ) أكثر من ( اللِّمَّةٍ) ، لأن الجُمَّة ما وصلت المنكب ، والوَفرة : ما بلغت شحمة الأذن ، واللِّمَّة ما بينهما . كما تقدَّم. وعلى هذا فترتيبُها ((ولج)) فالواو للوفرة، واللام لِلُّمة، والجيم للجُمَّة . وهذه الثلاثة اضطرب أهل اللغة في تفسيرها ، وأقرب ما وُفُّق به أنَّ فيها لغاتٍ ، وكل كتاب اقتصر على شيء منها ، كما يشير إليه كلامُ (( القاموس )) في مواضع؛ قاله الباجوري رحمه الله تعالى . ١٩٧ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَئْنَ الْكَفَّيْنِ وَاَلْقَدَمَيْنِ ، ضَخْمَ الرَّأْسِ ، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ، إِذَا مَشَىْ تَكَفََّ تَكَفَُّاً؛ ( وَ) روى الترمذي في ((الشمائل))؛ عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه أَنَّه ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَلِّ شَفْنَ ) - بمعجمة مفتوحة ومثلثة ساكنة - كذا في الشروح !! وفسَّره ابن حجر العسقلاني بغليظ الأصابع والراحة . وهي المتبادر ، ويؤيِّده رواية (( ضخمُ الكَفَّين والقدمين » . قال ابن بَطَّل: كانت كفُّه وَّه ممتلئة لحماً غير أنَّها مع غاية ضخامتها كانت ليَّة، كما ثبتَ في حديث أنس: (( مَا مَسَسْتُ خزّاً، ولا حريراً ألينَ من كفِّ رسول الله ◌َُّ ( الكَفَّيْنِ ) - تثنية كفِّ - وهي: الراحة مع الأصابع، سُمِّيت به !! لأنَّها تكفُّ الأذى عن البدن ؛ وهي مؤنَّئَةٌ ، ( وَأُلقَدَمَيْنِ ) - تثنية قدم - وهي من الإِنسان معروفة ؛ وهي أنثى، وتصغيرُها (( قُديمةٌ)) بالهاء . وجمعها : أقدام ، وجَمَع بين الكفين والقدمين في مضاف واحد ! لشدَّة تناسبهما ، ومِن ثَمَّ لم يجمع بين الرأس والکرادیس حيث قال : ( ضَخْمَ الرَّأَسِ ) ؛ أي : عظيمهُ. وفي رواية (( عظيم الهامة )) وعظمُ الرأس دليلٌ على كمال القُوى الدماغية ؛ وهو آية النَّجابة . ( ضَخْمَ الكَرَادِيْسِ ) ؛ أي : عظيم رؤوس العظام ، وهو بمعنى جليل المُشَاش الآتي . والكَرَاديس - جمع كُرْدُوس ؛ بوزن عُصفور - وهو : رأس العظم . وقيل : مجمع العظام ؛ كالرُّكبة والمَنكِب . وعظم ذلك يستلزم كمالَ القُوى الباطنية . ( طَوِيْلَ المَسْرُبَةِ ) - بضم الراء كَمَكْرُمة ، وقد تفتح الراء - وأمَّا محل خروج الخارج! فهو مَسْرَبَة - بالفتح فقط -، كما في (( المصباح)) . وسيأتي تفسير المَسْرُبة في المصنف : بأنها الشعر الدقيق الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة . (إِذَا مَشَىْ تَكَفَأَ تَكَفُؤْاً) - بالهمز فيهما - وحينئذ يُقرأ المصدر بضمِّ الفاء ؛ كـ (تَقَدَّم تَقَدُّماً))، أو بلا همز تخفيفاً، وحنيئذ يُقرأ المصدر بكسر الفاء ، كـ (( تسمَّى تسمِّياً )) . وعلى كلٍّ فهو مصدر مؤكد ، أي: يُسرع المشي كأنه يميل بين ١٩٨ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ . وَمَعْنَى ( شَغْنٍ ) : غَلِيظٌ . وَ( الْكَرَادِيسُ) - جَمْعُ كُرْدُوسٍ - وَهُوَ : مَجْمَعُ الْعِظَامِ كَالرُّكْبَةِ وَأَلْمَنْكِبِ . وَ( الْمَسْرُبَةُ): الشَّعْرُ الدَّقِيقُ الَّذِي كَأَنَّهُ قَضِيبٌ مِنَ الصَّدْرِ إِلَى السُّرَّةِ. يديه من سرعة مشيه كما تتكفَّأُ السفينة في جريها . ( كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ ) ، وفي رواية كأنَّما يهوي من صَبَب . وعلى كلٍّ فهو مبالغةٌ في التكفُّؤْ ، والانحطاطُ : النزول . وأصله الانحدار من علوٍّ إلى سُفْل ، وأسرع ما يكون الماء جارياً ؛ إذا كان منحدراً . ( وَمَعْنَى شَفْنٍ ) - بشين معجمة وثاء مثلثة - وضبطه الجلال السيوطي بالمثناة فوق بدل المثلثة؛ وعلى كلِّ فمعناه ـ (: غَلِيْظٌ ) . ونقل عن الأصمعي أنَّه فَسَّر ((الشَّْن)) بالغلظ مع الخشونة. فقيل له: إنه ورد في وصف كفِّه ◌َّ اللّين والنعومة !! فآلى على نفسه أن لا يفسِّر شيئاً في الحديث أبداً . وتفسير أبي عبيدة بالغلظ مع القصر !! رُدَّ بما صحَّ أنَّه كان سائل الأطراف. وفي ((القاموس)»: شَئُنَتْ كَفُّه : خَشُنَت وغلظت . فمقتضاه أنَّ الشئن معناه : الخشن الغليظ . وعليه فهو محمول على ما إذا عمل في الجهاد ؛ أو مهنةِ أهله ، فإنَّ كفَّه الشريفة تصير خشنة للعارض المذكور ، وإذا ترك ذلك رجعت إلى النعومة ؛ كذا قاله الباجوري . ( وَأُلَكَرَادِيْسُ: جَمْعُ ((كُرُدُوسٍ))) - بضمتين -: ( وَهُوَ: مَجْمَعُ الْعِظَامِ )، فكلُّ عظمين التقيا في مِفْصَل يقال له ((كردوس))؛ على ما في ((القاموس))، وذلك ( كَاَلُّكْبَةِ ، وَأَلمَنْكِبٍ ) ، والوَرِك . ( والمَسْرُبَةُ) - بفتح الميم وسكون السين المهملة ؛ وضم الراء وبالموحدة - هو : شعر بين الصدر والسرَّة. على ما في ((المهذب)) . وظاهر الروايات أنَّه ما دَقَّ من شعر الصَّدر سائلاً إلى السُّرَّة ؛ كما ورد في حديث علي رضي الله عنه : المَسْرُبة (الشّعْرُ) - بفتح العين وتسكن - ( الدَّقِيْقُ الَّذِيْ كَأَنَّهُ قَضِيْبٌ ) أي : غصن نظيف ، أو سيف لطيف؛ على ما في ((القاموس)). أو سهم ظريف؛ على ما في ((المهذب )). ابتداؤها ( مِنْ) أعلى ( الصَّدْرِ)، وانتهاؤها ( إِلى السُّرَّةِ). ١٩٩ وَ( الْتَّكَقُّؤُ ) : الْمَيْلُ إِلَى سَنَنِ الْمَشْىِ، وَهُوَ : مَا بَيْنَ يَدَيْهِ كأَلسَّفِينَةِ فِي جَرْيِهَا . وَ( الصَّبَبُ ) : الْمَكَانُ الْمُنْحَدِرُ مِنَ الأَرْضِ . وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعْداً رَجِلاً، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ: وَأما ( النَّكَفُّؤُ) !! فهو مصدر تَفَعَّلَ - من الصحيح - تَفَقُّلاً كـ (( تقدَّم تقدُّماً))، وتكفَّأَ تكفؤاً . والهمز حرفٌ صحيح ، ومعناه : ( أُلمَيْلُ إِلَىْ سَنَنِ المَشْرِ ) - مثلث السين وبضمتين -: نهجه وجهته ؛ كما في ((القاموس)). وهذا التفسير قَطَع به الأزهريُّ مخطِّئاً تفسيرَه بتمايل يميناً وشمالاً ؛ كالسفينة ؛ بأنه من الخُيَلاء . وتكفُّؤُ السفينة : تمايلها على سمتها الذي يُقصد . ويردُّه قولُه كأنما ينحطُّ من صبب ، فإنه مفسِّرٌ له . وقال الكسائي : أَكْفَأْتَ الإناء وكَفَأَتَه: إذا كببتَه ، وأكفأته : إذا أَمَلْتَه . ومنه الحديث أي : تمايل إلى قدام كما تتكفَّأُ السفينة في جريها . انتهى . وأجاب القاضي عياض بأن التمايل يميناً وشمالاً إِنَّما يُدمُ بالقصد ؛ لا إِن كان خلقةً كالغصن، وهو حَسَن صوابٌ. انتهى ((زرقاني)). فلأجل هذا قال المصنف : ( وَهُوَ : مَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي : التمايل إلى قدام ( كَالسَّفِيْنَةِ فِي جَزْيِهَا. وَالصَّبَبُ ) - بفتح الصاد والموحدة الأولى - معناه: (أُلمَكَانُ المُنْحَدِرُ مِنَ الأَرْضِ ) ، يقال : انحدرنا في صبوب وصبب ، أي : مكانٍ منحدر . ( وَ) روى الترمذيُّ في ((الشمائل)) بسَنَدَ فيه انقطاع؛ عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنَّه قال: ( كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَلِ جَعْداً رَجِلاً ) الجعد - بفتح الجيم وسكون العين المهملة -: هو الشعر المتجعِّد ؛ أي: المتثنِّي. والرَّجِل ـ قال الحافظ ابن حجر : بفتح الراء وکسر الجیم ، وقد یضمُّ ، وقد یفتح ، وقد یسگّن ۔ ما فيه تكشُّرٌ يسير . انتهى . فكان شعرُه بين السُّبُوطة والجعودة . ( وَلَمْ يَكُنْ بِأَلمُطَّهَّمِ ) الرواية فيه بلفظ اسم المفعول فقط ، وسيأتي تفسيرُه في كلام المصنف بالبادن : الكثير اللحم . ٢٠٠