Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
بين المهاجرين والأنصار ، فلم تكن مؤاخاةٌ إلا قبل بدر ، آخى بينهم على الحقّ
والمؤاساة، فآخى رسول الله، وَله، بينه وبين على بن أبى طالب.
قال : أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن أبى فُديك عن عبد الله بن محمّد بن
عمر بن علىّ عن أبيه أن النّبيّ، وَّل، حين آخى بين أصحابه وضع يده على
منكب علىّ ثم قال: أنت أخى تَرِثُنى وأرِتُكَ: فلما نزلت آية الميراث قَطعت ذاك.
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن
أبيه، قال محمّد بن عمر: وأخبرنا عبد الله بن جعفر عن ابن أبى عون (١) وسعد
ابن إبراهيم، قال محمّد بن عمر: وأخبرنا محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن
قتادة قالوا: آخى رسول الله، وَّل، بين على بن أبى طالب وسهل بن حُنيف.
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه
قال : كان علىّ بن أبى طالب يوم بدر مُعْلِمًا بصوفة بيضاء .
قال : أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال : أخبرنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة
أن على بن أبى طالب كان صاحب لواء رسول الله، وَّل، يوم بدر وفى كلّ
مَشْهَد .
ذكر قول رسول الله، وَّه، لعلىّ بن أبى طالب:
أما تَرْضى أن تكونَ متّى بمنزلة هارون
من موسى إلا أنَّه لا نبيّ بعدى ؟
قال قال محمّد بن عمر: وكان علىّ ممّن ثَبَتَ مع رسول الله، وَخَلَه، يوم
أُحُدٍ حين انهزم النّاس، وبايعه على الموت، وبعثه رسول الله، وَلَه ، سريّة إلى
بنى سعد بفَدَك فى مائة رجل ، وكان معه إحدى رايات المهاجرين الثلاث يومَ فتْح
مكّة، وبعثه سريّة إلى الفُلُس (٢) إِلى طَيِّىء، وبعثه إلى اليمن ولم يتخلّف عن
رسول الله، ◌َّله، فى غزوة غزاها إلا غزوة تبوك خَلّفه فى أهله .
(١) ابن أبى عون: تحرف فى طبعة إحسان وعطا والتحرير إلى ((ابن عون)).
(٢) كذا فى (ل) وبهامشها: الصحيح لدى الشيخ محمد عبده ((الفَلْس)). وورد لدى ياقوت
((الفُلس)) بضم أوله، ويجوز أن يكون جمع ((فَلْس)) فهو علم مرتجل لاسم صنم ، هكذا =

٢٢
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا فُضَيْل (١) بن مرزوق عن عطيّة،
حدّثنى أبو سعيد قال: غزا رسول الله، وَلَه، غزوة تبوك وخلّف عليًّا فى أهله،
فقال بعضُ النّاس: ما منعه أن يخرج به إلا أنّه كَرِهَ صُحْبتَه ، فبلغ ذلك عليًّا فذكره
للنّبيّ، وَلَّ، فقال: أيا ابن أبى طالب أما ترضى أن تنزل منّى بمنزلة هارون من
موسى ؟
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا فِطْر بن خليفة عن عبد الله بن
شريك قال : سمعتُ عبد الله بن رُقيم الكنانيّ قال : قدمنا المدينة فلقينا سعد بن
مالك فقال: خرج رسول الله، وَليه، إلى تبوك وخلّف عليًّا، فقال له: يا رسول
الله خرجتَ وخلّفْتَنى؟ فقال : أما ترضى أن تكون منّى بمنزلة هارون من موسى إلاّ
أنّه لا نبيّ بعدى ؟
قال : أخبرنا عفّان بن مسلم عن حماد بن سلمة قال : أخبرنا علىّ بن زيد عن
سعيد بن المسيّب قال : قلت لسعد بن مالك إنى أريد أن أسألك عن حديث وأنا
أهابُك أن أسألك عنه ، قال : لا تفعل يابن أخى ، إذا علمتَ أنّ عندى علمًا
فسَلْنى عنْه ولا تَهَبْنى، فقلت قول رسول الله، فَلَه، لعلىّ حين خلّفه بالمدينة فى
غزوة تبوك ، قال قال : أتخلّفنى فى الخالفة فى النساء والصبيان ؟ فقال: أما ترضى
أن تكون منّى بمنزلة هارون من موسى؟ فأُدْبَرَ علىّ مسرعًا كأنى أَنْظُرُ إلى غُبار
قدمَيْه يَسْطَعُ ، وقد قال حمّاد : فرجع علىّ مسرعًا .
قال : وأخبرنا رَوْح بن عُبادة قال : أخبرنا عون عن ميمون عن البراء بن عازب
وزيد بن أرقم قالا: لما كان عند غزوة جَيْش العُشْرة وهى تبوك قال رسول الله ،
= وجدناه مضبوطا فى الجمهرة عن ابن الكلبى. ووجدنا فى كتاب الأصنام ((فَلْس)) بفتح الفاء
وسكون اللام .
هذا وقد ضبط فى ت ، ث ضبط قلم بضم أوله .
وقيده صاحب المراصد بضم أوله وثانيه ، ثم قال : وضبطه بعضهم بالفتح وسكون اللام . وفى .
القاموس : الفلس : بكسر الفاء صنم لطيئ .
وقال الصالحى فى سبل الهدى ج ٦ ص ٣٣٥ : وضبطه بعضهم بضم أوله وسكون ثانيه . وجزم
به ابن سيد الناس فى عيون الأثر .
(١) فُضَيل: تحرف فى طبعة إحسان وعطا والتحرير إلى ((فضل)).

٢٣
وَّه ، لعلىّ بن أبى طالب إنّه لابدّ من أن أقيم أو تقيم، فخلّفه، فلمّا فصل رسول
الله، وَلّ، غازيًا قال ناس: ما خلّف عليًّا إلا لشىءٍ كرهَهُ منه. فبلغ ذلك عليًّا
فاتّبع رسول الله، وَّه، حتى انتهى إليه ، فقال له : ما جاء بك يا علىّ ؟ قال:
لا يا رسول الله إلا أنى سمعتُ ناسًا يزعمون أنّك إنّما خَلّفتَنى لشىء كرِهتَّهُ منّى ،
فتضاحك رسول الله، وَّله، وقال: يا علىّ أما ترضى أن تكون متّى كهارون من
موسى غيرَ أنّك لستَ بنبيّ ؟ قال : بلى يا رسول الله . قال : فإنّه كذلك .
أخبرنا روح بن عُبادة قال : أخبرنا بسطام بن مسلم عن مالك بن دينار قال :
قلتُ لسعيد بن جبير: مَنْ كان صاحب راية رسول الله، وَلّ؟ قال: إنّك لرِخْوُ
اللََّب . فقال لى معبد الجُهَنى : أنا أُخبرك ، كان يحملها فى المسير ابن ميسرة
العبسىّ فإذا كان القتال أخذها علىّ بن أبى طالب ، رضى الله عنه .
ذكر صفة علىّ بن أبى طالب ، عليه السلام
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا إسماعيل بن أبى خالد عن الشّعبى
قال: رأيتُ عليًّا وكان عريض اللحية وقد أخذت ما بين منكبيه ، أصلع على رأسه
زُغَيْبَات .
أخبرنا الفضل بن ذُكين قال : أخبرنا يونس بن أبى إسحاق عن أبيه أبى
إسحاق قال : رأيت عليًّا فقال لى أبى قم يا عمرو فانْظُرْ إلى أمير المؤمنين ، فقُمتُ
إليه فلم أرَه يَخْضِبُ لحيته، ضَخْم اللّحية .
قال : أخبرنا مؤمَّل بن إسماعيل وقبيصة بن عقبة قالا : أخبرنا سفيان عن أبى
إسحاق قال : رأيت عليًا أبيض الرأس واللّحية.
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا شريك عن أبى إسحاق قال :
رأيت عليًّا أصلع أبيض اللّحية، رَفَعَنى أبى.
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا شريك عن جابر عن عامر قال :
كان علىّ يَطْرُدُنا من الرّحْبَة ونحن صبيان ، أبيض الرأس واللّحية.

٢٤
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا زهير عن أبى إسحاق أنّه صلّى مع
علىّ الجمعة حين مالت الشمس، قال فرأيته أبيض اللّحية أجْلَعَ (١).
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا الثورىّ وإسرائيل وشيبان وقيس عن
أبى إسحاق قال : رأيت عليًّا أبيض الرأس واللّحية.
أخبرنا شهاب بن عبّاد العبدىّ قال : أخبرنا إبراهيم بن حميد عن إسماعيل عن
عامر قال : ما رأيتُ رجلًا قطّ أعرضَ لحيةً من علىّ ، قد ملأت ما بين منكبيه، بيضاء.
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين وعقّان بن مُسلم وسليمان بن حرب قالوا : أخبرنا
أبو هلال قال : حدّثنى سَوادة بن حنظلة القُشيرىّ قال: رأيت عليًّا أصفر اللّحية.
قال : أخبرنا عبد الله بن ثُمير وأسباط بن محمّد عن إسماعيل بن سلمان الأزرق
عن أبى عمر البزّاز عن محمّد بن الحنفيّة قال: خضب علىّ بالحنّاء مرّة ثمّ تركه .
قال : أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال : أخبرنا أبى قال : سمعت أبا رجاء
قال : رأيت عليًّا أصلع ، كثير الشعر ، كأنما اجتاب إهاب شاة.
قال : أخبرنا عقّان بن مسلم قال : أخبرنا أبو عَوانة عن مغيرة عن قُدامة بن
عتّاب قال : كان علىّ ضخم البطن ، ضخم مُشاشة المنكب ، ضخم عضلة
الذّراع، دقيقَ مُسْتَدَقْها ، ضخم عضلة الساق ، دقيقَ مستدَقّها ، قال رأيته يخطب
فى يوم من أيّام الشتاء، عليه قميصٌ قِهْزَ(٢) وإزاران قِطْرِيّان (٣)، معتمًّا بسِبّ (٤)
كتّان مَّا يُنْسَجُ فى سوادكم .
(١) الأجلح : الذى انحسر الشعر عن جانبى رأسه ..
(٢) بهامش ث : القهز - بالكسر - ثياب مرعزى يخالطها القز .
(٣) هكذا قرأها سخاو - بكسر القاف وسكون الطاء - وبهامش ل : الصحيح لدى الشيخ
محمد عبده ((قَطْرِيان)) ثم ذكر سخاو أن قراءته إنما هى بالاعتماد على ماورد فى تاج العروس . هذا
وتتفق قراءة سخاو مع رواية ت ، ث ، وقد ضبطت الكلمة ضبط قلم فى ث - بكسر القاف وسكون
الطاء - وفوقها كلمه ( صح) .
وجاء بهامش ث ((صوابه - والله أعلم - قَطَرِيان - بفتح القاف والطاء - تثنية قَطَرِى، نسبة إلى قَطَر .
قال البكرى : قَطَر - بفتح أوله وثانيه بعده راء مهملة - موضع بين البحرين وعمان .
وأما القِطْرِيّة فقال الجوهرى : القِطْر : ضرب من البرود يقال لها القِطْرِية)).
ولدى ابن الأثير في النهاية (قطر) فيه (( أنه عليه السلام كان متوشحا بثوب قِطْرى)) هو ضرب من
البرود فيه حمرة ، ولها أعلام فيها بعض الخشونة . وقال الأزهرى : فى أعراض البحرين قرية يقال لها
قَطَر ، وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها فكسروا القاف للنسبة وخففوا .
(٤) فى هامش ث: السّبُّ: العمامة وكذا الخمار أيضا . قاله الجوهرى.

٢٥
قالَ : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا رِزام بن سعد الضبّى قال: سمعتُ
أَبِى يَنْعَثُ عليًّا قال كان رجلًا فوق الرّبْعَة، ضَخْم المنكبين، طويل اللّحية، وإن
شئت قلت إذا نظرت إليه هو آدَمُ ، وإن تبيّنته من قريب قلت أن يكونَ أَسْمَرَ أَدْنى
من أن يكون آدم .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن
إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة قال : سألت أبا جعفر محمّد بن علىّ قلت :
ما كانت صفة علىّ ؟ قال : رجل آدَمُ شديدُ الأدمة ، ثقيلُ العينين ، عظيمُهما ،
ذو بطن ، أصلع ، إلى القِصَر أقرب .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم قال : أخبرنا همّام بن يحتِى عن محمّد بن
جُحادة قال : حدّثنى أبو سعيد بيّاع الكرابيس : أنّ عليًّا كان يأتى السوق فى الأيّام
فيسلّم عليهم ، فإذا رأوه قالوا بوذا شكنب أمذ ، قيل له إنّهم يقولون إنّك ضخم
البطن ، فقال : إنّ أعلاهُ عِلمٌ وأسفله طعامٌ .
قال : أخبرنا مُبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال :
رأيت عليًّا ورأسه ولحيته بيضاء (١) كأنّهما قطن .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا سلمة بن رَجاءِ التّميمى عن مُدْرِك
أبى الحجّاج قال : رأيت فى عينى علىّ أثر الكحل .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا هشام بن حسّان قال : أخبرنا
أبو الوَضِىء (٢) القيسيّ قال: ربّما رأيت عليًّا يخطبنا وعليه إزارٌ ورداءٌ مرتديًا به،
غير ملتحف ، وعمامة ، فينظر إلى شَعْر صدره وبطنه .
*
ذكر لباس علىّ ، عليه السلام
قال : أخبرنا وكيع عن أبى مكين عن خالد أبى أُميّة قال : رأيت عليًّا وقد لحق
إزاره بركبتيه .
قال : أخبرنا يعلى بن عُبيد وعبد الله بن ثُمير عن الأجلح عن عبد الله بن أبى
(١) بيضاء: تحرفت فى طبعه إحسان وعطا والتحرير إلى ((بيضاوان)).
(٢) أبو الوَضِىء: تحرف فى الطبعات السابقة إلى ((أبو الرّضى)).

٢٦
الهذيل قال : رأيت عليًا عليه قميص رازىّ إذا مدّ كُمّه بلغ الظُّفْر فإذا أرخاه ، قال
يعلى ، بلغ نصف ساعده ، وقال عبد الله بن ◌ُمير : بلغ نصفَ الذراع .
قال : أخبرنا وكيع بن الجراح عن علىّ بن صالح عن عطاء أبى محمّد قال :
رأيت على علىّ قميصًا من هذه الكرابيس غيرَ غسيل .
قال : أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثىّ قال : حدّثى محمّد بن أبى
يحتّى عن أبى العلاء مولى الأسلميتّين قال: رأيت عليًا يأتزر فوق السُّرّة.
قال : أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن عمرو بن قيس أنّ عليًّا رُئى عليه
إزارٌ مرفوعٌ فقيل له فقال يُخَشِّعُ القلبَ ويَقتدى به المؤمن .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : حدّثنا الحرّ بن جرموز عن أبيه قال : رأيتُ
عليًّا وهو يخرج من القصر وعليه قِطْرِيّان إزارٌ إلى نصف الساق ورداءٌ مُشَمَّرٌ قريب
منه ومعه دِرّةٌ له يمشى بها فى الأسواق ويأمرهم بتقوى الله وحسن البيع ويقول
أَوْفوا الكَيْلَ والميزان ، ويقول لا تَنْفُخوا اللّحم .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا سعيد بن مُبيد عن علىّ بن ربيعة
أنّه رأى على علىّ بُرْدَيْن قِطْرتِّين .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا حميد بن عبد الله الأصمّ قال :
سمعتُ فرّوخَ مولى لبنى الأشتر قال رأيت عليًّا فى بنى ديوار وأنا غلام فقال:
أتعرفنى؟ فقلت : نعم أنت أمير المؤمنين ، ثمّ أتى آخر فقال : أتعرفنى ؟ فقال : لا ،
فاشترى منه قميصًا زائيًا فلبسه فمدّ كُمّ القميص فإذا هو مع أصابعه فقال له :
كُفّه، فلمّا كفّه قال : الحمد لله الّذى كسا علىّ بن أبى طالب.
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا أيوب بن دينار أبو سليمان المُكْتِب
قال : حدّثنى والدى أنّه رأى عليًّا يمشى فى السوق وعليه إزارٌ إلى نصف ساقيه
وبردة على ظهره ، قال: ورأيت عليه بردين نجرانتين (١) .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا عبد الجبّار بن المغيرة الأزدىّ
(١) الثياب النجرانية : هى منسوبة إلى نجران ، وهو موضع معروف بين الحجاز والشام
واليمن .

٢٧
حدّثتنى أمّ كثيرة : أنها رأتْ عليًّا ومعه مِخْفَقَةٌ وعليه رداءٌ سُنْتُلانى (١) وقميصٌ
كرابيسُ وإزار كرابيس إلى نصف ساقيه الإزار والقميصُ .
قال : أخبرنا خالد بن مَحْلَد قال : أخبرنا سليمان بن بلال قال : حدّثنی جعفر
ابن محمّد عن أبيه قال : كان علىّ بن أبى طالب يطوف فى السّوق بيده درّة فأتى
بقميص له سُنْبُلانىّ فلبسه فخرج كمّاه على يديه فأمر بهما فقُطعا حتّى استويا بيديه
ثمّ أخذ درّته فذهب يطوف .
قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى أويس عن سليمان بن بلال عن جعفر
ابن محمّد عن أبيه قال : ابتاع علىّ قميصًا سنبلانيًّا بأربعة دراهم فجاء الخيّاط فمدّ
كُمّ القميص فأمره أن يقطعه ممّا خلف أصابعه .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا زهير بن معاوية عن جابر عن هرمز
قال : رأيت عليًّا متعصّبًا بعصابة سوداء ما أدرى أىّ طَرَفَيْها أطول الّذى قدّامه
أو الّذى خلفه ، يعنى عِمامة .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا شريك عن جابر عن مولى
◌ُجُعُفىّ(٢) يقال له هرمز قال: رأيت عليًّا عليه عمامة سوداء قد أرخاها من بين يديه
ومن خلفه .
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن أبى العنبس عمرو بن مروان عن أبيه قال :
رأيتُ على علىّ عمامة سوداءَ قد أرخاها من خلفه .
أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن الأعمش عن ثابت بن عُبيد عن أبى جعفر
الأنصارىّ قال : رأيت على علىّ عمامة سوداء يومَ قتل عثمان ، قال ورأيته جالسًا
فى ظُلّة النساء وسمعتُه يومئذ يقول: (٣) تَبًّا لكم سائر الدّهْر!
٠٫٠
(١) لدى صاحب القاموس ( س ن ب ل ) قميص سنبلانى - بالضم - سابغ الطول ،
أو منسوب إلى بلد بالروم .
(٢) بجعْفىّ: تحرف فى ل، والطبعات التى تلتها إلى ((جعفر)) وصوابه من: ت ، ث وانظر
لذلك أيضا : أسد الغابة ج ١ ص ٣٤٤
(٣) فى الأصول ((وسمعته يومئذ يقول يوم قتل عثمان)).

٢٨
قال : أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال : أخبرنا علىّ بن صالح عن عطاء أبى
محمّد قال : رأيت عليًّا خرج من الباب الصغير فصلّى ركعتين حين ارتفعت
الشمس وعليه قميصٌ كرابيس كسكرىّ فوق الكعبين وكمّاه إلى الأصابع وأصل
الأصابع غير مغسول .
*
ذكر قلنسوة علىّ بن أبى طالب ، عليه السلام ،
وخاتمه وتختّمه له وما كان نقشه
قال : أخبرنا عبد الله بن محمّد بن أبى شيبة قال : حدّثنا عبد السّلام بن
حرب عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن
ابن عبّاس عن علىّ قال: قال لى رسول الله، وَلّره، إذا كان إزارك واسعًا فَتَوَشِّعْ
به ، وإذا كان ضيّقًا فأتَزِرْ به.
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا حسن بن صالح عن أبى حيّان
قال: كانت قلنسوةُ علىّ لطيفة .
قال : أخبرنا محمّد بن ربيعة الكلابى عن كيسان بن أبى عمر عن يزيد بن
الحارث بن بلال الفزارىّ قال: رأيت على علىّ قلنسوة بيضاءً مُضَرَّبَة (١) ..
قال : أخبرنا مَعن بن عيسى قال : أخبرنا أبان بن قَطَن عن محمّد بن عبد
الرّحمن بن أبى ليلى عن أبيه عبد الرّحمن بن أبى ليلى : أنّ عليّ بن أبى طالب
تختّم فى يَساره .
قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى أويس عن سليمان بن بلال عن جعفر
ابن محمّد بن علىّ عن أبيه : أنّ عليًّا تختّم فى اليسار .
قال : أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال : أخبرنا معتمر عن أبيه عن أبى
إسحاق الشيبانى قال : قرأتُ نقش خاتم علىّ بن أبى طالب فى صُلح أهل الشأم :
محمّد رسول الله .
(١) المُضَرَّبَة: كل ما أُكثِر تضريبه بالخياطة. وقد تحرفت ((المضربة)) فى ل والطبعات التى تلتها
إلى ((مصريّة)) والتصويب من ت ، ث .

٢٩
قال : أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب وعمرو بن خالد المصرىّ قالا: أخبرنا
زهير عن جابر الجُغُفىّ عن محمّد بن علىّ قال: كان نقش خاتم علىّ : الله الملك.
قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمّد بن
علىّ قال : كان نقش خاتم علىّ : الله الملك .
أخبرنا مالك بن إسماعيل النهدىّ قال : أخبرنا جعفر بن زياد عن الأعمش عن
أبى ظَبْيَان قال : خرج علينا علىّ فى إزارٍ أصفر وخميصةٍ سوداء . الخميصة شبه
البَرْنَكان (١).
ذكر قتل عثمان بن عفّان وبيعة علىّ بن أبى طالب ،
رضى الله عنهما
قال : قالوا لما قُتل عثمان ، رحمه الله ، يوم الجمعة لثمانى عشرة ليلة مضت
من ذى الحجّه سنة خمس وثلاثين وبويع لعلىّ بن أبى طالب ، رحمه الله ،
بالمدينة ، الغدَ من يوم قتل عثمان ، بالخلافة بايعه طلحة ، والزّبير، وسعد بن أبى
وقاص ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل ، وعمّار بن ياسر ، وأَسامة بن زيد ،
وسَهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصارىّ، ومحمّد بن مَسْلَمَةَ ، وزيد بن ثابت ،
وخُزيمة بن ثابت ، وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله ،
وغيرهم ، ثمّ ذكر طلحة والزبير أنهما بايعا كارهين غير طائعين وخرجا إلى مكّة
وبها عائشة ، ثمّ خرجا من مكة ومعهما عائشة إلى البصرة يطلبون بدم عثمان ،
وبلغ عليًّا ، عليه السلام ، ذلك فخرج من المدينة إلى العراق ، وخلّف على المدينة
سهل بن حُنيف ، ثمّ كتب إليه أن يَقْدَمَ عليه، وَوَلّى المدينة أبا حسن المازنىّ ، فنزل
ذا قار وبعث عمّارَ بن ياسر والحسنَ بن علىّ إلى أهل الكوفة يستنفرهم للمسير
(١) فى حواشى ث ((قال الجوهرى: التَزْنَكَان على وزن الزعفران ضرب من الأكسية . وقال
الفراء : التونكان: كساء من صوف له عَلَمان. ويقال بَوكان أيضا . ابن دريد : البرنكان بالفارسية وهو
الكساء)). ولدى صاحب القاموس (ب رك) ويقال للكساء الأسود البركان والبرّكانى مشددتين،
والبرنكان كزعفران والبرنكانى والجمع برانك .
هذا وورد لدى الجواليقى فى المعرب : التونكان - بالفارسية - وهو الكساء .

٣٠
معه، فقَدِموا عليه فسار بهم إلى البصرة ، فَلِقِىَ طلحةً والزّبير وعائشة ومن كان
معهم من أهل البصرة وغيرهم يوم الجَمَل فى جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين،
وظَفِرَ بهم وقُتل يومئذ طلحة والزّبير وغيرهما ، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألف
قتيل، وأقام علىّ بالبصرة خمسَ عشرةَ ليلة ثمّ انصرف إلى الكوفة (١).
ذكر علىّ ومعاوية وقتالهما وتحكيم الحَكَمَیْن
ثم خرج يريد معاوية بن أبى سفيان ومن معه بالشأم ، فبلغ ذلك معاوية فخرج
فيمن معه من أهل الشأم والتقوا بصفّين فى صفر سنة سبع وثلاثين ، فلم يزالوا
يقتتلون بها أيّامًا ، وقُتل بصفّين عمّار بن ياسر ، وخُزيمة بن ثابت ، وأبو عمرة
المازنى ، وكانوا مع علىّ ، ورفع أهل الشأم المصاحف يدعون إلى ما فيها مكيدة من
عمرو بن العاص أشار بذلك على معاوية وهو معه ، فكره النّاس الحربَ وتداعوا إلى
الصّلح، وحَكّمُوا الحَكَمَين فحكّم علىّ أبا موسى الأشعرىّ ، وحكّم معاوية عمرو
ابن العاص ، وكتبوا بينهم كتابًا أن يوافوا رأسَ الحَوْل بأذْرُحَ فينظروا فى أمر هذه
الأمّة ، فافترق النّاس فرجع معاوية بالألفة من أهل الشأم وانصرف علىّ إلى الكوفة
بالاختلاف والدّغَل ، فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا :
لا حَكَمَ إلاّ الله، وعسكروا بحَرَوْرَاءَ (٢)، فبذلك سُمّوا الحَرَوْرِيّة ، فبعث إليهم
علىّ عبدَ الله بن عبّاس وغيره فخاصمهم وحاجّهم فرجع منهم قومٌ كثير وثََّتَ قومٌ
على رأيهم وساروا إلى النَّهروان فعَرَضوا للسّبيل وقَتَلوا عبدَ الله بن خَّاب بن
الأرَتّ ، فسار إليهم علىّ فقتلهم بالنَّهْرَوَان (٣) وقتل منهم ذا الثديّة ، وذلك سنةً
ثمانٍ وثلاثين ، ثمّ انصرف علىّ إلى الكوفة فلم يزل بها يخافون عليه الخوارج من
(١) أورده السيوطى فى تاريخ الخلفاء ص ١٧٤ نقلا عن ابن سعد.
(٢) حروراء : قرية بظاهر الكوفة ، وقيل : موضع على ميلين منها ، نزل به الخوارج الذين خالفوا
على بن أبى طالب فنسبوا إليها .
(٣) لدى ياقوت : كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقى حدها الأعلى متصل
ببغداد . وكان بها وقعة لأمير المؤمنين على بن أبى طالب .

٣١
إلى أن قُتل رحمه الله . واجتمع النّاس بأذرح فى شعبان سنة ثمان وثلاثين ،
وحضرها سعد بن أبى وقاص وابن عمر وغيرهما من أصحاب رسول الله، مَلآ ،
فقدّم عمرو أبا موسى فتكلّم فخلع عليًّا ، وتكلّم عمرو فأقَرّ معاوية وبايع له ، فتفرّق
النّاس على هذا .
ذكر عبد الرّحمن بن مُلْجَم المرادى وبيعة علىّ ورَدِّه إياه
وقوله : لتُخْضَبَنَّ هذه من هذه، وتَتُّله بالشعر وقَتْله
عليًّا ، عليه السلام ، وكيف قتله عبد الله بن جعفر
والحسين بن علىّ ومحمّد بن الحنفيّة
أخبرنا الفضل بن دُكين أبو نُعيم ، أخبرنا فِطر بن خليفة قال : حدّثنی
أبو الطّفيل قال : دعا علىّ النّاسَ إلى البيعة ، فجاءَ عبد الرّحمن بن ملجم المرادى
فردّه مرّتين ، ثمّ أتاه فقال: ما يَحْبِسُ أشقاها، لَتُخْضَبَنّ أو لَتُصَبغنَّ هذه من هذا ،
يعنى لحيته من رأسه ، ثمّ تمثّل بهذين البيتين :
فَإِنّ المَوَتَ لاقِيكا
أُشْدُدْ (١) حَيازِيَمَكَ (٢) للمَوتِ
إذا حَلّ بوادِيكا (٣)
ولا تَجْزَعْ من القَتْلِ
(١) فى هامش ل ((اشدد)) إلخ. الوزن مكسور فى هذه الأبيات التى رويت مرارًا. ويرى المبرد
فى الكامل جـ ١ ص ٥٥٢، أن تحذف ((اشدد)) راجع الأغانى جـ ١٤ ص ٣٤ س ٢٧ - ٢٨ ،
وأسد الغابة جـ ٤ ص ٣٥ س ١٠)).
قلت : والذى أورده المبرد فى الكامل عقب إيراده لهذين البيتين : والشعر إنما يصح بأن تحذف
( اشدد ) فتقول :
حيازيمك للموت فإن الموت لا قيكا
ولكن الفصحاء من العرب يزيدون ماعليه المعنى ، ولا يعتدون به فى الوزن . ويحذفون من الوزن ، علما
بأن المخاطَب يعلم مايريدونه، فهو إذا قال: حيازيمك للموت، فقد أضمر ((اشدد)) فأظهره ، ولم يَعْتَدّ به .
وهذه الزيادة تسمى فى علم العروض ((الخَزَّم)» وهو زيادة تكون فى أول البيت لا يعتدّ بها فى
التقطيع ، وتكون بحرف إلى أربعة أحرف .
(٢) الحيازيم : مفردها حيزوم وهو ما اشتمل عليه الصدر . والمعنى . وطن نفسك على الموت .
(٣) البيتان فى الكامل للمبرد ج ٣ ص ١١٢١ طبع مؤسسة الرسالة بيروت ، وصفة الصفوة ج ١
ص ٣٣٣، وأسد الغابة ٤ ص ١١٨، والخلفاء الراشدون للذهبى ص ٦٤٨، ومختصر تاريخ دمشق
لابن منظور ج ١٨ ص ٨٩. وفى الأصول ((لاقيك)) وقد اتبعت ماورد بالمصادر السابقة.

٣٢
قال محمّد بن سعد : وزادنى غير أبى نعيم فى هذا الحديث بهذا الإسناد عن
علىّ بن أبى طالب والله إنّه لَعَهْدُ النّبيّ الأمِّىّ، وَه، إلَىّ.
أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن يزيد بن إبراهيم عن محمّد بن سيرين ،
قال علىّ بن أبى طالب للمُرادىّ :
أريدُ حباءهُ ويُريدُ قَتْلى عَذِيرَكَ من خليلك من مُرادِ
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن عُلية عن عمارة بن أبى حفصة عن أبى مِجْلَز
قال : جاء رجل من مراد إلى علىّ وهو يصلّ فى المسجد فقال : اخْتَرِسْ فإنّ ناسًا
من مراد يريدون قتلك ، فقال : إنّ مع كلّ رجل مَلَكَين يحفظانه ممّا لم يُقَدّرْ فإذا
جاء القَدَر خلّيًا بينه وبينه ، وإنّ الأجل مجنّة حصينة .
قال : أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا هشام بن حسّان عن محمّد عن
◌ُبيدة قال : قال علىّ: ما يَخْبِسُ أَشقاكم أنْ يَجىءَ فَيَقْتُلَنِى ؟ اللّهمّ قد سَئِمْتُهُمْ
وسَئِمُونى فَأَرِحْهُمْ منى وأرحنى منهم .
قال : أخبرنا وكيع بن الجرّاح ، قال أخبرنا الأعمش عن سالم بن أبى الجعد
عن عبد الله بن سبع قال : سمعت عليًّا يقول: لَتُخْضَبَنّ هذه من هذه فما يُنْتَظَرُ
بالأشْقَى، قالوا : يا أمير المؤمنين فأخبرْنَا به نُبيرُ عِثْرَتَه، فقال: إذَا والله تَقْتُلُون بى
غيرَ قاتلى ، قالوا: فاسْتَخْلِفْ علينا، فقال: لا ولكنْ أَتْرُكُكُمْ إلى ما تركَكُمْ إليه
رسول الله، وَلَّ، قالوا: فما تقول لربّك إذا أَتَيْتَهُ ؟ قال: أقول اللّهمّ تَرَكْتُكَ
فيهم فإن شِئْتَ أَصْلَحْتَهُمْ وإن شِئْتَ أَفْسَدْتَهُم .
قال : أخبرنا ◌ُبيد الله بن موسى قال : أخبرنا إسرائيل عن سنان بن حبيب عن
نُبَلَ بنت بدر عن زوجها قال: سمعتُ عليًّا يقول لَتُخْضَبَّ هَذِهِ مِنْ هذا، يعنى
لحيته من رأسه .
قال : أخبرنا ◌ُبيد الله بن موسى ، قال أخبرنا موسى بن عُبيدة عن أبى بكر بن
عُبيد الله بن أنس أو أيّوب بن خالد أو كليهما، أخبرنا عُبيد الله أنّ النّبِىّ، وَخَّر ،
قال لعليّ: يا علىّ من أشْقَى الأوّلِين والآخرين ؟ قال : الله ورسوله أعلم ، قال :
أَشْقَى الأوّلين عاقر الناقة ، وأشقى الآخرين الّذى يطعُنُك يا علىّ، وأشار إلى حيثُ
يُطْعَنُ .

٣٣
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين قال : أخبرنا سليمان بن القاسم الثقفىّ قال :
حدّثننى أمّى عن أمّ جعفر سُرّيّة علىّ قالت: إنى لأصُبّ على يديه الماءَ إذ رفع رأسه
فأخذ بلحيته فرفعها إلى أنفه فقال: واهًا لَكِ لَتُخْضَيِنّ بدم ! قالت فَأَصيبَ يومَ
الجمعة .
قال : أخبرنا خالد بن مَخْلَد ومحمّد بن الصلت قالا : أخبرنا الربيع بن المنذر
عن أبيه عن ابن الحنفيّة قال: دَخَلَ علينا ابنُ مُلْجَم الحَمَامَ وأنا وحسن وحسين
جلوس فى الحمّام ، فلمّا دخل كأنّهما اشمأزًا منه وقالا : ما أجْرَأَكَ تدخل علينا !
فقلت لهما : دَعاه عنكما فَلَعَمْرى ما يريد بكما أحْشَمُ من هذا. فلمّا كان يومَ أَتِىَ
به أسيرًا قال ابن الحنفيّة: ما أنا اليوم بأعْرَفَ به منّى يومَ دَخَلَ علينا الحمّام ، فقال
علىّ : إنه أسير فأحْسِنُوا نُزْلَه وأْرِموا مَثْواه فإِنْ بَقيتُ قَتَلْتُ أو عفوتُ وإن متّ
فَاقْتُلُوهُ قِتْلَتِى وَلا تَعْتَدُوا إن الله لا يُحِبّ المعتدين .
قال : أخبرنا جَرير عن مغيرة عن قُثَم مَولَى لابن عبّاس قال : كَتَبَ علىّ فى
وصيته إلى أكبر ولدى غير طاعن عليه فى بطن ولا فرج .
قالوا : (٥) انتدب ثلاثةُ نَفَر من الخوارج: عبد الرّحمن بن مُلْجم المرادىّ ، وهو
من حِمْيَر، وعِداده فى مُرادٍ ، وهو حَليفُ بنى جَبلة من كِندة ، والبُرَك بن عبد الله
التميمىّ ، وعمرو بن بُكَير التميمىّ، فاجتمعوا بمكّة وتَعاهدوا وتَعَاقدوا لَيَقْتُلُنّ
هؤلاء الثلاثةَ : علىّ بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص
ويريحوا العباد منهم ، فقال عبد الرّحمن بن مُلجم : أنا لكم بعَلىّ بن أبىٍ طالب ،
وقال البُرَكُ: وأنا لكم بمعاوية ، وقال عمرو بن بُكِيَر: أنا أَكْفِيكُمْ عمرو
ابن العاص. فتَعاهدوا على ذلك وتَعاقدوا وتَواثَقوا لا يَنْكُصُ رجلٌ منهم عن
صاحبه الذى سَمَّى(١) ويتوجّه إليه حتى يقتله أويموت دونه ، فاتّعدوا بينهم ليلة سبعَ
(*) من هذه العلامة إلى مثلها فى ص ٣٦ أورده ابن عساكر فى مختصر تاريخ دمشق لابن منظور
ج ١٨ ص ٩١ نقلا عن ابن سعد .
(١) سَمَّى: فى متن ل ((سُمِّى)) وبهامشها الصحيح لدى الشيخ محمد عبده ((سَمَّى)) وآثرت
قراءة الشيخ اعتمادا على رواية ت ، ث ، وقد ضبطت الكلمة فيهما ضبط قلم بفتح السين وتشديد الميم
المفتوحة وعلى ماورد لدى ابن عساكر فى مختصر تاريخ دمشق ج ١٨ ص ٩١ وهو ينقل عن ابن
سعد .
[٣ - الطبقات الكبير جـ ٣ ]

٣٤
عشرةَ من شهر رمضان ، ثمّ توجّه كلّ رجل منهم إلى المصر الذى فيه صاحبه،
فَقَدِمَ عبدُ الرّحمن بن ملجم الكوفة فلقى أصحابه من الخوارج فكانتَّهُم مايريد ،
وكان يزورهم ويزورونه ، فزارَ يومًا نفرًا من تيم الرباب فرأى امرأة منهم يقال لها
قَطامٍ بنت شِجْنة بن عدىّ بن عامر بن عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذهل بن تيم
الرباب - وكان عَلىّ قَتَلَ أباها وأخاها يومَ نهروان فأعجبته فخطبها ، فقالت :
لا أتزوّجُك حتّى تُسْنِى لى المهرَ (١)، فقال: لا تَسْألِيتَنِى شَيْئًا إلاّ أعطيتُكِ،
(١) صيغت هذه العبارة فى المصادر الأخرى بصيغ مختلفة ، فوردت لدى الطبرى ج ٥
ص ١٤٤ (( .. ثم خطبها فقالت: لا أتزوجك حتى تشفى لى. قال: وما يشفيك ؟ قالت : ثلاثة
آلاف وعبد وقينة وقتل على بن أبى طالب)) .
ووردت لدى الحاكم فى المستدرك ج ٣ ص ١٥٤ (( كان عبد الرحمن بن ملجم المرادى عشق
امرأة من الخوارج من تيم الرباب ، يقال لها قطام ، فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم ، وقَتْلَ على ).
وفى الاستيعاب لابن عبد البرج ٣ ص ١١٢٤ (( أن ابن ملجم وقعت عينه على قطام وكانت
امرأة رائعة جميلة ، فأعجبته ووقعت بنفسه فخطبها . فقالت آليت ألا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه .
فقال : وماهو ؟ فقالت : ثلاثة آلاف ، وقتل على بن أبى طالب)).
ولدى ابن الأثير فى أسد الغابة ج ٤ ص ١١٩ (( أن قطام قالت لابن ملجم حين خطبها :
لا أتزوجك حتى تشتفى لى: فقال : لا تسألينى شيئا إلا أعطيتك . فقالت : ثلاثة آلاف ، وقتل على بن
أبى طالب)).
وفى تاريخ دمشق لابن عساكر مختصر ابن منظور ج ١٨ ص ٩١ وهو ينقل عن ابن سعد
(( .. فقالت لا أتزوجك حتى تشتفى لى . فقال: لا تسألينى شيئا إلا أعطيتك. فقالت : ثلاثة آلاف
وقتل على بن أبى طالب )).
وورد فى متن ل (( حتى تُسَمّى لى. فقال .. )) وبالحواشى: ((فى الأصول الخطية: تسنى . وأسد
الغابة ج ٤ ص ٣٦ س ٢٦ ((تسنى)). ويؤكد التصحيح الذى جئت به الكامل ص ٥٤٩ س ١٠.
وتسمية المهر أو الصداق من مصطلحات كتاب الأزواج بالشريعة الإسلامية - راجع فى ذلك مثلا :
فتح القريب تحقيق فان دن برج Van den Berg ليدن ١٨٩٤، ص ٤٦٦ - ٤٦٨)).
قلت : والذى لدى المبرد فى الكامل (طبعة مؤسسة الرسالة) ج ٣ ص ١١١٦ (( فأتى ابن ملجم
الكوفة .. وتزوج امرأة يقال لها قطام .. ويروى أنها قالت : لا أقنع منك إلا بصداق أسميه لك ، وهو
ثلاثة آلاف درهم ، وعبد وأمة ، وأن تقتل عليًا !)).
هذا والمثبت هنا رواية ث. وفى ت ((حتى تسنى لى، فقال ... )) وقد ضبطت ((تسنى)) فى
المخطوطتين - ضبط قلم - بضم التاء وسكون السين المهملة وكسر النون .
وورد لدى صاحب القاموس ( س ن ی) أسناه: رفعه. وكذلك ورد فى معاجم اللغة: أَسْتَی له
الجائزةَ رفعها ، وجوارَه أحسنه ؟

٣٥
فقالت : ثلاثة آلاف وقتلَ علىّ بن أبى طالب ، فقال: والله ما جاءَ بى إلى هذا
المصر إلاّ قتلُ علىّ بن أبى طالب وقد آتيتُكِ ما سألْتِ .
ولقى عبدُ الرّحمن بن مُلجم شبيبَ بن بَجَرَة الأشجعى فأعلمه ما يريد ودعاه
إلى أن يكون معه فأجابه إلى ذلك ، وبات عبد الرّحمن بن ملجم تلك الليلة التى
عزم فيها أن يقتل عليًّا فى صبيحتها يناجى الأشعث بن قيس الكندىَّ فى مسجده
حتّى كاد أن يطلع الفجر ، فقال له الأشعث: فضَحَك الصّبحُ فقُمْ ، فقام عبد
الرّحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثمّ جاءا حتى جلسا مقابل
الشدّة التى يخرج منها علىّ .
قال الحسن بن علىّ : وأتيته سَحَرًا فجلست إليه فقال : إنى بِتّ اللّيلةَ أوقظ
أهلى فَمَلَكَتنى عيناى وأنا جالس فسنَحَ لى رسول الله فقلت : يا رسول الله
ما لقيتُ من أَمَّتِكَ من الأوَد واللَّدَد (١) ، فقال لى: ادْعُ اللَّه عليهم، فقلت اللّهمّ
أبدِلْنى بهم خيرًا لى منهم وأبدلهم شرًّا لهم منى . ودخل ابن النّاح المؤذِّنُ على
ذلك فقال : الصّلاة ، فأخذت بيده فقام يمشى وابن النّاح بين يديه وأنا خلفه ،
فلمّا خرج من الباب نادى: أيّها الّاسُ الصّلاةَ الصّلاةَ ، كذلك كان يفعل فى كلّ
يوم يخرج ومعه درّتُهُ يوقِظُ النّاسَ ، فاعترضه الرّجلان ، فقال بعض من حضر
ذلك: فرأيت بريق السيف وسمعتُ قائلًا يقول: لله الحُكْمُ يا علىّ لا لَكَ ! ثمّ
رأيتُ سيفًا ثانيًا فضربا جميعًا فأمّا سيف عبد الرّحمن بن ملجم فأصاب جبهته إلى
قَرْنه ووصل إلى دماغه ، وأمّا سيف شبيب فوقع فى الطّاق، وسمعتُ عليًّا يقول:
لا يفوتنّكم الرجلُ ، وشدّ النّاسُ عليهما من كلّ جانب .
فأمّا شبيب فأفلت ، وأُخِذَ عبدُ الرحمن بن ملجم فأُدخل على علىّ ، فقال :
أطيبوا طعامه وألينوا فراشه فإن أعِشْ فأنا وَلِىُّ دَمِى، عفوٌ أو قصاص (٢) وإنْ أَمُتْ
فألْقُوه بى أُخاصمه عند ربّ العالمين . فقالت أمّ كلثوم بنت علىّ: يا عدوّ الله
(١) الأَوَد: العِوَج. واللَّدَد: الخصومة الشديدة ( النهاية ).
(٢) كذا فى ت ، ث . ومثله لدى ابن عساكر فى مختصر تاريخ دمشق لابن منظورج ١٨ ص
٩٢ وهو ينقل عن ابن سعد. وابن الأثير فى أسد الغابة ج ٤ ص ١٢٠. وفى ل ((فأنا أولى بدمى عفوًا
وَقصاصا)) وقد تحرفت ((بدمى)) إلى ((بدمه)) فى طبعة التحرير وإحسان وعطا.

٣٦
قتلت أمير المؤمنين ! قال : ما قتلتُ إلاّ أباكِ، قالت: فوالله إنّى لأرجو أن لا يكون
على أمير المؤمنين بأسٌ ، قال : فلِمَ تَبكينَ إذًا ؟ ثمّ قال: والله لقد سممتُه شهرًا ،
يعنى سيفَه ، فإِنْ أَخْلَفَنِى فَأَبْعَدَهُ الله وأسحقه .
وبعث الأشعث بن قيس ابنه قيس بن الأشعث صبيحة ضُربَ علىّ ، عليه
السلام ، فقال: أىْ بُنىّ انظر كيف أصبح أمير المؤمنين . فذهب فنظر إليه ثمّ رجع
فقال: رأيت عينيه داخلتين فى رأسه ، فقال الأشعث: عَيْنَىْ دَميغ (١) وربّ
الكعبة، قال ومكث علىّ يومَ الجمعة وليلة السبت وتُوفى ، رحمة الله عليه
وبركاته، ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين ،
وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر ، وكفّن فى ثلاثة أثواب ليس فيها
قميص (٥) .
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن يحيى بن مسلم أبى الضّحّاك عن عاصم
ابن كُليب عن أبيه قال : وأخبرنا عبد الله بن ثُمَيَر عن عبد السّلام رجل من بَنى
مُسيلمة عن بيان عن عامر الشعبيّ قال : وأخبرنا عبد الله بن نمير عن سفيان عن
أبى رَوْق عن رجلٍ قال: وأخبرنا الفضل بن دُكين قال أخبرنا خالد بن إلياس عن
إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال وأخبرنا شبّابة بن سَوّار الفزارى قال :
أخبرنا قيس بن الربيع عن بيان عن الشعبىّ أنّ الحسن بن علىّ صلّى على علىّ بن
أبى طالب فكتر عليه أربع تكبيرات ، ودُفن علىّ بالكوفة عند مسجد الجماعة فى
الرحبة ممّا يلى أبوابَ كِنْدَة قبل أن ينصرفَ النّاسُ من صلاةِ الفجر ، ثمّ انصرف
الحسن بن علىّ من دفنه فدعا النّاس إلى بيعته فبايعوه . وكانت خلافة علىّ أربع
سنين وتسعة أشهر .
قال : أخبرنا الفضل بن دُكين عن شريك عن أبى إسحاق قال : توفّى علىّ
وهو يومئذ ابن ثلاث وستين سنة .
قال : أخبرنا محمّد بن عمر قال أخبرنا علىّ بن عمر وأبو بكر بن أبى سَبْرة
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (دمغ) ومنه حديث على (( رأيت عينيه عينى دميغ)) يقال: رجل
دَمِيغ ومدموغ إذا خرج دماغه .

٣٧
عن عبد الله بن محمّد بن عقيل قال : سمعت محمّد بن الحنفيّة يقول سنة
الجُحاف حين دخلت إحدى وثمانون : هذه لى خمس وستّون سنة وقد جاوزتُ
سنّ أبى ، قلت : وكم كانت سنّه يومَ قُتِلَ ، يرحمه الله ؟ قال : ثلاثًا وستّين سنة ،
قال محمّد بن عمر : وهو الثبتُ عندنا .
قال : أخبرنا محمّد بن ربيعة الكلابى عن طَلْق الأعمى عن جدّته قالت :
كنت أنوح أنا وأمّ كلثوم بنت علىّ على علىّ ، عليه السلام .
قال : أخبرنا عبد الله بن ثُمير وعُبيد الله بن موسى قالا أخبرنا إسماعيل بن أبى
خالد عن أبى إسحاق عن هُبيرة بن يَرِيمَ قال : سمعت الحسن بن علىّ قام يخطُبُ
النّاس فقال : يا أيّها الناس لقد فارَقَكُمْ أَمْس رجلٌ ما سبقه الأوّلون ولا يُدْركه
الآخرون ، لقد كان رسول الله، وَله، يبعثه المبعث فيعطيه الراية فما يُرَدّ حتّى
يَفْتَحَ اللّه عليه ، إنّ جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، ما ترك صفراءَ
ولا بيضاءً، إلاّ سبعمائة درهم فَضَلَتْ من عَطائه أراد أن يشترى بها خادمًا .
قال : أخبرنا عبد الله بن نمير عن الأجلح عن أبى إسحاق عن هُبيرة بن يَريمَ قال: لمّ
توقّى علىّ بن أبى طالب قام الحسن بن علىّ فصعد المنبر فقال: أيها النّاس ، قد قُبِض
الليلةَ رجلٌ لم يَسْبِقْة الأوّلون ولا يدركه الآخرون، قد كان رسول الله، وَلِّ ، يبعثه
المبعث فيكتنفُه جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله فلا ينثنی حتّى يفتح الله له ، وما
ترك إلا سبعمائة درهم أراد أن يشترى بها خادمًا ، ولقد قُبض فى اللّيلة التى تُرجَ فيها
بروح عيسى بن مريم ليلة سبع وعشرين من رمضان .
قال : أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن حجّاج عن أبى إسحاق عن عمرو بن
الأصمّ قال : قيل للحسن بن علىّ إنّ ناسًا من شيعة أبى الحسن علىّ ، عليه السلام،
يزعمون أنّه دابّة الأرض وأنّه سَيُبْعَثُ قبل يوم القيامة ، فقال : كذبوا ليس أولئك
شيعتَه ، أولئك أعداؤه ، لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه ولا أنكحنا نساءه . قال ابن
سعد : هكذا قال عن عمرو بن الأصمّ .
قال : أخبرنا أشباط بن محمّد عن مُطَرّف عن أبى اسحاق عن عمرو بن الأصمّ
قال : دخلتُ على الحسن بن علىّ وهو فى دار عمرو بن حُرَيْث فقلتُ له : إنّ ناسًا
يزعمون أنّ عليًّا يرجع قبل يوم القيامة ، فضحك وقال : سبحان الله ! لو علمنا ذلك ما

٣٨
زوّجنا نساءه ولا ساهمنا ميراثه . قالوا وكان عبد الرّحمن بن ملجم فى السجن ، فلمّا
مات علىّ ، رضوان الله عليه ورحمته وبركاته ، ودُفِنَ بعث الحسن بن علىّ إلى عبد
الرّحمن بن ملجم فأخرجه من السجن ليقتله ، فاجتمع النّاس وجاءُوه بالنفط والبوارىّ
والنّار فقالوا نحرقه، فقال عبد الله بن جعفر وحسين بن علىّ ومحمّد بن الحنفيّة: دَعُونا
حتّى نَشْفِىَ أنفسا منه ، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يَجْزَعْ ولم يتكلّم ،
فكحَل عينيه بمسمار مُحْمَّ فلم يجزع وجعل يقول : إنّكَ لَتَكْحُلُ عَيْنَى عَمّكَ بِجُلْمُول
مَضِّ، وجعل يقول: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ اُلْإِنْسَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [ سورة العلق ١ ،
٢]، حتّى أتى على آخر السورة كلّها وإنّ عينيه لَتَسِيلان، ثمّ أمر به فعولج عن لسانه
ليقطعه فجَزَعَ ، فقيل له : قَطَعْنَا يديك ورجليك وسَمَلْنَا عَينِيكَ يا عدوّ الله فلم تَجْزَعُ
فلمّا صِرْنا إِلى لسانك جزعت ؟ فقال : ما ذاك منّى من جزع إلا أنى أكره أن أكون فى
الدّنيا فُواقًا لا أذكر الله ، فقطعوا لسانه ثمّ جعلوه فى قَوْصرة وأحرقوه بالنّار ، والعبّاس
ابن علىّ يومئذ صغير فلم يُسْتَأنَ به بلوغه، وكان عبد الرّحمن بن ملجم رجلاً أسمرَ
حسنَ الوجه أفلجَ شعره مع شحمة أذنيه ، فى جبهته أثَّرُ السجود . قالوا وذَهَبَ بقتل
علىّ ، عليه السلام ، إلى الحجاز سفيانُ بن أميّة بن أبى سفيان بن أَميّة بن عبد شمس
فبلغ ذلك عائشة فقالت :
فألقت عصاها وَاستقرّتْ بها النّوى كما قَرّ عينًا بالإِياب المسافر
* *
٢٦ - ذکر زيد الْحِبِّ
زيدٌ الحِبّ بن حارثة بن شَرَاحيل بن عبد العُزّى بن امرىء القيس بن عامر بن
النعمان بن عامر بن عبد ؤُدّ - وسمّاهُ أبوه بُضْمة : بن عوف بن كنانة بن عوف بن
عُذْرة بن زيد اللّت بن رُفيدة بن ثور بن كلب بن وبَرَة بن تَغْلِب بن حُلْوان بن
عِمْران بن الحاف بن قضاعة (١) ، واسمه عمرو وإنما سُمّىَ قُضاعَة لأنّه انقضع عن
٢٦ - من مصادر ترجمته : تهذيب الكمال ج ١٠ ص ٣٥، وسير أعلام النبلاء ج ١
ص ٢٢٠، والإصابة ج ٢ ص ٥٩٨ .
(١) وكذا نسبه ابن الأثير فى أسد الغابة ج ٢ ص ٢٨١ نقلا عن ابن الكلبى.

٣٩
قومه ، ابن مالك بن عمرو بن مرّة بن مالك بن حِمْيَر بن سبأ بن يشجب بن يعرب
ابن قَحطان ، وإلى قحطان جماع اليمن .
وأُمّ زَيد بن حارثة سُعْدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلتَ بن سِلسِلَةَ من بَنى
مَعْن من طَيِّئ (١) ، فزارت سُعدى أمّ زيد بن حارثة قومَها وزيد معها ، فأغارت
خيلٌ لبنى القَيْ بن جَسْر فى الجاهليّة فمرّوا على أبيات بنى مَعْنِ رَهْط أمّ زيد ،
فاحتملوا زيدًا إذ هو يومئذ غلام يَفَعَة قد أُوْصَفَ ، فَوافوا به سوق عكاظ فعرضوه
للبيع فاشتراه منهم حكيم بن حِزام بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصىّ لعمّته
خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم ، فلمّا تزوجها رسول الله، وَّ، وهبته له
فقبضه رسولُ الله، وَيّر، وقد كان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده قال :
أُحَىٌّ فِيُرْجَى أَمْ أتى دونَه الأجلْ
بَّكَيْتُ على زَيْدٍ ولم أَدْرِ ما فَعَلْ
أغالك سهل الأرض أم غالك الجبلْ
فحَسْبِى من الدنيا رُجوعك لى بجلْ
وَتَعْرِضُ ذكراهُ إذا قارَبَ الطَّفَلْ
فيا طولَ ما حزْنى عليه ويا وَجَلْ !
ولا أسْأم التطوافَ أو تسأمَ الإبلْ
وكلّ امْرىءٍ فانٍ وَإِن غرّه الأملْ
وأُوصى يزيدًا ثمّ من بعدهم جبلْ
فوالله ما أدرى وَإنْ كنتُ سائِلًا
فياليتَ شعرى هل لك الدهرَ رَجعةٌ
تُذكّرنيه الشمسُ عند طلوعِها
وإِنْ هَّت الأرْوَاحُ هيّجْنَ ذكرَه
سَأُعْمِل(٢) نصّ العيس فى الأرض جاهدًا
حَياتىَ أَوْ تأتى عَلَىّ مَنِيَّتِى
وأُوصى به قيسًا وعَمرًا كِليْهِما
يعنى جبلة بن حارثة أخا زيد وكان أكبر من زيد ، ويعنى يزيد أخا زيد لأمّه ،
وهو يزيد بن كعب بن شَراحيل ، قال فَحَجّ ناسٌ من كلْب فرأوا زَيدًا فعرفهم
وعرفوه فقال: بلّغوا أهلى هذه الأبيات فإنّى أعلم أنهم قد جزعوا علىّ ، وقال :
أَلِكْنى إلى قَوْمى وإن كنتُ نائيًا بأَّى قطيُ البيئْت عند المشاعرِ
(١) أورد نسب أمه ابن حجر فى الإصابة ج ٢ ص ٥٩٨ نقلا عن ابن سعد .
(٢) فى متن ل: سَأَعْمَل. وفى حواشيها: الصحيح لدى الشيخ محمد عبده ((سَأُعْمِل)) وقد
آثرت قراءة الشيخ اعتمادا على رواية ت ، ث حيث ضبطت الكلمة فيهما ضبط قلم بضم الهمزة
وكسر الميم .

٤٠
فَكُفّوا من الوَجد الّذِى قد شجاكمُ
ولا تُعْمِلُوا (١) فى الأرض نَصّ الأَباعر
فإنّى بحمد الله فى خَيْرِ أسْرَةٍ
كِرامٍ مَعَدٍّ كابرًا بعدَ كابِر (٢)
قال فانطلق الكلبيّون وأعلموا أباه فقال : ابنى وربّ الكعبة ! ووصفوا له موضعه
وعند مَن هو فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفِدائه ، وقَدِما مكَة فسألا عن النّبيّ ،
وَلّ، فقيل هو فى المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا بن عبد الله ، يابن عبد المطّلب،
يابن هاشم ، يابن سيّد قومه، أنتم أهلُ الحَرَم وجيرانُه وعند بيته تَفُكّون العانىَ
وتُطعمون الأسير، جئناك فى ابننا عندك، فامنُنْ علينا وأحْسِن إلينا فى فدائه فإنّا سنرفع
لك فى الفداء. قال: مَن هو؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله، وَلّ: فهلاّ
غير ذلك ؟ قالوا: ما هو ؟ قال : دَعُوه فخيّروه فإن اختار كم فهو لكما بغير فداءٍ ، وإن
اختارنى فوالله ما أنا بالّذى أختار على مَن اختارنى أحدًا ، قالا : قد زدتنا على
النَّصَفِ (٣) وأحسنتَ ، قال فدعاه فقال : هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم . قال : مَن
هما ؟ قال : هذا أبى وهذا عَمّى ، قال: فأنا مَنْ قد علمتَ ورأيتَ صُحْبَتى لك
فاختزنى أو اخترهما ، فقال زيد: ما أنا بالّذى أختار عليك أحدًا، أنت متّى بمكان
الأب والأم ، فقالا : ويحك يا زيد أتَخْتَار العبوديّة على الحرّيّة وعلى أبيك وعمّك
وأهل بيتك ؟ قال : نعم ، إنى قد رأيتُ من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالّذى أُخْتار عليه
أحدًا أبدًا. فلمّا رأى رسول الله، وَله، ذلك أخرَجه إلى الحِجْر فقال: يا من حَضَرَ،
اشهدوا أنّ زَيْدًا ابنى أرتُهُ ويرثنى ، فلمّا رأى ذلك أبوه وعمّه طابت أنفسهما وانصرفا .
(١) فى متن ل ((ولا تَعْمَلُوا)) وبالهامش الصحيح لدى الشيخ محمد عبده ((ولا تُعْمِلُوا)) وآثرت
قراءته اعتمادا على هذا الضبط فى كل من ت ، ث .
(٢) الخبر والأبيات لدى ابن الأثير فى أسد الغابة ج ٢ ص ٢٨١ ، وابن حجر فى الإصابة ج ٢
ص ٥٩٨
(٣) ل ((النِّصف)) والمثبت رواية ث وقد ضبطت الكلمة فيها ضبط قلم بفتح النون والصاد:
والنَّصَف : العَدْل .