Indexed OCR Text

Pages 61-80

الأَطْهَارِ ، وَأَصْحَابِهِ الأَخْيَارِ ،
والصحيح جواز إضافة ((آل)) إلى الضمير. وآلُ نبيّنا عند الشافعي: مؤمنو بني
هاشم والمطلب، وهذا بالنسبة للزكاة ؛ دون مقام الدعاء . ومن ثَمَّ اختار الأزهريُّ
وغيرُه من المحققين أنَّهم هنا ((كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ )) لحديثٍ فيه .
( الأَطْهَارِ ) جمع: طَهِير وطَهِر ؛ كما في (( القاموس)) أي : المطهّرين في
عناصرهم ، وهو مقتبس من قوله تعالى ﴿وَيُطَقِرَكُمُ تَطْهِيرًا أ
[الأحزاب] ، وفي
وصف «الآل)) بالأطهار تصريحٌ بأنهم مستحِقُّون للصلاة عليهم تَبَعاً له وَّل كما
عَلِمْناهُ في حديث: كَيْفَ نُصَلِّي عليك !! قال: ((قُولُوا اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ
وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ)) ولم يقل: ((آل محمد الأتقياء)) أو السالمين من المعاصي
والتبعات ... أو نحو ذلك، فدلَّ على أن ذلك حقٌّ لهم كيفما كانوا . ولله درُّ الإمام
الشافعي - رحمه الله تعالى آمين - حيث يقول :
يَا أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ حُكُمُ فَرْضٌ مِنَ اللهِ فِي الْقُرْآنِ أَنْزَلَهُ
يَكْفِيْكُمُ مِنْ عَظِيْمِ القَدْرِ أَنَّكُمُ مَن لَّمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لَ صَلاَةَ لَهُ
فظهر بهذا أن تارك الصلاة على الآل تاركٌ لفضيلة عظيمة وسُنَّةً جسيمة .
( وَأَصْحَابِهِ) اسمُ جمع لـ((صاحب))، بمعنى الصحابي؛ وهو: من اجتمع
مؤمناً بالنبي ◌َّ بعد نبوته في حال حياته ومات على ذلك ؛ ولو أعمى ، أو غير
مميز ، أو مَلَكاً ، أو جنيّاً - على الأصح - كما شملته ((مَنْ)).
وهم أفضل من آلٍ لا صحبةً لهم . وإنما قَدَّم الآل ؛ لأنَّ الصلاة وردت عليهم
بالنصِّ ، وأما الصلاة على الصحب ؛ فبالقياس .
( الأَخْيَارِ ) فيه إشارة إلى أنَّ الصحابةَ كلَّهم عدولٌ، وأنَّ طعن
٦١

وَسَلِّمْ تَسْلِيماً كَثِيراً .
أَمَّا بَعْدُ :
الطاعن في بعضهم غيرُ مرضيٍّ ولا مقبول . وبين الآل والصَّحبِ عمومٌ وخصوص
من وجه ؛ لاجتماع الآل والصحب فيمن كان من أقاربه واجتمع به ؛ كسيدنا علي بن
أبي طالب ، وانفرادِ الآل فيمن كان من أقاربه ولم يجتمع به ؛ كأشراف زماننا هذا ،
وانفرادِ الصحب فيمن اجتمع به ولم يكن من أقاربه ؛ كأبي بكر الصدِّيق رضي الله
عنه. (وَسَلِّمْ تَسْلِيْماً كَثِيْراً ) السلام : هو تسليمهُ من كلِّ آفة ونقص .
( أَمَّا بَعْدُ ) كلمةٌ يؤتَى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر . وأتى بها !! تأسِّياً
بِه ◌َ﴾، فإنَّه كان يأتي بها في خُطَبِهِ ونحوها كما صحَّ عنه ، بل رواها عنه اثنان
وثلاثون صحابياً ؛ كما قاله ابن علاَّن . وقال الزرقاني : روى ذلك أربعون
صحابياً؛ كما أفاده الرهاوي في ((أربعينه)) المتباينة الأسانيد. انتهى .
وأوَّل مَن قالها داود عليه السلام - كما قيل - فهي ((فصل الخِطَاب)) الذي
أُوْتِيَهُ . لأنها تفصل بين المقدمات والمقاصد ، والخطب والمواعظ . قال العلقمي
في ((حاشية الجامع الصغير)) : وبهذا قال كثير من المفسرين .
وقيل : أول من قالها قُسُّ بن ساعدة الإيادي ، وقيل : كعب بن لؤي ، وقيل :
يعرب بن قحطان، وقيل: (( سحبانُ وائلٍ)) بالإضافة الذي كان في الجاهلية ،
لا سحبانُ بنُ وائل الذي كان في زمان معاوية ، خلافاً لمن وَهِم فيه . نبَّه عليه
البلغيثي عن التلمساني في ((حاشية الشفا)) . قال : ولا يدلُّ قول سحبان بن وائل :
((لَقَدْ عَلِمَ الحَيُّ الْيَمَانُونَ أَنَّنِي إِذَا قُلْتُ: ((أَمَّا بَعْدُ )) أَنِّي خَطِيْبُهَا))
على أنَّه أوَّل مَن قالها . انتهى .
وعلى هذه الأقوال فـ(( فصل الخطاب)) الذي أُوتيه داود عليه الصلاة والسلام
هو: ((الْبَيَّةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وأَلْيَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ )).
٦٢

فَقَدْ خَطَرَ لِي أَنْ أَجْمَعَ كِتَاباً أَجْعَلُهُ وَسِيلَةً لِبُلُوغِي مِنْ رِضَا اللهِ
تَعَالَى وَرَسُولِهِ الْمَرَامَ، وَذَرِيعَةٌ لِلانْتِظَامِ فِي سِلْكِ خُدَّامِهِ
وقال المحققون : فصل الخطاب الفصلُ بين الحق والباطل .
وهي ظرفٌ مبنيٌّ على الضَّم ؛ كغيره من الظروف المقطوعة عن الإضافة .
ويجوز ضمُّ الدَّال مع التنوين ، كما يجوز نصبُه منَّوناً ؛ وغيرَ منوَّن .
ووجوه ذلك مفصَّلة في كتب النحو ؛ كـ((شرح القطر )) وغيره .
وهي ظرفُ زمان كثيراً؛ كـ((جاء زيد بعد عمرو))، وَظرف مكان قليلاً ؛
كـ((دارُ زيد بعد دار عمرو)) . وهي هنا صالحة للزمان باعتبار اللفظ ، وللمكان
باعتبار الرَّقْم. ولكون ((أمّا)) نابَتْ منابَ اسم الشرط الذي هو (( مهما))؛ أجيبت
بالفاء ، إِذٍ التقدير : مهما يكن من شيءٍ بعد ما تقدَّم من الحمد والشهادتين والصلاة
والسلام على النبي ◌َّه؛ (فَقَدْ خَطَرَ لِي) . الخاطر : ما يخطُر في القلب من تدبير
أمر، فيقال: خَطَر ببالي، وعلى بالي، خَطْراً، وخطوراً من بابَيْ (( ضرب،
وقعد )) ؛ ( أَنْ أَجْمَعَ ) ؛ أي : أُؤْلِّف ( كِتَاباً) - أي - مكتوباً ، وتنوينه للتعظيم .
وهو - في الأصل - مصدرٌ سُمِّي به المكتوب على التوسُّع ، ثم غلب في العرف على
جمع من الكلمات المستقلة بالتعيين المفردة بالتدوين ( أَجْعَلُهُ وَسِيْلَةٌ ) - أي : سبباً -
( لِبُلُوغِي ) : وصولي ( مِنْ رِضَا اللهِ تَعَالَىْ ) . هو كنايةٌ عن فعله به ما يفعل الراضي
عمن يرضى عنه . وهو إيصال الخير إليه ، لأن البلوغَ الوصولُ والانتهاءُ إلى غاية
مقصودة ، لكن مع اعتبار ضرب من التمكُّن والقوَّة ، لأنَّ المادّة بتقاليبها دائرةٌ على
هذا المعنى، والغايةُ المقصودةُ هنا رضا الله تعالى، ( وَ) رضا (رَسُوْلِهِ) ◌َِ ،
وذلك غايةُ المطالب والمقاصد . وقوله ( المَرَامَ ) أي : المطلوب مفعول
((بلوغي))، كقوله تعالى ﴿ وَقّدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِيًّا (٥)﴾ [مريم) (وَذَرِيْعَةً) أي:
وسيلة ( لِلانْتِظَامِ ) أي: الاندراج ( فِي سِلْكِ ) - بكسر السين - أصلُ معناه :
الخيط، ومقصودُه بذلك التقرُّب إليه ◌ِّرَ حتى يكون معدوداً من جملة (خُدَّامِهِ )
- بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة -: جمع خادم مثل كاتب وكُتَّاب ،
٦٣

عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ .
ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى قِلَّةِ عِلْمِي ،
والمرادُ كونُه من المشتغلين بخدمة الجناب النبوي لينخرط في سلك المحبوبين عند
رسول الله ﴿ ويُدلي بدَلْوه معهم في بحر فضله الذي لا يخيب قاصدُه، ولا يظمأُ واردُه ،
مستمطِراً سحائب إحسانه ، مستنزِلاً غزيرَ بِرِّه وأمتنانه ، لأنَّ أدنى انتساب إليه ◌َّ يحصل
غاية النفع والشرف ، إذ لم يخلقِ الله خلقاً أكرمَ عليه منه وَّر، ولم يخلق جاهاً أعظم من
جاهه؛ فيحصل لخادمه من الجاه بحسب مالَهُ مَّ من العزِّ والشرف.
قال سيِّدي عبد الوهّاب الشعراني : ما في الوجود مَن جعل الله له الحَلَّ والربط ،
دنيا وأخرى؛ مثل النبي ◌َّر، فمن خدمه على الصدق والمحبَّة والوفاء ، دانت له
رقاب الجبابرة ، وأكرمه جميع المؤمنين كما ترى ذلك فيمن كان مقرّباً عند ملوك
الدنيا . ومَن خدم السيِّد خدمته العبيد . وكما أن غلامَ الوالي لا يُتعرَّض له إذا سَكِر
مثلاً؛ إِكراماً للوالي ، فكذلك خُدَّام النبي ◌َّ لا تتعرض لهم الزبانية يوم القيامة ؛
إكراماً لرسول الله وَله . فقد فعلت الحماية مع التقصير ما لا تفعله كثرةُ الأعمال
الصالحة مع عدم الاستناد لرسول الله وَ﴿ الاستنادَ الخاصَّ. ولله درُّ مَن قال:
مُدَّ مِنْهُ لِخَادِمِيهِ لِوَاءُ
وَإِذَا مَا أَلْجَنَابُ كَانَ عَظِيْمًا
عِ أَجَلَّ أَتباعَهُ الكُبَرَاءُ
وَإِذا عُظِّمَتْ سِيَادَةُ مَتْبُو
وقد كان المصنّ رحمه الله تعالى ممَّن له القِدْحُ المُعَلَّى في خدمة الجناب
النبوي ؛ بالتأليف والمديح والصلوات ونشر علوم السنة النبوية ، نظَمَنا الله تعالى في
سلك أحبابه المتعلِّقين بجنابه ( عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ) بمَنَّه وكرمه . آمين .
( ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَىْ قِلَّةِ عِلْمِي). في ((القاموس)): نظرَهُ ونظر إليه؛ نَظَراً ،
ومنظراً: تأمّله بعينه. قال الشارح: هكذا فسَّره الجوهري. وفي (( البصائر)):
والنظر أيضاً تقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته . وقد يراد به التأمُّل والفحص ،
وقد يراد به المعرفةُ الحاصلة بعد الفحص . وقوله تعالى ﴿ قُلِ أَنْظُرُ واْمَذَا فِ السَّمَوَاتِ﴾
[يونس / ١٠١] - أي: تأمَّلوا - .
٦٤

وَضَعْفٍ فَهْمِي ، وَكَثْرَةِ ذُنُوبِي، وَوَفْرَةٍ عُيُوبِي .. فَأَحْجَمْتُ إِحْجَامَ
مَنْ عَرَفَ حَدَّهُ فَوَقَفَ عِنْدَهُ، ثُمَّ تَخَطَّرْتُ سَعَةَ أَلْكَرَمْ، وَكَوْنِي مِنْ أُمَّةِ
هَذَا النَّبِّ الْكَرِيمِ .. فَقْدَمْتُ إِقْدَامَ الطَّفْلِ عَلَّىَ الأَبِ الشَّفِيقِ
اُلْحَلِيمِ ،
واستعمالُ النظر في البصر أكثرُ استعمالاً عند العامَّة ، وفي البصيرة أكثر
استعمالاً عند الخاصَّة . ويقال : نظرت إلى كذا ؛ إذا مددتَ طرفَك إليه ، رأيته ؛
أو لم تره ، ونظرتَ إليه إذا رأيته وتدبَّرته ، ونظرتَ في كذا : تأمّلته . ثم قال : وإذا
قلتَ ((نظرت إليه)) لم يكن إلاَّ بالعين ، وإذا قلتَ ((نظرتَ في الأمر)) ؛ احتمل أن
يكون تفگّراً وتدبراً بالقلب . انتهى .
( وَضَعْفٍ فَهْمِي ) هذا منه تواضعٌ رحمه الله تعالى ، ( وَكَثْرَةِ ذُنُوبِي ) ؛ جمع
ذَنْب ، وهو الإثم والمعصية . وقد أذَنبَ الرجل صار ذا ذنْب . وقد قالوا : إن هذا
من الأفعال التي لم يُسمع لها مصدر على فعلها ، لأنه لم يُسمع إِذناب كـ(( إِکرام )) ،
( وَوَفْرَةِ) ، أي : كثرة ( عُوبِي ) ؛ جمع عيب : وهو الوصمة (فَأَحْجَمْتُ ) عمَّا
أردتُ من تأليف الكتاب المذكور ، أي : كففتُ عنه. يقال (( حجمتُه عن الشيء))؛
أي كففتُه عنه ، وأحجم هو عنه أي : كفَّ . وهو من النوادر مثل: كببته فأكبَّ ؛
قاله الجوهري ( إِحْجَامَ) ، أي: إحجاماً مثل إحجام ( مَنْ عَرَفَ حَدَّهُ) - أي :
عرف نفسَه بالقصور - ( فَوَقَفَ عِنْدَهُ ) أي : عند حدِّه ، حيث كان قاصراً عن بلوغ
هذه الرتبة .
( ثُمَّ تَخَطَّرْتُ) أي: تذكَّرت ( سَعَةَ أَلَكَرَم) من الله سبحانه وتعالى ،
( وَ) تخطَّرْتُ ( كَوْنِيْ مِنْ أُمَةِ هذا النَّبِيِّ الكَرِيْمِ فَـ) رجوتُ أن يكرمني اللهُ بنيل هذا
الأَرَب ؛ لأجل نبيه وَّهِ فَقَوِيَ رجائي، وَ( أَقَّدَمْتُ ) على تنفيذ هذا العزم ، وهو
تأليف الكتاب ( إِقْدَامَ ) أيْ : إقداماً مثل إقدام ( الطَّفْلِ عَلَى الأَبِ ) أي : أبيه
( الشَّفِيْقِ ) كثير الشفقة ( أُلحَلِيْم) على ولده ؛ فلا يعاقبه إذا أساء ، لأن حلمه
وشفقته يمنعانِه. والنبي وَ لّ هو أبو المؤمنين ، وأزواجُه أمهاتهم ، لا سيما
٦٥

بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ
أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
فَكَمْ مِنْ أَغْرَابِّ فَدْمٍ ، لَا أَدَبَ لَهُ
( بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ قَوْلَ اللهِ تَعَالَىْ ) في سورة التوبة واصفاً له بالرحمة والرأفة لأمتهِ ،
حيث قال ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ - أيها العرب - ﴿رَسُوكُ) - هو محمد زَلَ - ﴿مِّنْ
أَنفُسِكُمْ﴾ - أي : منكم تعرفون نسبه وحسبه ، وأنَّه من ولد إسماعيلَ بنِ إبراهيم
عليهما الصلاة والسلام . وهو ترغيبٌ للعرب في نصره ، فإنَّه تم شرفهم بشرفه ،
وعزُّهم بعزه، وفخرهم بفخره ، فإنه من عشيرتهم يعرفونه بالصدق والأمانة والصيانة
والعفاف وطهارة النسب والأخلاق الحميدة - ﴿عَزِيزٌ﴾ - أي: شديد - ﴿عَلَيْهِ مَا
عَنْتُمْ﴾ - أي: عَنَتَكم، أي مشقَّتُكم ولقاؤكم المكروه ﴿ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ﴾
- أن تهتدوا - ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ﴾ - شديد الرحمة - ﴿رَّحِيمٌ (®]) مريدٌ لهم
الخير . وقيل : بالمؤمنين رؤوف ؛ أي : بالطائعين منهم ، رحيم بالمذنبين . قال
الحسن بن الفضل : لم يجمع الله لأحد من أنبيائه اسمين من أسمائه تعالى إلاَّ
للنبي ◌َّهِ فِسمَّاه رؤوفاً رحيماً. وقال ﴿إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ [الحج].
( فَكَمْ ) خبريةٌ ، بمعنى عددٌ كثير ومُمَيَّزُهَا قوله ( مِنْ أَغْرَابِيٌّ ) فهو مجرورٌ
بـ((من))؛ كما في قوله تعالى ﴿﴿ وَكَم مِّن مَّلَكِ فِ السَّمَوَاتِ﴾ [النجم/ ٢٦] ، والأعرابيّ:
ساكن البادية ( فَدْمٍ ) - بفتح فسكون - هو من الناس العبيُّ عن الكلام في ثقل ورخاوة
وقلَّةٍ فَهْم، وهو أيضاً: الغليظ الأحمق الجافي؛ كما في (( القاموس)). ويصحُّ
إرادة كلٍّ من المعنيين هنا .
( لا أَدَبَ لَهُ)، قال الحافظ السيوطي في (( التوشيح)): الأدبُ: استعمالُ
ما يُحمد قولا وفعلا . وقيل: الأخذُ بمكارم الأخلاق . وقيل : الوقوف مع
المستحسنات . وقيل : تعظيم مَن فوقك والرفق بمَن دونك ، يقال : إنه مأخوذ من
المأدبة ، وهي الدعوة إلى الطعام ، سُمِّي به !! لأنَّ يُدعى إليه. انتهى.
٦٦

وَلاَ فَهْمَ، وَلاَ عَقْلَ لَهُ وَلاَ عِلْمَ، وَلاَ كَرَمَ وَلاَ حِلْمَ .. قَابَلَ جَنَابَهُ
الشَّرِيفَ بِمَا غَضِبَ لَهُ الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ ،
( وَلاَ فَهْمَ ) الفهم : سرعة انتقال النفس من الأمور الخارجية إلى غيرها .
وقيل : الفهم تصوّر المعنى من اللفظ . وقيل : هيئة للنفس يتحقق بها ما يحسن .
وفي (( إحكام الآمدي »:
الفهم جَودة الذهن من جهة تهيِّّهِ لاقتناص ما يردُ عليه من المطالب .
( وَلاَ عَقْلَ لَهُ) كامل . والعقل : نور روحاني يُقذَف به في القلب ؛ أو
الدماغ ، به تُدْرِك النفس العلوم الضرورية والنظرية . واشتقاقه من العقل ؛ وهو :
المنع !! لمنعه صاحبَه عما لا يليق ، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ، ثم لا يزال
ينمو ويزيد إلى أن يكمل عند البلوغ . وقيل : إلى أن يبلغ أربعين سنة ، فحينئذ
يستكمل عقله، كما صرَّح به غير واحد . وفي الحديث: (( مَا مِنْ نَبِيِّ إلاَّ نُبُّىءَ بَعْدَ
اُلأَرْبَعِيْنَ )) وهو يشير إلى ذلك .
( وَلاَ عِلْمَ ) العلْم : هو حكم الذهن الجازم المطابق للواقع الموجب . وقال
الحكماء : هو حصول صورة الشيء في العقل . والأوَّل أَخصُّ من الثاني . وقيل :
العلم هو إدراك الشيء على ما هو به. وقيل : زوال الخفاء من المعلوم ، والجهل
نقيضه . وقيل : العلم صفة راسخة يُدرَك بها الكليات والجزئيات . وقيل : العلم
وصول النفس إلى معنى الشيء . وقيل : هو مستغنٍ عن التعريف .
( وَلاَ كَرَمَ) الكرم : هو الإنفاقُ بطِيْب نفس فيما يعظُم خطره ونفعه .
( وَلاَ حِلْمَ ) الحلم : حالة تَوَقُّرٍ وثبات عند الأسباب المحركات .
(قَابَلَ جَنَابَهُ الشَّرِيْفَ) الجناب - بفتح الجيم - أصله الجانب؛ وهو: شِقُّ الإنسان.
فكأنَّ للإنسان شيئاً محسوساً يسمَّى بالجناب والقدر ؛ يُحتَشَم صاحبه لأجله .
والمراد هنا: ذاتُه وَّهِ. والمعنى: فكم من أعرابيٍّ جِلْفٍ واجهه وَِّ (بِمَا) أي:
بخلق سَيِّءٍ ( غَضِبَ لَهُ ) أي : لأَجْل ذلك الخلق الصادر منه ( المَكَانُ وَالزَّمَانُ ) ؛
٦٧

وَخَاطَبَهُ بِمَا عَبَسَ لَهُ وَجْهُ السَّيْفِ وَأَحْتَّ لَهُ لِسَانُ السِّنَانِ
غيرةً عليه وََّ أن تُنْتَهك حرمته؛ كما وقع له مع قومه الذين وَطِئوا ظهره، وأَدْمَوا
وجهه ، وكسروا رَبَاعِيَتَهُ، فأبى أن يقول إِلَّ خيراً. وقال: ((اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِقَوْمِي
فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ )) . ولما تصدَّى له غورث بن الحارث ليفتك به ورسول الله ێآر في
ناحية تحت شجرة وحده قائلاً ؛ والناس قائلون في غزوة ذات الرقاع ، فلم يستيقظ
رسول الله وَي﴿ إِلاَّ وهو قائمٌ بيده السيف صَلْتاً. فقال: مَن يمنعك مني؟. فقال:
((اللهُ)). فسقط السيف من يده، فأخذه النبي ◌ََّ؛ وقال: ((مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟))
قال : کن خیرَ آخذ . فتركه وعفا عنه ، فجاء إلى قومه فقال : جئتكم من عند خير
الناس. وَل﴾ .
وعن أنس رضي الله عنه قال: كنتُ عند النبيِ وَّر؛ وعليه بُردٌ غليظُ الحاشية،
فجَيَذْه أعرابيٌّ بردائه جَبْذَة شديدة حتى أثّرت حاشية البرد في صفحة عاتقه ، ثم
قال : يا محمد ؛ احمل لي على بعيرَيَّ هُذينٍ مِن مال الله الذي عندك ، فإنَّك
لا تحمل لي من مالك؛ ولا من مال أبيك. فسكت النبي وََّ، ثم قال: «الْمَالُ
مَالُ اللهِ وَأَنَا عَبْدُهُ))، ثم قال: ((وَيُقَادُ مِنْكَ يَا أَعْرَابِيُّ مَا فَعَلْتَ بِي!)) قال : لا.
قال: ((وَلِمَ؟)) قال: لأنَّك لا تكافئُ بالسيئةِ السيئةَ !! فضحك النبي وَّر، ثم أمر
أن يُحمل له على بعير شعيرٌ وعلى آخر تمرٌ .
وإسناد الغضب إلى الزمان والمكان مجارٌ عقلي لوقوعه فيهما .
( وَ) كم من أعرابي غليظ الطبع (خَاطَبَهُ) بَرِ (بِمَا ) ، أي: بكلام خشن
(عَبَسَ ) من باب ( ضرب ) عُبُوسا : قطب وجهه فهو عابس (لَهُ) ، أي : لأجل
هذا الكلام ( وَجْهُ السَّيْفِ ، وَأَحْتَذَ) أي : غضب (لَهُ لِسَانُ السِّنَانِ) - بكسر
السين ؛ ككتاب . المراد به الرمح - ومعناه في الأصل : نصلُ الرمح ؛ أي :
حديدَتُه . يعني أنَّه استحق القتلَ ، فَكأَنَّ السيف والرمحَ هاج بهما الغضب على هذا
الأعرابي يريدان الانتقام منه؛ نُصرةً لرسول الله وَله. كما وقع له بَّر مع الرجل الذي
قال له : اعدل ؛ فإنَّ هذه قسمةٌ ما أُريد بها وجهُ الله تعالى، فلم يردَّ عليه إلاَّ بقوله :
٦٨

فَكَانَ جَوَابَهُ الإِغْضَاءُ ، وَأَلْعَفْوُ عَمَّنْ أَسَاءَ ، بَلْ أَدْنَاهُ وَقَرَّبَهُ، وَمَا لَاَمَهُ
وَمَا أَنَّبَهُ ، بَلْ أَفْرَغَتْهُ أَخْلاَتُهُ اَلْمُحَمَّدِيَّةُ فِي قَالَبِ
((وَيْحَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ !! خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِن لَمْ أَعْدِلْ)) ، ونهى مَن أراد
من أصحابه قتله .
وفي الكلام استعارتان بالكناية ؛ حيث شبّه كلاً من السیف والسنان بإنسان يريد
الانتقام نصرةً لرسول الله وَّله . وحذف المشبّه به الذي هو الإنسان، ورمز له بشيء
من لوازمه ؛ وهو الوجه واللسان ، والعبوسُ والاحتداد (ترشيح)(١) .
(فَكَانَ جَوَابَهُ) وَِ لذلك المسيء (اُلْإِغْضَاءُ) ، أي : الإِمساك وعدم
المؤاخذة. وفي ((المصباح)): أغضى عينيه : قارب بين جفنيهما . ثم استعمل في
الحلم فقيل: أغضى؛ إذا أمسك عفواً عنه. وفي (( المحكم)): أغضى على
قذىّ ، صبر على أذى . انتهى .
( وَ) كان جوابَه ( العَفْوُ عَمَّنْ أَسَاءَ)، لأنَّه وَِّ لا ينتقم لنفسه إِلاَّ أن تُنْتَهك
حرماتُ الله تعالى ؛ فينتقم لله . كما عفا عن اليهودية التي سمَّته في الشاة بعد
اعترافها ، ولم يؤاخذ لبيدَ بن الأعصم إِذ سحره ؛ وقد أُعلم به وأوحي إليه بشرح
أمره !! ( بَلْ أَدْنَاهُ) ؛ أي : ذلك الأعرابي المسيء ( وَقَرَّبَهُ) عطفُ تفسير ،
( وَمَا لَمَهُ): عَذَله، (وَمَا أَبَهُ) أي: عنََّه. يقال: أَنَّه تأنيباً: عنَّه ولامه
ووبَّخه ، والتأنيبُ أشدُّ العذل ؛ وهو التوبيخ والتثريب . والتأنيب المبالغةُ في
التوبيخ والتعنيف ، ومنه حديث توبةِ كعب بن مالك : ما زالوا يؤنُوني .
( بَلْ أَفْرَغَتْهُ أَخْلاَتُهُ الْمُحَمَّدِيَّةُ ) أي : صبَّتَه ( فِي قَالَبٍ) - بفتح اللام
وكسرها - : هو الشيء يفرغ فيه الجواهر ليكون مثالاً لما يُصَاغ منها ، وهو دخيل .
والصواب أنَّه معرّب ، وأصله كالب ، لأن هذا الوزن ليس من أوزان العرب
كـ((الطابق)) ونحوه؛ وإن ردّه الشهابُ في (( شرح الشفا)) بأنه غير صحيح ، فإنها
(١) الترشيح : ضربٌ من ضروب البلاغة، بمعنى: تأكيد المعنى السابق.
٦٩

كِيمِيَاءِ السَّعَادَةِ بِأَيَادِي الإِحْسَانِ ، حَتَّى أَضْمَحَلَّتْ حِدَّةُ ذَلِكَ اَلْوَحْشِ
وَأَنْقَلَبَتْ حَدِيدَتُهُ جَوْهَرَةَ إِنْسَانٍ ، فَتَبَدَّلَ بُغْضُهُ بِأَلْحُبِّ، وَبُعْدُهُ
بِالْقُرْبِ ، وَحَرْبُهُ بِالسِّلْمِ ، وَجَهْلُهُ بِأَلْعِلْمِ .
دعوى خالية عن الدليل . وصيغته أقوى دليل على أنَّه غير عربي ، إذ فاعَل - بفتح
العين - ليس من أوزان العرب، ولا من استعمالاتها. انتهى (( شرح القاموس)).
( كِيْمِيَاءِ السَّعَادَةِ ) المراد بذلك تهذيبُ النفس باجتناب الرذائل وتزكيتها عنها ،
واكتساب الفضائل وتحليتها بها . والكيمياء لغة مولَّدة من اليونان ؛ أصل معناها
الحذق والحيلة ؛ قاله الخفاجي .
( بِأَيَادِي الإِحْسَانِ ) جمع يد ؛ وهي الجارحة . ثم أُطلِقت على النعمة مجازاً .
ويحتمل أن يكون المعنى بأيادٍ هي الإحسان ، فالإضافة بيانيَّةٌ .
(حَتَّى أَضْمَحَلَّتْ): ذهبت ( حِدَّةُ) - بكسر الحاء وتشديد الدَّال المهملتين - :
هي ما يعتري الإنسان من الخِفَّة والطيش والغضب ، تقول : حَدَدْتُ على الرجل أحِدُّ
- بالكسر - حِدَّةً أيضا ؛ عن الكسائي. ( ذلِكَ أُلْوَحْشِ ) أصل الوحش : حيوان البَرِّ
الَّذي لا يُستأنس. فشُبه به الإنسان الذي لم يتهذَّب بالأخلاق الحسنة بجامع النُُّرة
من كُلِّ ، ( وَأَنْقَلَبَتْ ) أي : تبدَّلت ( حَدِيْدَتُهُ) : القطعة من الحديد المعروف
( جَوْهَرَةَ إِنْسَانٍ ) كامل بالإضافة . والمرادُ أنَّ هذا الأعرابي الجلف الذي كان سيِّءَ
الأخلاق نافراً كالوحش يُشْبِهُ الحديد في القسوة ؛ لَمَّا أشرقت عليه شمس النبوة ،
ورأى تلك الطلعةَ البهيَّة، وأبصر الأخلاق المحمدية، وسمع الحِكَم المصطفِيَّة(١) ؛
تهذَّبت نفسه ، وحسنت أخلاقه، وتغيَّرت طباعه ؛ ( فَتَبَدَّلَ بُعْضُهُ) للنبي ◌َِّ ؛
وللإِسلام ( بِالحُبِّ) لهما، ( وَ) تبدَّل ( بُعْدُهُ) عنهما ( بِالقُرْبٍ) منهما، ( وَ)
تبدَّل ( حَرْبُهُ بِالسِّلْمِ) - بكسر السين: الصلح - ( وَ) تبدَّل ( جَهْلُهُ بِآلْعِلْمِ ).
(١) تقتضي قواعد اللغة : المصطفوية .
٧٠

وَأَسْتَحَالَ إِنْسَاناً بَعْدَ أَنْ كَانَ ثُعْبَاناً، وَصَارَ حَبِيباً بَعْدَ أَنْ كانَ ذِيباً .
فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ شَوَاهِدِ مَكَارِمٍ أَخْلاَقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..
أَطْمَعَنِي بِإِمْكَانٍ قَبُولِي فِي جُمْلَةٍ خَدَمِهِ ، وَدُخُولِي فِي عِدَادِ حَشَمِهِ ،
وَلاَ يَبْعُدُ عَنْ سَعَةِ كَرَمِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَهَبَ لِي إِكْرَاماً لِرَسُولِهِ فَوْقَ مَا
أَمَّلْتُهُ مِنَ الرِّضَا وَأَلْقَبُولِ.
وللجلال السيوطي رحمه الله تعالى فيما يقال بكسر أوَّله وضدُّه بفتح أوله ،
هذان البيتان :
عَن الأَوَائِلِ أَسْمَاءٌ أَوَائِلُهَا بِالْكَسْرِ جَاءَ، وَأَضْدَادٌ لَهَا فُتِحًا
خِصْبٌ وَفَتَحُ لأَضْدَادٍ لَهَا وَضحا
الْعِلْمُ وَالحِلْمُ وَالسِّلْمُ الغِنَى وَتَلاَ
وذيَّل عليهما السيد المرغني حفيد السيد محمد عثمان المرغني في (( شرحه))
لمولد جدِّه المذكور ذاكراً أضداد ذلك ؛ وهو ما كان أوَّله مفتوحاً ؛ فقال :
وَذَاكَ جَهْلٌ وَحَرِبٌ يَا فَتَى سَفَةٌ جَذْبٌ وَفَقْرٌ لِرَبِّ فَضْلُهُ طَفَحَا
( وَأَسْتَحَالَ ) أي: صار (إِنْسَاناً) حقيقيًّا ( بَعْدَ أَنْ كَانَ) إِنساناً صُوريًّا يُشبه في
أخلاقه ( ثُعْبَاناً ) ، وهو : الحية الضخمة الطويلة تصيد الفأر، ( وَصَارَ حَبِيْباً بَعْدَ أَنْ
كَانَ ذِيباً ) ؛ أي : كالذيب في الخبث والذَّهاء .
(فَهذا؛ وَأَمْثَالُهُ مِنْ شَوَاهِدِ مَكَارِمٍ أَخْلاَقِ بَلِّ أَطْمَعَنِي ) ، أي : جعلني طامعا
( بِمْكَانٍ قَبُولِي فِي جُمْلَةٍ خَدَمِهِ ) المشتغلين بنشر محاسنه ونُصرةٍ دينه ، ( وَدُخُوْلِيْ
فِي عِدَادِ ) - بكسر العين المهملة : المِثْل ـ ( حَشَمِهِ) - بفتح أوَّلَيْهِ للواحد والجمع -
وهم خاصَّةُ الرجل الذين يغضبون له من أهل وعبيد أو جِيرَة ؛ إذا أصابه أمر . وفي
((الصحاح)): حشَمُ الرجل: خَدَمه ومَن يغضب له. سُقُّوا بذلك !! لأنهم
يغضبون له . انتهى .
( وَلاَ يَبْعُدُ عَنْ سَعَةٍ كَرَم اللهِ تَعَالَىْ أَنْ يَهَبَ لِيْ ) أي : يعطيني (إِكْرَاماً لِرَسُولِهِ )
- مفعول لأجله ــ ( فَوْقَ) - أي: زيادة على - ( مَا أَمَّلْتُهُ) ؛ أي: رجوته ( مِنَ
الرِّضَا وَأَلقَبُولِ) بيان لـ (( ما)).
٧١

وَهَا أَنَا قَدْ تَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ ، وَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ،
فَجَمَعْتُ هَذَا الْكِتَابَ
( وَهَا ) - بفخامة الألف - حرفُ تنبيه للمخاطَب ينبّه بها على ما يساق إليه من
الكلام . وتفصل ((ها)) التنبيه المذكورة من اسم الإشارة بـ ( أَنَا ) وأخواته من ضمائر
الرفع المنفصلة كثيرا ، نحو : ها أنا ذا أفعل كذا . والإخبار عن هذا الضمير بغير
اسم الإشارة كما هنا شاذٍّ؛ كما صرح به ابن هشام في (( حاشية التسهيل )) ؛ وإن وقع
في ديباجة ((المغني)) حيث قال: (وهَا أنا بائح بما أسررتُه ) . ومثلُه قول
المصنف .
( قَدْ تَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ) قيل: التوكُّل ترك تدبير النفس ، والانخلاع عن
الحول والقوة . وهو فرعُ التوحيد والمعرفة، ( وَقَبَضْتُ قَبْضَةٌ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) .
هذا اقتباس ، وهو جائز عند المالكية والشافعية باتفاق ، غير أنَّهم كرَّهوه في الشعر
خاصَّة . هكذا حكى اتفاق المذهبين الشيخُ داود الشاذلي الباهلي . وقد نصَّ على
جوازه القاضي عياض ، وابن عبد البر ، وابن رشيق ، والباقلاني ، وهم من أجِلَّة
المالكية ، والنووي شيخ الشافعية ، ورواه الخطيب البغدادي وغيره بالإسناد إلى
الإمام مالك أنَّه كان يستعمله . قال السيوطي : وهذه أكبر حجَّة على مَن يزعم أن
مذهب مالك تحريمُه ، وقد نفى الخلاف في مذهبه الشيخ داود ، وهو أعرف
بمذهبه ، وأما مذهبنا !! فأنا أعرِفُ أنَّ أئمَّته مجمعون على جوازه ، والأحاديث
الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تشهد لهم . فمن نسب إلى مذهبنا
تحريمَه ، فقد فَشَرَ ، وأبان عن أنه أجهل الجاهلين . انتهى ذكره الزرقاني على
((المواهب)).
( فَجَمَعْتُ هُذَا الكِتَابَ ) ، قال الأردبيلي : يطلق الكتاب على مطلق الخطِّ ،
وعلى الكلام المكتوب ؛ تسميةً لاسم المفعول بالمصدر ، وعلى مطلق الكلام ؛
اتساعاً، كما في قوله تعالى ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ﴾ [١٠٥/ النساء].
ثمَّ شاع استعماله في التعارف فيما جُمع فيه الألفاظ الدالّة على نوع من المعنى ،
٧٢

مِنْ آثَارِهِ فِي شَمَائِلِهِ الشَّرِيفَةِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَدْخَلْتُ فِيهِ جَمِيعَ
الشَّمَائِلِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ
أو أكثر ، لما بين المصدر والمكان من التعلُّق الخاصِّ ، فيقال : أتاني كتاب عن
فلان، وسيَّرتُ إلى فلان كتاباً ، ومنه ﴿أَذْهَبَ بِّكِتَنِى هَذَا﴾ [٢٨/ النمل] وأمَّا في عرف
المؤلفين ؛ فيطلق تارة على مكتوب مشتمل على حكم أمر مستقل منفرد عن غيره ؛
وعن آثاره ولواحقه وتوابعه وأسبابه وشروطه ، وتارة على مكتوب مشتمل على
مسائلٍ علم أو أكثر . وقد يسمَّى ذلك المكتوب باسم خاصٍّ ، وهو المراد هنا .
( مِنْ آثَارِهِ ) ؛ أي : محاسنه ( فِي شَمَائِلِه ) جمع شِمال - بالكسر - أي :
أخلاقه ( الشَّرِيْفَةِ وَلَ) وصفاته المحمودة، (وَأَدْخَلْتُ) - أي: أدرجت -
( فِيْهِ ) ؛ أي: في هذا الكتاب ( جَمِيْعَ) كتاب ((الشَّمَائِلِ) النبوية)) ( أَلَّتِي رَوَاهَا)
بأسانيده ( الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عِيْسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيْسَى) بن سورة بن موسى بن
الضخَّاك ؛ ( التِّزْ مِذِيُّ) . قال الأصفهاني في كتابه «لبُّ اللباب في الأنساب)»:
التِّر مذي - بضمِّ التاء ، وفتحها ، وكسرها - نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ
الذي يقال له: ((جيحون))، خرج منها جماعة ، منهم : الترمذي صاحب
((الجامع)) و((العلل)). انتهى. وسكت عن بيان حركة ميمه، وبيَّنها أَصْلُ أَصْلِهِ:
السمعَانِيُّ ، وعبارته : التِّرمذي ؛ بكسر المثناة من فوق والميم ، وبضمِّها ، وبفتح
المثناة وكسر الميم . انتهى . وفي الراجح من هذه اللغات خلافٌ . فقال ابن سيِّد
الناس : المتداولُ بين أهل تلك المدينة فتحُ التاء وكسر الميم ، والذي نعرفه قديما
كسرهُما معاً ، والذي يقوله المتقنون أهل المعرفة بضمِّهما . وكلُّ واحد يقول لها
معنىَ يدَّعيه . انتهى .
وفي (( طبقات الحفاظ)) للذهبي : قال شيخنا ابن دقيق العيد : تِرمذ - بالكسر -
هو المستفيض على الألسنة حتى يكاد يكون كالمتواتر . وقال الباجي : سمعت
عبد الله بن محمد الأنصاري يقول : هو بضمّ التاء . انتهى . وهو الحافظ الضرير
أحدُ الأئمة السنَّة ، قيل: إنَّه ولد أكْمَه ، طاف البلاد فسمع من قتيبة وعلي بن حُجْر
٧٣

رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعْدَ حَذْفِ مُكَرَّرِهَا وَأَسَانِيدِهَا، وَلَمْ أَتَقَيِّدْ بِتَرْتِيبِهِ
وَتَبْوِيِهِ، بَلْ سَلَكْتُ أُسْلُوباً غَيْرَ أُسْلُوبِهِ، وَأَضَفْتُ إِلَيْهَا مِنْ كُتُبٍ
الأَئِمَّةِ آلآتِي ذِكْرُهُمْ أَكْثَرَ مِنْهَا بِكَثِيرٍ ،
وأبي كريب وخلائق ، وأخذ علم العلل والرجال عن البخاري ، وروى عنه حمّاد بن
شاكر ، وأحمد بن حسنويه ، ومحمد بن أحمد بن محبوب ، وآخرون . وقد سمع منه
البخاري أيضاً. قال ابن حبان في ((الثقات)): كان ممَّن جمع وصنَفَ وحفظ وذاكر .
ولد سنة : - ٢٠٩ - مائتين وتسع - بتقديم المثناة على المهملة - قال
المستغفري : مات في شهر رجب سنة : - ٢٧٩ - تسع - بتقديم المثناة على
المهملة - وسبعين - بتقديم المهملة على الموحدة - ومائتين ، فعمره سبعون سنة
- بتقديم المهملة على الموحدة -. (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ) ورحمه رحمة واسعة .
آمين .
( بَعْدَ حَذْفٍ مُكَرَّرِهَا ) أي : حذف الأحاديث المكرَّرة فيها من نوعٍ واحد بدون
زيادة. ( وَ) بعد حذف ( أَسَانِيْدِهَا) جمع إسناد ؛ وهو : الإخبار عن طريق
المتن ، والسند : رجال المتن . وقيل : هما بمعنى وعليه جرى الجلال السيوطي
في (( ألفيته )) حيث قال :
وَالسَّنَدُ الإِخْبَارُ عَنْ طَرِيْقِ مَتْنٍ كَالاسْنَادِ لَدَىْ فَرِيْقٍ
وعبَّر المصنف بالحذف الذي يكون عادة بعد الذكر !! إِشعاراً بأن السند مما
يعتني به أرباب الإتقان ، فكأنَّه ذكره ثم حذف ، ولو عَبَّر بالترك ونحوهِ لما فهم
ذلك .
( وَلَمْ أَتَقَّدْ بِتَرَتِهِ ) ، أي : الترمذي ، ( وَ) لم أتقيّد بألفاظ ( تَبْوِيِهِ ) أي:
تراجم الأبواب ، ( بَلْ سَلَكْتُ أُسْلُوباً غَيْرَ أُسْلُوبِهِ ) أي : طريقةً غير طريقته ،
( وَأَضَفْتُ )؛ أي: ضمممت (إِلَيْهَا) - أي: (( شمائل الترمذي)) - ( مِنْ كُتُبٍ
الأَئِمَّةِ الْآتِي ذِكْرُهُمْ) زياداتٍ ( أَكْثَرَ مِنْهَا)؛ أي: ((الشمائل الترمذية)).
( بِكَثِيْرٍ ) ؛ بحيث أن الزيادة تبلغ نحو ثلاثة أمثال ((الشمائل الترمذية)).
٧٤

وَأَلْحَقْتُ بِغَرِيبِ الأَلْفَاظِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ ضَبْطٍ أَوْ تَفْسِيرٍ .
فَجَاءَ كِتَاباً حَافِلاً لَيْسَ لَهُ فِي بَابِهِ نَظِيرٌ .
وَسَمَّيْتُهُ: ((وَسَائِلَ الْوُصُولِ إِلَى شَمَائِلِ الرَّسُولِ »
وَهَذَا بَيَانُ الْكُتُبِ الَّتِي نَقَلْتُهُ مِنْهَا ، وَرَوَيْتُهُ عَنْهَا :
١ - (( كِتَابُ الشَّمَائِلِ » لِلإِمَامِ التِّرْ مِذِيِّ.
٢۔ (الْمَصَابِيحُ ))
( وَأَلْحَقْتُ بِغَرِيْبِ الأَلَّفَاظِ ) اللغوية ، أي : التي هي غير مألوفة الاستعمال ،
أي : أتبعتها ( مَا تَدْعُوْ إِلَيْهِ الحَاجَةُ مِنْ ضَبْطٍ ) لحروفه نحو ((بالفوقية ، أو التحتية))
وبيان ما قد يشتبه من الحركات ، ( أَوْ تَفْسِيْرٍ ) أي : شرح معنى للفظ خفيٍّ ؛ بأن
يكون فيه غموض بحيث يَعْسُر فهم معناه من مبناه إلاَّ للعارف ، أو تكون دلالته فيها
غموض ، بأن يكون ذلك اللفظ مصروفاً عن ظاهره لمقتضٍ .
( فَجَاءَ ) - أي: فبعد إِتمامه - على الكيفية التي ذكرها صار (كِتَاباً حَافِلاً لَيْسَ لَهُ
فِي بَابِهِ نَظِيْرٌ ) ، لما جمع فيه مما تفرَّق في غيره ؛ من صحيح الأخبار ومشهورها ؛
المشتملة على شمائله وأخلاقه الحميدة وعباداته وغيرها .
( وَسَمَّيْتُهُ (( وَسَائِلُ الوُصُولِ ) - الوسائل: جمع وسيلة ؛ وهي ما يكون سبباً
لتحصيل شيء - ( إِلَى شَمَائِل الرَّسُولِ))) ◌ِِّ .
(وَهَذَا بَيَانُ) أسماء ( الكُتُبِ أَلَّتِي نَقَلْتُهُ مِنْهَا، وَرَوَيْتُهُ عَنْهَا:
كِتَابُ ((الشَّمَائِلِ)) لِلإِمَامِ) أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة ( التِّزْمِذِيِّ)
الحافظ الضرير ، وقد تقدَّمت ترجمتُه قريباً .
(المَصَائِيْخُ) أي: كتاب ((مصابيح السنة))، قيل: إنَّ مؤلِّفَه لم يسمِّه
بـ(( المصابيح)) نَصّاً منه، وإنما صار هذا الاسم عَلَماً بالغلبة من حيث إنَّه قال في
مقدِّمَتها : أما بعد ؛ فهذه ألفاظ ... إلى أن قال: هن مصابيح الدجى ... الخ.
قسمه مؤلفه إلى صحاح وحِسان ، مريداً بالصحاح : ما أخرجه الشيخان : البخاري
٧٥

لِلإِمَامِ الْبَغَوِيِّ .
٣ - ((اَلِإِحْيَاءُ)) لِلإِمَامِ الْغَزَالِيِّ.
ومسلم ، أو أحدهما . وبالحسان : ما أخرجه أرباب السنن الأربعة مع الدارمي ،
أو بعضهم ؛ وهو اصطلاح له ، ولم يعيِّن فيه مَن أخرج كلَّ حديث على انفراده ،
ولا الصحابي الذي رواه ( لِلإِمَام ) ركن الدين محبي السنة : أبي محمد الحسين بن
مسعود بن محمد الفرَّاء ( البَغَوِيٌّ) نسبة إلى (( بغا)) : قرية من قرى خراسان بين مرو
وهراة ، الفقيه الشافعي المحدِّث المفسر صاحب المصنَّّات المبارك له فيها ،
لقصده الصالح ، المتعبِّدُ الناسك الرباني ، المولود سنة : - ٤٣٦ - ست وثلاثين
وأربعمائة ، والمتوقَّى بمروسنة : - ٥١٦ - ست عشرة وخمسمائة هجرية ، له كتاب
((التهذيب)) في الفقه الشافعي، و((شرح السنة)) في الحديث، و((مصابيح السنة))
في الحديث، و((الجمع بين الصحيحين))، وتفسير ((معالم التنزيل))، وغير ذلك
رحمه الله تعالى . آمين .
( الإِخْيَاءُ)؛ أي ((إحياء علوم الدين )) الذي هو أَجَلُّ كتب المواعظ وأعظمُها ،
حتى قيل فيه: إنَّه لو ذهبت كتب الإسلام وبقي ((الإِحياء )) لأغنى عما ذهب.
( لِلإِمَامِ ) حَّة الإسلام: أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد (الغَزَالِيِّ)
- بالتخفيف للزاي في المشهور؛ نسبة إلى ((غزالة)): قرية من قرى طوس، أو بتشديد
الزاي [غَزَّالي] نسبة إلى صناعة الغزل . الشافعي ، جامع أشْتات العلوم ، المبرز في
المنطوق منها والمفهوم ، مَن شاع ذكره في البلاد ، واشتهر فضله بين العباد .
ولد بـ(( الطابران)) : قصبة طوس بخراسان سنة : - ٤٥٠ - خمسين وأربعمائة،
ورحل إلى نيسابور ، ولازم إمام الحرمين ؛ حتى برع في المذهب والخلاف والجدل
والأصلين والمنطق ، وقرأ الحكمة والفلسفة ، وأحكم كلَّ ذلك ، وفهم كلام أرباب
هذه العلوم ، وتصدَّى للردِّ على مبطليهم ؛ وإبطال دعاويهم، وصنَّّ في كلِّ فنٍّ من
هذه العلوم كتباً أحسن تأليفها ، وأجاد وصفها وترصيفها ، ورحل إلى بغداد ؛
فالحجاز ؛ فبلاد الشام ؛ فمصر ، وكان شديد الذكاء ، سديد النظر ، عجيب
٧٦

٤ - ((الشِّفَا)) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ .
الفطرة ، مفرط الإدراك ، قويّ الحافظة ، بعيد الغور ، غوَّاصا على المعاني
الدقيقة ، جَبَلَ علم ، مناظراً محجاجاً .
ثم عَزَفَتْ نفسه عن الدنيا ؛ فرفض ما فيها من التقدُّم والجاه ، وأخذ يجول في
البلاد ، ويجاهد نفسه جهاد الأبرار ، ويكلِّفها مشاقَّ العبادات ، ويبلوها بأنواع
القُربِ والطاعات ، إلى أن صار قطب الوجود ؛ وتكلّم على لسان أهل الحقيقة ،
وحدَّث بكتاب (( الإحياء))، وقد شهد له أبو العباس المرسي بالصدِّيقيَّة العظمى.
وكانت وفاته بطوس سنة : - ٥٠٥ - خمس وخمسمائة هجرية . رحمه الله
تعالى .
( ((الشِّفَا) بالتعريف بحقوق المصطفى)» بَّر، وهو كتاب عظيم النفع كثيرُ
الفائدة، لم يُؤَلَّف مثله في الإسلام ، وقد جربت قراءتَه لشفاءِ الأمراض المزمنة ،
وتفريج الكروب ، ودفع الخطوب ؛ شكر الله سعيَ مُؤَلِّفَهِ ، وجازاه عليه بأتمِّ الجزاء
وأعظمه . ولم ينصف الذهبي في قوله : إنه محشوٌ بالأحاديث الموضوعة
والتأويلات الواهية الدالّة على قلَّة نقده بما لا يحتاج قدر النبوة لَهُ . انتهى . نعم ؛
في كتاب ((الشفا)) أحاديثُ ضعيفة ، وأخرى قيل فيها : إنها موضوعة ، تبع فيها
(( شفاء الصدور)) للخطيب أبي الربيع سليمان بن سبع السبتي . والله أعلم .
( لِلْقَاضِي) أبي الفضل : ( عِيَاضٍ ) بن موسى بن عياض اليحصبي نَسَباً ؛ نسبة
إلى يحصب بن مالك ((قبيلة من حمير))، السَّبْتي داراً وبلداً؛ نسبة إلى (( سبتة))
مدينة مشهورة بالمغرب ، الأندلسي أصلاً ، المالكي مذهباً .
الإمام البارع المتفنِّن ، عالم المغرب ، المتمكِّن في علم الحديث ،
والأصلين ، والفقه والعربية . وكان مِن أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم
وأيامهم . وله مصنفات في كلِّ نوع من العلوم المهمَّة . وكان من أصحاب الأفهام
الثاقبة .
وكانت ولادته في نصف شعبان سنة : - ٤٧٦ - ست وسبعين وأربعمائة . وقَدِم
٧٧

٥ - ((الْتَهْذِيبُ )) لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
الأندلس طالباً للعلم ، وعُني بِلقاء الشيوخ والأخذ عنهم ، وجَمَعَ من الحديث
كثيراً . واسْتُقْضِيَ ببلده مدَّة طويلة حُمدت سيرتُه فيها . ثم نُقِل عنها إلى قضاء
غرناطة ؛ فلم يطل أمره بها ، وتوفي بمراكش سنة : - ٥٤٤ - أربع وأربعين
وخمسمائة. ودفن بباب (( ايلان)) داخل المدينة . رحمه الله تعالى رحمة الأبرار.
آمين .
(التَّهْذِيْبُ )؛ أي: ((تهذيب الأسماء والُّغات)) جمع فيه مؤلفه الألفاظ
الموجودة في ((مختصر المزني))، و((المهذَّب))، و((الوسيط))، و((التنبيْه))،
و((الوجيز))، و((الروضة))، وقال: إِن هذه الستة تجمع ما يُحتاج إليه من
اللغات . وضَمَّ إلى ما فيها جُمَلاً مما يُحتاج إليه مما فيها من أسماء الرجال والنساء
والملائكة والجن وغيرهم ممن له ذِكْر في هذه الكتب بروايةٍ ؛ أو غيرها ، مسلماً
كان ؛ أو كافراً ، بَرّاً كان ؛ أو فاجراً .
ورتَّبه على قسمين: الأول في الأسماء ؛ وصَدَّره باسم النبي ◌َّ والكلام على
أحواله وشمائله ، والثاني في اللغات . وهو كتاب جيّد في بابه مفيدٌ مشهور .
( لِلإِمَامِ ) الحافظ الحُجَّة الهادي الناس إلى المَحَجَّة ، أستاذ المتأخرين،
وشيخ الإسلام والمسلمين ، وقدوة الحُفَّاظ والمحدثين ، حامل لواء مذهب
الشافعي على كاهله ، ومحرِّرُ دلائله في بُكَرِهِ وأصائله ، المتَّفق على جلالته وعلوِّ
رتبته وولايته ، وارتقاء مكانته : أبي زكريا يحيى بن شَرَف بن مُرِّي بن حسن بن
حسين بن حِزام بن محمد بن جمعة الشيخ محيي الدين ( أُلنَّوَوِيّ ) نسبة لـ((نوَى)):
قرية من قرى حوران دمشق ، الشافعي ، صاحب التصانيف النافعة .
ولد سنة : -٦٣١ - إحدى وثلاثين وستمائة بـ(( نَوَى)). واجتهد في جميع
العلوم ، واعتنى بالحديث فسمع من كثير من الشيوخ ، وسمع الكتب الستة
و(( المسند)) و(المُوَطَّأ)) و((شرح السنة))، و(( سنن الدراقطني)) وأشياء كثيرة.
وتفقّه على الكمال سِلاَّر .
٧٨

٦ - ((الْهَدْيُ النَُّوِيُّ)) لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي بَكْرِ الشَّهِيرِ بِأَبْنِ قَيِّمِ
الْجَوْزِيَّةِ .
٧ - ((الْجَامِعُ الصَّغِيرُ ))
وكان حافظاً للحديث وفنونه ، وصحيحه وعليله ، رأساً في معرفة مذهب
الشافعي . وتخرَّج به جماعة من العلماء ؛ منهم علاء الدين بن العطَّار ، وحدَّث عنه
الحافظ المِزِّي ، وغيرهما . وكان له الزهد والقناعة ، ومتابعةُ السلف من أهل السنة
والجماعة ، والمثابرة على أنواع الخير ؛ لا يصرف ساعة في غير طاعة ، مع التفنُّن
في أصناف العلوم ، فقهاً ، ومتون أحاديث ، وأسماء رجال ، ولغة ونحواً وصرفاً
وغير ذلك . وحجَّ حِجَّتين ، ونفع الله بتصانيفه في حياته وبعد وفاته .
ولم يزل على الحال المرضيِّ إلى أن وافاه الحِمام في الرابع والعشرين من شهر
رجب الحرام سنة : - ٦٧٦ - ست وسبعين وستمائة . رحمه الله تعالى رحمة
الأبرار . آمين .
( الْهَدْيُ النََّوِيُّ ) المسمى ((زاد المعاد في هدي خير العباد » ( لِلإِمَامِ ) شمس
الدين أبي عبد الله ( مُحَمَّدِ بْنِ أَبِيْ بَكْرٍ ) بن أيوب بن سعد بن حريز الزُزعي الدمشقي
(الشَّهِيْرِ بـ((ابْنِ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ))) الحنبلي العلاَّمة الحافظ المحدِّث المصنّف المشهور.
ولد سنة : - ٦٩١ - إحدى وتسعين وستمائة، وأخذ عن والده ، والصفي
الهندي ، وابن تيمية ، وبرع في جميع العلوم ، وغلب عليه حبُّ ابن تیمیة حتَّى كان
لا يخرج عن شيء من أقواله ؛ بل ينتصر له في جميع ذلك . وهو الذي نشر علمه بما
صنَّه من التصانيف ، وهو طويل النَّفَس في تصانيفه ، يتعانى الإيضاحَ جَهْدَه ؛
فيسهب جدّاً ، ومعظمها من كلام شيخه ، متصرّف في ذلك ، وله ملكة قوية ،
ولا يزال يدندن حولَ مفرداته ، ينصرُها ويحتجِّ لها .
ومات في شهر رجب الحرام سنة : - ٧٥١ - إحدى وخمسين وسبعمائة
هجرية . رحمه الله تعالى .
( (( الجَامِعُ الصَّغِيْرُ) في أحاديث البشير النذير)) . وهو المعجم الوحيد الآن
٧٩

لِلإِمَامِ السُّيُوطِيِّ .
٨ - وَ((شَرْحُهُ)) لِلإِمَامِ
المتداول بين الناس ، وهو من أكبر منن مؤلّفه على المسلمين الذي يعرفون به کَلِم
نبيِّهم، ومخرِّجيها ، ومظائَّها، ومرتبتها في الجملة ( لِلإِمَام ) فخر المتأخِّرين ،
علم أعلام الدين ، خاتمة الحفّاظ والمحدِّثين : أبي الفضل جلال الدين عبد
الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري المصري ( الُُّوطِيّ )
الشافعي، ويقال ((الأُسيوطي))؛ نسبة إلى ((سيوط)). قال في (( القاموس)):
((سيوط)) أو ((أسيوط)) بضمِّهما: بلدة بصعيد مصر. انتهى.
ولد سنة : -٨٤٩ - تسع وأربعين وثمانمائة، ونشأ على التجرِّد في العلم فجمع
غالب فنونه ، وكان نادرةً من نوادر الإسلام في القرون الأخيرة ؛ حفظاً ، واطِّلاعاً ،
ومشاركة ، وكثرةَ تأليف ، وكان أعلَمَ أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه ؛ رجالاً ،
وغريباً ، ومتناً ، وسنداً ، واستنباطاً للأحكام منه . وأخذ العلم عن نحو ستمائة
شيخ، وادَّعى الاجتهاد ، وكان يرى النبي وَّهِ يقظةً ويسأله عن أحاديث . وله من
المصنفات نحو ستمائة .
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في (( حواشي الموطأ)»: تصانيفه كلُّها مشتملةٌ
على فوائد لطيفة ، وفرائد شريفة ، تشهدُ كلُّها بتبخُّره ، وسَعة نظره ، ودِقَّة فكره ،
وأنه حقيق بأن يعدّ من مجدِّدي الملَّة المحمدية في بدء المائة العاشرة وآخر التاسعة
كما ادَّعَاه بنفسه ، وشهد بكونه حقيقاً به مَن جاء بعده كـ((علي القاري)) المكي، في
((المرآة)) شرح ((المشكاة)). انتهى.
قال العارف الشعراني : ولو لم يكن للسيوطي من الكرامات ؛ إلاَّ إِقبال الناس
على تآليفه في سائر الأقطار بالكتابة والمطالعة ؛ لكان في ذلك كفاية . انتهى .
وكانت وفاته في سنة : - ٩١١ - إحدى عشرة وتسعمائة هجرية. رحمه الله تعالى.
( وَشَرْحُهُ) المسمَّى (( السِّرَاج المنير شرح الجامع الصغير)) ( لِلإِمَامِ ) العالم
العلاَّمة ، الفقيه الفهَّامة الشيخ : علي بن أحمد بن محمد نور الدين بن إبراهيم
٨٠