Indexed OCR Text

Pages 121-140

بَلْ رِضَا اللهِ تَعَالَى وَالسَّعَادَةُ الأَبَدِيَّةُ، وَنَعِيمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَدَرَجَاتُهُمْ
فِيهَا، جَمِيعُ ذَلِكَ يَكُونُ بِمِقْدَارِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
زِيَادَةً وَنَقْصاً ، كَمَا أَنَّ سَخَطَ اللهِ تَعَالَى، وَالشَّقَاوَةَ الأَبَدِيَّةَ وَعَذَابَ
أَهْلِ النَّارِ وَدَرَكَاتِهِمْ
بمحبَّتِه ◌ِوَِّ، أصلُه بأصلها، وكمالُه بكمالِها، فمحبَّتَه وَ لّ ركن للإيمان ؛ لا يثبت
إيمان عبد ولا يُقبل إلاَّ بمحبَّتِه وََّ، (بَلْ رِضَا اللهِ) الذي هو الإنعام ؛ أو إرادة
الإنعام منه ( تَعَالَىْ) ؛ أي : تَرَفَّعَ ، جملة معترضة ، أو حاليَّة للتعظيم والتمييز ،
ولا يقال ذلك في غير الله سبحانه ، مثل ((تبارك)) و((عزَّ وجلَّ))، لأنَّه صار شعاراً
لله عزَّ وجلَّ . (وَالسَّعَادَةُ الأَبَدِيَّةُ) الحاصلة بالموت على الإيمان، ( وَنَعِيْمُ أَهْلِ
الجَنَّةِ وَدَرَجَاتُهُمْ) ؛ أي : مراتبهم العليّة ( فِيْهَا)؛ أي: الجنة. ( جَمِيْعُ ذُلِكَ)
مبتدأٌ ثان ، وخبرُه الجملةُ بعدَه ، وجملة المبتدأ الثاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول
الذي هو (( رضا الله)) وما عطف عليه .
( يَكُونُ) متفاوتا ( بِمِقْدَارِ مَحَبَّةِ العَبْدِ لَهُ نَِّ زِيَادَةً وَنَقْصاً ) ، وهذا في الحقيقة
حثٌّ للمؤمن على تقوية رابطته وزيادةٍ محبَّته لنبيه بََّ، فإنَّ العاقل لا يترك الخيرَ الكثير
ما أمكنه ، فمن أراد رضا الله سبحانه وسَعَة النعيم في الآخرة ؛ فليُكثر من الأسباب التي
تزيد في محبَّته له وََّ، لأنَّ المحبَّة أساسُ الخيرات، وبها تزكو الأعمال وتحسُنُ الأحوال.
وللمحبَّ درجاتٌ ، وللناس فيها مقامات، وأصلُها حاصلٌ لكلِّ مسلم ، لأنَّها
أصل الدين ، ومَن ليس فيه محبّة - كما قيل - لا يساوي حبَّة. ولا حَدَّ للمحبة ،
وما يجب للنبي وَّ منها؛ لا يقدر أحدٌ على القيام به، إذ لا مِنَّةً لأحدٍ بعد الله كما لَهُ
علينا ، فاستحقَّ أن يكون حظُّه من محبَّتنا له أوفى وأزكى من محبَّتنا لأنفسنا وأولادنا
وأهلينا وأموالنا والناس أجمعين ، بل لو كان في كلِّ منبت شعرة منا محبَّةٌ تامَّة
له وَّ ؛ لكان ذلك بعضَ ما يستحقُّه .
( كَمَا أَنَّ سَخَطَ اللهِ تَعَالَىْ، وَالشَّقَاوَةَ اُلْأَبَدِيَّةَ) الحاصلة بالموت على الكفر
- والعياذ بالله من ذلك -، ( وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ وَدَرَكَاتِهِمْ) ؛ أي : منازلهم
١٢١

فِيهَا .. يَكُونُ بِمِقْدَارِ بُغْضِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، زِيَادَةً وَنَقْصاً .
- وَمِنْهَا: أَتِّبَاعُهُ وَاَلاقْتِدَاءُ بِهِ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى فِيمَا يُمْكِنُ بِهِ
الاقْتِدَاءُ؛ كَسَخَائِهِ وَحِلْمِهِ ، وَتَوَاضُعِهِ ، وَزُهْدِهِ ، وَعِبَادَتِهِ ، وَغَيْرِهَا
مِنْ مَكَارِمِ أَخْلاَقِهِ، وَشَرَائِفِ أَحْوَالِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
( فِيْهَا)؛ أي: النار (يَكُونُ) ذلك (بِمِقْدَارِ بُغْضِهِ وَِّ؛ زِيَادَةً وَنَقْصاً ) ، فمن كان
شديدَ البغض له بَّه؛ كان الشُّخط عليه أكثَر ، وعذابُه أوفَر ، نعوذ بالله من بغضه ؛
ومن بغض عباد الله الصالحين . ونسأل الله أن يميتنا على محبَّته ، ويحيِيَنا على
سُنَّه ، ويحشرنا في زمرته . آمين .
(وَمِنْهَا)؛ أي: من الفوائد المقصودة بجمع شمائله بََّ: (أَتِّبَاعُهُ) فيما كان
عليه هو وأصحابه ، ويشمل ذلك الاعتقاداتِ ، والأقوالَ والأفعال ، والأخلاق
والأحوال ، ( وَأَلاقْتِدَاءُ بِهِ ) فيها ( لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى) . التوفيق : هو خَلْق قدرة
الطاعة في العبد . ولا يكون الاقتداء به وَ لّ في كلِّ شيء، بل ( فِيْمَا يُمْكِنُ بِهِ
الاقْتِدَاءُ)، لأن أفعاله ◌َّ على قسمين:
قسمٌ لا يجوز الاقتداء به فيه ، وذلك كإباحة المكث في المسجد ؛ وهو جنب ،
وكالوصال في الصوم ، وكإباحة النظر إلى الأجنبيات ، ونكاح أكثر من أربع نسوة ،
والنكاح بلفظ الهبة، وبلا وليٍّ ولا شهود. فهذه الأشياء من خصائصه اصله،
لا يُقتدى به فیھا .
وقسم يجوز الاقتداء به فيها ، بل يندبُ التأسِّي به فيها ، وذلك
(كَسَخَائِهِ) وَلّ؛ وهو: سهولة الانفاق، وتجنُّب اكتساب ما لا يُحمد ؛ وهو
الجود، (وَحِلْمِهِ)؛ وهو: حالةُ توقر وثبات عند الأسباب المحركات ،
( وَتَوَاضُعِهِ)؛ أي: هضم النفس في غير مَنْقَصَةٍ ولا مَذَلَّة، ( وَزُهْدِهِ) ، وهو :
عدم الميل إلى الدنيا ، وقلَّة المبالاة بوجودها وفقدها ؛ اعتماداً على خالقها ،
( وَعِبَادَتِهِ ) المتعارَفة في الشرع؛ من نحو طهارة وصلاة وصيام، (وَغَيْرِهَا مِنْ
مَكَارِمٍ أَخْلاَقِهِ): أوصافه، (وَشَرَائِفِ أَحْوَالِهِ وََّ )؛ كحيائه، وصدقه،
١٢٢

وَذَلِكَ مُسْتَوْجِبٌ لِمَحَبَِّ اللهِ تَعَالَى الَّتِي فِيهَا سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ .
قَالَ تَعَالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
وأمانته ، وكرمه ، وشجاعته ، إذ مِن علامة محبَّته التخلّق بأخلاقه في الجود ،
والإيثار ، والحلم ، والصبر ، والتواضع ، وغيرها من أخلاقه العظيمة .
وأعظم العلامات لمحبَّه ◌ِوَّهِ: الاقتداءُ به، واستعمال سنّه ، وسلوك
طريقته ، والاهتداءُ بهديه ، والتأذُّب بآدابه ، والوقوف مع ما حَدَّ لنا من
شريعته بَّهِ، (وَذْلِكَ) كلُّه ( مُسْتَوْجِبٌ لِمَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَىْ أَلَّتِي فِيْهَا سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ ) :
دار الدنيا ودار الأخرى .
ولمحبَّ الله تعالى علاماتٌ ، منها : تقديمُ أمره على هوى النفس ، ورعايةٌ
حدود الشرع ، والتزام التقوى والورع ، والتشوُّق إلى لقائه تعالى ، والخلوُّ عن
كراهية الموت ، والرضا بقضائه ، ومحبّة كلامه والتلذُّذ بتلاوته وسماعه، والطَّرَب
عند ذكرِه أو سماع اسمه ، وعدمُ الصبر على ذلك، ومحبّة رسول الله وَّهِ واتِّباعه ،
كما ( قَالَ تَعَالَىَ ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَأَِّعُونِ ) - في جميع ما جئتُ به -
( يُحْيِبْكُمُ اللّهُ﴾﴾ [٣١/ آل عمران] والمرادُ بمحبَّةِ الله تعالى للعبد: قَبُوله والإثابةُ على
أعماله ، إذ معنى المحبَّة الأصلي محالٌ في حقُّه تعالى، والمعنى أنَّ أَتِّبَاعَ النبي ◌ِّ
فيما جاء به دليلٌ على محبّة الإنسان لربِّه، فمن يدَّعي حبَّ الله ولا يحبُّ رسولَه
لا ينفعه ذلك . كما قيل :
وَضَمِّخْ لِسَانَ الذِّكْرِ مِنْكَ بِطِهِ
أَلاَ يَا مُحِبَّ الْمُصْطَفَىْ زِدْ صَبَابَةٌ
عَلَمَةُ حُبِّ اللهِ حُبُّ حَبِيْبِهِ
وَلاَ تَعْبَأَنْ بِالْمُبْطِلِيْنَ فَإِنَّما
وحبُّ الله تعالى يوجد بصدق المتابعةِ لرسول الله وَّر، ويلزم من محبّة الله تعالى
إيثارُ طاعته على هوى نفسه ، فمن ادَّعى المحبَّةَ من غير طاعة ؛ فدعواه باطلة
لا تقبل .
تَعْصِي الإِلهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ !! هذَا لَعَمْرِي فِي أُلْقِيَاسِ بَدِيْعُ
١٢٣

جَعَلَنَا اللهُ تَعَالَى مِنَ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَرْعِهِ
اَلْقَوِيمِ، وَصِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَحَشَرَنَا تَحْتَ لِوَائِهِ ، فِي زُمْرَةِ أَهْلِ
مَحَبَّتِهِ ، عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَاُلْتَّسْلِيمُ .
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقَاً لأطَعْتَهُ إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ يُطِيْعُ
وإذا تحقَّق العبدُ بمحبّة الله ورسوله ، وصَدَق في متابعة أمره ونهيه ؛ خشع
وتأذَّب ظاهراً وباطناً ، لأنَّ ما في الباطن يلوحُ على الظاهر ويعودُ عليه ؛ لما بينهما
من الارتباط ، ولما أن الإنسانَ عمدتُه والمعتبرُ فيه هو باطنه ؛ به يصلح وبه يفسد ،
والمحبّة تُنتج الخوف ، لأن مقاماتِ اليقين مرتبطٌ بعضها ببعض ، فمن حصلت له
المحبَّة ؛ نال من مقام الخوف والرجاء والحياء وغيرها من المقامات والأحوال قسطاً
وافراً ، حَسبَما نصَّ على هذا أئمة الطريق .
وإذا صحَّت المتابعة لرسول الله وَّ؛ نتج عنها بفضل الله تعالى تطهيرُ السريرة
وتنوير البصيرة ، وكان عن ذلك خالصُ الحبُّ وصفاء الودِّ ، والله ذو الفضل
العظيم . ( جَعَلَنَا اللهُ تَعَالَىْ مِنَ المُنَّبِعِيْنَ ) المُقْتَفِينَ ( لَهُ وَّه فِي شَرْعِهِ القَوِيْمِ ) ، لأن
التابع له وَاصِلٌ لسعادة الدارين ، ( وَ) في (صِرَاطِهِ ) الصراط - بالصاد وبالسين -:
الطريق المستوي ؛ أو الواضح (المُسْتَقِيْمِ) الذي لا عوج فيه، (وَحَشَرَنَا )
الحشر : الجمع والاجتماع من الأماكن إلى المحشر الذي هو مكان الجمع .
والاجتماع أبداً لا يكون إلاَّ على عظيم القوم ؛ فهو سلطان ذلك اليوم العظيم ( تَحْتَ
لِوَائِهِ ) لواء الحمد ، (فِي زُمْرَةِ ) ؛ أي: جماعة ( أَهْلِ مَحَبَّتِهِ ) ووداده ( عَلَيْهِ
وَعَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالتَّسْلِيْمُ ) . آمين .
١٢٤

الْبَابُ الأَوَّلُ
( الباب الأول )
الباب : هو الطريق إلى الشيء والموصل إليه . وهو حسيٍّ حقيقي؛
كباب الدار ، ومعنويٌّ مجازي ؛ ككلّ سبب موصل إلى أمر ، وكتراجم الكتب
المترجمة بالأبواب .
والباب في عُرف المصنفين : اسمٌ لجملة من العلم مشتملة على مسائل غالباً .
وكذا يعرّف : ما أُفرد من كتاب أو فصل . فإن جمعتَ الثلاثة فقل :
الكتاب : اسمٌ لجملةٍ من العلم مشتملة على أبواب وفصول ومسائل غالبا .
والباب : اسم لجملة من الكتاب مشتملةٍ على فصول ومسائل غالباً .
والفصلُ : اسمٌ لجملة من الباب مشتملة على مسائل غالباً .
ووَضَع العلماء التراجم تسهيلاً للوقوف على مظانِّ المسائل ؛ وتنشيطاً للنفوس .
قال الزمخشري : وذلك لأنَّ القارىءَ إذا ختم باباً من كتاب ثم أخذ في آخر ؛
كان ذلك أنشطَ له وأبعثَ على الدرس والتحصيل ، بخلاف ما لو استمر على الكتاب
بطوله . ومثله المسافر إذا علم أنَّه قطع مِيلاً وطوى فرسخاً ؛ نَفَّس ذلك عنه ونَشَط
للسير . ومِن ثَمَّ كان القرآن سُوَراً وأجزاءً وأعشاراً . انتهى .
ثم لِتَعرف أَنَّ الأَولى بالقارئ أن يصرِّح بقراءة الترجمة، أَمَّا أوَّلاً! فَلأَنها جزءٌ
من التصنيف الذي أخذ في قراءته ، ويتأكَّدُ ذلك في حقِّ مريد الرواية ، وأمّا ثانياً !
فلأنها تفتقر إلى البيان كغيرها من مسائل ذلك التصنيف الذي أَخذ في قراءته ؛ قاله
الأُبِّي في ((شرح مسلم )) .
قال أبو العبّاس الهلالي بعد نقله بأخصر من هذا: ولأنَّ فيها إشارةً إجمالية إلى
جميع المسائل المترجم لها ، ولمعرفة المسائل بوجه إجمالي ضابطٍ لجميعها فائدةٌ
عظيمة .
١٢٥

فِي نَسَبِ رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَأَسْمَائِهِ الشَّرِيفَةِ
وَفِيهِ فَضْلانِ
( في) ذكر ( نَسَبِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ) محرَّكة، واحد الأنساب، معروف،
وهو : أن تذكر الرجل ؛ فتقول هو فلان بن فلان ، أو تنسبه إلى قبيلة ؛ أو بلد ؛ أو
صناعة ( وَ) في ذكر ( أَسْمَائِ الشَّرْفَةِ) جمع اسم ؛ وهو: اللفظُ الدالُ على
المسمَّى - بفتح الميم ـ. ووجه ذكر أسمائه وَّه التي هي كالتتمة لفضائله وَلِّ !! أنَّ
ذكر أسمائه وَّه تعيِّنُهُ وتشخِّصه، ويحصل بها معرفةٌ تامَّة به وَلّهِ وبأسمائه وصفاته،
وبعظيم قدره عند خالقه. وقد قال في ((الشفاء )): ومن خصائصه تعالى له أَنْ ضَمَّنَ
أسماءه ثناءه ؛ وطوى أثناء ذكره عظيمَ شكره .
ومعرفتُه وَّهِ مقصودةٌ لذاتها . ثم معرفةُ أنَّ له أسماءً كثيرة تدلُّ على عظمه ،
وذلك يحصِّل تعظيمه ويزيد في محبَّته ، ثم معرفتُها تفصيلا تفيدُ زيادةً في محبَّته
وتعظيمه أيضاً . ( وَفِيْهِ ) أي: هذا الباب ( فَصْلاَنِ ) يأتي بيانُهما:
١٢٦

اَلْفَصْلُ الأَوَّلُ
فِي نَسَبِهِ الشَّرِيفِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آبْنُ عَبْدِ اللهِ ...
( الفَصْلُ الأَوَّلُ )
- بالصاد المهملة - لغةً: الحاجزُ بين الشيئين ، والفصل في الأصل مصدرٌ
بمعنى اسم الفاعل ، أي : الفاصل بين ما قبله وما بعده والحاجز بينهما ، أو بمعنى
اسم المفعول ؛ إذ مسائله مفصولةٌ عما قبله وعمّا بعده .
والفصل في عرف المصنفين : اسمٌ لجملة من الباب مشتملةٍ على مسائلَ غالبا ،
وقد مزَّ آنفاً الكلام على ذلك بأوسع .
(فِي) ذكر ( نَسَبِهِ الشَّرِيْفِ بََّ)،
وهو خيرُ أهل الأرض نسباً على الإطلاق ، فلِنَسَبِهِ من الشرف أعلى ذروة .
وأعداؤه كانوا يشهدون له بذلك ، ولهذا شهد له به أبو سفيان عدوُه إذ ذاك بين يدي
ملك الروم ، فأشرفُ القوم قومُه ، وأَشرف القبائل قبيلتُه ، وأشرف الأفخاذ فخذُه ؛
فـ (هُوَ) بََّ النبيُّ العربي، الأبطحي الحَرَمي، القرشي الهاشمي، نخبة
بني هاشم ، المختارُ المنتخب من خير بطون العرب ، وأعرقها في النسب ،
وأشرفها في الحسب ، وأنضرها عوداً ، وأطولها عموداً ، وأطيبُها أَرُومة ، وأعزُّها
جُرثومةً، وأفصحُها لساناً ، وأوضحها بياناً، وأرجحها ميزاناً، وأصُها إِيماناً ،
وأعزّها نفراً، وأكرمها معشراً؛ من قِبَلِ أبيه وأُمِّه ، ومن أكرم بلاد الله على الله
وعباده ؛ ( سَيِّلُنَا مُحَمَّدٌ) اسم مفعول على الصفة ؛ للتفاؤل بأن يكثر حمده .
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلَّق به .
قال في ((الفتح)) : المحمَّدُ: الذي حُمد مرَّة بعد أخرى ، أو الذي تكاملت فيه
الخصالُ المحمودة (رَسُوْلُ اللهِ وَّل) وشرَّف وكرَّم ومجَّد وعظَّم ( أَبْنُ عَبْدِ اللهِ ) ،
١٢٧ ٠ ٠

أَبْنِ عَبْدِ الْمُطَلِبِ بْنِ هَاشِمٍ
قال الحافظ : لم يُختَلَف في اسمه . انتهى . قال ابن الأثير : وكنيته أبو قُثَم - بقاف فثاء
مثلثة - وهو من أسمائه وَّر؛ مأخوذ من القَثم؛ وهو الإعطاء، أو من الجمع ؛ يقال
للرجل الجموع للخير قومٌ وقُثَم ، وقيل : أبو محمد ، وقيل : أبو أحمد . انتهى .
فإن قلنا بالمشهور من وفاته والمصطفى حَمْلٌ !! فلعله كُنِّي بالإلهام ، وإن قُلنا
بعدَ ولادته !! فظاهرٌ .
( ابْنِ ) شيخِ البطحاء ( عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) مجاب الدعوة، مُحَرِّمُ الخمرِ على
نفسه . قال ابن الأثير : وهو أوَّل مَن تحنَّث بحراء ؛ كان إذا دخل شهر رمضان
صعِده وأطعم المساكين . وقال ابن قتيبة : كان يرفع من مائدته للطير والوحوش في
رءوس الجبال، فكان يقال له : ((الفَيَّاض)) لجوده. ويقال له (( مطعم طير
السماء))، واسمه (( شيبةُ الحمد))، وكنيته ((أبو الحارث)) بابن له هو أكبر أولاده .
وإنَّما سُمِّي ((عبدَ المطّلب)) !! قيل: لأن عمَّه المطّلب جاء به إلى مكَّة رديفه؛
وهو بهيئةٍ رَثَّةٍ، فكان يُسأل عنه؛ فيقول: ((هو عبدي)) ؛ حياءً من أن يقول:
(( ابن أخي)) . فلما أُدخل مكة وأُصلح من حاله أظهر أنَّه ابن أخيه ؛ فلذلك قيل له
((عبد المطلب)). وهو أوَّل من خَضَب بالسَّواد من العرب، وعاش مائة وأربعين
سنة ، كما قاله عالم النسب الزُّبير بن بكّار وتبعوه ؛ قاله الزرقاني .
( أَبْنِ هَاشِمٍ)، واسمه: عمرو ، وإنَّما قيل له (( هاشم)) ؛ لأنه كان يهشم
الثريد لقومه في الجدب . وكان هاشم أفخرَ قومه وأعلاهم ، وكانت مائدته منصوبة
لا تُرفع ؛ لا في السَّراء ، ولا في الضَّراء . وكان يحمل ابن السبيل ، وكان نور
رسول الله وَّ في وجهه يتوقَّد شعاعه ، ويتلألأُ ضياؤه، ولا يراه حَبْرٌ إلاَّ قَبَّل يده ،
ولا يمرُّ بشيء إِلا سَجَد إليه . تغدو إليه قبائل العرب ووفود الأحبار ؛ يحملون
بناتِهم يعرضون أن يتزوَّج بهنَّ، حتَّى بعث إليه هرقل ملك الروم ، وقال : إنَّ لي ابنةً
لم تلد النساءُ أَجملَ منها ؛ ولا أبهى وجها ، فأقدُم عليَّ حتى أُزَوِّجَكها ؛ فقد بلغني
جودك وكرمك. وإنَّما أراد بذلك نورَ المصطفى ◌َّ الموصوفَ عندهم في
١٢٨

آبْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلاَبِ
الإنجيل ، فأبى هاشم . ومات وسنُّه عشرون ، وقيل : خمس وعشرون سنة .
انتهى. ((زرقاني)).
( أَبْنِ عَبْدِ مَنَافٍ) - بفتح الميم وخِفَّة النون - ، من: (( أناف ينيف إنافةً))؛ إذا
ارتفع . وقيل : الإنافة : الإشرافُ والزيادة . لُقِّب بذلك !! لأنَّ أمه حُبَّى - بضم
الحاء المهملة وموحدة مُشددة مُمالة - أخدمته صنماً عظيماً لهم يسمَّى ((مناة)) ، ثم
نظر أبوه فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة، فحوَّلَهُ ((عبد مناف))، واسمه : المغيرة ،
كما قال الشافعي ؛ منقولٌ من الوصف ، والهاء للمبالغة ، سُمِّ به !! تفاؤلاً أنَّه يُغير
على الأعداء . وساد في حياة أبيه. وكان مطاعاً في قريش، ويدعَى ((القمر))
لجماله . قال الواقدي: وكان فيه نور رسول الله وَالر ، وفي يده لواء نزار وقوس
إسماعيل . قال ابن هشام: ومات بـ (( غَزَّة )) .
( أَبْنِ قُصَيِّ ) - بضمِّ القاف - تصغير قَصِيْ - بفتح فكسر ؛ فياء ساكنة - من :
( قصا يقصو )؛ إذا بَعُد . ولُقِّب بذلك !! لأنَّ بَعُد عن عشيرته في بلاد قضاعة حين
احتملته أُمُّه فاطمة بنت سعد العذري في قصّة طويلة . ذكرها ابن إسحاق . واسمه
(( مُجَمِّعٌ)) ؛ بالتشديد اسم فاعل ، قال الشاعر :
أَبُوكُمْ قُصَيِّ كَانَ يُدْعَى ((مُجَمِّعاً)) بِهِ جَمَّعَ اللهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرٍ
وكان قُصَيّ أوَّلَ بني كعب أصاب مُلْكاً طاع له به قومه ، وكانت له الحجابة
والسقاية والرِّفادة والندوة واللواء، وحاز شرف مكَّة جميعاً، وكان رجلاً جَلْداً
جميلاً ، وعالمَ قريش وأقومها بالحقِّ .
( أَبْنِ كِلاَبٍ ) - بكسر الكاف وتخفيف اللام - وهو ، إما منقول من المصدر
الذي في معنى المكالبة ؛ نحو : كالبتُ العَدُوَّ مكالبة ، وإما من الكِلاب ؛ جمع
كلب : الحيوان المعروف !! كأنهم يريدون الكثرةَ؛ كما يسمون بـ(( سباع))
و(( أنمار)) وغير ذلك .
وسئل أعرابي : لم تسمُّونَ أبناءكم بِشَرِّ الأسماء ؛ نحو كلب وذئب ، وعبيدَكُم
١٢٩

٠
آبْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ بْنِ لُؤَيّ
بأحسن الأسماء ؛ نحو رزق ومرزوق ورباح ؟! فقال : إنَّما نُسمِّ أبناءنا لأعدائنا ،
وعبيدَنا لأنفسنا . يريد الأعرابي : أنَّ الأبناء عِدَةٌ للأعداء وسهامٌ في نحورهم ؛
فاختاروا لهم هذه الأسماء دون عبيدهم ، لأنهم لا يُقصَد منهم قتال غالباً ، بل كان
عاراً عند العرب .
واسم كلاب: ((حكيمٌ))، قال الحافظ: ولُقِّب بـ ((كِلاب)) !! لمحبَّته كِلاب
الصيد ، وكان يجمعُها ، فمَنْ مرَّت به فسأل عنها قيل : هذه كلابُ ابنِ مُرَّة ، وقال
القُسْطُلأَني : لمحبَّه الصيد ، وكان أكثرُ صيده بالكلاب ؛ قاله المهلب وغيره .
( أَبْنِ مُرَّةَ) بضمِّ الميم ، منقول من وصف الرجل بالمرارة ، فالتاء للمبالغة .
وله ثلاثة أولاد : يقظة ؛ وبه يكنَّى ، وكلاب ، وتيم ؛ ومن نسله الصدِّيقُ وطَلحة .
( ابنِ كَعْبٍ ) قال السهيلي : سُمِّ بذلك ؛ لستره على قومه ولين جانبه لهم .
منقولٌ من ((كعب القدم)). وقال ابن دريد وغيره: من (( كَعْب القناةِ))، وسُمِّي
بذلك !! لارتفاعه وشرفِهِ فيهم ، فكانوا يخضعون له حتى أَرَّخوا بموته إلى عام
الفيل ؛ فأَرَّخوا به ، ثم بموت عبد المطلب . وكعبٌ أَوَّل مَن جمع الناس يوم
العَروبة - وهو : اسم يوم الجمعة - في الجاهلية اتفاقا . ولم يكن ثَمَّ صلاةٌ يجمعهم
إليها ، بل كانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم فيخطبهم . وكان فصيحا يأمرُهم
بتعظيم الحَرَم، ويذكِّرُهم بمبعث النبي ◌ِِّ، ويُعلِمُهم بأنَّه من ولده ، ويأمرهم
باتِّباعه والإيمان به . وينشدُ في ذلك أبياتاً . منها قوله :
يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ حِيْنَ الْعَشِيْرَةُ تَبْغِي الحَقَّ خُذْلاَنَا
وكان بين موت كعب ومبعث النبي ◌ّله خمسمائة سنة وستون سنة ؛ قاله
الزرقاني على ((المواهب)).
( أَبْنِ لُؤَيِّ ) - بضم اللام والهمزة ، ويُسَهَّل بإبدال همزته واواً - .
وفي ((النور والإرشاد )»: الهمزُ أكثرُ عند الأكثرين. ولؤي تصغير (( لآَى )) بوزن
١٣٠

ابْنِ غَالِبٍ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ
(عصا)؛ وهو الثور الوحشيُّ، وكنية لؤي: ((أبو كعب)) ، وله سبعةُ أولاد ذكور .
( أَبْنِ غَالِبٍ ) - بالمعجمة وكسر اللام - منقول من اسم فاعل مشتق من الغَلَب
- بفَتَحات ، أو فتح فسكون - ويقال غَلَبة: بهاء. وله وَلَدان: لؤيٌّ وَتَيْمٌ ، وبه يُكَنَّى .
( أَبْنِ فِهْرٍ ) - بكسر الفاء وسكون الهاء فراءٌ - منقولٌ من الفهر : الحجر
الطويل ؛ قاله السهيلي. وقال الخشني: الفهر : حجرٌ ملءُ الكفِّ؛ يذكَّر ويؤنَّث .
وخَطَّأ الأصمعيُّ مَن أَنَّثَهُ، وفي ((الفتح)»: الفِهْر : الحجر الصغير. وفي
((الإرشاد)) : الطويل الأملس.
واسم فهرٍ (( قريش))، وإليه تُنسب قبائل قريش ؛ كما قاله جماعة ، ونُسِب
للأكثر . قال الزُّهري : وهو الذي أدركتُ عليه مَن أدركتُ من نُتَّاب العرب : أنَّ مَن
جاوز فهراً ؛ فليس من قريش ، بل يقال له (( كِنَانِيٌّ))؛ نسبةً إلى كنانةَ بنِ خزيمة بن
مدركة . على القول الصحيح الذي صَخَّحه الدمياطِيُّ والعراقيُّ وغيرهما، والحُجَّةُ
لهم حديثُ مسلم والترمذي ؛ مرفوعاً: ((إِنَّ اللهَ أَصْطَفَىْ كِنَانَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ ،
وَأَصْطَفَىْ قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ)) ... الحديث . وقيل غير ذلك.
وقبائل قريش فرقتان : بطاح ، وظواهر . فقريش البطاح : مَن دخل مكَّة مع
قصي . والظواهر : مَن أقام بظاهر مكة ؛ ولم يدخل الأبطح .
( أَبْنِ مَالِكِ ) اسم فاعل من مَلَك يملِك ؛ فهو مالك ، والجمع : مُلاَّك ، ويكنَّى
((أبا الحارث))؛ قاله في ((الخميس)). سُمِّي ((مالكاً !! ))؛ لأنه كان ملك العرب.
( أَبْنِ النَّضْرِ) - بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة فراء - واسمه (( قيس))،
ولُقب بـ ((النضر)) !! لنضارة وجهه وإشراقه وجماله؛ منقول من (( النضر)): اسمُ
الذهب الأحمر ، وله من الذكور مالك والصَّلْت ، ويَخْلُد - بفتح التحتيّة وسكونِ
المعجمة ، وضمِّ اللام فدال مهملة - وبه يكنَّى أبوه ، ولكن لم يُعْقِبْ إِلاَّ من مالكٍ .
( أَبْنِ كِنَانَةَ) - بكسر الكاف ونونين مفتوحتين ، بينهما ألف ، ثم هاء - ؛
منقول من (( الكِنانة)) التي هي الجَعْبة - بفتح الجيم وسكون العين المهملة - .
١٣١

آبْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةً بْنِ إِلْيَاسَ
•
سُمِّي بذلك !! تفاؤلاً بأنه يصير كالكِنانة الساترة للسهام ؛ فكان ستراً على
قومه ، وقيل غير ذلك .
( أَبْنِ خُزَيْمَةَ) تصغيرُ خَزَمة - بمعجمتين مفتوحتين - وهي : مرَّة واحدة من
الخزم ، وهو : شدُّ الشيء وإصلاحه . وقال الزَّجَّاجي: يجوزُ أنَّه من الخزم - بفتح
فسكون - تقول : خزمتُه؛ فهو مخزوم إذا أَدخلتَ في أنفه الخزام؛ قاله في (( الفتح)).
وفي (( تاريخ الخميس)): إنَّما سُمِّيَ ((خزيمة))؛ تصغيرُ خَزَمة !! لأنَّه اجتمع
فيه نور آبائه ؛ وفيه نور رسول الله وَلقر . انتهى.
قال ابن عباس : ومات خزيمة على مِلَّة إبراهيم .
( أَبْنِ مُذْرِكَةَ) - بضمُّ فسكون فكسر ففتح ، ثم هاء مبالغة - ؛ منقول من اسم
فاعل من الإِدراك ، لُقِّبَ به !! لإدراكه كلَّ عزَّ وفخر كان في آبائه ، وكان فيه نورُ
المصطفى ◌َ﴿ ظاهراً بيِّناً، واسمه ((عمرو)) عند الجمهور. وهو الصحيح.
( آبْنِ إِلْيَاس) - بتحتيّة مع كسر الهمزة ؛ في قول ابن الأنباري ، وهي همزة قطع تُثْبَت
في الابتداء والدَّرْج - والمعروف أنَّ اسمُه، وفي (( سيرة مغلطاي)): أنَّ اسمَه حبيبٌ .
وفي ((تاريخ الخميس)): إنما سُمِّي ((إلياس)) !! لأنَّ أباه كَبُر ولم يولد له ،
فولد على الكبر واليأس ؛ فسُمِّي ((إلياس))، وكنيته ((أبو عَمْرو))، وله أخ يقال له
((الناس)) - بنون ــ ؛ ذكره ابن ماكولا والجوهريُّ.
وقال قاسم بن ثابت العوفي الأندلسيُّ المالكيُّ : إنَّه بفتح الهمزة ضدّ الرجاء ،
واللام فيه للتعريف ، والهمزةُ للوصل . قال السهيلي : وهذا أصحُ من قول ابنِ
الأنباري . انتهى .
وإِلياس أوَّل مَن أهدى البُدْن إلى البيت الحرام .
ويُذكَر أنَّه كان يُسمع في صُلبه تلبيةُ النبي ◌ِّهِ .
ولم تزل العرب تعظُّمُه تعظيمَ أهل الحكمة ؛ كـ((لقمان)) وأشباهه . وكان
١٣٢

ابْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ
يدعى كبير قومه وسيد عشيرته ، ولا يُقطع أمر ولا يُقضى بينهم دونَه .
قال الزبير بن بكّار : ولَمَّا أدرك إلياسُ أنكر على بني إسماعيل ما غيَّروا من سَنن
آبائهم وسيرتهم ، وبان فضلُه عليهم ، ولان جانبُه لهم ، حتَّى جمعهم رأيُه ورضوا
به ، فردّهم إلى سَنن آبائهم وسيرهم .
قال ابن دحية : وهو وصيُّ أبيه ، وكان ذا جمال بارع .
(أَبْنِ مُضَرَ) - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة - غَير مصروف للعلمية والعدل .
قال الحافظ : قيل سُمِّ به ؛ لأنه كان يحب شُرب اللبن الماضر ؛ وهو
الحامض ، وفيه نظر ، لأنّه يستدعي أَنَّه كان له اسمٌ غيره قبل أن يتَّصفَ بهذه
الصفة ، نعم ؛ يمكن أن يكون هذا اشتقاقه ، ولا يلزم أن يكون متَّصفاً بهذه الصفة :
وقيل : سُمِّي به لبياضه . وقيل : لأنه كان يمضُر القلوب لحُسْنه وجماله .
وهو أوَّل مَن سَنَّ الحُدَاء للإبل . قال البلاذري : وذلك أنَّه سقط عن بعيره وهو
شابٌّ ؛ فانكسرت يده ، فقال: يا يداه .. يا يداه . فأتت إليه الإبل من المرعى ،
فلما صحَّ وركب حَدًا ؛ وكان من أحسن الناس صوتاً .
( أَبْنِ نِزَارٍ ) - بكسر النون ، فزاي ، فألف ، فراء - مأخوذ من النّزْر ؛ وهو
القليل .
قيل: إنَّه لما وُلد ونظر أبوه إلى نور محمد وَّره بين عينيه فَرِح فرحا شديداً ،
ونَحَر وأطعم ؛ وقال : إنَّ هذا كلَّه نزر - أي : قليل - لِحَقِّ هذا المولود؛ فسُمِّي
((نزاراً)) لذلك، وكان اسمُه ((خَلْدان))، وكنيته ((أبو إياد))، وقيل: ((أبو
ربيعة))، وكان أجملَ أهل زمانه وأكبرَهم عقلاً، وكان مقدَّماً ، وانبسطت إليه اليدُ
عند الملوك .
وفي ((الْوَفَا)): يقال إنَّ قبر نزار. بـ(( ذات الجيش)) قرب المدينة.
( أَبْنِ مَعَدِّ) - بفتح الميم والمهملة وشدِّ الدال ــ وسُمِّي ((معدّاً)) !! لأنه كان
١٣٣

آبْنِ عَدْنَانَ .
إِلَى هُنَا إِجْمَاعُ الأُمَّةِ، وَمَا بَعْدَهُ إِلَى آدَمَ لاَ يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ يُعْتَمَدُ .
صاحب حروب وغارات على بني إسرائيل ، ولم يحارب أحداً إلاَّ رجع بالنصر
والظّفَر .
وگُنْیته (( أبو قضاعة )) . وقيل : أبو نزار .
( أَبْنِ عَذْنَانَ ) - بزنة فَعْلان - من المعدن ، أي : الإقامة ؛ قاله الحافظ وغيره .
وفي ((الخميس )): سُمي به !! لأنَّ أعين الجن والإنس كانت إليه وأرادوا قتله .
وقالوا : لئن تركنا هذا الغلام حتى يُدْرِكَ مَذْرَكَ الرجال لَيَخْرجَنَّ من ظهره مَن يسودُ
الناس . فوَكَّل اللهُ به مَن يحفظه . انتهى .
وحكى الزُّبير : أنَّ عدنان أوَّلُ مَن وضع أنصاب الحرم ، وأَوَّل من كَسى
الكعبة ، أو كسيت في زمانه . وقال البلاذري : أوَّل مَن كساها الأنطاعَ عدنان .
ولما استشعر المصنف قولَ سائلٍ : ((لِمَ لَمْ توصل النسب إلى آدم ؟)) قال :
( إِلَىْ هُنَا إِجْمَاعُ الأُمّةِ)، والإجماع. حجَّة، لعصمة الأُمة عن الخطأ، لقوله ◌ِلّل
((لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَىْ ضَلَاَلَةٍ » .
( وَمَا بَعْدَهُ) ؛ أي: بعد عدنان ( إِلَى ) إِسماعيلَ بنِ إِبراهيم، ومنه إلى ( آدَمَ )
قال العلماء : ( لاَ يَصُِ فِيْهِ شَيْءٌ يُعْتَمَدُ). قال العسقلاني في ((السيرة)): اختلف
فيما بين عدنان وإسماعيل اختلافاً كثيراً ، ومن إسماعيل إلى آدم متَّفقٌ على أكثره ،
وفيه خُلْف يسير في عدد الآباء ، وفيه خُلْف في ضبط بعض الأسماء . انتهى .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما : بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً
لا يُعرفون بأسمائهم. وقال عروة بن الزُّبير: ما وجدنا أَحداً يعرف بعد مَعدٍّ بن
عدنان . وسئل الإمام مالك ؛ عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم !! فَكَرِه ذلك . قيل له :
فإلى إسماعيل . فَكَرِه ذلك أيضا . وقال : مَن أخبره بذلك !! ؟ وكذا رُوي عنه في
نسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . فالذي ينبغي : الإعراضُ عما فوق عدنان ،
لما فيه من التخليط والتغيير للألفاظ وعواصة تلك الأسماء مع قِلَّة الفائدة .
١٣٤

وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَنْتُسَبَ .. لَمْ يُجَاوِزْ
فِي نِسْبَتِهِ مَعَذَّ بْنَ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدٍ، ثُمَّ يُمْسِكُ وَيَقُولُ: ((كَذَبَ
النَّسَّابُونَ))؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرً﴾ [الفرقان: ٣٨].
وَهَذَا النَّسَبُ أَشْرَفُ اٌلْأَنْسَابِ عَلَى الإِطْلاَقِ.
فَعَنِ الْعَبَّاسِ
(وَقَدْ كَانَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ إِذَا أَنْتَسَبَ) - أي: ذكر نسبه - ( لَمْ يُجَاوِزْ فِيْ نِسْبَتِهِ
مَعَذَّ بْنَ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدٍ ) - بضمِّ الهمزة ودال مهملة مفتوحة - ( ثُمَّ يُمْسِكُ ) عما زاد ؛
توطئةً لقوله ( وَيَقُوْلُ: ((كَذَبَ النَّتَابُونَ)) ) أي : الرافعون النسبَ إلى آدم ، يقولها
مرتين أو ثلاثا . رواه في (( مسند الفردوس ))؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما
مرفوعا . لكن قال الشُّهيلي : الأصحُ في هذا الحديث أنَّه من قول عبد الله بن مسعود
رضي الله تعالى عنه . وقال غيره : كان ابن مسعود رضي الله عنه إذا قرأ قوله تعالى
﴿أَلَمْ بَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودُ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ
إِلَّا اللَّهُ﴾ [٩/ إبراهيم] قال: كَذَب النسَّابون. يعني: أنَّهم يدَّعون علم الأنساب، ونفى
اللهُ علمَها عن العباد بقوله ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [٩/ إبراهيم]، و (قَالَ اللهُ تَعَالَى ) في
سورة الفرقان (﴿ وَقُرُونًا) - أقواماً - (بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرً (3)) لا يعلمهم إلا الله
(وَهْذَا النَّسَبُ أَشْرَفُ الأَنْسَابِ عَلَى الإِطْلاقِ ، فـ لـقد روى الترمذيُّ وقال : حديث
حسن ؛ (عَنِ الْعَبَّاسِ) بنِ عبد المطّلب أبي الفضل الهاشمي، عمِّ النبي ◌َّ، كان
أسنَّ من رسول الله وَل بسنتين؛ أو ثلاث، وكان رئيساً جليلاً في قريش قبل
الإسلام ، وكان إِليه عمارة المسجد الحرام والسقاية . قيل : أسلم قبل الهجرة ،
وكان يكتمُ إسلامه ؛ مقيماً بمكة يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله اَثار .
وكان رسول الله وَّلهُ يعظُّمُه ويكرمه ويبجِّلُه. وكان وَصُولاً لأرحام قريش ؛
محسناً إليهم ، ذا رأي وكمال عقل ، جواداً ؛ أعتق سبعين عبداً .
وكانت الصحابة تكرمه وتعظّمُه وتقدِّمُه ، وتشاوره وتأخذ برأيه .
وله من الأولاد عشرة ؛ وثلاث بنات . وتوفي رضي الله عنه بالمدينة المنورة
١٣٥

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ
خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهِمْ ، ثُمَّ تَخَيَّرَ الْقَبَائِلَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ
قَبِيلَةٍ ، ثُمَّ تَخَيَّرَ أَلْبُيُوتَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْساً
وَخَيْرُهُمْ بَيْتاً » .
يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب ، وقيل : من رمضان سنة : اثنتين
وثلاثين ، وقيل : أربع وثلاثين ؛ وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .
أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ ) . وفي الترمذيِّ : قال العبّاس: قلت : يا رسول الله ؛ إن
قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم ، فجعلوا مَثَلَك مَثَلَ نخلة في كبوة - أي : كُناسة .
أي : هو كالشجرة المثمرة وأصلُها خبيث . فقد مدحوه وذُوا أصله - فقال رسول
اللهِ وَلَهُ مبيناً أن أصلَه طيِّب: ( ((إِنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ) - أي: المخلوقات، و(( أل))
للاستغراق ، فتدخل الملائكة ، فهو نصٌّ في أفضلية جنس البشر على جنس
المَلَك. أو المرادُ : الثقلان، أو المراد : بنو آدم فِرَقاً - ( فَجَعَلَنِي ) - أي:
صيَّرني - ( مِنْ خَيْرِهِمْ) - أي : خيرِ فِرَقهم ؛ أي : أشرفها ، والمراد بالفِرَق الذي
هو خيرُهم : العربُ - ( ثُمَّ تَخَيَّرَ القَبَائِلَ ) - من العرب أي : اختار خيارَهم ؛ فضلاً
منه - ( فَجَعَلَنِيْ مِنْ خَيْرِ قَبِئْلَةٍ ) - منهم؛ وهم قريش ، أي : قَدَّر إيجادي في خير
قبيلة - ( ثُمَّ تَخَيََّ أَلْبُيُوتَ) - أي: اختارهم شرفاً - ( فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ بُيُوتِهِمْ)
- أي: أشرفها ؛ وهم بنو هاشم، وإذا كان كذلك ــ ( فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْساً) - أي :
روحاً وذاتاً - ( وَخَيْرُهُمْ بَيْتاً) - أي: أصلاً، إذ جئت من طيِّب إلى طيِّب، إلى
صلب أبي بفضل الله عَلَيَّ ولطفه في سابق علمه .
ولم يقل ((ولا فخر))؛ كما في خبر: (( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ )) !! لأنَّ هذا بحسب
حال المخاطَبين في صفاء قلوبهم بما يعلمه من حالهم ، أو هذا بعد ذاك .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: ((إِنَّ اللهَ حِيْنَ خَلَقَ الخَلْقَ
بَعَثَ جِبْرِيْلَ ؛ فَقَسَمَ النَّاسَ قِسْمَيْنِ ؛ فَقَسَمَ العَرَبَ قِسْماً، وَقَسَمَ العَجَمَ قِسْماً ،
وَكَانَتْ خِيْرَةُ اللهِ فِي الْعَرَبِ . ثُمَّ قَسَمَ العَرَبَ قِسْمَيْنِ ؛ فَقَسَمَ اليَمَنَ قِسْماً، وَقَسَمَ
١٣٦

وَعَنْ وَائِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ رَضِيَ الهُ تَعَالَى عَنْهُ
مِضَرَ قِسْماً وَقُرَيْشاً قِسْماً ، وَكَانَتْ خِيْرَةُ اللهِ فِي قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَخْرَ جَنِيْ مِنْ خَيْرِ مَنْ أَنَا مِنْهُمْ ))
رواه الطبراني، وحَسَّن العراقي إسناده، وهو شاهدٌ لخبر المصنّف وكالشرح له .
قال بعض العلماء : والتفاضلُ في الأنساب والقبائل والبيوت باعتبار حُسْن خِلْقة
الذات والتفاضل فيما قام بها من الصفات ؛ حتى في الأقوات ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُنْ عَلَى
بعضٍ فِي الرِزْقِ﴾ [٧١/النحل] وهذا جارٍ في سائر المخلوقات ، فضلُ الله يؤتيه من يشاء ،
فلا اتجاه لما عساه يقال : الإنسان كلُّه نوع ؛ فما معنى التفاضل في الأنساب !!
انتهى «ززقاني)).
( وَ) روى مسلم، والترمذيُّ بأتمَّ منه - وقال: حديث صحيح غريب - (عَنْ )
أبي شَدَّاد ( وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ) بن عبد العُزَّى بن عبدٍ ياليل بن ناشب بن غيرة بن
سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكِنَاني اللَّيني ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ )
قيل: أسلم والنبيُّ نَّ يتجهَّزُ إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد فتح دمشق
وحمص. وقيل: إنَّه خدم النبي ◌َّ ثلاث سنين؛ وكان من أهل الصُّفَّة.
روي له عن رسول الله وم لل ستة وخمسون حديثاً؛ روى له البخاري حديثاً ،
ومسلم حديثاً آخر .
سكن الشام ؛ فسكن دمشق، ثم استوطن (( بيت جبرين))؛ وهي بلدة بقرب
بیت المقدس ، ودخل البصرة ؛ وکان له بها دار .
رَوَى عنه أبو إدريس الخولاني ، ومكحول ، وأبو المليح ، ويونس بن ميسرة
وخلق سواهم .
وتوفي بدمشق سنة : ست - أو خمس - وثمانين هجرية ؛ وهو ابن ثمان
وتسعين سنة رحمه الله تعالى، وأبوه صحابيٌّ؛ كما في (( الإصابة)). رضي الله
تعالى عنهما .
١٣٧

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ أَصْطَفَى مِنْ وَلَدِ
إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَأَصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ ، وَأَصْطَفَى
مِنْ بَنِي كِنَنَةَ قُرَيْشاً ، وَأَصْطَفَى مِنْ قُرَيْشِ بَنِي هَاشِمٍ ، وَأَصْطَفَانِ مِنْ
بَنِي هَاشِمٍ » .
وَعَنِ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ
( قَالَ) واثلةُ: ( قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ اللهَ أَصْطَفَىْ) - أي: اختار ــ ( مِنْ
وَلَدِ إِبْرَاهِيْمَ إِسْمَاعِيْلَ، وَأَصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ بَنِيْ كِنَانَةً) - وهم عدَّة قبائل ؛
أبوهم كنانة بن خزيمة - ( وَأَصْطَفَىْ مِنْ بَنِيْ كِنَانَةَ قُرَيْشاً) - وفيه إبطالٌ للقول بأن
جِماع قريش مُضَر ، وإبطال للقول الآخر بأنَّ جماعَهم إلياس - ( وَأَصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ
بَنِيْ هَاشِمٍ ، وَأَصْطَفَانِيْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ) ؛ زاد ابن سعد من مرسل أبي جعفر
الباقر - : ((ثُمَّ أَخْتَارَ بَنِي هَاشِمٍ مِنْ قُرَّيْشٍ، ثُمَّ أَخْتَارَ أَبْنَ عَبْدِ المُطَِّبِ مِنْ بَيِّي
هَاشِمٍ » . انتهى .
قال الحليمي : أراد تعريف منازل المذكورين ومراتِبَهم ، كرجل يقول ((كان
أبي فقيهاً)) لا يريد الفخر ؛ بل تعريف حاله دون ما عداه. وقد يكون أراد به الإِشارة
بنعمة الله تعالى عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر ، وليس ذلك من الاستطالة
والفخر في شيء. انتهى. ونقله عنه البيهقيُّ في ((الشُّعَب)). وأقرَّه.
وقال الحافظ ابن حجر : ذَكَرَهُ لإفادة الكفاءة ، والقيام بشكر النعم ، والنهيُ عن
التفاخر بالآباء موضعُه مفاخرةٌ تفضي إلى تكبِّر ؛ أو احتقارِ مسلم . انتهى ؛
نقله الزرقاني على (( المواهب)).
( وَ) روى الطبرانيُّ في ((الأوسط))؛ (عَنْ) عبد الله ( بنِ عُمَرَ) بنِ
الخطّاب : أبي عبد الرحمن العالِم المجتهد العابد ، لَزوم السنة ، الفَرور من
البدعة ، الناصح للأُمَّة ( رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ) .
روى ابن وهب عن مالك ؛ قال : بلغ ابنُ عمر ستًّا وثمانين سنة ، وأفتى ستِّين سنة .
١٣٨

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ أُخْتَارَ خَلْقَهُ ؛
فَأَخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ أُخْتَارَ بَنِي آدَمَ فَاخْتَارَ مِنْهُمُ الْعَرَبَ، ثُمَّ أَخْتَارَ
الْعَرَبَ فَاخْتَارَ مِنْهُمْ قُرَيْشاً، ثُمَّ أَخْتَارَ قُرَيْشاً فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ ،
ثُمَّ اخْتَارَ بَنِي هَاشِمٍ فَأَخْتَارَنِي ، فَلَمْ أَزَلْ خِيَاراً مِنْ خِيَارِ ، أَلَ مَنْ
أَحَبَّ الْعَرَبَ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْعَرَبَ فَبِيُغْضِي أَبْغَّضَهُمْ)).
وقال نافع : ما مات حتى أعتق أكثر من ألف ، وشهد الخندق وما بعدها .
قال الحافظ ابن حجر : ولد في السنة الثانية ؛ أو الثالثة من المبعث ، لأنه ثبت
أَنَّه كان يوم بدر ابن ثلاث عشرة سنة ؛ وهي بعد المبعث بخمس عشرة ، ومات في
أوائل سنة ثلاث وسبعين . رحمه الله تعالى .
( قَالَ ) - أي : ابن عمر - ( قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ الله أَخْتَارَ ) - أي :
اصطفى - ( خَلْقَهُ) - مُميِّاً لهم على غيرهم ممَّن لو تعلَّقت بهم الإرادةُ وَوُجِدوا كانوا
دونهم في الفضل ، لكونهم لم يختاروا ، فلا يَرِدُ أنَّ الاختيار إِنَّما يكون فيما يُختار
من شيء، ولا يقال : اختار شيئاً ، إذ لابدَّ من مختارٍ ومختار منه . ومحصَّل
الجواب : اختيارُهم ممن يُقَدَّر وجودُهم - ( فَأَخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِيْ آدَمَ ، ثُمَّ أُخْتَارَ بَنِيْ
آدَمَ) - أي: نظر إليهم - (فَأَخْتَارَ مِنْهُمُ العَرَبَ ) - وبهذا التأويل اندفع ما يقال :
لا حاجةَ لقوله (( ثُمَّ أَخْتَارَ بَنِي آدَم)) بل لا يصحُ، لأنه عينُ ما قبله - ( ثُمَّ أَخْتَارَ
العَرَبَ ) - أي: نظر إليهم - ( فَأَخْتَارَ مِنْهُمْ قُرَيْشاً) - أي: قبائل قريش - ( ثُمَّ أَخْتَارَ
قُرَيْشاً ) - أي: نظر إليهم - ( فَأَخْتَرَ مِنْهُمْ بَنِّيْ هَاشِمٍ) - دون غيرهم - ( ثُمَّ أُخْتَارَ بَنِيْ
هَاشِمٍ) - أي: نظر إليهم - ( فَاخْتَرَنِيْ) - من بنّي هاشم - ( فَلَمْ أَزَلْ خِيَاراً مِنْ
خِيَارٍ ، أَلاَ مَنْ أَحَبَّ العَرَبَ فَبِحُبِّيْ ) - أي: فبسبب حبِّه لي - ( أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ
العَرَبَ) - أظهر للتعظيم - ( فَبِيُغْضِيْ) - أي: بسبب بغضه لي - ( أَبْغَضَهُمْ)) ) .
وقد روى الترمذي ؛ وقال : حسن غريب؛ عن سلمان رفعه: ((يَا سَلْمَانُ ؛
لاَ تُبْغِضْنِي فَتُفَارِقَ دِيْنَكَ. )) قلت : يا رسول الله ؛ كيف أُبغضُك وبك هداني الله ؟!
قال (( تُبْغِضُ العَرَبَ فَتَبْغِضُنِي )) .
١٣٩

وروى الطبرانيُّ ؛ عن علي رفعه: ((لاَ يُبْغِضُ العَرَبَ إِلَّ مُنَافِقٌ)). انتهى.
وقد أَلَّف الحافظ العراقيُّ (( رسالة في فضائل العرب)) . وتلاه الشيخ ابن حجر
الهيتمي، رحمهم الله تعالى، فَأَلَّف رسالة سماها (( مَبلغ الأَرَب في فضائِل
العرب)).
١٤٠