Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
أمرهم ، فأخذ اللواءَ جعفر بن أبى طالب ولبس السلاحَ ، وقال غيره : أخذ زيد
اللّواءَ وكان رأس القوم ثمّ حمل جعفر حتّى إذا هَمّ أن يخالطَ العدوّ رجع فوحّش
بالسّلاح ثمّ حمل على العدوّ وطاعن حتّى قُتل، ثمّ أخذ اللّواءَ زِيدُ بن حارثة
وطاعن حتّى قُتل ، ثمّ أخذ الّواءَ عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قُتلٍ ، ثمّ انهزم
المسلمون أسوأ هزيمةٍ رأيتُها قطّ حتّى لم أَرَى اثنين جميعًا، ثمّ أَخذَ اللّواءَ رجلٌ من
الأنصار ثمّ سعى به حتّى إذا كان أمامَ النّاس رَكَزَه ثمّ قال : إلىّ أيّها النّاس !
فاجتمع إليه النّاس حتى إذا كثروا مشى باللّواء إلى خالد بن الوليد فقال له خالد :
لا آخذه منك أنت أحَقُّ به : فقال الأنصارى : والله ما أخذته إلاّ لك ! فأخذ خالد
اللّواء ثمّ حمل على القوم فهزمهم الله أَسوأ هزيمةٍ رأيتها قطّ حتى وضع المسلمون
أسيافهم حيث شَاءُوا وقال: فأتيت رسول الله، وَ له، فأخبرته فشقّ ذلك عليه
فصَلّى الظّهرَ ثمّ دخل ، وكان إذا صلّى الظهر قام فركع ركعتين ثمّ أقبل بوجهه
على القوم فشقّ ذلك على النّاس ، ثمّ صلّى العصر ففعل مثل ذلك ، ثمّ صلّى
المغرب ففعل مثل ذلك ، ثمّ صلّى العَتَمَة ففعل مثل ذلك ، حتى إذا كان صلاة
الصّبح دخل المسجد ثمّ تبسّم ، وكان تلك السّاعة لا يقوم إليه إنسانٌ من ناحية
المسجد حتى يصلّى الغداة ، فقال له القوم حين تبسّم : يا نبيّ الله بأنفسنا أنت ! ما
يعلم إلّ الله ما كان بنا من الوجد منذ رأينا منك الذى رأينا ! قال رسول الله ،
وَلٍّ: كان الّذى رأيتم منّى أنّه أحزَنَنى قتل أصحابى حتى رأيتهم فى الجنّة إِخْوَانًا
على شُرُرٍ متقابلين ورأيت فى بعضهم إِعْرَاضًا كأنّه كره السيف ورأيت جعفرًا مَلَكًا
ذا جنَاحَين مُضَرّجًا بالدّماء مصبوعَ القَوادِمِ .
سريّة عمرو بن العاص إلى ذات السّلاسل (١)
ثمّ سريّة عمرو بن العاص إلى ذات السّلاسل وهى وراء وادى القرى وبينها
وبين المدينة عشرة أيام ، وكانت فى جمادى الآخرة سنة ثمان من مُهاجر رسول
الله، وَه .
(١) مغازى الواقدى ص ٧٦٩

١٢٢
قالوا: بلغ رسولَ الله، وَ، أنّ جمعًا من قُضاعة قد تجمّعوا يريدون أن
يدنوا إلى أطراف (١) رسول الله، وَلَ. فدعا رسول الله، وَلّ ، عمرو بن
العاص فعقد لهُ لواءً أبيضَ وجعل معه رايةً سوداء وبعثه فى ثلاثمائة من سراة
المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرسًا ، وأمره أن يستعين بمن يَمُرّ به من بَلَىّ
وعُذْرة وبَلْقَين ، فسارَ اللّيلَ وكمن النّهارَ فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعًا
كثيرًا فبعث رافعَ بن مَكيث الجُهَنى إلى رسول الله، وَلّر، يستمدّه فبعث إليه
أبا عبيدة بن الجرّاح فى مائتين وعقد له لواءً وبعث معه سرَاة المهاجرين والأنصار ،
وفيهم أبو بكر وعمر ، وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعًا ولا يختلفا ، فلحق
بعمرو فأراد أبو عُبيدة أن يَؤمّ النّاسَ فقال عمرو: إنّما قدمتَ علىّ مددًا وأنا الأمير ،
فأطاع له بذلك أبو عبيدة وكان عمرو يصلّى بالنّاس وسار حتى وطىء بلاد بَلَىّ
وَدَوّخَها حتّى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عُذْرة وبَلقَين ، ولقى فى آخر ذلك
جمعًا فحمل عليهم المسلمون فهربوا فى البلاد وتفرّقوا ، ثمّ قفلَ وبعثَ عوفَ بن
مالك الأشجَعى بريدًا إلى رسول الله، وَله، فأخبرهُ بقُفولهم وسلامتهم وما كان
فى غزاتهم .
سريّة الخَط (٢)
أميرها أبو عُبيدة بن الجرّاح (٣)
ثمّ سريّة الخَبَط أميرُها أبو عبيدة بن الجرّاح وكانت فى رجَب سنة ثمان من
مُهاجر رسول الله ،
وَسَلمْ
قالوا: بعث رسول الله، وَّه، أبا ◌ُبيدة بن الجرّاح فى ثلاثمائة رجلٍ من
المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطّاب، إلى حىّ من جُهَينة بالقَبَليّة مما يلى
(١) كذا فى الأصول ومثله لدى الواقدى الذى ينقل عنه ابن سعد، والنويرى الذى ينقل عن ابن
سعد. ولدى ابن سيد الناس فى عيون الأثرج ٢ ص ١٥٧ (( يريدون أن يدنوا إلى أطراف المدينة)).
(٢) الخبط : ورق العضاه من الطلح ونحوه من الشجر ، يضرب بالعصا فيتناثر.
(٣) مغازى الواقدى ٧٧٤

١٢٣
ساحل البحر ، وبينها وبين المدينة خمس ليال ، فأصابهم فى الطريق جوعٌ شديدٌ
فأكلوا الخَبَط وابتاع قيس بن سعد جُزُرًا ونحرها لهم ، وألقى لهم البحر حُوتًا
عظيمًا فأكلوا منه وانصرفوا ولم يلقوا كيدًا .
سريّة أبى قَتَادة بن رِبْعِىّ الأنصارى إلى خَضِرَة (١)
ثُمّ سرِيّة أبى قتادة بن رِبعيّ الأنصارى إلى خَضِرَة ، وهى أرضِ مُحارِب
بنجد، فى شعبان سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، وَلِه .
قالوا: بعث رسول الله، وَلَّ، أَبا قَتَادَة ومعه خمسة عشر رجلًا إلى غَطَفَان
وأمره أن يشُنّ عليهم الغارة ، فسار اللّيلَ وكمن النهار فَهَجَم على حاضرٍ منهم
عظيم فأحاط بهم فصرخ رجلٌ منهم : يا خَضِرَة ! وقاتل منهم رجال فقتلوا من
أشرفَ لهم واستاقوا التّعَم ، فكانت الإبل مائتى بعير والغَنَم ألفَىْ شاةٍ وسَبَوا سبيًا
كثيرًا، وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخُمس فعزلوه وقسموا ما بقى على أهْل السّريّة
فأصاب كلَّ رجل منهم اثنا عشر بعيرًا فعُدل البعير بعشر من الغَنَم ، وصارت فى
سَهْم أبى قَتَادَة جاريةٌ وضيئةٌ. فاستوهبها منه رسول الله، وَّة، فوهبها له ،
فوهبها رسول الله ، وَلّه، لمحْميَةَ بن جَزْء، وغابوا فى هذه السريّة خمس عشرة
ليلة .
سريّة أَبى قتادة بن رِبْعِىّ الأنصارى إلى بطن إضَم (٢)
ثمّ سريّة أبى قتادة بن رِبعىّ الأنصارى إلى بطن إضَم فى أوّل شهر رمضان سنة
ثمان من مُهاجر رسول الله ،
قالوا: لمّ هَمّ رسول الله، وَلِّ، بِغَزْوٍ أَهْلِ مَكَة بعث أبا قتادة بن رِبِعِىّ فى
ثمانية نفَر سريّةً إلى بطن إضَم ، وهى فيما بين ذى خُشُب وذى المَرْوَة ، وبينها وبين
(١) مغازى الواقدى ص ٧٧٧، وخَضِرَة : بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين قيده الصالحى ج
٦ ص ٢٩١
(٢) النويرى ج ١٧ ص ٢٨٦

١٢٤
المدينة ثلاثة بُرُد، ليظنّ ظانّ أنّ رسول الله، وَلَه، توجّه إلى تلك الناحية ولأنْ
تَذْهَبَ بذلك الأخبارُ ، وكان فى السريّة مُحلّم بن جثّامة اللّيثى، فمرّ عامر بن
الأضْبَط الأشْجَعى فسلّم بتحيّة الإسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه مُحَلّم بن
جثّامة فقتله وسلبه بعيره ومتاعه وَوَطْبَ لَبَنٍ كان معه: فلمّا لحقوا بالنبىّ، وَخَّرَ ،
نزل فيهم القرآن: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيِّنُواْ وَلَا
نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ اُلْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [ سورة النساء: ٩٤] (إلى آخر الآية ) فمضوا
ولم يلحقوا (١) جمعًا فانصرفوا حتىَ انتهوا إلى ذى خُشُب فبلغهم أنّ رسول الله ،
وَّة، قد توجّه إلى مكّة فأخذوا على يَيْن (٢) حتى لقوا النبيّ، وَلَه، بالسُّقْيَا.
غزوة رسول الله، وَلّ، عامَ الفَتْح (٣)
ثمّ غزوة رسول الله، وَلَه ، عامَ الفتح فى شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجَر
رسول الله، و ◌َلخير .
قالوا : لمّ دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرًا من صلح الحديبية
كلّمت بنو نُفاثة، وهم من بنى بكر ، أشرافَ قريش أن يُعينوهم على خُزاعة
بالرّجال والسلاح ، فوعدوهم ووافوهم بالوتير متنكزّين متنقبّين ، فيهم صفوان بن
أَميّة وحُويطب بن عبد العُزّى ومِكرَز بن حفص بن الأُخيَف ، فبيتوا خُزاعةً ليلاً
وهم غارّون آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلاً .
ثمّ ندمت قريش على ما صنعت وعلموا أنّ هذا نَقْضّ للمُدّة والعهد الّذى
بينهم وبين رسول الله، وَله وخرج عمرو بن سالم الخُراعى فى أربعين راكبًا من
خُزاعة فقدموا على رسول الله، وَلَه، يخبرونه بالّذى أصابهم ويستنصرونه، فقام
(١) النويرى ((يلقوا)).
(٢) يَيْن: تحرفت فى طبعتى إحسان وعطا إلى ((يَئِين)) و((تَيْ)) بياءين الأولى مفتوحة والثانية
ساكنة ناحية من أعراض المدينة ( ياقوت ) .
(٣) الواقدى ص ٧٨٠

١٢٥
وهو يجرّ رِداءَه وهو يقول: لا نُصِرْتُ إن لم أَنْصُرْ بنى كعب ممّا أنصر منه نفسى !
وقال : إنّ هذا السحاب ليستهلّ بنصر بنى كعب .
وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله، وَّ، المدينة يسأله أن يجدّد
العهد ويزيد فى المدّة ، فأبى عليه فقام أبو سفيان فقال : إنّى قد أجَرْتُ بين
النّاس، (١) [ولا أظن محمدًا يخفرنى! ثم دخل على النبى وَلّ فقال: يا محمد،
ما أظن أن تردّ جوارى!] فقال رسول الله، وَل): أنت تقول ذلك يا أبا سفيان!
ثمّ انصرف إلى مكّة فتجهّز رسول الله، وَّه، وأخفى أمره وأخذ بالأثْقاب (٢)
وقال: اللهمّ خُذْ على أبصارهم فلا يرَوْنى إلاّ بَعْتَةً! فلمّا أجمع المسيرَ كتب
حاطب بن أبى بَلْتَعَة إلى قُريش يُخبرهم بذلك فبعث رسول الله، بَّةٍ، علىّ بن
أبى طالب والمقداد بن عمرو فأخذا رسوله وكتابه فجاءا به إلى رسول الله، وَثله،
وبعث رسول الله ، وَلّه، إلى مَنْ حَوْلَه من العرب فَجُلّهُمْ أَسلَمُ وغِفار وَمُزَيْنَة
ومجهَينَة وأشْجَعُ وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم مَن لحقه بالطريق فكان
المسلمون فى غزوة الفتح عشرة آلاف .
واستخلف رسول الله، وَّ، على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخرج يوم
الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر ، فلمّا انتهى إلى الصُّلصُل
قدّم أمامه الزُّبير بن العوام فى مائتين من المسلمين ونادى منادى رسول الله، وَلَه:
من أحبّ أن يُفْطِرَ فَلْيُفْطِر ومن أحبّ أن يصومَ فَلْيَصُمْ! ثمّ سار، فلمّا كان بقُديد
عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثمّ نزل مرّ الظّهْران ◌ِشاءً فأمر أصحابَه
فأوقدوا عشرة آلاف نار ولم يبلغ قريشًا مَسيرُه وهم مُغتمّون لما يخافون من غزوِهِ
إيّاهم . فبعثوا أبا سفيان بن حرب يتحسّب الأخبار وقالوا: إنْ لِقِيتَ محمّدًا فخُذْ
لنا منه أمَانًا .
(١) فى ل، ت ((أجرت بين الناس فقال رسول الله صل﴾ أنت تقول ذلك ياأبا سفيان!)) وقد
اختل المتن فى ل لوجوده هكذا فى كل النسخ . وقد تنبه إليه المستشرق هوروفتس محقق هذا القسم
فنبه عليه بقوله سقطت لدى ابن سعد كلمات أبى سفيان ((ولا أظن محمدا ... )) وهذا يوضحه قول
محمد مجيبا عليه (( أنت تقول ذلك ياأبا سفيان!)) وما بين الحاصرتين مكمل من الواقدى ص ٧٩٤ .
وانظر سبل الهدى جـ ٥ ص ٣١٥
(٢) وأخذ بالأنقاب: يوضحها الحلبى بقوله ((وأخذ بالأنقاب أى الطرق)).

١٢٦
فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حِزام وبُديل بن وَرْقَاء ، فلمّا رأوا
العسكر أفزعهم، وقد استعمل رسول الله، وَثير، تلك اللّيلة على الحرس عمرَ بن
الخطّاب فسمع العباس بن عبد المطّلب صوت أبى سفيان فقال : أبا حنظلة ؟
فقال: لبيك فما وَراءَك ؟ فقال هذا رسول الله فى عشرة آلاف. فأسلِمْ ثكلتك
أمّك وعشيرتك! فأجاره وخرج به وبصاحبيه حتى أدخلهم على رسول الله عَليه .
فأسلموا وجعل لأبى سفيان أن من دخل داره فهو آمِنٌ ومن أغلق بابَه فهو آمِنٌ !
ثمّ دخل رسول الله، وَلّر، مكّة فى كتيبته الخضراء هو على ناقته القصْواء
بين أبى بكر وأسيد بن حُضَير وقد حبس أبو سفيان فرأى ما لا قِبَلَ له به فقال :
يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا ! فقال العباس : ويحك! إنّه ليس
بُلك ولكنّها نبوّة ! قال : فَنَعَمْ .
وكانت راية رسول الله، وَّ ل، يومئذ مع سعد بن عبادة فبلغه عنه فى قريش
كلامٌ وَتَوَاعُدٌ لهم . فأخذها منه فدفعها إلى ابنه قيس بن سعد ، وأمر رسول الله ،
وَجَه، سَعْدَ بن عُبادة أن يدخل من كَداء والزبير من كُدَّى (١) وخالد بن الوليد من
اللّيط (٢)، ودخل رسول الله، وَ لَه، من أذاخرٍ ونهى عن القتال وأمر بقتل ستة
نفر وأربع نسوة : عِكرمة بن أبى جهل وهبّار بن الأسود وعبد الله بن سعد بن أبى
سَرْح ومِقْيَس بن صبابة الّيثنى والحُويرث بن نُقيذ وعبد الله بن هلال بن خَطَّل
الأدْرَمى وهند بنت عُتَبة وسارة مولاة عمرو بن هاشم وفَوْتنا وقَريبة ، فقتل منهم ابن
خَطَل والحُويرث بن نُقيد ومِقْيَس بن صبابة ، وكلّ الجنود لم يلقوا جمعًا غير خالد
لقيه صَفْوان بن أَميّة وسُهَيْل بن عمرو وعكرمة بن أبى جهل فى جمع من قريش
بالخَنْدَمَة (٣) ، فمنعوه من الدّخول وشهروا السّلاح ورموا بالتّبل فصاح خالد فى
أصحابه وقاتلهم فقتل أربعة وعشرين رجلاً من قريش وأربعة نفر من هذيل وانهزموا
أقبحَ الانهزام. فلمّا ظهر رسول الله، وَلّ، على ثنيّة أُذاخر رأى البارقة فقال: أَلَمْ
أَنْهَ عن القتال ؟ فقيل : خالد قوتل فقاتل ، فقال : قضاءُ الله خيرٌ .
(أ) عن ((كداء))، ((كُدَى)) راجع ياقوت ج ٤ ص ٢٤١
(٢) موضع فى أسفل مكة .
(٣) الخدمة : جبل بمكة .

١٢٧
وقُتل من المسلمين رجلان أخطا الطّريق أحدهما كُرْز بن جابر الفِهْرى
و[الآخر] خالد الأشْقر الخُراعى، وضُربت لرسول الله، وَلَّه، قبّة من أدم
بالحَجون فمضى الزّبير بن العوام برايته حتى ركزها عندها، وجاء رسول الله ،
وَّر، فدخلها فقيل له : ألا تنزل (١) منزلك؟ فقال: وهل ترك عَقِيلٌ لنا منزِلًا؟
ودخل النبيّ، وَله، مكّة عَنوةً فأسلم النّاس طائعين وكارهين ، وطاف رسول
الله، وَّر، بالبيت على راحلته وحول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنمًا، فجعل كلّما
مرّ بصنَم منها يُشير إليه بقضيب فى يده ويقول: جاءَ الحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إن الْبَاطِلَ
كَانَ زَهُوقًا: فيقع الصّنم لوجهه ، وكان أعظمها هُبَل ، وهو وِجاهَ الكعبة ، ثمّ جاء
إلى المقام وهو لاصق بالكعبة فصلّى خلفَه ركعتين ، ثمّ جلس ناحيةٌ من المسجد
وأرسل بلالاً إلى عثمان بن طلحة أن يأتى بمفتاح الكعبة فجاء به عثمان فقبضه
رسول الله، وَثله، وفتح الباب ودخل الكعبة فصلّى فيها ركعتين وخرج فأخذ
بعضَادَتَى الباب والمفتاح معه ، وقد لُبط بالّاس حول الكعبة ، فخطب النّاس يومئذ
ودعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال : خذوها يا بنى أبى طلحة تالدةً
خالدةً لا ينزعها منكم أحد إلاّ ظالم ! ودفع السّقاية إلى العباس بن عبد المطّلب
وقال: أعطيتُكم ما تَزْزَأكم ولا تَرْزَءونَها! (٢) ثمّ بعث رسول الله، وَِّ ، تميم بن
أسد الخزاعى فجدّد أنصابَ الحَرَم .
وحانت الظهر فأذّن بلال فوق ظَهر الكعبة وقال رسول الله، وَله: لا تُغْزَى
قُريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة ! يعنى على الكفر. ووقف رسول الله، وَلّل،
بالحَزْوَرَة وقال: إنّك لخيرُ أرض الله وأحبّ أرض الله إلىّ، يعنى مكّة ، ولولا أنّى
(١) ألا تنزل .. إلخ. الحلبى ((قال: يارسول الله أين تنزل غدا؟ أتنزل فى دارك؟ فقال: وهل
ترك لنا عقيل من دار !)) .
(٢) فى هامش ل (( ابن هشام ص ٨٢١ س ٤ ( أسفل ) أعطيكم ما تُؤْزَغُون لاما تَرْزَءُون)).
الأزرقى ص ١٨٦ (( أعطيتكم ما ترزءُون فيها ولا أعطيكم ما ترزءون منه)) الحلبى مفسرا (( إنما أعطيكم
ما تبذلون فيه أموالكم للناس أى وهو السقاية ، لا ما تأخذون فيه من الناس أموالهم وهى الحجابة ))
والدياربكرى جـ ٢ ص ٩٤ س ٥ (( أعطيكم ماترزءون فيه لا ماترزءون منه)) قال أبو على: معناه أنا
أعطيكم ما تتموّنون على السقاية التى تحتاج إلى مؤن. أى فأنتم تُؤْزَءون - بضم التاء وسكون الراء
المهملة قبل الزاى المعجمة المفتوحة - من الرُّزء بالضم وهو النقص . أى يرزؤكم الناس أى ينقصونكم
بالأخذ لتموينكم إياهم بتموين السقاية المعدّة لهم ، وأما السدانة فيرزأ بها الناس بالبعث إليها ، أى =

١٢٨
أُخرجتُ منك ما خرجتُ ، وبثّ رسولُ الله، وَ، السّرايا إلى الأصنام التى
حول الكعبة فكسرها ، منها : العُزّى ومنَاة وسُواع وبُوانة وذو الكفّين .
فنادى مناديه بمكّة : مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع فى بيته صنمًا إلاّ
كسره .
ولمّا كان من الغد من يوم الفتح خطب رسول الله، وَ ظله، بعد الظهر فقال:
إنّ الله قد حَرَّم مكّة يوم خلق السموات والأرض فهى حرام إلى يوم القيامة ولم تحلّ
لى إلّ ساعةً من نهار ثمّ رجعتْ كحرمتها بالأمس فليُبلّغ شاهدُكم غائبَكم ،
ولا يحلّ لنا من غنائمها شىء . وفتحها يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان
وأقام بها رسول الله، وَلَه، خمس عشرة ليلة يصلّى ركعتين، ثمّ خرج إلى
حُنين، واستعمل على مكّة عَّاب بن أسيد يصلّى بهم ومُعاذ بن جَبَل يعلّمهم
السّنّن والفقه .
وأخبرنا محمّد عُبيد الطّافسى قال : أخبرنا محمّد بن إسحاق عن محمّد بن
شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال : خرج رسول الله ،
وَّر ، فى عشر مضين من رمضان عام الفتح من المدينة فصام حتّى إذا كان
بالكَديد أفطر فكانوا يرون أنّه الآخر من أمر رسول الله، وَلهم .
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الزُّهْرى عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن
شهاب أنّ عبيد الله بن عبد الله أخبره أنّ ابن عبّاس أخبره أنّ رسول الله. ◌َله،
خرج عام الفتح فى رمضان فصام حتّى إذا كان بالكَديد واجتمع النّاس إليه أخذ
فَعْبًا فشرب منه ثمّ قال: أيّها النّاس مَن قَبَلَ الرّخصة فإن رسول الله، وَه ، قد
قبلها ، ومن صام فإنّ رسول الله، وَّةِ، قد صام: فكانوا يتبعون الأحدثَ
فالأحدث من أمره ويرون المحكَمَ النّاسخَ .
= بعث كسوة البيت. أى لا يليق أن تَوْزءوا - بفتح التاء وسكون الراء المهملة قبل المعجمة - أى
تنقصوا الناس بأخذ أموالهم والتعرض لذلك لشرفكم . وقيل معنى تُرزءون فيه - بضم المثناة - أى
تستجلبون به الأموال أى تأخذون منه أموال الناس كالحجابة )) .
لدى الصالحى ج ٥ ص ٣٦٨ ((إنما أعطيتكم ما تُرْزَعُون ولم أعطكم ماتَرْزَءون)). يقول
((أعطيتكم السقاية لأنكم تغرمون فيها ولم أعطكم البيت )) أى أنهم يأخذون من هديته .

١٢٩
أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا ليث بن سعد ، حدّثنى ابن شهاب عن عبيد
الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنّه أخبره أنّ رسول الله، وَظَرِ ،
خرج عام الفتح فى شهر رمضان فصام حتّى بلغ الكَديد ثمّ أفطر ، وكان أصحاب
رسول الله، وَله، يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره.
أخبرنا الضّحاك بن مَخْلد أبو عاصم النّبيل عن سعيد بن عبد العزيز التّنُوخى ،
أخبرنا عَطيّة بن قيس عن قَزَعَة عن أبى سعيد الخُدْرى قال : أذِنَنَا رسول الله ،
وَّر، لليلتين خلتا من شهر رمضان فخرجنا ونَحنُ صُوّامٍ حتّى إذا بلغنا الكَديد
أمرَنا رسول الله، وَلَه، بالفطر فأصبحنا شَرْجَينُ (١) منّا الصّائِم ومنّا المُفْطر حتّى
إذا بلغْنا مَرّ الظّهْران أَعْلَمَنا أنّا نَلْقَى العدوّ وأمرَنا بالفطْر .
وأخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسى ، أخبرنا شعبة وأخبرنا مسلم بن إبراهيم عن
هشام الدّستَوائى قالا : أخبرنا قتادة عن أبى نَضْرة عن أبى سعيد الخُذْرى قال : خرجنا
مع رسول الله، وَله، حين فتحنا مكّة لثمانى عشرة أو سبع عشرة من رمضان فصام
بعضنا وأفطر بعضنا فلم يَعِبْ المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر .
أخبرنا هاشم بن القاسم . قال : أخبرنا شعبة عن الحكم عن مِقْسَم عن ابن
عبّاس قال: صامَ رسول الله، وَلَه، يوم فتح مكّة حتى أتى قُدَيدًا فأتى بقَدَح من
لبن فأفطر وأمر النّاس أن يفطروا .
أخبرنا طَلْق بن غَنّام النّخَعى ، أخبرنا عبد الرّحمن بن جريس الجعفرى .
حدّثنى حمّاد عن إبراهيم أنّ رسول الله، وَلّ، افتتح مكّة فى عشر من رمضان
وهو صائمٌ مسافرٌ مجاهد .
أخبرنا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول
الله، وَلّه، خرج عام الفتح إلى مكّة بثمانية آلاف أو عشرة آلاف وخرج من أهل
مكّة بألفین إلى حنين .
أخبرنا عمر بن سعد أبو داود الحقَرى عن يعقوب القُمّى عن جعفر بن أبى
المغيرة عن ابن أبْزَى قال: دخل النبيّ، وَلّل، مكّة فى عشرة آلاف.
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (شرج) وفى حديث الصوم ((فأمرنا رسول الله وَل بالفطر
فأصبح الناس شرجين )) يعنى نصفين : نصفٌ صِيام ونصف مفَاطِير .
[٩ - الطبقات الكبير جـ ٢ ]

١٣٠
أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن أبى فُديك عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن
جدّه أنّه قال: غزونا مع رسول الله، وَخيه، عام الفتح ونحن ألف ونيّف ، يعنى
قومه مُزينة ، ففتح الله له مكّة وحُنينًا .
أخبرنا معن بن عيسى وشبابة بن سوّار وموسى بن داود قالوا : أخبرنا مالك بن
أنس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله، وَلَّل، مكّة عام
الفتح وعلى رأسه المِغْفَر ثمّ نزعه ، قال معن وموسى بن داود فى حديثهما : فجاء
رجل فقال : يا رسول الله ، ابن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة ! فقال رسول الله ،
وَله: اقتلوه! قال معن فى حديثه قال مالك: ولم يكن رسول الله، ◌َّل ، يومئذ
مُحْرِمًا .
أخبرنا إسماعيل بن أبان الورّاق، أخبرنا أبو أويس ، حدّثنى الزّهرى أنّ أنس
ابن مالك حدّثه أنّه رأى رسول الله، وَلّه، عام الفتح وعلى رأسه المِغفر فلمّا نزعه
عن رأسه أتاه رجل فقال : يا رسول الله ، هذا ابن خَطَل متعلّق بأستار الكعبة !
فقال رسول الله ، وَليل: اقتلوه حيث وجدتموه !
أخبرنا الفَضْل بن دُكين ، أخبرنا سفيان ، يعنى الثورى ، عن ابن جريج عن
رجل عن طاوس قال: لم يدخل رسول الله، وَ له، مكّة إلّ مُخْرِمًا إلّ يومَ الفتح
دخل بغير إحرام .
أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا شَريك عن عَمّار الدُّهْنى عن أبى الزّبير عن
جابر قال : دخل النبيّ، وَّ، عام الفتح وعليه عِمامةٌ سوداء.
حدّثنا عفّان بن مسلم وكَثير بن هشام قالا : أخبرنا حمّاد بن سلمة عن أبى
الزّبير عن جابر أنّ رسول الله، ◌َّ، دخل يوم فتح مكّة وعليه عِمامةٌ سوداءُ.
أخبرنا عبد الله بن الزّبير الحُميدى ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن هشام عن
عروة عن أبيه عن عائشة أنّ رسول الله، وَله، دخل يوم الفتح من أعلى مكّة
وخرج من أسفل مكة .
أخبرنا سُويد بن سعيد قال: أخبرنا حَفْص بن مَيْسَرَة أبو عمر الصّنْعانى عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ رسول الله، وَلّر، دخل عام الفتح من كَداء
من الننيّة التى بأعلى مكّة .
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السّكّرى ، أخبرنا يحيى بن سُليم

١٣١
الطائفى عن إسماعيل بن أميّة عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله، وَّة، كان
يدخل مكّة من الثنيّة العُليا ويخرج من الثنيّة السّفْلى .
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيّالسى وشبابة بن سَوّار وهاشم بن القاسم (١) وعمرو
ابن الهَيثَم أبو قَطنَ، قالوا : أخبرنا شعبة عن عمرو بن دينار عن عُبيد بن عُمير قال :
قال رسول الله، وَ لَه، يوم فتح مكّة لأصحابه: إنّ هذا يوم قتال فَأَقْطرُوا. قال
شبابة : قال شعبة لم يسمع عمرو بن دينار من عُبيد بن عُمير إلاّ ثلاثة أحاديث .
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العجلى قال : أخبرنا محمّد بن عمرو عن أبى
سَلمة ويحتّى بن عبد الرحمن بن حاطب قالا : لمّ كان يوم فتح رسول الله ،
وَّر، مكّة كان عبد الله بن أمّ مكتوم بين يديه وبين الصّفا والمروة وهو يقول :
يَا خَبِذَا مَكّةُ مِنْ وَادى أرْضّ بها أهْلى وعُوّادى
أرضٌ بِهَا أَمْشى بلا هَادى أَرْضٌ بِهَا تَرْسَخُ أَوْتَادى
أخبرنا عفّان بن مسلم ، أخبرنا حماد بن سلمة عن علىّ بن زيد عن سعيد بن
المسيّب: أنّ رسول الله، وَ له، أمر بقتل ابن أبى سَرْح يوم الفتح وفَْتَنا وابن الزّبَعْرَى
وابن خَطَل ، فأتاه أبو بَرْزَة وهو متعلّق بأستار الكعبة فبقر بطنه ، وكان رجل من
الأنصار قد نذر إن رأى ابن أبى سَرْح أن يقتله ، فجاء عثمان وكان أخاه من الرضاعة
فشفع له إلى النبيّ، وَل، وقد أخذ الأنصارى بقائم السيف ينتظر النبىّ متى يومىءُ
إليه أن يقتله، فشفع له عثمان حتى تركه: ثمّ قال رسول الله، وَلّر ، للأنصارى:
هلاّ وفيتَ بنذرك ؟ فقال : يا رسول الله ، وضعت يدى على قائم السيف أنتظر متى
تومىء فأقتله! فقال النبيّ، وَلَّ: الإيماء خيانةٌ ! ليس لنبىّ أن يومىء.
أخبرنا أحمد بن الحجاج الخُراسانى ، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال : أخبرنا
مَعْمَر عن الزهرىّ عن بعض آل عمر بن الخطّاب قال : لمّا كان يوم الفتح ورسول
الله، وَلّ، بمكّة أرسل إلى صَفْوان بن أُميّة بن خَلفَ وإلى أبى سفيان بن حرب
وإلى الحارث بن هشام قال عمر : قلت قد أمكن الله منهم أعْرَفَهم بما صنعوا حتى
قال النبىّ، وَله، مثلى ومثلكم كما قال يوسف لإخوته ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ
(١) ل ((أو)).

١٣٢
اَلْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرََّحِمِينَ﴾ [ سورة يوسف: ٩٢ ]. قال عمر:
فانفضحتُ حَياءً من رسول الله، وَِّ، كراهيةً لما كان منّى ، وقد قال لهم رسول
الله، وَلَّه، ما قال.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنْعانى ، حدّثنى إبراهيم بن عَقيل بن مَعْقل
عن أبيه عن وهب عن جابر: أنّ النبيّ، وَلِّ، أمر عمر بن الخطّاب زمن الفتح
وهو بالبطحاء أن يأتى الكعبةَ فَيَمْحُوَ كلّ صورةٍ فيها، ولم يدخلها النبيّ، وَّل ،
حتى مُحيَت كل صورة فيها .
أخبرنا موسى بن داود ، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن
عَّاس عن الفَضْلِ: أنّ النبيّ، وَلَه ، دخل البيت فكان يسبح ويكبّر ويدعو
ولا یرکع .
أخبرنا خالد بن مخلد البَجَلى: أخبرنا سليمان بن بلال ، حدّثنى عبد الرّحمن
ابن الحارث بن عَيَّاش عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال : جلس النبيّ ،
وَليره ، عام الفتح على درج الكعبة فحمد الله وأثنى عليه وقال فيما تكلّم به:
لا هجرة بعد الفتح .
أخبرنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة (١) عن الأعرج عن أبى هريرة قال : كان
يومَ الفتح بمكة دخانٌ ، وهو قول الله عزّ وجلّ ﴿ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ .
[ سورة الدخان : ١٠ ]
أخبرنا هشام أبو الوليد الطّالسى ، أخبرنا شعبة عن أبى إياس قال : سمعت
عبد الله بن المغفّل قال: رأيت رسول الله، وَليل، يوم فتح مكة على ناقته وهو
يسير ويقرأ سورة الفتح ويرجّع ويقول : لولا أن يجتمع النّاس حولى لرجّعت كما
رجّع .
أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا أبو معشر عن العباس بن عبد الله بن مَعْبَد
قال: قال رسول الله، وَلِّ، الغَدَ من يوم الفتح: أَذْهبوا عنكم عُبَّة الجاهليّة
وفَخْرَها بآبائها ، النّاس كلّهم بنو آدم وآدم من تراب !
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنعانيّ ، أخبرنا إبراهيم بن عَقيل بن مَعقل
(١) أخبرنا موسى بن داود ، حدثنا ابن لهيعة: تحرف فى الطبعات السابقة إلى (( موسى بن داود
ابن لهيعة )) وصوابه من ت .

١٣٣
عن أبيه عن وهب بن مُنّه ، قال : سألت جابر بن عبد الله هل غنموا يوم الفتح
شيئًا ؟ قال : لا .
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدى عن علىّ بن زيد بن جدعان عن أبى
نضْرَة عن عمران بن حصين قال: شهدت مع النبيّ، وَلّر، الفتح فأقام بمكّة
ثمانى عشرة ليلة لا يصلّى إلّ ركعتين.
أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا سفيان عن يحتَى بن أبى إسحاق قال :
سمعت أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله، وَّلَه، يَقْصُر حتى أتى مكّة
وأقمنا بها عشرًا يقصر حتى رجع .
أخبرنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا محمّد بن إسحاق عن الزهريّ عن عبيد
الله بن عبد الله بن عتبة قال: أقام رسول الله، وَالر، عام الفتح بمكّة خمس
عشرة ليلةً يقصر الصلاة حتى سار إلى حُنين .
أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا المسعودى عن الحكم : أنّ رسول الله ،
وَله، خرج فى رمضان من المدينة لستّ مَضَين فسار سبعًا يصلّ ركعتين حتى
قدم مكّة فأقام بها نصف شهر يقصر الصّلاة ، ثمّ خرج لليلتين بقيتا من شهر
رمضان إلى محُنين .
أخبرنا الفضل بن دُكين ، أخبرنا شَريك عن عبد الرحمن بن الأصبهانى عن
عكرمة عن ابن عباس قال: أقام النبيّ، وَلَه، بمكّة بعد الفتح سبعة عشر يومًا
يصلّى ركعتين .
أخبرنا محمّد بن حرب المكّى ، أخبرنا بكر بن مُضر عن جعفر بن ربيعة عن
عِراك بن مالك: أنّ النبيّ، وَلِّ، صلّى بمكّة عام الفتح خمس عشرة ليلةً يصلّى
ركعتين ركعتين .
أخبرنا سليمان بن حرب ، أخبرنا حماد بن سلمة عن علىّ بن زيد عن أبى
نَضْرة عن عمران بن حصين قال: أقام رسول الله، مَلَه، زمن الفتح بمكّة ثمانى
عشرة يصلّى ركعتين ركعتين .
أخبرنا عقّان بن مسلّم ، أخبرنا وُهيب ، أخبرنا عُمارة بن غَزيّة ، أخبرنا الرّبيع
ابن سَبْرَة الجُهَنى عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله، وَلَه ، عام الفتح فأقام
خمس عشرة من بين يوم وليلة .
أخبرنا كثير بن هشام ، أخبرنا الفُرات بن سليمان عن عبد الكريم بن مالك

١٣٤
الجَزَرى عن مُجاهد عن مولاةٍ لأمّ هانىءٍ: أنّ رسول الله، وَلَه، حين فتح مكة
دعَا بإنَاءٍ فاغتسل ثمّ صلّى أربع ركعات .
أخبرنا يحيى بن عبّاد ، أخبرنا فُليح بن سليمان : سمعت سعيد بن أبى سعيد
المَقَبْرى قال : أخبرنى أبو مرّة مولى أم هانىء أنّ أمّ هانىء أخبرته أنّها دخلت منزل
رسول الله، وَله، يوم الفتح تُكلّمه فى رجل تستأمن له قالت: فدخل رسول الله،
وَخِيه، وقد وقع الغبار على رأسه ولحيته فَشُتِرَ بثوب فاغتسل، ثمّ خالف بين طَرَفَىْ
توبه فصلّی الضّحی ثمانى ركعات .
أخبرنا هاشم بن القاسم ، أخبرنا لیث بن سعد ، حدّثنی یزید بن أبى حبيب عن
سعيد بن أبى هند أنّ أبا مُرّة مولى عقيل بن أبى طالب أخبره أنّ أمّ هانىء بنت أبى
طالب حدّثته أنّ رسول الله، وَرَ، لَمّا (١) كان عام الفتح فرّ إليها رجلان من بنى
مخزوم فأجارتهما ، فدخل علىّ عليها فقال : لأقتلنّهما ! قالت : فلما سمعته يقول
ذلك أتيت رسول الله، وَّل، وهو بأعلى مكّة، فلما رآنى رسول الله، وَه ،
رحّب بى وقال : ما جاء بِكِ يا أمّ هانىء؟ قلت : يا نبيّ الله رجلين من أحمائى فأراد
علىّ قتلهما ، فقال رسول الله، وَلّ: قد أجرنا من أجرتِ ! ثم قام رسول الله،
وَّ إلى غسله فَسَتَرَته فاطمة بثوب ثم أخذ ثوبه فالتحفَ به ثم صلّى ثمانی ركعات
سُبْحَةَ الضُّحى .
أخبرنا أبو بكر بن محمّد بن أبى مُرّة المكّى ، حدّثنى سعيد بن سالم المكّى عن
رجل قد سمّاه قال: استعمل رسول الله، وَلّ ، على سوق مكّة حين افتتحها
سَعيدَ بن سعيد بن العاص بن أميّة، فلما أراد النبىّ، وَّير، أن يخرج إلى الطائف
خرج معه سعيد بن سعيد فاستُشهد بالطائف .
أخبرنا أبو بكر بن محمّد بن أبى مُرّة ، حدّثنی مُسلم بن خالد الزّنجى عن ابن
(١) كذا فى ل: وقد نبه عليه المستشرق هنا بقوله: الكلمات ((أن رسول الله مَّل)) أهملت
بعد ذلك ولم تكمل الجملة ، وقد وضعت ثلاث نقط كى أدلل على ما سقط من الجملة . قلت : ومثله
فى مخطوطة تشستربتى . وفى الموضع المماثل ورد لدى الواقدى ج ٢ ص ٨٢٩ (( وكانت أم هانئ بنت
أبى طالب تحت هبيرة بن أبى وهب المخزومى ، فلما كان يوم الفتح دخل عليها حموان لها - عبد الله
ابن أبى ربيعة المخزومى ، والحارث بن هشام - فاستجارا بها وقالا : نحن فى جوارك ! فقالت : نعم ،
وأنتما فى جوارى . قالت أم هانئ ! فهما عندى إذ دخل عَلِيٍّ فارسًا مدججا فى الحديد ولا أعرفه ،
فقلت له: أنا بنت عم رسول الله وَلّر ... )).

١٣٥
بجريج قال: لمّ خرج النبيّ، وَّهِ، إلى الطائف فى عام الفتح استخلف على مكّة
هُبِيرة بن شبل بن العَجْلان الثّقَفى ، فلمّا رجع من الطائف وأراد الخروج إلى المدينة
استعمل عَتّاب بن أسيد على مكّة وعلى الحجّ سنةً ثمان .
أخبرنا محمّد بن عُبيد ، حدّثنى زكريّاء بن أبى زائدة عن عامر قال : قال
الحارث بن مالك بن بَرْصاء: سمعتُ النبىّ، وَ له، يوم الفتح يقول: لا تُغْزَى
بعدها إلى يوم القيامة .
سريّة خالد بن الوليد الى العُزّى (١)
ثمّ سريّة خالد بن الوليد إلى العُزّى لخمس ليالٍ بقين من شهر رمضان سنة
صَلى اللّه
ثمان من مُهاجر رسول الله ،
٠
وَه، حين فتح مكّة خالد بن الوليد إلى العُزّى
قالوا : بعث رسول الله،
ليهدمها ، فخرج فى ثلاثين فارسًا من أصحابه حتّى انتهوا إليها فهدمها ثمّ رجع إلى
رسول الله، وَيّر، فأخبره فقال: هل رأيتَ شيئًا ؟ قال: لا! قال : فإنّك لم
تهدمها فارجع إليها فاهدمها : فرجع خالد وهو متغيّظ فجرّد سيفه فخرجت إليه
امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس ، فجعل السادن يصيح بها ، فضربَها خالد فَجَزَلَها
باثنين ورجع إلى رسول الله، وَلَّه، فأخبره فقال: نعمْ تلك العُزّى وقد يئستْ أن
تُعْبَد ببلاد كم أبدًا! وكانت بنخلة وكانت لقريش وجميع بنى كنانة وكانت أعظم
أصنامهم وكان سَدَنَتها بنو شَيبان من بنى سُلَيم .
سريّة عمرو بن العاص إلى سُواع (٢)
ثمّ سريّة عمرو بن العاص إلى سُواع فى شهر رمضان سنة ثمان من مُهاجَر
رسول الله، وَال﴾ .
قالوا: بعث النبيّ، وَلِّ، حين فتح مكة عمرو بن العاص إلى سُواع، صنم
(١) تاريخ الطبرى ج ٣ ص ٦٥، والنويرى ج ١٧ ص ٣١٤
(٢) تاريخ الطبرى ج ٣ ص ٦٦، والنويرى ج ١٧ ص ٣١٥

١٣٦
هُذيل ، ليهدمه . قال عمرو : فانتهيتُ إليه وعنده السادِن فقال : ما تريد ؟ قلت :
أمرنى رسول الله، وَلَه، أن أهدمه . قال: لا تَقدر على ذلك. قلتُ : لِمَ ؟ قال:
تُتْنَع! قلت: حتّى الآن أنت فى الباطل ! وَيْحَك وهل يَسْمع أو يُصر ! قال :
فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابى فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئًا ، ثمّ
قلت للسادن : كيف رأيتَ ؟ قال : أسلمتُ لله .
سريّة سعد بن زيد الأشْهَلى إلى مَناة (١)
ثمّ سريّة سعد بن زيد الأشهلى إلى مَناة فى شهر رمضان سنه ثمان من مُهاجَر
رسول الله، وَله .
قالوا: بعث رسول الله، وَلّر، حين فتح مكّة سعد بن زيد الأشهلى إلى مَناة ،
وكانت بالمُشَلّل للأوس والخزرج وغسّان . فلمّا كان يوم الفتح بعث رسول الله ،
وَالخَِّ ، سعد بن زَيد الأشهلى يهدمها فخرج فى عشرين فارسًا حتّى انتهى إليها
وعليها سادن . فقال السادن : ما تريد ؟ قال: هَدْمَ مَناةَ ! قال : أنت وذاك ! فأقبلَ
سعد يمشى إليها وتخرج إليه امرأة ◌ُريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب
صدرها ، فقال السادن : مَناة دونَك بَعْضَ غَضَباتك ! ويضربها سعد بن زيد
الأشهلى وقتلها ويُقبل إلى الصنم معه أصحابه فهدموه ولم يجدوا فى خزانتها شيئًا
وانصرف راجعًا إلى رسول الله، وَجّه، وكان ذلك لستّ بقين من شهر رمضان.
سريّة خالد بن الوليد إلى بنى جَذِيمَة من كنانة (٢)
ثمّ سريّة خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة من كنانة ، وكانوا بأسفل مكّة على
ليلة ناحيةَ يَلَمْلَم فى شوّال سنة ثمان من مُهاجَر رسول الله، وَّةِ، وهو يوم
الغُمَيصاء .
قالوا: لمّ رجع خالد بن الوليد من هَدْم العُزّى ورسول الله، وَّل، مقيم بمكّة
(١) تاريخ الطبرى ج ٣ ص ٦٦، والصالحى ج ٦ ص ٣٠٤
(٢) ابن هشام ج ٤ ص ٤٢٨، والصالحى ج ٦ ص ٣٠٥
٠

١٣٧
بعثه إلى بنى جَذيمة داعيًا إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلاً، فخرج فى ثلاثمائة
وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبنى سُليم ، فانتهى إليهم خالد فقال :
ما أنتم ؟ قالوا : مسلمون قد صلّينا وصدّقنا بمحمّد وبنينا المساجد فى ساحاتنا وأذّنًا
فيها ! قال : فما بالُ السلاح عليكم ؟ فقالوا : إنّ بيننا وبين قوم من العرب عداوةً
فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح ! قال : فضَعُوا السلاحَ ! قال : فوضعوه ،
فقال لهم : استأسروا ، فاستأسر القوم ، فأمر بعضَهم فكتف بعضًا وفرّقهم فى
أصحابه ، فلمّا كان فى السّحَر نادى خالد: من كان معه أسيرٌ فَلْيُدفّه! والمُدافّة
الإِجهاز عليه بالسيف ، فأمّا بنو سُليم فقتلوا من كان فى أيديهم ، وأمّا المهاجرون
والأنصار فأرسلوا أساراهم، فبلغ النبيَّ، وَّ، ما صنع خالد فقال: اللهمّ إنّى أبرأ
إليك مما صنع خالد ! وبعث علىّ بن أبى طالب فوَدَى لهم قَتْلاهم وما ذهب منهم
ثمّ انصرف إلى رسول الله فأخبره .
أخبرنا العباس بن الفضل الأزرق البصرى ، أخبرنا خالد بن يزيد الجَوْنى ،
أخبرنا محمّد بن إسحاق عن ابن أبى حَدْرَد عن أبيه قال : كنت فى الخيل التى
أغارت مع خالد بن الوليد على بنى جَذيمة يوم الغُميصاء ، فلحقنا رجلًا منهم معه
نسوةٌ فجعل يقاتلنا عنهنّ ويقول (١):
رَحِينَ أَذْيالَ الحِقَاءِ وَأَرْبَعَنْ مَشْىَ حُيَّاتٍ كَأَنْ لَمْ تُفْزَعَنْ
إِنْ يمنَعِ القَوْمَ ثَلاثٌ تُمْنَعَنْ
قال : فقاتل ثلاثًا عنهنّ حتّى أصعدهنّ الجبل .
قال : إذ لحقنا آخَرَ معه نسوة قال فجعل يقاتل عنهنّ ويقول (٢):
قَدْ عَلمَتْ بَيْضاءُ حَمْراء الإطِلْ يَحُوزُها ذُو ثَلّةٍ وَذُو إِبِلْ
لَأُغْنِيَنَّ الْيَوْمَ ما أَغْنَى رَجُلْ
فقاتل عنهنّ حتّى أصعدهنّ الجبل .
قال : إذ لحقنا آخَرَ معه نسوة فجعل يقاتل عنهنّ ويقول :
(١) انظر ماورد من الأبيات لدى ابن هشام ج ٤ ص ٤٣٥
(٢) انظر ابن هشام ج ٤ ص ٤٣٥

١٣٨
لا تملأ اللجين منْهَا نَهْسَا
العدسَا
قَدْ عَلمَتْ يَبْضاءُ تُلْهى
ضَرْبَ المُذِيدِينَ المَخَاضَ القُعْسا
لأَضْرِبَنّ اليَوْمَ ضَرْبًا وَعْسَا
فقاتل عنهنّ حتّى أصعدهنّ الجبل فقال خالد : لا تتبعوهم .
أخبرنا العباس بن الفضل ، أخبرنا سفيان بن عيينة ، حدّثنى عبد الملك بن
نَوْفَل بن مُساحق القرشى عن عبد الله بن عصام المُنى عن أبيه قال : بعثنا رسول
الله، وَّه، يوم بطن نخلة فقال: اقتلوا ما لم تسمعوا مؤذّنًا أو تَروا مسجدًا، إذ
لحقنا رجلًا فقلنا له : كافرٌ أو مسلم ؟ فقال : إن كنتُ كافرًا فَمَهْ ! قلنا له : إن
كنت كافرًا قتلناك ! قال: دَعُونى أقضٍ إلى النسوان حاجةً ! قال: إذ دنا إلى امرأة
منهنّ فقال لها : اسلَمى مُبَيْش عَلى نَفَد العيش !
بحَلْيَةً أَوْ أدْرَكْتُكُمْ بِالخَوانقِ
أَرَيْتَكِ (١) إِذْ طالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكم
تَكَلّفَ إِذْلاَجَ السُّرَى والوَدائقِ ؟
أما كانَ أَهْلًا أنْ يُنَوَّلَ عاشقٌ
أَثِيِى بِوُدِّ قَبْلَ إحْدى الصّفائقِ !
فَلَا ذَنْبَ لى قَدْ قُلتُ إِذْ نحنُ جيرَةٌ
وَيَنْأَى أميرى بالحبيبِ المُارِقِ
أَتِيِى بِؤُدٍ قَبَلَ أن تَشخَطَ النّوَى ،
فقالت : نعم محُيّيتَ عشرًا وسبعًا وِتْرا وثمانيًا تَتْرَى ! قال : فقربناه فضربنا
عنقه : قال : فجاءت فجعلت ترشفه حتى ماتت عليه ! وقال سفيان : وإذا امرأة
كثيرة النّحض ، يعنى اللحم .
غزوة رسول الله، ◌َّ ، الى حُنين (٢)
ثمّ غزوة رسول الله، وَله، إلى حُنين وهى غزوة هَوازن فى شوّال سنة ثمان
من مُهاجَر رسول الله وَلَه، وحنين وادٍ بينه وبين مكّة ثلاث ليال .
قالوا: لمّ فتح رسول الله، وَله، مكّة مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها
إلى بعض وحَشدوا وبَغوا ، وجمع أمرَهم مالك بن عوف النّصرى ، وهو يومئذ ابن
(١) انظر: ماورد من الأبيات لدى ابن هشام ج ٤ ص ٤٣٣
(٢) مغازى الواقدى ص ٨٨٥

١٣٩
ثلاثين سنة ، وأمرهم فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم حتى نزلوا
بأوطاس (١)، وجعلت الأمداد تأتيهم فأجمعوا المسير إلى رسول الله، وَخِيه ،
فخرج إليهم رسول الله ، وَّله، من مكّة يوم السبت لستّ ليال خلون من شوّال
فى اثنى عشر ألفًا من المسلمين: عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من أهل مكّة .
فقال أبو بكر: لا نُغْلَب اليومَ من قِلَّةٍ ! وخرج مع رسول الله، وَّه، ناسٌ من
المشركين كثير، منهم صَفْوان بن أميّة، وكان رسول الله، وَلَه، استعار منه مائةً
درع بأداتها، فانتهى إلى محنين مَساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوّال ، فبعث
مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر أصحاب رسول الله، وَله ، فرجعوا إليه وقد
تفرّقت أوصالهم من الرّعب .
ووجّه رسول الله، وَّ، عبدَ الله بن أبى حَدْرَد الأسْلَمی فدخل عسكرَهم
فطاف به وجاء بخبرهم ، فلمّا كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه
فعبأهم فى وادى حنين فأوعز إليهم أن يحملوا على محمّد وأصحابه حملةً واحدةً ،
وعبّأ رسول الله، وَّه، أصحابَه فى السّخَر وصفّهم صفوفًا ووضع الألوية
والرايات فى أهلها ، مع المهاجرين لواء يحمله علىّ بن أبى طالب وراية يحملها
سعد بن أبى وقّاص وراية يحملها عمر بن الخطّاب ، ولواء الخزرج يحمله حُباب بن
المنذر ، ويقال لواء الخزرج الآخر مع سعد بن عُبادة ولواء الأوس مع أسيد بن
مُحُضير ، وفى كل بطن من الأوس والخزرج لواء أو راية يحملها رجل منهم
مُسَمّى، وقبائل العرب فيهم الألوية والرايات يحملها قومٌ منهم مسمّون .
وكان رسول الله، وَلّل، قد قدّم سليمًا من يوم خرج من مكّة واستعمل
عليهم خالد بن الوليد ، فلم يزل على مقدّمته حتى ورد الجعرانةً ، وانحدر رسول
الله، وَّ، فى وادى الحُنين على تعبئة وركب بغلتَه البيضاء دُلْدُل ولبس دِرْعَين
والمغفر والبيضة ، فاستقبلهم من هَوازن شىء لم يَروا مثله قط من السّواد والكثرة ،
وذلك فى غَبَش الصُّبح ، وخرجت الكتائب من مضيق الوادى وشعبه فحملوا
حملةً واحدةً وانكشفت الخيل خيل بنى سُليم مولّةً وتبعهم أهل مكة وتبعهم النّاس
(١) واد فى ديارهوازن .

١٤٠
منهزمين ، فجعل رسول الله ، وَّله، يقول: يا أنصارَ الله وأنصارَ رسوله أنا عبد
الله ورسوله! ورجع رسول الله، وَّه إلى العسكر وثَابَ إليه مَن انهزم وثبت معه
يومئذ العبّاس بن عبد المطّلب وعلىّ بن أبى طالب والفضل بن عبّاس وأبو سفيان
ابن الحارث بن عبد المطّلب وربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب وأبو بكر وعمر
وأسامة بن زيد فى أُناس من أهل بيته وأصحابه ، وجعل يقول للعبّاس : نادٍ يا معشر
الأنصار يا أصحاب السّمُرة (١) يا أصحاب سُورة البَقَرة ! فنادى ، وكان صَيًّا ،
فأقبلوا كأنّهم الإبل إذا حنّت على أولادها يقولون : يا لَبَيْك يا لَبِيْك! فحملوا على
المشركين فَأَشْرَفَ رسول الله، وَّه، فنظر إلى قتالهم فقال: الآن حَمىَ الوَطيسُ!
أَنَا ابْنُ عَبْد المُطَلبْ (٢)
أنَا النّبيّ لا كَذِبْ
ثمّ قال للعبّاس بن عبد المطّلب : ناوِلْنِى حَصَياتٍ ، فناولتُه حصيات من
الأرض ثمّ قال : شاهَتِ الوجوه ! ورمى بها وجوه المشركين وقال : انهزموا وربّ
الكعبة ! وقذَف الله فى قلوبهم الرعب ، وانهزموا لا يلوى أحد منهم على أحد ،
فأمر رسول الله، وَِّ، أَن يُقْتَل مَن قُدِرَ عليه، فحَنقَ المسلمون عليهم يقتلونهم
حتى قتلوا الذّيّة، فبلغ ذلك رسول الله، بَّهِ، فنهى عن قتل الذّرّيّة، وكان
سيماءَ الملائكة ، يومَ حُنين ، عَمائمُ حُمْرٌ قد أرخوها بين أكتافهم . وقال رسول
الله، وَّ: مَن قَتل قتيلًا له عليه بيّنَةٌ فله سَلَئُه. وأمر رسول الله، وَّه ، بطلب
العدوّ فانتهى بعضهم إلى الطائف وبعضهم نحو نخلة وتوجّه قوم منهم إلى
أَوْطاس، فَعَقَد رسول الله، وَه، لأبى عامر الأشعرى لواءً ووجّهه فى طلبهم.
وكان معه سلمة بن الأكْوَع ، فانتهى إلى عسكرهم فإذا هم ممتنعون فقتل منهم
أبو عامر تسعةً مُبارَزَةً ثمّ بَرَزَ له العاشر مُعْلمًا بعمامة صفراء فضرب أبا عامر فقتله ،
واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعرى فقاتلهم حتى فتح الله عليه وقتل قاتل أبى
عامر ، فقال رسول الله، وََّ: اللَّهُمَّ اغفر لأبى عامر واجعله من أعْلَى أَمّتى فى
الجنّة ! ودَعَا لأبى موسى أيضًا .
وقُتِلَ من المسلمين أيضًا أَيْمنَ بن عُبيد بن زَيد الخزرجى . وهو ابن أمّ أيمن أخو
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (سمر) ومنه الحديث (( يا أصحاب السَّمُرة)) هى الشجرة التى
كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية .
(٢) انظره لدى النویری ج ١٧ ص ٣٢٨