Indexed OCR Text
Pages 1-20
مُنْتَجَ الُوا على وَسَائِل الوصُول إلَى شَمَائِ التَّسُولُ تأليف العلامة الفقيه الشّيخ المؤرّ خ عَبَدِ اللَّه بْسَعَيْدٍ محمّد عَبَّادِي اللّحْجِيّ (١٣٤٤ - ١٤١٠ هـ) رَحِمَهَ اللَّه تَعَالى الْحُلّكُ الأولُ دَارُ المُنفَّة دَارُ المُنْهَارِ لبنان - بيروت - فاكس: ٧٨٦٢٣٠ ص. ب: ١٣/٥٥٧٤ / بيروت الطبعة الثالثة ١٤٢٦ هـ- ٢٠٠٥م جميع الحقوق محفوظة للناشر لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزءٍ منه، وبأيِّ شكلٍ من الأشكال، أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه، وكذلك لا يسمح بالاقتباس منه أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبقاً من الناشر دَارُ المَشْهَارَة لِلْنَشِرِ وَالتََّعُ لِصَاحِبَهَا عُمَ سَالِمْ بَاحْخَيَفْ وَقَّقَهُ اللّه تَعَالى جدة - هاتف رئيسي ٦٣٢٦٦٦٦ - فاكس ٦٣٢٠٣٩٢ الإدارة ٦٣١١٧١٠ - المكتبة ٦٣٢٢٤٧١ الموزعون المعتمدون ● السعودية: دار المنهاج للنشر والتوزيع - جدة هاتف: ٦٣١١٧١٠ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢ مكتبة دار كنوز المعرفة - جدة هاتف: ٦٥١٠٤٢١ - فاكس: ٦٥١٦٥٩٣ مكتبة الشنقيطي - جدة - هاتف: ٦٨٩٣٦٣٨ مكتبة المأمون - جدة - هاتف : ٦٤٤٦٦١٤ مكتبة الأسدي - مكة المكرمة - هاتف: ٥٥٧٠٥٠٦ مکتبة نزار الباز - مكة المكرمة - هاتف: ٥٧٤٩٠٢٢ مكتبة المصيف - الطائف - هاتف: ٧٣٦٨٨٤٠ _٧٣٣٠٢٤٨ مكتبة الزمان - المدينة المنورة - هاتف : ٨٣٦٦٦٦٦ مكتبة العبيكان - الرياض - هاتف: ٤٦٥٠٠٧١_٤٦٥٤٤٢٤ مكتبة الرشد - الرياض - هاتف: ٤٥٩٣٤٥١ مكتبة جرير - الرياض - هاتف ٤٦٢٦٠٠٠ وجميع فروعها داخل المملكة وخارجها دار التدمرية - الرياض - هاتف: ٤٩٢٤٧٠٦ دار أطلس - الرياض - هاتف : ٤٢٦٦١٠٤ مكتبة المتنبي - الدمام - هاتف: ٨٤١٣٠٠٠ ٥ الإمارات العربية المتحدة: مكتبة دبي للتوزيع - دبي هاتف: ٢٢١١٩٤٩_٢٢٢٤٠٠٥ - فاكس: ٢٢٢٥١٣٧ دار الفقيه - أبو ظبي - هاتف ٦٦٧٨٩٢٠ - فاكس ٦٦٧٨٩٢١ مكتبة الجامعة - أبو ظبي - هاتف: ٦٢٧٢٧٩٥ _٦٢٧٢٧٢٦ ۵ الکویت : دار البیان - الكويت هاتف: ٢٦١٦٤٩٠ - فاكس: ٢٦١٦٤٩٠ دار الضياء للنشر والتوزيع - الكويت - تلفاکس ٢٦٥٨١٨٠ ٥ قطر: مكتبة الأقصى - الدوحة هاتف: ٤٤٣٧٤٠٩-٤٣١٦٨٩٥ ٥ مصر: دار السلام - القاهرة هاتف: ٢٧٤١٥٧٨ - فاكس: ٢٧٤١٧٥٠ ● سوريا: دار السنابل - دمشق -هاتف: ٢٢٤٢٧٥٣ ٥ جمهورية اليمن: مكتبة تريم الحديثة - تريم (اليمن) هاتف: ٤١٧١٣٠ - فاكس: ٤١٨١٣٠ مکتبة الإرشاد - صنعاء - هاتف : ٢٧١٦٧٧ ٥ لبنان: الدار العربية للعلوم - بيروت هاتف : ٧٨٥١٠٨ -٧٨٥١٠٧ - فاكس: ٧٨٦٢٣٠ www.alminhaj.com E-mail: info@alminhaj.com مُنْزَهَىَ الُوالِى على وَسَائِل الوُصُول إلَ شَائِ الرَّسُوْاُِّ دں ضبطه ورقمه عبد الجليل العطا البكري مع الشكر والتقدير لكافة الذين ساهموا في مراجعة وتصحيح وتدقيق وقراءة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم كلمة الناشر الحمد لله خالق الثقلين الهادي إلى النجدين ، والصلاة والسلام على رحمة الدارين ، وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين . يُولد الإنسان على فطرة سليمة ، وهيئة قويمة وطريقة مستقيمة ، ثم ما يلبث أن يُغْمس في الفتن ويُبلى بالمحن ، ويتأرجح في الإِحن ، ويختلط عليه الحابل بالنابل ، فلم يزل مرتبكاً وغافلاً ؛ لا يستطيع أن يمسك بزمام نفسه ، ولا يدري إلى أين تقوده ، وكيف يكون مصيره إلى أحسن تقويم ؟ أم إلى أسفل سافلين ؟ !. نعم ؛ إن الإنسان في هذه الحياة مَثَله مَثَل الغريق السابح في بحر متلاطم يصارع أمواجه ، ومن ثَمَّ تخور قواه ، وينتظر طوق نجاة ينشله إلى برِّ الأمان ، ولكن ما هو طوق النجاة هذا؟ وما هي أحباله ؟ إنه الإيمان ، وأحبالُه شمائل الرسول النبي العربي الهاشمي المُطَّلبي أبي البتول ، فإليها ينتهي السُّول ، وعلى وسائلها يتمّ الوصول إلى كل مأمول ، ويكون بها القبولُ في المعلوم والمجهول ، والكيف والكم ، والأخص والأعم فيما عُلم وما لم يُعلم ؛ من الكنز المطلسم والسرِّ المُكَتَّم ، والسلسبيل المطمطم ، وفيض الله الأعظم ؛ يُلهمه من يُلهم ، وكل مغرم بصبابته متيَّم ، وفي علم الله هام وهيَّم . اللَّهُمَّ ؛ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ طوقِ النجاةِ ، وعلى ذريَّاتِ الطاهراتِ وزوجاتهِ المطهراتِ ، وأصحابِهِ العدولِ الثقاتِ ، والتابعينَ من المحسنينِ والمحسناتِ ، والمؤمنين والمؤمناتِ ، والمسلمينِ والمسلماتِ ؛ عددَ ما في الحياةِ والمماتِ ويومِ الحسراتِ ، مما أنزلتَهُ في كتابِكَ ، أو علّمتَهُ أحداً من خلقِكَ ، أو جعلتَهُ عندَكَ في الغيبيَّاتِ من الخيراتِ ، وعددَ ما جرثْ ٥ وتجري بهِ الألسنُ من الدعواتِ ، وما أتتْ وتأتي بهِ الجوارحُ من الطاعاتِ ، وعددَ ما لم تنبسْ بهِ الشفاهُ ، وما لم يمر بالنفوسِ من خَطَراتٍ ، وبالعقولِ من خاطراتٍ ؛ بعددِ المعلوماتِ والمجهولاتِ ، في عالمِ الأرضينَ والسماواتِ ، وما بينهُمَا وما فيهِمَا من مخلوقاتٍ ، صلاةً تغفرُ لي بها الزلاَّتِ ؛ الكبيراتِ منها والصغيراتِ ، السابقاتِ منها واللاحِقاتِ ، وتصلحُ لي ما مضى من أعمالي وما هو آتٍ ، كما توفقني لجميع الخيراتِ ، وتُسدِّدُنا بجميعِ الصالحاتِ ، حتى تشهدَ ذاتي الفانيةُ ذاتَكَ الباقيةَ ؛ يا مَنْ بيدهِ الفضلُ ، ومنهَ الوصلُ وعليه الوكلُ ، كن لي مُخْرِجاً من جميعِ الضائقاتِ ، ومتحمِّلاً عني جميعَ التَبِعاتِ مما قَصّرْتُ فيه من التكليفاتِ وأداءِ الأماناتِ ، بدافعِ الشهواتِ أو بعارضِ السهواتِ ، وانفحني اللَّهُمَّ بالنفحاتِ في جميعِ الأويقاتِ واللحظاتِ ، مع لطفِكَ والعفوِ والعافيةِ والمعافاةِ ؛ من كافةِ الشرورِ وجميعٍ الآفاتِ والبلياتِ . ربي ؛ واجعلْ مِثْلَ ذلك لوالديَّ ولزوجي وذرِّيَتي أزواجاً وزوجات ، ولمن تعلّقَ بزمامي من محبينَ ومحِبَّاتِ ، وكانَ في خِدمتي وكنت في خدمتهِ من الصالحينَ والصالحاتِ ، والصدّيقينَ والصدّيقات من أهلِ الأرضينَ والسماواتِ . اللَّهُمَّ ؛ إني أعوذُ بِكَ من شرِّ النفسِ وسيئآتِها والموبقاتِ ، والكفرِ والمكفراتِ ؛ من الأقوالِ والأفعالِ والنياتِ . اللَّهُمَّ ؛ بالنبواتِ المعجزاتِ ، والرسالاتِ الباهراتِ ، والولاياتِ المتواصلاتِ ، والكلماتِ التامَّاتِ وبالباقيات الصالحاتِ ، وبالطاعاتِ المتقبلاتِ ، وبالحسناتِ المضاعفاتِ ، وبالأمنياتِ المتحقِّقاتِ ، وبالأُعطياتِ الجزيلاتِ ، وبالخيرات الكثيراتِ ، وبأهلِ الكراماتِ ، وبأعلى المقاماتِ للوارثينَ والوارثاتِ ، وبسيِّدِ الساداتِ طوقِ النجاةِ . اللَّهُمَّ ؛ ألزمنَا العُروةَ الوثقى وأحملنَا على المحجَّةِ البيضاءِ، وجمّل ٦ ٠ أحوالنَا بالتقوىُ ، وألبسنَا حُللَ السعاداتِ وأكرِمنَا بدوام المناجاةِ ، وأتحفْ البصيرةَ بالمشاهداتِ والشكرَ بالعبراتِ ، ولا تجعلْ لَي إلى غيرِكَ التفاتاً ولا عنكَ انفلاتاً ، لا إلهَ إلاّ أنتَ بِكَ وعليكَ توكَّلتُ في جميعِ الحالاتِ . اللَّهُمَّ ؛ إن الفوتَ موتٌ وأنتَ الوارثُ الباعثُ ؛ فانظر إلى عبادِكَ وتقبَّلْ منهم القليلَ يا جليلٌ . اللَّهُمَّ ؛ وانظرْ من عبيدِكَ الحالَ يا ذا الجلالِ، ويا مَنْ عطاؤُهُ وثوابُهُ ليس بتحصيلِ حاصلِ الأعمالِ ، بل بجودِ جوادٍ وتفضُّلِ مفضالٍ ، أكرِمنا یا کریمُ بحسنِ خواتمِ الأعمالِ ، وحسن الخاتمةِ عندَ دنوِّ الآجال . اللَّهُمَّ ؛ ولا تجعلْ في رزقنا حائلاً بيننا وبينَكَ يا شديدَ المِحالِ ، إنَّ في تدبيرك ما يغنيني عن الحيل ، وإنَّ في كرمك ما هو فوق الأمل ، وإنَّ في حلمك ما يسدُّ الخلل ، وإنَّ في عفوك ما يمحو الزلل . اللَّهُمَّ ؛ فبقوَّةٍ تدبيرِك وفيضٍ كرمِك وسَعَة حلمك وعظيم عفوك ؛ صلِّ وسلمْ في كلِّ حال على سيدنا محمد مزيلِ الضلال ، ودائرةٍ كؤوس السلسال ، ويتيمة عِقد الآل ؛ باب حضرة الجلال ، وساقي كؤوس الوصال ، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل ، والتابعين بإحسان إلى يوم المآل ، ولك الحمدُ كما قلتَ وكما ينبغي أن يُقال . الناشر السيد الدكتور : هاشم محمد علي مهدي ٧ بسم الله الرحمن الرحيم ترجَمَة الشَّيْخِ عَبْد الله اللحْجي بقلم : فضيلة العلامة الدكتور المحدث المسند السيد : محمد بن علوي المالكي من علماء البلد الحرام هو شيخُنا العلامة الفقيه المرجع ، المحدِّث المسند ، العارف بالله الشيخ : عبد الله بن سعيد بن محمد عبادي اللَّخجي الحضرميُّ الشحاري ، ثم المراوعي ، ثم المكي . ولد سنة : ١٣٤٣ بقرية نوبة عياض من قرى لَحْج ، ثم سافر إلى المراوعة قبل البلوغ ؛ وهو في الثانية عشرة لطلب العلم ، فأخذ عن مشايخها وهم : السيد عبد الرحمن بن محمد الأهدل ، وهو شيخ التخرّج والانتساب في اليمن ، فقد لازمه أكثرَ من عشر سَنَوات ، وقرأ عليه كثيرا من المقروءات ، وخدمه وانتفع به ، وحضر دروسه وسمع منه ، وقرأ عليه ؛ في التفسير والحديث والفقه وقواعد الفقه وأصول الفقه والعقائد ومصطلح الحديث والتصوُّف والفرائض والنحو والصرف والمعاني والبيان والعروض والمنطق . وأجازه إجازةً عامَّة بكلِّ ما تجوز له روايته ، وفي العلوم الشرعية والعقلية والأحزاب والأوراد والأذكار والصلوات المأثورة وغير المأثورة ، وكتب له الإجازة بخطّه الشريف . ومن شيوخٍ الشيخ اللحجي في المراوعة : الشيخ العلامة السيد : عبد الرحمن بن حسن بن عبد الله بن محمد معوّضه قاسم الأهدل المروعي ، سمع منه وقرأ عليه ، وحضر عنده في الفقه والحديث والنحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق وقواعد الفقه وغيرها ، وأجازه إجازةً عامَّة . ٩ ومن شيوخ الشيخ عبد الله اللحجي في اليمن : الشيخ العلاَّمة الحَبْر البحر الفهَّامة أبو الفضائل عزّ الدين السيد : محمد حسن هند بن عبد الباري بن محمد بن حسن بن عبد الباري الأهدل ، حضر دروسه وسمع منه ، وقرأ عليه في الفقه والحديث والمنطق والعقائد والأصول والتجويد والعروض وغيرها ، ولازمه واستفاد منه وقرأ عليه كثيرا ، فله عليه مِنَّةٌ كبرى بعد شيخه السيد عبد الرحمن محمد الأهدل رحمهم الله تعالى . آمين وقد أجازه إجازة عامَّة . رحلته إلى مكة المكرمة : رحل إلى مكة سنة : ١٣٧٤ هـ ، ومكث بها سنة واحدة ، ثم عاد إلى اليمن ، ثم رجع إلى الحجاز عام : ١٣٧٧هـ ؛ واستقرَّ به المقام في مكة المكرمة إلى وفاته . اتّصاله بالوالد السيد علوي المالكي : اتصل الشيخ عبد الله اللَّحجي بالوالد في أول سنةٍ جاء فيها إلى مَّة ؛ وهي سنة: ١٣٧٤ هـ ، فقرأ عليه في المسجد الحرام ، وأخذ عنه مدَّة أقامته الأولى ؛ وهي سنة كاملة . ثم رجع إلى بلاده ، ثم جاء إلى مكة المكرمة مرَّة ثانية عام : ١٣٧٧ هـ ، واستقرَّ بها إلى وفاته ؛ ملازماً لسيِّدي الوالد السيد علوي المالكي ملازمةً تامَّةً . وقرأ عليه في المسجد الحرام بباب السلام ، وفي بيته ، وبالقرارة ثم بالحلقة ، ثم بالعتيبية كتباً عديدة ؛ في التفسير والحديث والأصول والمنطق والتاريخ وتاريخ التشريع والقواعد والتصوف . وممّا قَرَأه عليه: ((موطأ الإمام مالك))، و((صحيح البخاري))، و((صحيح مسلم))، و((سنن أبي داود))، و((سنن الترمذي)). وكان الشيخ عبد الله هو القارىءَ أمام الوالد في الدرس في المسجد الحرام . وكذلك قرأ عليه كتاب (( بلوغ المرام)) و((رياض الصالحين)) و((الشفا)) و((الشمائل)) للترمذي بالمسجد النبوي في الروضة الشريفة جوار الحُجْرة ١٠ المشرّفة ؛ في الدروس الخاصَّة . و((ألفية السيوطي))، و((طلعة الأنوار))؛ وشرحها: ((رفع الأستار))، و(( نيل المرام في تفسير آيات الأحكام))؛ في الدروس العامَّة بالمسجد الحرام . وكان الشيخ عبد الله هو القارىءَ فيها . و((رسالة)) جدِّي السيِّد عبّاس المالكي في الاستعارات، و((رسالة في علم المناظرة)) و((رسالة في علم الوضع)) وطائفة من ((الإتقان))، وطائفة من ((الموافقات)) للشاطبي وكتباً كثيرة ، ولازمه ملازمةً تامَّةً ، وخدمة في كثير من شؤونه العلمية ، وكتب له كثيراً من فوائده ، وأملى عليه كثيراً من رواياته . وكنتُ لا أرى مجلساً من مجالس والدي إلّ وأرى الشيخَ عبد الله اللحجي في ذلك المجلس ؛ سواء كان مجلسَ علم ، أو مذاكرة ، أو ضيافة ، أو ذكر ، أو دعوة . ونَسَخ بيده كثيراً من المخطوطات المفيدة ، والمجاميع العديدة ، والرسائل النادرة باسم سيِّدي الوالد . أي : هديّةً له . وكان كلٌّ منهما يحبُّ الآخر وينظر إليه بعين الفضل . وكان الشيخ عبد الله المذكور يقول: أنا لا أشبع من مجالسةِ شيخنا السيد علوي. وإني إذا أصبحت أفكر في الذهاب إليه وأهيِّئُ نفسي لذلك ، وكان يقول أيضاً عنه: هو شيخُنا الذي فتح قلوبنا وزكَّى نفوسنا، وأمدَّنا بما لا ننساه، وعرَّفنا بالناس ، وأَخَذنا إلى الأفاضل من أهل الحرمين الشريفين ، واجتمعنا عنده وفي رحابه بكبار علماء المسلمين من الوافدين في الحج والعمرة والزيارة . واتّصلنا بهم وأخذنا عنهم واستجزناهم ببركته وإشارته ، فعنه أخذنا ، وبه تخرَّجنا، ولولاه ما كنّا ولا أصبحنا ولا أمسینا. هكذا سمعته منه بلفظه رحمه الله . وقد كان لسيِّدي الوالد الحبيب علوي المالكي عنايةٌ خاصَّة وتامَّة بالشيخ عبد الله اللحجي ؛ فقد كان يأخذُه معه في أكثر مجالسه واجتماعاته ورحلاته خارج مكّة المكرّمة للوعظ والإرشاد ، أو للإصلاح بين الناس ، أو لزيارة العلماء والصالحين ، أو لحضور مجالس الذكر وقراءة القرآن . فقد حجَّ معه ١١ مرَّاتٍ ، وزار معه المدينة المنورة مرَّات ، وسافر معه إلى الطائف وجُدَّة مرَّات . وكان سيِّدي الوالد الحبيبُ علوي المالكي قد أعطاه غرفته الخاصَّة التي تسمَّى بـ( الخلوة ) في رباط السليمانية . ثم الخلوة الثانية المطلَّة على الحرم من جهة باب السليمانية ، والتي كانت تسمَّى بـ((المدرسة)). ثم خلوة أخرى في مشاريع توسعة الحرم الأولى . وكان الشيخ عبد الله متفرّغاً للعلم والتعليم ؛ يعيش مع طلبة العلم ويسكن معهم وينام ، فكانت أوقاته كلُّها مصروفةً للعلم والدرس والتدريس والطلاب . وكان سيِّدي الوالد يقضي أكثر أوقاته التي لا ارتباط فيها بمدرسة أو موعد في هذه الخلوة مع الشيخ عبد الله ومن معه من الطلاب في دروس خاصَّة عالية ، ومذاكرات وفوائد سامية . وعناية الوالد السيِّد علوي المالكي بالوافدين معلومة وظاهرة للجميع ويعتبرها من وظائفه المهمة التي أوجبها هو على نفسه . يقول فضيلة الأخ الشيخ أحمد جمهوري البنجري ـ فیما کتب إليّ بخطه ـ : قال شيخُنا العلاَّمة المحقق الشيخ إسماعيل(١): إنه ( أي السيد علوي المالكي ) علامة زمانه ، فخر أوانه والمقدّم بين أقرانه المتفننين بشتّى فنون المنقول والمعقول، والقائم على هَدي جدِّه المصطفى الرسول وَلَه ـ إلى أن قال - وله عليّ وعلى غيري من أهل العلم الوافدين إلى بلد الله الأمين للإقامة به مِنَّةٌ عظمى ونعمة كبرى ؛ حيث إنَّه يقوم برعاية الغرباء من الطلاب ، ويُسدِي إليهم كلَّ جميل ، وساعدهم بكلِّ ما في وسعه مما يحتاجونه مما يسهِّل لهم سبيل الإقامة . فجزاه الله عنا أحسنَ الجزاء . ومن شيوخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكَّة المكرمة : الإمامُ العلاَّمة (١) أي الشيخ إسماعيل الزين المتوفى بمكة. ١٢ المحدِّث شيخُنا الشيخ : حسن بن محمد المَشَّاط المكِّي المالكي ، حضر دروسه وسمع منه ، وقَرَأ عليه أشياء كثيرة في الحديث وغيره ، كـ(( صحيح البخاري))، و((صحيح مسلم))، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، و(( موطأ الإمام مالك))، و((مسند الإمام أحمد))، و((مسند الشافعي))، و((سنن الشافعي))، و((سنن البيهقي))، و((شمائل الترمذي))، و((الشفاء)) للقاضي عياض، و(( الأوائل)) السُّنبلية بكمالها، وقرأ عليه كثيرا من المسلسلات والأثبات ، كثبت الشيخ محمد بن علي الشنواني ، وحسن الوفا بثبت الشيخ فالح الظاهري الحجازي . وثبت السيد حسين بن محمد الحبشي المكي ( (( فتح القوي )) ) ، وثبت الشيخ وليِّ الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي ، وثبت الشيخ محمد ضَمَّا بن حسن البناني الفاسي، وقرأ عليه ((رفع الأستار))، و((شرح طلعة الأنوار))، و(( شرح البيقونية)) كلاهما تأليفه، وغير ذلك من مقروءات ومسموعات ، فله عليَّ منّة كبرى . ولازمه مدَّة طويلة واستفاد منه فوائد جمَّة جزاه الله عنه خيرا ، وأجازه إجازة عامة مرَّات متعدِّدة ، وكتب ذلك بخطُّه الشريف وألبسه الخرقة ، وأسمعه حديث الرحمة المسلسل بالأولية . ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكة المكرمة العلاَّمةُ الإمام المؤرِّخ المحقق شيخ المشايخ السيد الشيخ محمد العربي ابن التَّّاني الواحدي الجزائري المكي ، سمع منه وحضره وقرأ عليه كتاب (( الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير)) للحافظ السيوطي، وطائفة من ((تفسير الجلالين))، وطائفة من كتاب ((زاد المعاد في هَذْي خير العباد)) للحافظ ابن القيم ، وطائفة من (( رياض الصالحين)) للإمام النووي، وطائفة من (( سيرة ابن هشام)) ، وأوائل كتاب ((وسائل الوصول إلى شمائل الرسول)) وَلَو للعلامة الشيخ يوسف النبهاني ، وقرأ عليه تأليفه (( محادثة أهل الأدب في أنساب العرب )» واستفاد منه وقد أجازه إجازة عامَّة . ١٣ ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكة المكرمة العلاَّمة المُسنِد الشيخ : محمد ياسين بن عيسى الفاداني المكِّيُّ، قرأ عليه كتاب (( آداب البحث والمناظرة)) لطاش كُبْري زاده، و(( الرسالة الشريفة في آداب البحث والمناظرة))، ورسالته المسماة ((تشنيف السمع في علم الوضع))، وسمع عليه كثيرا من المسلسلات بأعمالها القولية والفعلية ، وأضافه على الأسودين التمر والماء . وأجازه إجازة عامَّة . ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي من أهل مكة المكرمة العلامة السيد : محمد أمين الكتبي المكيُّ الحنفي ، سمع منه وحضر لديه في درس التفسير والحديث والعربية كـ ((شرح ابن عقيل))، و((شرح الأشموني على ألفية ابن مالك)) في النحو والصرف ، وكتاب ((العِزِّي)) في الصرف، و((شرح الجوهر المكنون في الثلاثة الفنون))، و((دلائل الإعجاز)) للشيخ عبد القاهر الجرجاني . ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكّة المكرّمة العلاَّمة الشيخ : محمد يحيى أمان المكِّيُّ الحنفي القاضي بالمحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة ، وقرأ عليه من أوَّل (( سنن الترمذي))، ومن أوَّل ((تفسير الجلالين)) ، وأجازه إجازة عامَّة في كلِّ ما تجوز له روايته . ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللَّحجي من أهل المدينة المنوّرة العلاَّمة الشيخ : أمين بن أحمد الطرابلسي - طرابلس الغرب - المالكيُّ المدرِّس بالمعهد العلمي بالمدينة المنورة ، اجتمع به كثيرا في المدينة المنوّرة ومَّة المكرمة في منزله وغيره ، واستفاد منه فوائدَ جمَّة، وقد قرأ عليه شيئا من (( المنظومة الشاطبية)) المسمّاة ((حرز الأماني)) في علم القراءات السبع ، وشيئا من شرحها لأبي شامة ، وتعلَّم منه شيئاً من علم الفرائض ، وأجازه بما تجوز له روايته . ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكّة المكرّمة العلاَّمة الشيخ : إسحاق بن إبد بن محمد نور الصامولي ، قرأ عليه كتابا في علم الصرف ، وأجازه بماله من مرويَّات ومقروءات ومسموعات إجازة عامَّة . ومن مشايخ الشيخ عبد الله اللحجي بمكّة المكرّمة العلامة الشيخ : حسن بن ١٤ سعيد بن محمد بن أحمد اليماني المكيُّ الشافعي ، اجتمع به في داره بمكّة مراراً وتردّد إليه، وحضر دروسه في المسجد الحرام؛ في ((صحيح مسلم))، و(( شرح المحلي )) في الفقه، و((الأشباه والنظائر )) للسيوطي ، وسمع من فوائده کثیرا ، وقد أجازه بكلِّ ما تجوز له روايته ؛ من منقول ومعقول ، وأوراد وأذكار . روايته وأسانيده : يروي الشيخ عبد الله اللَّخجي عن كثير من العلماء المحققين . ويأتي في الدرجة الأُولى شيوخُه الذين قرأ عليهم وجلس بين يديهم ، فقد استجازهم وروى عنهم ، وأخذ عمن اعتنى منهم بالإسناد والرواية المسلسلاتِ القوليةَ والفعلية؛ كالمسلسل بالأولية وصنَّف فيه جزءا خاصًا سمَّاه: ((إعانة ربِّ البرية على جمع تراجم رجال الحديث المسلسل بالأوَّلية)»، وإضافة إلى ذلك فقد استجاز جملة من أئمة الحديث ، واستفاد من مواسم الحج والعمرة والزيارة بلقاء العلماء وزيارتهم ، واستجازتهم والرواية عنهم . ومنهم الشيخ أحمد بن عبد الباري بن علي عاموه اليماني الحديدي الحنفي ، والشيخ محمد بن أحمد السالمي الزبيدي ، والسيد علي بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن أبكر الأهدل الزبيدي ، والسيد أبكر مهادن بن عبد الرحمن بن إسماعيل الأهدل الزبيدي ، والسيد محمد بن سليمان إدريسي الأهدل الزبيدي ، والسيد محمد بن يحيى دوم الأهدل ( قاضي الزهرة باليمن ) ، والشيخ عبد الله بن علي العمودي الشافعي ( قاضي أبي عريش ) ، والشيخ محمد إبراهيم بن المَلاَّ سعد الله الفضلي الختني ، والمشهور بـ(( البخاري)) وهو ليس من بخارا، والشيخ محمد يوسف البَنَّوري بن محمد زکریا الباكستاني ، والشيخ محمد خیر بن یار محمد الباكستاني ثم المكي ، والسيد محمد المكي ابن السيد محمد بن جعفر الكتاني الفاسي ثم الشامي ، والشيخ محمد زكريا بن محمد یحیی الکاندهلوي السهار نفوري ؛ ثم المدني ، والسيد سالم بن أحمد بن جندان آل الشيخ أبي بكر بن سالم ، والسيد عبد الله بن أحمد الهدار آل الشيخ أبي بكر بن سالم ، والشيخ سلامة العَزَّامي ١٥ القضاعي الشافعي المصري ، والشيخ عبد السلام بن عبد القادر الفاسي . وأكثر هؤلاء اجتمع بهم في مواسم الحج في رحاب شيخه السيد علوي بن عبَّاس المالكي الذي كان مجمعا للوفود من الحجاج والمعتمرين من علماء العالم الإسلامي . وقد صنف ثبتاً صغيراً في حجمه ؛ كبيرا في علمه ، ضمّنه شيوخه ومرويَّاتِهِم باختصار وخَتَمه بفوائدَ نفيسةٍ ، وذكر فيه أنَّه أجاز أهل عصره ؛ فقال : هذا ؛ وإني قد أجزتُ مَن أدرك حياتي ممن أراد الرواية عني ، وقَبِل الإجازة مني ؛ اقتداءً بالأئمة الذين فعلوا ذلك وأجازوه . قال الشيخ العلامة المحقق محمد بن علي ابن علاَّن الصدِّيقي المكي المتوفى سنة: ١٠٥٧ هـ رحمه الله تعالى في آخر ((شرح الأذكار)) المسمَّى ((الفتوحات الربانية))، قال الإمام النووي في ((الإرشاد)): (إذا أجازَ لغير معين بوصف العموم ؛ كقوله : أجزتُ للمسلمينَ ، أو لكلِّ أحدٍ ، أو لمن أدركَ زماني ، وما أشبهَهُ .. ففيه خلافٌ للمتأخِّرينَ المجوِّزينَ لأصلِ الإجازةِ . فإن كانَ مقيَّداً بوصفٍ خاصٍّ فهوَ إلى الجوازِ أقربُ ، وجوَّزَ جميع ذلكَ الخطيبُ ، وجوَّز القاضي أبو الطيِّب ، الإمام المحقِّق الإجازةَ لجميع المسلمين الموجودين عندَها ، ثمَّ قالَ: وأجازَ أبو عبد الله بن مَنْدَه لِمَنْ قالَ: لا إله إلاَّ الله ، وأجاز أبو عبد الله بن عتَّاب وغيره من أهل المغرب لِمَنْ دخلَ قرطبة مِنْ طلبة العلم ، وقالَ أبو بكر الحازمي الحافظ : الذين أدركتهم من الحفّاظ ، كأبي العلاء وغيره ، كانوا يميلون إلى جواز هذه الإجازة العامَّة . قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى : ولم يسمع عن أحدٍ يُقتدى به أنَّهُ استعملَ هذه الإجازةَ فروى بها ، ولا عن الشرذمة الَّتِي سَوَّغتها ، وفي أصل الإجازة ضعف فتزداد بهذا ضعفاً كثيراً لا ينبغي احتماله . وهذا الذي قالَهُ الشيخ ابن الصلاح خِلاف ظاهِرِ كلام الأئمَّة المحقّقينَ والحفّاظِ المتقنينَ ، وخلاف مقتضى صحَّة هذه الإجازة ، وأيّ فائدة إذا لم يرو بها) . انتهى كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى (١). (١) كتاب ((المرقاة إلى الرواية والرواة))؛ للشيخ عبد الله بن سعيد اللحجي ص ٦٠-٦١. ١٦ ثم قال الشيخ اللحجي في آخر ثبته ((المرقاة)): وأنا الفقير إلى الله عبدُ الله بن سعيد محمد عبادي اللحجي أجزتُ مَن أدرك حياتي بما أجاز به الحافظ ابن الديبع رحمه الله تعالى ، ورجوتُ ما رجاه من فضل الله وكرمه . ذَا سَنَدي؛ فَإِنْ قَبِلْتَ حَبَّذَا أَوْلَمْ يُنَاسِبْ خَلْفَ ظَهْرِكَ أَنْبِذَا حرر في ٢٨ شعبان المعظم سنة : ١٣٩٨ هـ بمكة المكرمة بمنزلي في جبل الحفاير المطل على الشُّبَيكة سنة ثمان وتسعين وثلثمائة وألف من هجرة من له العزّ والشرف ، كتبه مؤلّفُه الفقير إلى الله عزَّ وجلَّ : عبد الله بن سعيد اللحجي بن محمد عبادي اللحجي الحضرمي المكي ؛ فتح الله عليه فتوح العارفين ، وألحقه بالقوم الصالحين ، وغفر ذنوبه أجمعين بمنه وكرمه . آمين . والشيخ عبد الله عالمٌ فقيه نَخويٌّ مشارك ، له عناية كاملة بالحديث الشريف ، يبذل في شراء كتبه ما يملك ، وينقب عن نوادره ، ويتصيَّ نفائسه ، يسعىُ للقاء الرجال والأخذِ عنهم ، حسن الاعتقاد فيهم ، عفيف النفس ، صادق العزم ، عالي الهمة ، بعيد عن المداراة والمجاملة . اشتغل بالتدريس في المراوعة في الجامع الكبير ، وتصدّى لإفادة الطلاب ونشر العلم ، وأقبل عليه الطلاب وكان هو خليفةَ الشيخ السيد عبد الرحمن هناك. وفي مكّة المكرّمة كان بجانب ملازمته لسيِّدي الوالد وصحبته له وحضوره مجالسه ودروسه واشتغاله بكتابة رسائله وفتاويه وبحوثه حريصاً على نفع الطلاب وإرشادهم بتدريسهم في المسجد الحرام في أوقاته الأخرى ، وتدريسه في عدة مدارس ؛ منها المدرسة الصولتية ، ومدرسة دار العلوم الدينية ، والفخرية . ومن مناقبه الحميدة وخصاله المجيدة : أنه كان حريصا كلَّ الحرص على اقتناء الكتب النفيسة عامَّة ، وخصوصا كتب الحديث والتاريخ والسيرة النبوية والتصوف ، ويبذلُ في شرائها كلَّ ما يملك ، وقد يكون محتاجا إلى ثمنها ؛ ولكنه كان رحمه الله يقدّم حاجة الروح على حاجة الجسم . ومن مناقبه الحميدة التي شهدناها ورأيناها فيه : حرصُه العظيم على لقاء ١٧ الرجال من أئمة العلم ( ذوي الأسانيد العالية ) ، ومن العارفين بالله المشهورين بالولاية والصلاح . وكان ممّا يوصيني به عند سفري إلى مصر ؛ أو المغرب ؛ أو باكستان أو غيرها من البلاد : أن أستجيز له ممّن أستجيزه ، ويقول لي : أشركْني معك في إجازاتك . وقد طلبتُ له الإجازة من جملة من علماء العصر ، ومنهم الشيخ عبد السلام بن عبد القادر ابن سودة الفاسي ، والشيخ محمد عبد الله العربي العقوري ، لكن الأخيرَ لم يذكره في أسانيده فلعلَّه نسيه !!. ومن مناقبه العظيمة وخصاله الكريمة رحمه الله : اعتناؤُه العظيم بالنسخة التي يَدرُسها ؛ أو يُدرِّسها ، فيبحث عن النسخ الصحيحة القديمة ، ويقابلها بالنسخة المطبوعة الجديدة ، ويضبطها ضبطاً متقناً معتنىّ به ، ولمّا كنّا نقرأ (( سنن أبي داود))، و((الترمذي)) على سيّدي الوالد في المسجد الحرام بعد العشاء ، ويُشكِل علينا لفظٌ أو ضبطُ اسم ، أو نشُ في كلمة هل هي ساقطة أو زائدة ؟؟ كان كثيراً ما يقول سيِّدي الوالدُ للشيخ عبد الله في الدرس : ( ماذا عندك في نسختك ؛ يا شيخ عبد الله ) ، فكان يقول قولاً مفيداً يحلّ الإشكال ويزيل اللبس . وأحياناً كان سيِّدي الوالد يقول له : ( راجع لنا هذه المسألة ؛ يا شيخ عبد الله ) ، فكان يأتينا اليوم الثاني بالمفيد . ومن مناقبه الشريفة رحمه الله : أنَّ أوقاتَه كلَّها كانت مملؤة بالوظائف والواجبات بين علم وتعليم ، ودرس وتدريس ، وملازمة لدروس الوالد ؛ والشيخ حسن المشاط . وهو مع جلالة قدره وعظيم رتبته وعلوّ مقامه وسَعَة علمه ؛ إلاّ أنه كان عظيمَ المواظبة على حضور دروس الوالد ومجالسه في الدرجة الأولى ، ودروس الشيخ حسن المشاط . فقد كان يقضي مع سيِّدي الوالد كلَّ يوم مِن بعد العصر في ما بين المنزل والحرم إلى ما بعد العشاء بساعة فيما عدا قبل العشاء . فقد كان يذهب إلى درس الشيخ حسن المشاط ( في الحديث ) ... ١٨ مواظباً على هذا الترتيب لا يكاد يتركه إلّ لعذر طارىءٍ ، أو لتوقّف الدروس في الصيف ؛ أو رمضان . ومع توقّف الدروس العامة في الحرم إلّ أنه لا يترك الحضور عند الوالد في مجلسه يومياً بعد العصر إلى انقضاء المجلس في مواسم الحجّ. وقد كتبت عنه (( جريدة المدينة)) بعد وفاته تحقيقاً بقلم الأستاذ المؤرخ عبد الرحمن مغربي جاء فيه : كان رائدنا من العلماء الأفاضل عالماً ضليعاً ، وفقيهاً متمكِّناً ، وعاملاً صالحاً ، هو واحد من العلماء الذين كرَّسوا حياتهم لطلب العلم درساً وتدريساً ؛ يجود بعلمه على العامَّة والخاصّة . كان رحمه الله محبّاً لطلابه ومحبّاً لأساتذته ومشايخه قبل ذلك ، إذ يعدّ مرجعا قويّاً للكتابة عن العلماء بمكّة ، وبعد حضور مجالس وحلقات العلم بالمسجد الحرام تصدَّى للتدريس بالمسجد الحرام بعد أن أخذ الإجازة من علماء الحرم المكي ؛ فعقد حلقته العلمية والدينية تحت أروقة المسجد الحرام ، وكانت تكتظَّ بالطلاب الذين انتفعوا بعلمه ؛ فأقبل عليه عامَّة الطلبة وخاصَّتهم ينهلون من مورده العذب في كثير من علوم الشريعة وعلوم اللغة العربية . وقد درَّس شيخنا في حلقته بالحرم الشريف (( الصحيحين)) ، وكتب : ((منهاج الطالبين)) في فقه الشافعية، و((متن الغاية والتقريب))، وعلوم اللغة العربية بفروعها ، وقد أخذ عنه كثير من طلبة العلم الذين ينتمون إلى كثير من البلدان العربية ، وأصبح لهم مكانة علمية مرموقة (١) . صلتي بالشيخ الأحجي أما اتصالي بالشيخ عبد الله اللحجي ؛ فقد كان اتصالا وثيقاً وقويّاً وعظيماً . فقد لازمته بأمر والدي ، وله عليَّ فضل عظيم ومِنّة كبرى ؛ قرأت عليه وأخذت عنه ، وحفظت عليه متوناً كثيرة ، ورافقته في خلوته برباط السليمانية ؛ إذ كنت أذهب إليه كلَّ يوم في الظهر ونقرأ ونذاكر ونحفظ تحت (١) جريدة المدينة ملحق الأربعاء ٢٠ جمادى الآخرة ١٤١٥ هـ. ١٩ إرشاده ، ثُمَّ نخرج معه إلى المسجد الحرام لصلاة العصر وتسميع بعض المتون ، ثم نمشي معه إلى مجلس سيّدي الوالد السيِّد علوي بعد العصر ؛ حيث كان الشيخ اللحجي يحضر يومياً بعد العصر إليه ؛ فيجلسان في مذاكرة ومدارسة وكتابة وإرشادٍ للناس ، ثم نخرج جميعاً معه في معيّة سيِّدي الوالد إلى المسجد الحرام فنحضر جميعاً الدرس الأول بعد المغرب . ثم يقوم الشيخ اللحجي بعد الدرس إلى مجلس شيخنا الشيخ حسن المشاط ؛ وكنت أقوم معه إلى درس الشيخ حسن المشاط . ثم نرجع بعد العشاء إلى سيدي الوالد فنحضر معه درس الحديث لمدَّة ساعة ، وكان هو المقرىءَ ، وقد حضرت بقراءته گُتُبا كثيرة بين يديّ سيدي الوالد ( السَّرَّاد) منها: (( سنن الترمذي))، و(( سنن أبي داود))، وفي آخر (( سنن أبي داود)) هو الذي اقترح على سيِّدي الوالد أن أقوم أنا بسرد الحديث والقراءة بين يديه ، فبدأت بإرشاده واقتراحه بالقراءة بين يدي والدي ؛ وحضور كبار تلاميذه في ذلك الدرس ووكنت أراجع الدَّرس وأطالعُه قبل القراءة مسترشداً بالشيخ عبد الله في كلِّ مشكل من الأسماء ؛ أو ضبط القراءة واستمر الحال على هذا إلى وفاة الوالد السيد علوي المالكي سنة ١٣٩١ هـ. صلة خاصة : ومما أعتزُّ به وأفتخرُ تلك السنة التي تركت فيها مدرسة الفلاح وعزمتُ على التفرّغ لطلب العلم وحفظ المتون تفرُّغا كاملا ؛ بعيدا عن النظام المدرسي والمنهج المقرَّر وجوِّ الاختبارات ، وكان سيِّدي الوالد مشغولا بمدرسة الفلاح يوميّاً . وكان مِن حسن الحظ والسعد أنَّ الشيخ عبد الله اللحجي ترك التدریس بدار العلوم بتلك السنة فوقع الاتفاق بينه وبين سيِّدي الوالد على أن يقوم بتدريسي يوميا من الصباح إلى الظهر ، والالتزام بمنهج معين مرتَّب ، وجدول منظم ؛ يشتمل الحديث والتفسير والمصطلح وأصول الفقه والقواعد والنحو والصرف والفرائض والفقه المالكي والتوحيد في يوم دراسيٍّ كامل . وقد اختار هو بنفسه ٢٠