Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
أسامة فبلغه أنّ الناس عابوا أسامة وطعنوا فى إمارته، فقام رسول الله، وَالخير، فى
النّاس فقال كما حدّثنى سالم : ألا إنّكم تعيبون أسامة وتطعنون فى إمارته وقد
فعلتم ذلك بأبيه من قبل وإن كان لخليقًا للإمارة وإن كان لأحبّ الناس كلّهم إلىّ،
وإنّ ابنه هذا من بعده لأحبّ الناس إلىّ فاستوصوا به خيرًا فإنّه من خياركم . قال
سالم : ما سمعتُ عبد الله يحدّث هذا الحديث قطّ إلا قال : ما حاشا فاطمةً .
قال : أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصارىّ قال : حدّثنى صالح بن أَبِى (١)
الأخضر قال: حدّثنا الزّهْرىّ عن عروة عن أسامة بن زيد أنّ رسول الله، وَلَه ،
وجّهه وَجْهًا فقُبِضَ رسول الله، وَلَه، قبل أن يتوجّه فى ذلك الوجه واسْتُخْلِفَ
أبو بكر. قال فقال أبو بكر لأسامة : ما الذى عهد إليك رسول الله ؟ قال : عهد
إِلىّ أن أُغيرَ على أُبْنى صباحًا ثمّ أْرِقَ (٢) .
قال : أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال : أخبرنا العُمَرىّ عن نافع عن ابن عمر
أنّ النبيّ، وَِّ، بعث سريّةً فيهم أبو بكر وعمر فاستعمل عليهم أسامه بن زيد ،
وكان الناس طعنوا فيه، أى فى صِغَره ، فبلغ رسول، وَلّ ، فصعد المنبر فحمد
الله وأثنى عليه وقال : إنّ الناس قد طعنوا فى إمارة أسامة بن زيد وقد كانوا طعنوا
فى إمارة أبيه من قبله ، وإنّهما لخليقان لها ، أو كانا خَليقَين لذلك ، فإنّه ◌َمن أحب
الناس إلىّ وكان أبوه من أحبّ الناس إلىّ إلا فاطمةَ، فأوصيكم بأسامة خيرًا .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا حَنَش قال : سمعتُ أبى يقول :
استعمل النبيّ، وَلّ، أسامة بن زيد وهو ابن ثمانى عشرة سنة .
قال : أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة قال : حدّثنا هشام بن عروة قال :
أخبرنى أبى قال: أمر رسول الله، وَله، أسامة بن زيد وأمره أن يُغير على أَبْنى من
ساحل البحر .
(١) أَبِى الأخضر: تحرف فى طبعة ليدن وما بعدها إلى (( أَتَّ الأخضر)) وصوابه من ث والمزى
والتقريب .
(٢) ث (( ثم أخرق أُبْنِى)).

٦٢
قال هشام: وكان رسول الله، مَّه، إذا أمّر الرجل أعلمه وندب الناس معه ،
قال فخرج معه سَرَواتُ الناس وخيارهم ومعه عمر ، قال فطعن الناس فى تأمير
أسامة. قال فخطب رسول الله، وَّل﴾، فقال: وإنّ ناسًا طعنوا فى تأميرى أسامةً
كما طعنوا فى تأميرى أباه ، وإنّه لخليق للإمارة وإنْ كان لأحبّ الناس إلىّ من بعد
أبيه ، وإنى لأرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرًا .
قال: ومرض رسول الله، وَله، فجعل يقول فى مرضه : أنْفذوا جيشَ
أسامة . أَنْفذِوا جيشَ أسامة . قال فسار حتى بلغ الجُرُف فأرسلت إليه امرأتُه فاطمة
بنت قيس فقالت: لا تعجل فإنّ رسول الله، وَّه، ثقيل. فلم يبرح حتى قُبِضَ
رسول الله، وَجّل، فلمّا قُبض رسول الله، وَ لَه، رجع إلى أبى بكر فقال: إنّ
رسول الله بعثنى وأنا على غير حالكم هذه وأنا أتخوّف أن تكفر العرب فإن كفرت
كانوا أوّلَ مَن يقاتل وإن لم تكفر مضيت فإنّ معى سروات الناس وخيارهم. قال
فخطب أبو بكر الناسَ فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : والله لأن تَخْطَفَنى الطير
أحَبّ إلىّ من أن أبدأ بشىءٍ قَبْلَ أمر رسول الله، وَرَ، قال فبعثه أبو بكر إلى آبِل
واستأذن لعمر أن يتركه عنده ، قال فأذن أسامة لعمر : قال فأمره أبو بكر أن يَجْزِرَ
فى القوم ، قال هشام بقطع الأيدى والأرجل والأوساط فى القتال حتى يُفْزِعَ
القومَ. قال فمضى حتى أغار عليهم ثمّ أمرهم أن يعظّموا الجراحةً حتى يُؤْهبوهم .
قال ثمّ رجعوا وقد سَلموا وقد غنموا . قال وكان عمر يقول: ما كنتُ لأجىءَ
أحدًا بالإمارة غير أسامة لأنَ رسول الله، وَّةِ، قُبض وهو أمير. قال فساروا فلمّا
دنوا من الشأم أصابتهم ضبابة شديدة فسترهم الله بها حتى أغاروا وأصابوا
حاجتهم. قال فقُدِمَ بنَعْى رسول الله، بَلّه، على هرقل وإغارة أسامة فى ناحية
أرضه خبرًا واحدًا فقالت الروم : مَا بَلَى هؤلاء بموت صاحبهم أن أغاروا على
أرضنا .
قال عروة : فما رُئى جيش كان أسلم من ذلك الجيش .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا حَمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة
عن أبيه بنَحْو حديث أبى أسامة عن هشام وزاد فى الجيش الّذى استعمله عليهم
أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح .

٦٣
قال: وكتَبَتْ إليه فاطمة بنت قيس: إنّ رسول الله، وَلِّ، قد ثقل وإنى
ءُ
لا أدرى ما يحدث فإن رأيتَ أن تُقيمَ فأقِمْ . فدوّم أسامة بالجُزْف حتى مات رسول
الله، وَّه. قال وأمر أن يُعَظّمَ فيهم الجراح يجزل الرجل منهم ◌َزْلًا فكفرت العرب.
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى عبد الله بن يزيد بن قُسيط عن أبيه
عن محمّد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: بلغ النبيَّ، وَلّره، قول الناس استعمل
أسامة بن زيد على المهاجرين والأنصار، فخرج رسول الله، وَلّ ، حتى جلس
على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيّها النّاس أَنْفِذُوا بَعْثَ أسامة فلعمرى إن
قُلتم فى إمارته لقد قلتم فى إمارة أبيه من قبله ، وإنّه لخليق للإمارة وإن كان أبوه
لخليقًا لها . قال فخرج جيش أسامة حتى عسكروا بالجُرف وتتامّ الناس إليه
فخرجوا، وثقل رسول الله، وَلّر، فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاضٍ فى
رسوله . قال أسامة : فلمّا ثقل هبطتُ من عسكر وهبط النّاس معى وغُمى على
رسول الله ، وَلَه، فلا يتكلّم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثمّ نصبها (١) إلىّ
فأعرف أنّه يدعو لى .
قال : أخبرنا كثير بن هشام قال : أخبرنا جعفر بن بُرْقان قال : حدّثنا
الحضرمىّ رجل من أهل اليمامة قال: بلغنى أنّ رسول الله، وَّة، بعث أسامة بن
زيد ، وكان يحبّه ويحبّ أباه قبله ، بعثه على جيشٍ وكان ذلك من أوّل ما يجرّبَ
أسامة فى قتالٍ فلقى فقاتل فذُكر منه بأس. قال أسامة: فأتيتُ النبىّ، وَّه ، وقد
أتاه البشير بالفتح فإذا هو متهلهل وَجْهه فأدنانى منه ثمّ قال : حدّثنى . فجعلتُ
أُحدّثه فقلتُ : فلمّا انهزم القوم أدركتُ رجلًا وأهْوَيْتُ إليه بالرمح فقال لا إله إلا
الله فطعنتُه فقتلتُه. فتغيّر وجه رسول الله، وَّر، وقال: ويحك يا أسامة ، فكيف
لك بلا إله إلّ الله ؟ ويحك يا أسامة، فكيف لك بلا إله إلا الله ؟ فلم يزل يردّدها
علىّ حتى لوددتُ أنى انسلختُ من كلّ عملٍ عملتُه واستقبلتُ الإِسلام يومئذٍ
جديدًا ، فلا والله لا أقاتل أحدًا قال لا إله إلا الله بعدما سمعتُ رسول الله ،
وَلَه .
وسام
(١) ث ((يَصُبُّها)).

٦٤
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : حدّثنا أبو عَوانَة عن سليمان الأعمش عن
إبراهم التّيْمى عن أبيه قال: قال ذو البُطَيْ (١) أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلًا يقول
لا إله إلاّ الله أبدًا، فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلًا يقول لا إله إلا
الله أبدًا، فقال لهما رجل: ألم يقل الله ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الذِينُ
لِلَّهِ ﴾ [ سورة البقرة: ١٩٣]؟ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله.
قال : أخبرنا الفضل بن ذُكين قال : حدّثنا حفص بن غياث عن جعفر بن
محمّد عن أبيه قال: كان أسامة يأتى النبيّ، وَّر، فى الشئ فيُشَفّعُه فيه فأتاه مرّة
فى حدّ فقال: يا أسامة لا تَشْفَعْ فى حدّ .
قال : أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسيّ قال : حدّثنا لَيْث بن
سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنّ قريشًا أهمّهم شأنُ المرأة التى سرقت
فقالوا: مَن يكلّم فيها رسول الله، وَلّه؟ فقالوا: ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن
زيد حبّ رسول الله، وَّله؟ فكلّمه أسامة فقال رسول الله، وَله: لِم تشفع فى
حدّ من حدود الله؟ ثمّ قام النبىّ، وَلّ، فاختطب فقال: إنما أهلك الذين من
قبلكم أنّهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه
الحدّ، وأيم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقَطعتُ يدها !
قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبى فُديك عن هشام بن سعد عن زيد بن
أسلم أنّ عمر بن الخطّاب فضّل المهاجرين الأوّلين وأعطى أبناءهم دون ذلك ، وفضّل
أسامة بن زيد على عبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر: فقال لى رجل فضّل
عليك أميرُ المؤمنين مَن ليس بأقدم منك سنًّا ولا أفضل منك هِجْرةً ولا شهد من
المشاهد ما لم تَشْهَدْ. قال عبد الله : وكلّمْتُه فقلتُ يا أمير المؤمنين فضّلتَ علىّ مَن
ليس هو بأقدم منى سنًّا ولا أفضل منى هجرة ولا شهد من المشاهد ما لم أَشْهَدْ . قال :
ومَن هو ؟ قلتُ: أسامة بن زيد، قال: صدقتَ لَعَمْرُ الله ! فعلتُ ذلك لأنّ زيد بن
(١) راجع نزهة الألباب فى الألقاب لابن حجر. وقد وردّ ذِكر أسامة بهذا اللقب فى صحيح
مسلم فى كتاب الإيمان ، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله. هذا وقد تحرف ((البُطَيْ))
فى طبعة إحسان وعطا والتحرير إلى ((ذو البَّطْن)).

٦٥
حارثة كان أحبّ إلى رسول الله، وَلّر، من عمر، وأسامة بن زيد كان أحبّ إلى
رسول الله، وَلّه ، من عبد الله بن عمر فلذلك فعلتُ.
قال : أخبرنا خالد بن مخلد التَجَلىّ قال : حدّثنا عبد الله بن عمر عن نافع
عن ابن عمر قال : فرض عمر بن الخطّاب لأسامة بن زيد كما فرض للبدرتين أربعة
آلاف ، وفرض لى ثلاثة آلاف وخمسمائة فقلتُ: لِمَ فرضتَ لأسامة أكثر ممّا
فرضتَ لى ولم يشهد مشهدًا إلا وقد شهدتُه ؟ فقال : إنّه كان أحبّ إلى رسول
الله، وَّ، منك وكان أبوه أحبّ إلى رسول الله، وَّل، من أبيك (١).
قال : أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال : حدّثنا قرّة بن خالد قال : حدّثنا محمد
ابن سيرين قال : بلغتِ النخلةُ على عهد عثمان بن عفّان ألف درهم ، قال : فعمد
أسامة إلى نخلة فتقرها وأخرج جُمّارَها فأطعمها أمّه ، فقالوا له : ما يحملك على
هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم ؟ قال : إنّ أَمّى سألَتْنيه ولا تسألنى شيئًا
أقدر عليه إلا أعطيتُها .
قال : أخبرنا كثير بن هشام قال : حدّثنا جعفر بن بُوقان قال : سمعتُ يزيد
ابن الأصمّ يقول : كان لميمونة قريبٌ فرأتْه وقد أرخَى إزاره بطنه (٢) فلَامَتْه فى
ذلك ملامةً شديدةً فقال لها : إنى قد رأيتُ أسامة بن زيد يُوخى إزاره ، قالت :
كذبتَ ولكن كان ذا بطن فلعلّ إزاره كان يسترخى إلى أسفل بطنه .
قال : أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العِجْلىّ عن هشام الدّسْتَوائِىّ عن يحيى بن
أبى كثير عن عمر بن الحكم بن ثَوْبان أنّ موليّ لقُدامة بن مظعون حدّثه أنّ مولی
لأسامة بن زيد حدّثه قال : كان أَسامة يركب إلى مالٍ له بوادى القُرى فيصوم يوم
الاثنين ويوم الخميس فقلتُ له : أتصوم فى السفر وقد كَبُرْتَ ورققتَ ! قال : رأيتُ
رسول الله ، وَلّه، يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس وقال إنّ الأعمال تُغْرَضُ يوم
الاثنين ويوم الخميس (٣).
(١) سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٤٩٩
(٢) كذا فى ل، وفى ث: ((إزاره)) دون كلمة ((بطنه)).
(٣) سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ٥٠٦
[ ٥ - الطبقات الكبير جـ ٤ ]

٦٦
قال : أخبرنا علىّ بن عبد الله بن جعفر قال : أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمر
قال : أخبرنى أبو جعفر محمّد بن علىّ قال: حدّثنى حَرْمَلَة مولى أسامة ، قال عمر
وقد رأيتُ حرملة قال : أرسلنى أسامة إلى علىّ فقال: اقْرَأْهُ السّلامَ وَقُلْ له إنّك
لو كُنْتَ فى شِدْق الأسد لأحببتُ أن أَدْخُلَ معك فيه ولكنّ هذا أمر لم أره . قال
فأتيتُ عليًّا فلم يُعْطِنِى شيئًا ، فأتيتُ الحسن وابن جعفر فأوقرا لى راحلتى .
قال : أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبى عن أبيه قال : تزوّج أسامة بن
زيد هند بنت الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ودرّة بنت عدّ بن
قيس بن حُذافة بن سعد بن سهم فولدت له محمدًا وهندَ ، وتزوّج أيضًا فاطمة
بنت قيس أخت الضّحاك بن قيس الفِهْرىّ فولدت له جبيرًا وزيدًا وعائشة ، وتزوّج
أمّ الحكم بنت عُثْبة بن أبى وقّاص وبنت أبى حَمْدان السّهْمىّ ، وتزوّج بَرزة بنت
رِبْعِىّ من بنى عُذْرة ثمّ من بنى رِزاح فولدت له حسنًا وحسينًا .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا يعقوب بن عمر عن نافع العَدَوىّ عن
أبى بكر بن عبد الله بن أبى جَهْم قال: كان رسول الله، وَلّل، يُحِبّ أسامة بن
زيد فلما بلغ وهو ابن أربع عشرة سنة تزوّج امرأة يقال لها زينب بنت حنظلة بن
قُسامة فطلقها أَسامة فجعل رسول الله، بَلّه، يقول: مَن أَدُلّه على الوضيئة
القَتِين (١) وأنا صهره؟ فجعل رسول الله، وَله، ينظر إلى نُعيم بن عبد الله النخام
فقال نُعيم : كأنّك تُريدنى يا رسول الله ، قال : أجَلْ . فتزوّجها فولدت له إبراهيم
ابن نُعيم فقُتل إبراهيم يوم الحرّة .
قال محمد : والقَتِين القليلة الأكل . قال محمد بن عمر: لم يبلغ أولاد أسامة من
الرجال والنساء فى كلِّ دهر أكثر من عشرين إنسانًا ، قال محمّد بن عمر : وقُبض
النبيّ، وَّله، وأسامة ابن عشرين سنة. وكان قد سكن وادى القُرَى بعد النبىّ،
وَلة، ثمّ نزل إلى المدينة فمات بالجُرُف فى آخر خلافة معاوية بن أبى سفيان .
(١) فى متن ل ((الغنين)) وبهامشها: قراءة دى خويه ((القَتِين)) وقد آثرت قراءته اعتمادا على
رواية ث. ولدى ابن الأثير فى النهاية ( قتن) ومنه الحديث فى وصف امرأة ((إنها وَضِيئَةٌ قَتِين)). هذا
وقد تحرفت ((القتين)) فى طبعة التحرير وإحسان وعطا إلى ((الغنين)) وهذا واحد من الأدلة التى سبق أن
ذكرناها أن الأستاذ عطا ، لم يَ ولم يقابل على (ث) نسخة أحمد الثالث.

٦٧
قال : أخبرنا أنس بن عياض أبو ضَمْرة عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب
قال: حُمِلَ أُسامة بن زيد حين مات من الجُزْف إلى المدينة .
٣٧٩ - أبو رافع مولى رسول الله، وَه
واسمه أسلم ، وكان عبدًا للعبّاس بن عبد المطّلب فوهبه للنبيّ، وَّلِ، فلمّا
بُشّرَ رسول الله، وَلّه، بإسلام العبّاس أعتقه رسول الله، وَله .
قال : أخبرنا رُوَيْم بن يزيد المُقْرِئ قال : حدّثنا هارون بن أبى عيسى وأخبرنا
أحمد بن محمد بن أيّوب قال : أخبرنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق
قال : حدّثنی حسین بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة مولی ابن عباس
قال: قال أبو رافع مولى رسول الله، وَلَه: كنتُ غلامًا للعبّاس بن عبد المطّلب
وكان الإِسلام قد دخَلَنا أهلَ البيت فأسلم العبّاس وأسلمَتْ أمّ الفضل وأسلمتُ ،
و کان العباس یهاب قومه ویکره خلافھم ، و کان یکتم إسلامه ، و کان ذا مال کثیر
متفرّقٍ فى قومه وكان أبو لَهَبٍ عدوًّا لله قد تخلّف عن بدر وبعث مكانه العاص
ابن هشام بن المغيرة وكذلك كانوا صنعوا لم يتخلّف رجل إلا بعث مكانَه رجلًا .
فلمّا جاء الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه وَوَجَدْنا
فى أنفسنا قوةً وعِزًّا ، وكنتُ رجلًا ضعيفًا ، وكنتُ أعمل الأقداح أنّحتُها فى
حُجْرة زمزم فوالله إنّى لَجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أمّ الفضل جالسة وقد
سَرّنا ما كان من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرّ رجليه بشَرّ حتّى جلس على
◌ُنُب الحجْرة وكان ظهره إلى ظهرى ، فبينا هو جالس إذ قال الناس : هذا
أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب قد قدم ، قال : فقال أبو لهب : هلمّ إلىّ
يا بن أخى فعندك لعمرى الخبرُ .
قال فجلس إليه والناس قِيام عليه فقال : يا بن أخى أخْبِرْنى كيف كان أمر
الناس ؟ قال : لا شىء والله إن هو إلاّ أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا
٣٧٩ - من مصادر ترجمته : سير أعلام النبلاء ج ٢ ص ١٦

٦٨
كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا ، وأتم الله مع ذلك ما كُمْتُ الناسَ، لقينا رجالًا
بِيضًا على خيل بُلْق بين السماء والأرض والله ما تليق شيئًا وما يقوم لها شىء. قال
أبو رافع : فرفعتُ طنب الحجرة بيدى ثمّ قلتُ : تلك والله الملائكة .
قال فرفع أبو لهب یده فضرب وجهی ضربةً شديدةً فثاورته فاحتملنی فضرب بی
الأرض ثمّ برك علىّ يضربنى، وكنتُ رجلًا ضعيفًا، فقامت أمّ الفضل إلى عَمُود من
عُمُد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فَلَقَتْ فى رأسه شَجّةً مُنْكَرَةً وقالت : تستضعفه
إن غاب عنه سيّده ؟ فقام موليا ذليلًا فوالله ما عاش إلاّ سبع ليالٍ حتى رماه الله
بالعَدَسة فقتلته فلقد تركه ابناه ليلَتَيْ أو ثلاثًا ما يدفناه حتى أَنْتَنَ فى بيته .
وكانت قريش تتّقى العدسةً وعَدْواها كما يتّقى الناس الطاعون ، حتى قال
لهما رجل من قريش : ويحكما ألا تَسْتَحِيان ؟ إنّ أباكما قد أنتن فى بيته
لا تُغَيِبَانه ، قالا: إِنّا نَخْشَى هذه القرحة ، قال: انطلقا فأنا معكما . فما غسلوه إلاّ
قَذْفًا بالماء عليه من بعيد ما يمسّونه ثمّ احتملوه فدفنوه بأعلى مكّة إلى جدار وقذفوا
عليه الحجارة حتى واروه .
قالوا فلمّا كان بعد بدرٍ هاجر أبو رافع إلى المدينة وأقام مع رسول الله، وعَ ظله ،
وشهد أحدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، وَّر، وزوّجه رسول الله ،
وَةِ، سَلْمَى مولاته، وشهدت معه خَيْبَرَ وولدت لأبى رافع عبيدَ الله بن أبى رافع
وكان كاتبًا لعلىّ بن أبى طالب ، عليه السلام .
قال : أخبرنا الفضل بن ذُكين قال : حدّثنا حمزة الزيّات عن الحكم قال :
بعث رسول الله، وَل﴾، أرقم بن أبى الأرقم ساعيًا على الصدقة فقال لأبى رافع:
هل لك أن تُعينَنى وأجعل لك سهم العاملين ؟ فقال : حتى أُذْكُرَ ذلك للنبيّ ،
وَخَّر. فذكره للنبيّ، وَلَه، فقال: يا أبا رافع إنّا أَهلُ بيتٍ لا تحلّ لنا الصدقة وإنّ
مولى القوم من أنفسهم .
قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدى وقَبيصة بن عقبة قالا : حدّثنا سفيان
عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم عن إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة الزّرَقىّ عن أبيه
عن جدّه قال: قال رسول الله، وَّ: حَلِيفُنَا (١) منّا ومولانا منّا وابن أختنا منّا .
(١) تحرفت فى طبعة التحرير وإحسان وعطا إلى ((خليفتنا)).

٦٩
قال محمد بن عمر : مات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بن عفّان ، وله
عقب .
٣٨٠ - سَلْمان الفارسىّ
قال : أخبرنا أبو معاوية الضرير قال : حدّثنا الأعمش عن أبى ظبيان عن
جرير، يعنى ابن عبد الله ، والأعمش عن أبى سفيان عن أشياخه أنّ سلمان كان
يُكنى أبا عبد الله .
قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ عن عوف بن أبى عثمان النّهْدىّ
قال : قال لى سلمان أتعلم مكان رامَ هُرْمُزَ ؟ قلتُ : نعم ، قال : فإنى من أهلها .
قال : أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدىّ قال : حدّثنا سفيان عن عبيد أبى
العلاء عن عامر بن وائلة عن سلمان قال : أنا من أهل جىّ .
(*) قال : أخبرنا يوسف بن البُهْلول قال : حدّثنا عبد الله بن إدريس قال :
حدّثنا محمّد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لَبيد عن ابن
عباس قال : حدّثنى سلمان الفارسى حديثه من فيه قال : كنتُ رجلاً من أهل
أصبهان من قرية يقال لها جَىّ (١) ، وكان أبى دِهْقَانَ أرضه ، وكنتُ من أحبّ
عباد الله إليه فما زال فى حُبّه إيّاىّ حتى حَبَسَنى فى البيت كما تُحبس الجارية ، قال
فاجتهدتُ فى المجوسيّة حتى كنتُ قاطن النار التى نوقدُها لا نتركها تخبو . وكانت
لأبى ضيعة فى بعض عمله وكان يعالج بُنْيانًا له فى داره فدعانى فقال : أى بُنَّىّ !
إنّه قد شغلنى بُنْيانى كما ترى فانْطَلقْ إلى ضيعتى فلا تحتبس علىّ ، فإنّك إن فعلتَ
٣٨٠ - من مصادر ترجمته : سير أعلام النبلاء ج ١ ص ٥٠٥ ، ومختصر تاريخ دمشق لابن
منظورج ١٠ ص ٢٨ كما ترجم له المؤلف فيمن نزل الكوفة من الصحابة ، وكذلك فيمن كان بالمدائن
من الصحابة
(#) الأخبار من هذه العلامة إلى مثلها فى ص ٧٦ أوردها الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ١
ص ٥٠٦ - ٥١٤
(١) لدى ابن عبد الحق فى مراصد الاطلاع، جى: هى اسم مدينة أصبهان القديم، وتسمى الآن
عند العجم شهرستان ، وعند المحدثين المدينة . ومدينة أصبهان بعد ذلك تسمى اليهودية .

٧٠
شَغْلَنى عن كل ضيعة وكنتَ أهمّ عندى مما أنا فيه ، فخرجتُ فمررتُ بكنيسة
للنصارى فسمعتُ صلاتهم فيها فدخلتُ عليهم أنظر ما يصنعون فلم أزل عندهم ،
وأعجبنى ما رأيتُ من صلاتهم وقلتُ فى نفسى : هذا خير من ديننا الّذى نحن
عليه . فما بَرَحْتُهم حتى غابت الشمس وما ذهبتُ إلى ضيعة أبى ولا رجعتُ إليه
حتى بَعَثَ الطّلَبَ فى أثَرى ، وقد قلتُ للنصارى حين أعجبنى ما رأيت من أمرهم
وصلاتهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا : بالشأم . قال ثمّ خرجتُ فرجعتُ إلى أبى
فقال : أىْ بُنىّ أين كنتَ ؟ قد كنتُ عهدتُ إليك وتقدّمتُ ألا تحتبس ، قال
قلتُ : إنى مررتُ على ناسٍ يصلّون فى كنيسة لهم فأعجبنى ما رأيتُ من أمرهم
وصلاتهم ورأيتُ أنّ دينهم خير من ديننا .
قال فقال لى : أَىْ بنىّ ! دينك ودين آبائك خير من دينهم . قال قلتُ : كلّ
والله ! قال فخافنى فجعل فى رجلى حديدًا وحبسنى ، وأرسلتُ إلى النصارى
أخبرهم أنى قد رضيتُ أمرهم وقلتُ لهم : إذا قَدِمَ عليكم رَكْب من الشأم
فآذنونى. فقدم عليهم ركب منهم من التجّار فأرسلوا إلىّ فأرسلتُ إليهم : إن
أرادوا الرّجوع فآذنونى . فلما أرادوا الرّجوع أرسلوا إلىّ فرميتُ بالحديد من رجلى
ثمّ خرجتُ فانطلقتُ معهم إلى الشأم .
فلمّا قدمتُ سألتُ عن عالمهم فقيل لى صاحب الكنيسة أُسْقُفهم ، قال فأتيتُه
فأخبرتُه خبرى وقلتُ : إنى أُحبّ أن أكون معك أخدمك وأصلّى معك وأتعلّم
منك فإِنّى قد رغبتُ فى دينك، قال : أَقِمْ . فكنتُ معه ، وكان رجل سَوْءٍ فى
دينه، وكان يأمرهم بالصدقة ويرغّبهم فيها فإذا جمعوا إليه الأموال اكتنزها لنفسه
حتى جمع سبع قِلال دنانير ودراهم .
ثمّ مات فاجتمعوا ليدفنوه ، قال قلتُ : تعلمون أنّ صاحبكم هذا كان رجل
سوء فأخبرتهم ما كان يصنع فى صدقتهم ، قال فقالوا : فما علامة ذلك ؟ قال
قلتُ : أنا أدلكم على ذلك . فأخرجتُه فإذا سبع قِلال مملوءةٍ ذهبًا ووَرِقًا، فلمّا
رأوها قالوا : والله لا نُغَيِّبُه أبدًا. ثمّ صلبوه على خشبة ورجموه بالحجارة وجاءوا
بآخر فجعلوه مكانه .

٧١
قال سلمان : فما رأيتُ رجلًا لا يصلّى الخَمْسَ كان خيرًا منه أعظم (١) رغبةً
فى الآخرة ولا أزهد فى الدنيا ولا أدأب ليلًا ولا نهارًا منه ، وأحببتُه حبًّا ما علمتُ
أنى أحببتُ شيئًا كان قبله . فلمّا حضره قَدَرُهُ قلتُ له : إنّه قد حضرك من أمْر الله
ما ترى فماذا تأمرنى وإلى مَن توصى بى ؟
قال : أىْ بُنىّ ما أرى أحدًا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلًا بالموصل ،
فأمّا الناس فقد بدّلوا وهلكوا .
فلمّا توفّى أتيتُ صاحبَ الموصل فأخبرته بعهده إلىّ أن ألحَقَ به وأكون معه ،
قال : أَقِمْ . فأقمتُ معه ما شاء الله أن أقيمَ على مثل ما كان عليه صاحبه ، ثمّ
حضَرَتْه الوفاةُ فقلتُ : إنّه قد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى مَن توصى بى ؟
قال: أى بُنىّ والله ما أعلم أحدًا على أمرنا إلا رجلًا بنَصيبين وهو فلان فالحَقْ به .
قال فأتيتُ على رجل على مثل ما كان عليه صاحباه فأخبرتُه خبرى فأقمتُ
معه ما شاء الله أن أقيم ، فلمّا حضرته الوفاةُ قلتُ له : إنّ فلانًا كان أوصى بى إلى
فلان وفلان إلى فلان وفلان إليك ، فإلى مَن توصى بى ؟ قال : أى بنىّ ، والله
ما أعلم أحدًا من الناس على ما نحن عليه إلا رجلًا بعَمّورِيَة من أرض الروم فإن
استطعتَ أن تلحق به فالحق .
فلمّا توفّى لحقتُ بصاحب عمورية فأخبرتُه خبرى وخبر من أوصى بى حتى
انتهيتُ إليه فقال : أَقِمْ ، فأقمتُ عنده فوجدتُه على مثل ما كان عليه أصحابه ،
فمكثتُ عنده ما شاء الله أن أمكث وثاب لى شىء حتى اتّخذت بقرات وغُنيمةً ،
ثمّ حضرته الوفاة فقلتُ له : إلى من توصى بى ؟ فقال لى : أى بنى ، والله ما أعلم
أنه أصبح فى الأرض أحدٌ على مثل ما كنّا عليه آمُرُكَ أن تأتيه ، ولكنّه قد أَظَلّك
زمانُ نبيّ يُتْعَث بدين إبراهيم الحنيفيّة يخرج من أرض مُهاجَرِهِ وقَراره ذاتُ نخل بين
حَرّتَينِ ، فإن استطعتَ أن تَخْلُصَ إليه فاخلص وإنّ به آياتٍ لا تخفى ، إنّه لا يأكل
الصدقة وهو يأكل الهديّة وإنّ بين كتفيه خاتم النبوّة إذا رأيتَه عرفته .
قال : ومات فمَرّ بى رَكْبٌ من كَلْبٍ فسألْتُهُم عن بلادهم فأخبرونى عنها
(١) فى هامش ل: يرجح دى خويه ورود ((لا)) أو ((ولا)) قبل كلمة ((أعظم)).

٧٢
فقلت : أعطيكم بقراتى هذه وغنمى على أن تحملونى حتى تَقْدَموا بى أرضَكم ،
قالوا : نعم . فاحتملونى حتى قدموا بى وادى القرى فظلمونى فباعونى عبدًا من
رجل من يهود فرأيتُ بها النخل ، وطمعتُ أن تكون البلدة التى وُصِفَت لى
وما حَقّت (١) لى ولكنى قد طمِعْتُ حين رأيتُ النخل ، فأقمتُ عنده حتى قدم
رجل من يهود بنى قُرَيْظَةَ فابتاعنى منه ثمّ خرج بى حتى قدمتُ المدينة . فوالله
ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتُها بصفة صاحبى وأيقنتُ أنّها هى البلدة التى وُصِفَتْ لى.
فأقمتُ عنده أعمل له فى نخله فى بنى قريظة حتى بعث الله رسوله، وَلَه ،
وحَفِىَ علىّ أمره حتى قدم المدينة ونزل بقباء فى بنى عمرو بن عوف ، فوالله إنى
لفى رأس نخلة وصاحبى جالس تحتى إذ أقبل رجل من يهود من بنى عمّه حتى
وقف عليه فقال: أى فلان ، قاتل الله بنى قَتْلَةَ إنّهم آنفًا ليتقاصفون (٢) على رجلٍ
بقُباء قدم من مكّة يزعمون أنّه نبيّ .
قال فوالله إن هو إلا أن قالها فأخذَتْنى العُرَواء (٣) فرجفَتِ النخلةُ حتى ظننتُ
لأسقطنّ على صاحبى ، ثمّ نزلتُ سريعًا أقول : ماذا تقول ، ما هذا الخبر ؟ قال
فرفع سيّدى يده فلكمنى لكمةً شديدةً ثمّ قال : ما لك ولهذا ؟ أقْبِلْ على عملك .
قلتُ : لا شىءَ إنّما أردتُ أن أَسْتَثْبِتَهُ هذا الخبر الذى سمعتُه يذكر ، قال : أقْبِلْ على
شأنك . قال فأقبلتُ على عملى ولَهِيتُ منه (٤) .
فلمّا أمسيتُ جمعتُ ما كان عندى ثمّ خرجتُ حتى جئتُ إلى رسول الله ،
وَّ، وهو بقباء فدخلتُ عليه ومعه نفر من أصحابه فقلتُ: إنّه بلغنى أنّك ليس
بيدك شىء وأنّ معك أصحابًا لك ، وأنّكم أهل حاجة وغُربة وقد كان عندى شىء
وضعتُه للصدقة فلمّا ذُكر لى مكانُكم رأيتُكم أحقّ الناس به فجئتكم به ، ثمّ وضعتُه
(١) بهامش ل: قراءة دى خويه ((حُقَّت)) وتتفق رواية (ث) مع ماورد بمتن (ل) هنا. ومثله لدى
الذهبى فى سير أعلام النبلاء ج ١ ص ٥٠٩
(٢) لدى ابن الأثير فى النهاية (قصف) ومنه حديث اليهودى (( لما قدم النبى ◌َله المدينة قال:
تركت أبناء قيلة يتقاصفون على رجل يزعم أنه نبى )) أى يزدحمون .
(٣) الذهبى مفسرا ((فأخذتنى العرواء - يقول الرّعدة ... )).
(٤) بهامش ل: قراءة دى خويه ((ولهيت عنه)) وتتفق رواية (ث) مع ماورد بمتن (ل) هنا .

٧٣
له فقال رسول الله، وَلَّ: كُلوا، وأمسك هو. قال قلتُ فى نفسى: هذه والله
واحدة .
ثمّ رجعتُ وتحوّل رسول الله، وَّهِ، إلى المدينة وجمعتُ شيئًا ثمّ جئتُه
فسلّمتُ عليه وقلتُ له : إنى قد رأيتُك لا تأكل الصدقة وقد كان عندى شىء
أُحبّ أن أكرمك به من هديّة أهديتُها كرامة لك ليست بصدقة . فأكل وأكل
أصحابه . قال قلتُ فى نفسى : هذه أخرى .
قال ثمّ رجعتُ فمكثتُ ما شاء الله ثمّ أتيتُه فوجدتُه فى بَقيع الغَرقد قد تبع
جنازةً وحوله أصحابه وعليه شَمْلتانِ مؤتزرًا بواحدة مُرْتَديًا بالأخْرى . قال فسلّمتُ
عليه ثمّ عدلتُ لأنظر فى ظهره فعرف أنى أريد ذلك وأسْتَثْبِتُهُ ، قال فقال بردائه
فألقاه عن ظهره فنظرتُ إلى خاتم النبوّة كما وصف لى صاحبى . قال فأكببتُ عليه
أُقبَلُ الخاتم من ظهره وأبكى . قال فقال : تحول عنك ، فتحولتُ فجلستُ بين يديه
فحدّثتُه حديثى كما حدّثْتُك يا بن عبّاس فأعجبه ذلك ، وأحبّ أن يسمعه
أصحابه .
ثمّ أسلمتُ وشغلنى الرّقّ وما كنتُ فيه حتى فاتنى بَدْرٌ وَأُحُدٌ .
ثمّ قال لى رسول الله، وَّ: كاتب . فسألتُ صاحبى ذلك فلم أزل حتى
كاتبنى على أن أَحْيِىَ له ثلاثمائة (١) نخلة وأربعين أوقية من وَرِق . ثمّ قال رسول
الله، وَّ: أعينوا أخاكم بالنخل ، فأعاننى كلّ رجل بقدره بالثلاثين والعشرين
والخمس عشرة والعشر، ثمّ قال: يا سلمان اذهَبْ ففَقرْ (٢) لها فإذا أنتَ أردتَ أن
تضعها فلا تضعها حتى تأتينى فتُؤْذِنِنَى فأكون أنا الذى أضعها بيدى.
فقمتُ فى تفقيرى فأعاننى أصحابى حتى فَقّرنا شَرَبًا ثلاثمائة شَرَبَةٍ (٣) ، وجاء
(١) ل ((بثلاثمائة)) وبهامشها: قراءة دى خويه ((ثلاثمائة)) وآثرت قراءته اعتمادًا على رواية ث.
ورواية ابن الأثير، وفيها (( .. حتى كاتبته على أن أغرس له ثلاثمائة وَدِيّة - نخلة صغيرة - وعلى أربعين
أوقية من ذهب)) أما رواية الذهبى فى سير أعلام النبلاء (( فكاتبت صاحبى على ثلاثمائة نخلة أحييها له
بالفقير ، وبأربعين أوقية )) .
(٢) أى احفر لها موضعا تغرس فيه .
(٣) الشَّرَبَة : حوض يكون فى أصل النخلة وحولها يملأ ماء لتشربه ( النهاية ).

٧٤
كلّ رجل بما أعاننى به من النخل ، ثمّ جاء رسول الله فجعل يضعها بيده وجعل
يسوّى عليها شربها ويبرّك حتى فرغ منها رسول الله جميعًا ، فلا والذى نفس
سلمان بيده ما ماتت منه وَديّة وَبَقيَت الدراهم. فبينا رسول الله، وَّهِ، ذاتَ يوم
فى أصحابه إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابها من بعض المعادن
فتصدّق بها إليه، فقال رسول الله، وَلَه: ما فعل الفارسىّ المسكين المُكاتَبُ؟ (١)
ادعوه لى. فدُعيتُ له فجئتُ فقال: اذهب بهذه فأدّها عنك ممّا عليك من المال .
قال وقلت : وأين يقع هذا ممّا علىّ يا رسول الله ؟ قال : إنّ الله سيؤدّى عنك.
قال ابن إسحاق : فأخبرنى يزيد بن أبى حبيب أنّه كان فى هذا الحديث أنّ
رسول الله، وَّله، وضعها يومئذٍ على لسانه ثم قلبها ثمّ قال لى: اذهب فأدّها
عنك . ثمّ عاد حديثُ ابن عبّاس ويزيد أيضًا ، قال سلمان : فوالذى نفسى بيده
الوزنتُ له منها أربعين أوقيّة حتى وفّيتُه الذى له . وعَتَقَ سلمان وشهد الخندق وبقية
مشاهد رسول الله، وَلَهُ، حُرًّا مسلمًا حتى قبضه الله .
قال : أخبرنا يوسف بن البُهْلول قال : حدّثنا عبد الله بن إدريس قال : حدّثنا
محمّد بن إسحاق قال : حدّثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن رجل من عبد القيس
أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يقول : حدّثنى مَن حدّثه سلمان أنّه كان فى حديثه
حين ساقه لرسول الله ، وَلّره، أنّ صاحب عَمّوريَّةَ قال له: أرأيتَ رجلًا بكذا
وكذا من أرض الشأم بين غَيْضَتَيْنِ يخرج من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة فى كلّ
سنة ليلةً ثمّ يخرج مثلها من العام القابل ليلةً من السنة معلومةً فيتعرّضه الناسُ يداوى
الأسقام يدعو لهم فيُشْفَوْنَ ، فَأَتِ فَسَلْه عن هذا الذى تلتمس . قال فجئتُ حتى
أقمتُ مع الناس بين تلك الغيضتين .
فلمّا كان الليلة التى يخرج فيها من الغيضة إلى الغيضة التى يدخل ، خرج
وغلبونى عليه حتى دخل الغيضة الأخرى ، وتوارى منى إلا منكبه ، فتناولتُه
فأخذتُ بمنكبه فلم يلتفت إلىّ وقال : ما لك ؟ قلتُ : أسألك عن دين إبراهيم
(١) فى متن ل ((المكاتِب)) وبهامشها اقرأ مع جولد تسيهر ((مكاتب)) وقد وردت الكلمة فى ث
دون ضبط . وضبطت فى سير أعلام النبلاء ضبط قلم فى الموضع المماثل بالفتحة .

٧٥
الحنيفيّة ، قال : إنّك تسأل عن شىء ما يسأل عنه الناس اليومَ ، قد أظلّك نبىّ
يخرج من عند هذا البيت يأتى بهذا الدين الذى تسأل عنه فالحْقْ به ، ثمّ انصرفتُ .
قال فقال رسول الله، وَلّ، حين حدّثته بهذا الحديث: لئن كنتَ صدقتَنى
يا سلمان لقد لقيتَ عيسى بن مريم .
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : حدّثنا حمّاد بن سلمة قال : أخبرنا علىّ بن
زيد عن أبى عثمان التّهْدىّ عن سلمان قال : كاتبتُ أهلى على أن أغرس لهم
خمسمائة فَسيلةٍ فإِذا عَلِقَتْ فأنا حُرّ، فذكرتُ ذلك للنبيّ، وَلّ، فقال: إذا
أردتَ أن تغرس فاذِنّى. قال فآذنتُه فغرس رسول الله، وَلّ، بيده إلا واحدة
غرستُها بيدى فعلِقْنَ جُمَعَ إلا الواحدةَ التى غرستُ .
قال : أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى
قرّة الكِنْدىّ عن سلمان الفارسىّ قال : كنتُ من أبناء أساورة فارسَ وكنتُ فى
كُتّابٍ ، وكان معى غُلامان ، فكانا إذا رجعا من عند معلّمهما أتيا قَشّا فدخلا عليه
فدخلتُ معهما فقال لهما : ألم أَنْهَكما أن تأتيانى بأحد ؟ قال فجعلتُ أختلف إليه
حتى كنتُ أحبّ إليه منهما فقال لى : إذا سألك أهلُك ما حبسك ؟ فقُل معلّمى ،
وإذا سألك معلّمك ما حبسك ؟ فقُلْ أهلى. ثمّ إنّه أراد أن يتحوّل فقلت : أنا
أتحوّل معك، فتحوّلتُ معه فنزل قريةً فكانت امرأةٌ تأتيه ، فلمّا حُضِرَ قال :
يا سلمان احفر عند رأسى ، فحفرتُ فاستخرجتُ جَرّةً من دراهم فقال لى : صُبّها
على صدرى ، فصيبتُها على صدره ، ثمّ إنّه مات فهممتُ بالدراهم أن أخْويَها
أو أحوّلهَا شكّ عبيد الله ، ثمّ إنى ذكرتُ فتركتها ثمّ آذنتُ القِسيّسين والرهبان به
فحضروه فقلت : إنّه قد ترك مالاً . فقام شبابٌ فى القرية فقالوا : هذا مال أبينا
كانت سرّيَّتُه تأتيه .
فأخذوه فقلتُ للرهبان : أخبرونى برجلٍ عالم أتْبَعْه ، فقالوا : ما نعلم اليوم فى
الأرض رجلًا أعلم من رجلٍ بحمْصَ . فانطلقتُ إليه فَلقيتُه فقصصتُ عليه القصّة
فقال : وما جاء بك إلا طلب العلم ، قال فإِنّى لا أعلم اليوم فى الأرض أحدًا أعلم
من رجلٍ يأتى بيتَ المقدس كلّ سنة وإن انطلقتَ الآن وافقتَ حمارَه .

٧٦
قال فانطلقتُ فإذا بحماره على باب بيت المقدس فجلستُ عنده حتى خرج
فقصصتُ عليه القصّة فقال : وما جاء بك إلا طلب العلم ؟ قلتُ : نعم ، قال :
اجلس . فانطلق فلم أره حتى حال الحول فجاء فقلتُ : يا عبد الله ما صنعتَ بى ؟
قال : وإنّك ها هنا ؟ قلتُ : نعم ، قال: فإنى والله ما أعلم اليوم فى الأرض رجلاً
أعلم من رجلٍ خرج بأرض تَيْماء ، وإن تنطلق الآن توافقه ، فيه ثلاث آيات : يأكل
الهديّة ، ولا يأكل الصدقة ، وعند غُضْرُوف كتفه اليُمْنى خاتم النبوّة مثل بيضة
الحمامة لونها لون جلده .
قال فانطلقتُ ترفعنى أرضٌ وتَخْفِضُنى أُخرى حتى مررتُ على قوم من
الأعراب فاستعبدونى فباعونى فاشترتْنى امرأة بالمدينة . فسمعتُهم يذكرون النبىّ ،
وَّ، وكان العيشُ عزيزًا فقلتُ لها: هَبى لى يومًا، فقالت: نعم فانطلقتُ
فاحتطبتُ حطبًا فِعْتُه فأتيتُ به النبيّ، وَلَه، وكان يسيرًا، فوضعتُه بين يديه
فقال : ما هذا؟ فقلتُ : صدقةٌ ، فقال لأصحابه : كُلوا ، ولم يأكل . قلتُ هذه
من علامته . فمكثتُ ما شاء الله أن أمكث ثمّ قلتُ لمولاتى : هبى لى يومًا :
قالت : نعم . فانطلقتُ فاحتطبتُ حطبًا فِعْتُه بأكثر من ذلك وصنعتُ طعامًا فأتيتُ
به النبىّ وهو جالس بين أصحابه فوضعتُه بين يديه فقال : ما هذا ؟ قلتُ : هديّة .
فوضع يده وقال لأصحابه : خذوا بسم الله . فقمتُ خلفه فوضع رداءه فإذا خاتم
النبوّة فقلتُ : أشهد أنّك رسول الله ، قال : وما ذاك ؟ فحدّثتُه عن الرجل ثمّ
قلتُ : أَيَدْخُلُ الجنّة يا رسول الله ؟ فإنّه حدّثنى أنّك نبىّ . قال: لن يدخل الجنّة إلا
نفس مُسْلِمَةٌ (٥) .
قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ عن يونس عن الحسن قال : قال
رسول الله ، وَّ، سلمان سابِقُ فارِسَ.
قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبى فُديك قال : حدّثنى كثير بن عبد الله
المُزنى عن أبيه عن جدّه أنّ رسول الله، وبَّ، خطّ الخندق من أَجُم الشّيْخَينِ
طرف بنى حارثة عامَ ذُكرَتِ الأحزاب خِطّةً من المَذار فقطع لكلّ عشرةٍ أربعين
ذراعًا فاحتجّ المهاجرون والأنصار فى سلمان الفارسى ، وكان رجلًا قويًّا ، فقال

٧٧
المهاجرون : سلمان منّا ، وقالت الأنصار: لا بل منّا، فقال رسول الله، وَلَّهِ:
سلمان منّا أهلّ البيت (١) .
قال عمرو بن عوف : فدخلتُ أنا وسلمان وحُذيفة بن اليمان ونعمان بن
مُقَرّن المُزنى وستّة من الأنصار تحت أصل ذُباب فضربنا حتى بَلَغنا النّدى (٢) فأخرج
الله صخرة بيضاء مَرْوَةً من بطن الخندق فكسَرَتْ حديدَنا وشقّت علينا فقلتُ
لسلمان: ارْقَ إلى رسول الله، وَّله، وهو ضارب عليه قُتّة تُوْكيّة، فرقى إليه
سلمان فقال : يا رسول الله صخرة بيضاء خرجت من بطن الخندق فكسرَتْ
حديدَنا وشقّتْ علينا فإمّا أن نَعْدِلَ عنها والمَعَدِلُ قريب أو تأمرنا فيها بأمرك فإنّا
لا نحبّ أن نجاوز خطّك ، فقال : أرِنى مِعْوَلَك يا سلمان. فقبض معوله ثمّ هبط
علينا فكنّا على شقّة الخندق فنزل رسول الله، وَلَه، فَتَنَخَّى (٣) فضرب ضربة
صدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها ، فكتّر رسول الله، وَّةٍ، تكبير فتح ،
فكبّرنا . ثمّ ضرب الثانية فبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها حتى كأن مصباحًا فى
جوف بيتٍ مُظْلِم، فكبر رسول الله، وَ له، تكبير فتح فكتّرنا، ثمّ ضرب الثالثة
فكسّرها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها فكتّر تكبير فتحٍ فكتّرنا .
ثمّ رقى حتى إذا كان فى مَقْعَد سلمان قال سلمان : يا رسول الله لقد رأيتُ
شيئًا ما رأيتُ مثله قطّ . فالتفتَ إلى القوم فقال : هل رأيتم ؟ قالوا : نعم ، بأبينا
أنت وأمّنا يا رسول الله ، رأيناك تضرب فخرج برق كالموج فتكبر فنكبر لا نرى
ضياءً غير ذلك . قال : صدقتم ، ضربتُ ضربتى الأولى فبرق الذى رأيتم فأضاءٍ لى
منها قصور الخيرة ومدائن كسرى كأنّها أنياب الكلاب وأخبرنى جبرائيل أنّ أُمتى
ظاهرة عليها ، ثمّ ضربتُ ضربثى الثانية فبرق الذى رأيتم أضاء لى معها قصور
الحمر من أرض الروم كأنّها أنياب الكلاب ، وأخبرنى جبرائيل أنّ أُمّتى ظاهرة
عليها ، ثمّ ضربتُ الثالثة فبرق الذى رأيتم أضاء لى معها قصور صَنْعاء كأنّها أنياب
(١) سير أعلام النبلاء ج ١ ص ٥٣٩
(٢) ث ((النُّدِىَّ)).
(٣) فى متن ل ((فتحا)) وبهامشها: لعلها حاشية ولا صلة لها بالمتن. والمثبت رواية ث.

٧٨
الكلاب وأخبرنى جبرائيل أنّ أمّتى ظاهرة عليها يبلغهم النصرُ فأبشروا ، يُرَدّدُها
ثلاثًا فاستبشر المسلمون وقالوا: موعودُ صادقٍ بارِّ وعدنا (١) النّصْرَ بعد الحَضْرِ
والفتوح، فتراءوا (٢) الأحزاب، فقال الله: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ
هَذَا مَا وَعَدَنَا اُللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا
٢٢
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [ سورة الأحزاب: ٢٢، ٢٣] إلى
آخر الآية .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى سفيان بن عيينة عن أيّوب عن ابن
سيرين أنّ النبيّ، وَلَّ، آخى بين سلمان الفارسيّ وأبى الدّزْداء، وكذلك قال
محمد بن إسحاق .
قال : أخبرنا أبو عامر العَقَدىّ قال : أخبرنا شُعبة عن سليمان بن المغيرة عن
محُميد بن هلال قال : أوخى بين سلمان وأبى الدرداء فسكن أبو الدرداء الشأم
وسكن سلمان الكوفة .
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول
عن أنس قال: لمّا قَدِمَ رسول الله، وَّر، المدينة آخى بين سلمان ومحذيفة.
قال : أخبرنا محمد بن عمر قال : حدّثنى موسى بن محمّد بن إبراهيم بن
الحارث عن أبيه قال : وأخبرنا محمد بن عمر قال : أخبرنا محمد بن عبد الله
الزّهْرىّ أنّهما كانا يُنْكِران كلّ مُؤاخاة كانت بعد بدر ويقولان : قَطَعَتْ بَدر
المواريثَ ، وسلمان يومئذٍ فى رقّ ، وإنّما عَتَقَ بعد ذلك. وأوّل غزاة غزاها الخندق
سنة خمسٍ من الهجرة .
قال : أخبرنا عبد الله بن ثُمير قال : حدّثنا الأعمش عن أبى صالح قال : نزل
سلمان على أبى الدرداء ، وكان أبو الدرداء إذا أراد أن يصلّى منعه سلمان وإذا أراد
أن يصومَ منعه ، فقال : أتمنعنى أن أصوم لرتى وأصلّى لرتّى ؟ قال : إنّ لعينك
عليك حقًّا وإنّ لأهلك عليك حقًّا فصُمْ وأفْطِرْ وصَلّ ونَمْ . فبلغ ذلك رسولَ الله ،
وٍَّ ، فقال: لقد أُشْبِعَ سلمانُ عِلْمًا .
(١) ث ((موعودٌ صادقٌ بأن وعدنا ... )).
(٢) بهامش ل: قراءة دى خويه ((فتراءت)).

٧٩
قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال : أخبرنا ابن عون عن محمد بن
سيرين قال : دخل سلمان على أبى الدرداء فى يوم جمعةٍ فقيل له هو نائم ، قال :
فقال ما له ؟ قالوا : إنّه إذا كان ليلة الجمعة أحياها ويصوم يوم الجمعة ، قال : فأمرهم
فصنعوا طعامًا فی يوم جمعة ثمّ أتاهم فقال : گُلْ ، قال : إنّی صائم . فلم يزل به حتى
أكل، ثمّ أتيا النبىّ، وَلَه، فذكرا له ذلك فقال النبىّ، وَّ: عُوَّيْرُ! سلمان أَعْلَمُ
منك ، وهو يضرب على فخذ أبى الدّرداء، عويمر سلمان أعلم منك ، ثلاث مرّات ،
لا تَخُصّ ليلةَ الجمعة بقيام بين الليالى ولا تخصّ يوم الجمعة بصيام بين الأيّام (١).
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم قال : أخبرنا أبو عَوانة قال : حدّثنا قَتَادَة أنّ
سلمان أتى أبا الدرداء فشكَتْ إليه أم الدرداء أنّه يقوم الليل ويصوم النهار ، فبات
عنده فلما أراد القيام حبسه حتى نام ، فلمّا أصبح صنع له طعامًا فلم يزل به حتى
أفطر، فأتى أبو الدّرداء النبيّ، وَّر، فقال النبىّ: عُويمر سلمان أعلم منك،
لا تُحَقْحِقْ (٢) فتُقْطَعَ ولا تَحْبِسْ فَتُشْبَقَ ، اقْصِدْ تُبْلِغْ سَيْرَ الرِكابات تَطَّأ فيها البَرْدَيْنِ
والخَفْقَتَينِ من الليل .
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدىّ قال : حدّثنا مِسْعَر عن عمرو بنِ مُرّة عن
أبى البَخْتَرىّ قال : سُئل علىّ عن سلمان فقال: أوتىَ العلمَ الأوّلَ والعلم الآخر ،
لا يُدرَكُ ما عنده .
قال : أخبرنا حجّاج بن محمّد عن ابن جريج عن زاذان قال : سئل علىّ عن
سلمان الفارسىّ فقال : ذاك امرؤ منّا وإلينا أهل البيت ، مَنْ لكم بمثل لقمان
الحكيم، عَلِمَ العلمَ الأوّل والعلم الآخر وقرأ الكتاب الأوّل وقرأ الكتاب الآخر
وكان بحرًا لا يُْزَفُ .
قال : أخبرنا حمّاد بن عمرو النصيبينى قال : حدّثنا زيد بن رُفيع عن معبد
الجُهَنى عن يزيد بن عَمِيرَة السّكْسَكيّ وكان تلميذًا لمعاذٍ أنّ مُعاذًا أمره أن يطلب
العلم من أربعةٍ أحدهم سلمان الفارسى .
(١) سير أعلام النبلاء ج ١ ص ٥٤٣
(٢) الحقّحَقَة : إشارة إلى الرفق فى العبادة ( النهاية ).
أ

٨٠
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن الأعمش عن شِعْرٍ (١) بن عَطيّة عن رجل من بنى
عامر عن خالٍ له أنّ سلمان لمّا قَدِمَ على عمر قال للناس : اخرجوا بنا نَتَلَقّ سلمانَ .
قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن إسماعيل بن سُمَيْع
عن عمّار الدّهْنى عن سالم بن أبى الجعد أنّ عمر جعل عطاء سلمان ستّة آلاف .
قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن إسماعيل بن سُمَيْع
عن مالك بن عُمير قال : كان عطاء سلمان الفارسيّ أربعة آلاف .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسرائيل عن إسماعيل بن سُميع عن
مسلم البَطين قال : كان عطاء سلمان أربعة آلاف .
قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّ عن مسلم البطين قال : كان عطاء
سلمان أربعة آلاف .
قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّ قال : حدّثنا أبو المليح عن ميمون قال :
كان عطاء سلمان الفارسىّ أربعة آلاف وعطاء عبد الله بن عمر ثلاثة آلاف
وخمسمائة ، فقلت : ما شأن هذا الفارسىّ فى أربعة آلاف وابن أمير المؤمنين فى
ثلاثة آلاف وخمسمائة؟ قالوا: إنّ سلمان شهد مع رسول الله، وَلَّه، مشهدًا لم
یشهده ابن عمر .
قال : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الجوّمىّ قال : حدّثنا جعفر بن
سليمان قال : حدّثنا هشام بن حسّان عن الحسن قال : كان عطاء سلمان خمسة
آلاف وكان على ثلاثين ألفًا من الناس يخطب فى عباءة يفترش نِصْفَها ويلبس
نصفها ، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سَفِيف يديه (٢) .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا يزيد بن مَرْدَانُبَة عن خليفة بن
سعيد المُرادىّ عن عمّه قال : رأيتُ سلمان الفارسيّ بالمدائن فى بعض طرقها يمشى
فرحمَتْه حِمْلةٌ من قصب فأوجعَتْه فتأخّر إلى صاحبها الذى يسوقها فأخذ بعضده
فحرّكه ثمّ قال : لا مِتّ حتى تُدْرِكَ إمارةَ الشباب (٣).
(١) بكسر أوله وسكون الميم ، قيده صاحب التقريب .
(٢) مختصر تاريخ دمشق لابن منظورج ١٠ ص ٤٩ والسفيف : من سف الخوص أى نسجه .
(٣) مختصر تاریخ دمشق ج ١٠ ص ٤٨