Indexed OCR Text

Pages 1-20

كتاب الطبقات الكبير
G
مُحمَّدُ بْنُ سعدُ بنُ مُتِيع الرشْرِى
ت ٢٢٠ هـ
◌ُّيْقٌ
الدكتور حل محمّ د ثمرة
الناشر مكتبة الخاص بالشاعرة
ابن
سَعْد
الكَبير
تحقيق
الدكتور على محمّد عَيْرٌ

كَابُ الطََّقَاتِ الكَّير
طحمُّ بن سعد بن منيع الهِرِىّ
ت ٢٣٠ هـ
الجزء الأول
فى السّيرة النبوية
تحقيق
الدكتور على محمّد عِرْ
الناشر مكتبة الخانجى بالقاهرة

كار الطِّبَقَاتِ الكبير

٫٠
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
رقم الإيداع ٢٠٠٠/١٨٣١٨
الترقيم الدولي : 4 - 87 - 5046 - 977 .I.S.B.N
الشَّركةُ الدَّوْلِيَّةُ لِلْطَاعَةِ
المنطقة الصناعية الثانية - قطعة ١٣٩ - شارع ٣٩ - مدينة ٦ أكتوبر
: ٣٣٨٢٤٠ - ٣٣٨٢٤٢ - ٠١١/٣٣٨٢٤٤
e-mail: pic@6oct.ie-eg.com

بسم الله الرحمن الرحيمّ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد قدوة المسلمين
وإمام المرسلين .
· ◌ُنِى العرب بتدوين تاريخهم عناية قلّ أن تساويهم فيها أمة من الأمم
أو تدانيها، وافتنوا فى ذلك افتنانا يدعو إلى العجب والإعجاب .
وكان صحابة الرسول وكبار التابعين ومن تبعهم من هؤلاء الذين عنى بهم
فريق من المصنفين كالواقدى وابن سعد فى العهود الإسلامية المبكرة .
ولما كان كتاب الطبقات للواقدى فى عداد المفقود ، فإن كتاب الطبقات
الكبير الذى نقدم له اليوم يعدّ أول كتاب فى الطبقات وصل إلينا . كما يعدّ
كذلك من أوسع الكتب فى هذا المجال وأحفلها وأدقها . فقد أتيح لابن سعد فرصة
الاطلاع على ماسبقه من كتب الأنساب والرجال والتاريخ والتراجم ونحوها .
فاستطاع أن يعتصرها جميعا ليستخلص منها هذه الصورة المتكاملة المترابطة .
وقد ظل ابن سعد من ألمع الوجوه الفكرية فى عصره والعصور التى تلته حيث
اعتمد عليه المؤرخون اللاحقون فی کتاباتهم کالمزی والذهبی وابن کثیر وابن حجر
والسيوطى وغيرهم .
وابن سعد يخصص جزءين من طبقاته لسيرة الرسول وَله وباقى أجزاء
الكتاب ترجمة للصحابة والتابعين ، والجزء الأخير من كتابه خصصه للنساء .
وقد كلفنى السيد / محمد نجيب الخانجى - رحمه الله - بتحقيق هذا الكتاب
سنة ١٩٧٦ م فجمعنا جمهرة أجزاء الكتاب الخطية ، ثم ظهر لنا أن ثمة بعض
الأجزاء ينقصها عدة أوراق ، فبذلت مكتبة الخانجى جهدًا شاقا حتى استحضرت
الأوراق من مواطنها بتركيا على يد المرحوم الدكتور محمود الطناحى .

ثم توقفنا بعض الوقت ظنا منا أن هذا الكتاب سوف يظهر قريبا بصورة
مكتملة ومحققا .
فظهر وقتئذ القسم المتتم لتابعى أهل المدينة ومن بعدهم بتحقيق الأستاذ زياد
منصور سنة ١٩٨٣ م . ثم ظهرت طبعة دار الكتب العلمية بيروت سنة
١٩٩٠م. ثم ظهرت الطبقة الخامسة من الصحابة بتحقيق د.محمد السلمى سنة
١٩٩٣ م . ثم ظهرت الطبقة الرابعة من الصحابة ممن أسلم عند فتح مكة ومابعد
ذلك بتحقيق د. عبد العزيز السلومى سنة ١٩٩٥ م .
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن هاتين الطَّبَقتَيْ مع غيرهما كانت المكتبة قد
أعدتهما للطبع منذ سنة ١٩٨٠ م ، أى قبل ظهور جميع هذه الطبعات بفترة
طويلة .
أما طبعة القسم المتمم لتابعى أهل المدينة فقد ظهر وبه ورقة ناقصة تحتوى على
عدد من التراجم يضاف إلى ذلك كثرة مابه من التصحيف والتحريف وقد أشرنا
إلى بعض ذلك عند موضعه فى هذا الكتاب .
وأما طبعة دار الكتب العلمية فتعدّ من أسوا الطبعات التى ظهرت من هذا
الكتاب نظرا لما يشيع فيها من التصحيف والتحريف الفاحش ، يضاف إلى ذلك
أنها خلت من مئات التراجم التى تضمنتها هذه الطبعة التى نقدم لها اليوم .
كذلك شاع التصحيف والتحريف بصورة واسعة فى تحقيق الطبقتين الرابعة
والخامسة التى أشرت إليهما .
وفوق ذلك فثمة مئات التراجم لم تتناولها أى من الطبعات المشار إليها ، والتى
ظلت مخطوطة حتى أضافتها الطبعة التى نقدم لها اليوم .
لهذا كله بدأ عملنا مرة أخرى فكانت هذه الطبعة المكتملة التى تُقدّم للقراء
والباحثين لأول مرة .
1
وبعد : فثمة اعتقاد سائد لدى بعض الباحثين أن كتابات ابن سعد فى السيرة
والمغازى وما بعدها من طبقات الصحابة والتابعين ، تكاد تكون صورة مماثلة
لكتابات أستاذه الواقدى فى هذا الشأن .
٦

ولا ريب أن هذا الاعتقاد يخالف الحقيقة ، لأن ابن سعد استقى مادته من
مصادر أخرى كثيرة ، ولم يقتصر على مادة الواقدى ، بل قدم مادة واسعة عن رواة
آخرين ، حتى أنه يمكن القول بأن كتابات ابن سعد المأخوذة عن الواقدى تمثل أقل
من نصف كتاب الطبقات الكبير .
وكانت المادة الواسعة فى كتابات ابن سعد عن رواة من أمثال أبى نعيم الفضل
ابن دكين ، وعفان بن مسلم ، وعبيد الله بن موسى العبسى ، ومعن بن عيسى
الأشجعى وغيرهم .
كذلك رجع إلى كتب ابن إسحاق وأبى معشر وموسى بن عقبة جاعلا إياها
مصدرًا أساسيا لرواياته .
وطبقات ابن سعد لم تسبق إلا بطبقات أستاذه الواقدى - وقد فقدت كتاباته
فى هذا المجال - ومن ثم يمكن القول بأن أقدم ماوصلنا من كتب الطبقات كتاب
((الطبقات الكبير)) لابن سعد .
ومما تجدر الإشارة إليه أن الواقدى كان قليل الاهتمام بأمر التاريخ الجاهلى ،
ولذلك نجد أن رواية هشام بن محمد بن السائب الكلبى ، قد غلبت على الفصول
المتصلة بتاريخ الأنبياء وبالأنساب القديمة التى صدّر بها ابن سعد كتابه (( الطبقات
الكبير)).
ومما تجدر الإشارة إليه كذلك أن رسم الأسماء والأعلام الواردة بالعهد القديم
أكثر دقة لدى ابن سعد منها فى كتاب آخر .
ونجد ذلك على سبيل المثال فى الفصل الذى عقده بعنوان ((ذكر من ولد
رسول الله وَلّ من الأنبياء)) حيث ورد فى ثناياه: وولد شيثُ بن آدم أنوشَ ونفرًا
كثيرا ، وإليه أوصى شيث . فولد أنوشُ قينانَ ونفرًا كثيرا ، وإليه الوصية .
وابن سعد فى كتاباته يأتى بتفاصيل لم يذكرها الواقدى ، وتتمثل هذه
التفاصيل فى وصفه وتحديده للأماكن جغرافيا بدقة تجعلنا نعتقد أنه استقى معلوماته
عن شهود عيان .
٧

وهو يعقد أحيانا مقارنة بين ما كانت عليه بعض هذه الأماكن وقتذاك،
وما كانت عليه وقت أن كان يقيم بالمدينة طلبا للعلم .
كما أنه يذكر اسم من خلف النبى بالمدينة فى أثناء غزواته مع محافظته على
ذلك دائما .
وثمة سريتان لم يذكرهما الواقدى إطلاقا يفرد لهما ابن سعد جزءا من كتابه :
سرية عمرو بن أمية الضمرى ، فهذه السرية ليست مذكورة لدى الواقدى .
وابن سعد لا يذكر أى راوية هنا ، وفيما يرجح أن ابن سعد أخذ الرواية عن
كتب موسى بن عقبة أو أبى معشر .
ويبدو أن ابن سعد أقدم مؤلف نقل هذه الرواية ولم يسبقه أحد إلى روايتها ،
وهو لم يعتن بضبط تاريخها خلافا لما اتبعه .
وسرية عُكّاشة بن محصن الأسدى إلى الجناب ، لم يذكر هذه السرية أى
مصدر قديم آخر حتى الواقدى نفسه الذى يتتبع ابن سعد عادة تأريخه .
وبجانب حرص ابن سعد على ذكر التفاصيل الجغرافية عن موقع الغزوة فإنه
يذكر المغازى التى غزاها الرسول بنفسه ، وأسماء الذين استخلفهم على المدينة أثناء
غزواته ، وأخيرًا يذكر شعار المسلمين فى القتال ، كل ذلك بالإضافة إلى وصفه
لكل غزوة بأسلوب موحد .
وإيراده للتفاصيل الجغرافية المشار إلى بعضها فيما سبق ، يوحى بجهده ومعرفته
للدقائق فى الأخبار التى جمعها .
وإذا كان الواقدى فعل شيئا من ذلك فإن ابن سعد يزيد على تلك التفاصيل
التى عند أستاذه الواقدى .
وفى كتابات ابن سعد فى السيرة نجد فيها فصولا استجدها ابن سعد فلم يرد
فيها ذكر الواقدى إطلاقا مثل: ذكر كنية رسول الله وَله . ومثل : ذكر ما كان
رسول الله : يعوذ به ويعوذه به جبريل .
ويُعد ابن سعد أول مؤلف بعد ابن إسحاق ، وصلت إلينا منه ترجمة كاملة
للنبى ، مادمنا لا نملك غير مغازى الواقدى كتابا مستقلا كاملا . ويعطينا ابن سعد
٨

فى بعض المواضيع تفاصيل أوفى من ابن إسحاق ، كما فى الفصول الخاصة برسائله
وسفاراته ، والخاصة بمرضه ووفاته .
◌َللّ التى ورد ذكرها فى نهاية كتابات ابن
إن مجموعة قصائد رثاء الرسول
سعد عن السيرة والمغازى ويبلغ عددها ٢٥ قصيدة مختلفة ، لهى أكبر مجموعة
وردت فى الكتب المعروفة لدينا .
فأحيانا نجد الأبيات بأكملها فى كتاب من هذه الكتب أو فى غيره ، وأحيانا
لانجد إلا بعضا منها .
وتنتهى سيرة النبى بوضوح بعد نهاية هذه المراثى ، ثم يشار إلى ذلك بعبارة
أخرى ((آخر أخبار النبى)).
هذا ومما هو جدير بالانتباه أنه قد وردت إشارة لابن النديم فى الفهرست
ص ١١١ بأن ابن سعد كتب كتابا فى أخبار النبى وَلّ ، وقد انفرد ابن النديم
وحده بهذا القول .
وعندما يتحدث صاحب الفهرست عن كتاب ((أخبار النبى )) لابن سعد
يجب أن نفهم أن هذا الكتاب ليس إلا الجزء الأول من كتاب (( الطبقات الكبير))
وهو الجزء الذى يتحدث فيه عن سيرة النبى وَالجهل .
ولم يقل بهذا الذى ذهب إليه ابن النديم أحد من العلماء بهذا الفن .
فالنويرى المتوفى سنة ٧٣٣ هـ ، أكثر من النقول عن ابن سعد فى الأقسام التى
خصصها لسيرة النبى ومغازيه فى كتابه نهاية الأرب ، ويعزوها صراحة لابن سعد
فى طبقاته .
وابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ هـ ، يقول فى كتابه ((عيون الأثر فى فنون
المغازى والشمائل والسير)) ج ٢ ص ٣٤٤ - ٣٤٥: وما كان فيه عن محمد بن
سعد فمن ((كتاب الطبقات الكبير)) له .
أما الذهبى المتوفى سنة ٧٤٨ هـ ، فيقول فى الجزء الخاص بالسيرة من تاريخه
ص ٢ : ((وقد طالعت على هذا التأليف من الكتب مصنفات كثيرة ، ومادته
من ... والطبقات الكبير لمحمد بن سعد كاتب الواقدى)).
٩

ويكثر ابن حُدَيْدَة المتوفى سنة ٧٨٣ هـ من النقول عن ابن سعد فى كتابه
((المصباح المضى فى كُتّاب النبى الأمى ورسله إلى ملوك الأرض من عربى
وعجمی)» ونقول ابن حديدة فى كتابه عن ابن سعد جزء من سيرة الرسول ، وقد
عزاها صراحة لابن سعد فى كتابه ((الطبقات الكبير)).
يضاف إلى ذلك أن الذين ترجموا لابن سعد وهم من العلماء الأعلام لم يذكر
أى منهم كتابا لابن سعد بعنوان ((أخبار النبى)).
حتى ترجمة ابن سعد التى أوردها أحد تلاميذه فى كتابه (( الطبقات الكبير))
خلت من الإشارة إلى شئ من ذلك، ونصت صراحة على ((كتاب الطبقات)).
وما نظن ابن النديم أراد بهذا غير (( الطبقات الكبير)) ويبدو أنه كان يشك فى
نسبة هذا الكتاب - كتاب الطبقات الكبير - لابن سعد ويراه للواقدى ، فقد ذكر
بين مؤلفات الواقدى كتابا باسم الطبقات ، ولم يذكر مثله لابن سعد ، وهذا وَهَل
منه .
هذا وبعد أن أنهى ابن سعد كتاباته فى السيرة والمغازى بعبارة ((آخر أخبار
النبى)) أعقبها بقوله: (( ذكر من كان يفتى بالمدينة ويقتدى به من أصحاب رسول
الله وَّ على عهد رسول الله وبعد ذلك وإلى من انتهى علمهم)).
وهذا الفصل يعتبر تكملة للسيرة من ناحية محتواه ، وبداية لطبقات الصحابة
من جهة أشخاصه .
ومن نظر إلى الصحابة باعتبار الصحبة جعل الجميع طبقة واحدة .
ومن نظر إليهم باعتبار قدر زائد مثل السبق إلى الإسلام وشهود المشاهد
جعلهم طبقات، وهذا ما أخذ به ابن سعد فى كتابه (( الطبقات الكبير )).
منهج ابن سعد فى ترتيب كتاب الطبقات :
جعل ابن سعد كتابه قسمين : قسم للرجال ، وقسم للنساء . ثم جعل
. الصحابة الذين يمثلون الجيل الأول من الرجال فى خمس طبقات ، وبنى تقسيمه
هذا على السابقة فى الإسلام والفضل وفى داخل كل طبقة راعى عنصر النسب
والشرف .
مے
١٠

فبدأ الطبقة الأولى - وهم أهل بدر - برسول الله وَلَه ثم الأقرب فالأقرب
إلى رسول الله وَّ فى النسب .
وسار على هذا المنهج فى الطبقة الثانية من الصحابة ، وهم الذين لم يشهدوا
بدرًا ولهم إسلام قديم وقد هاجر عامتهم إلى أرض الحبشة وشهدوا أحدًا
ومابعدها .
واتبع نفس المنهج فى الطبقة الثالثة . وهم الذين شهدوا الخندق وما بعدها .
وجعل الطبقة الرابعة فيمن أسلم عند فتح مكة ومابعد ذلك .
أما الطبقة الخامسة فهى فيمن قُبِض رسول الله وَلّ وهم أحداث الأسنان ،
ولم يغز منهم أحد مع رسول الله وَّله ، وقد حفظ عامتهم ، ماحدّثوا به عنه ،
ومنهم من أدركه ورآه ولم يحدّث عنه شيئا .
وبعد أن أنهى حديثه عن الصحابة وطبقاتهم تناول طبقات التابعين ومن
بعدهم، ولكنه راعى فى هذا التقسيم عاملا جغرافيا وهو ترتيبهم حسب المدن التى
استقروا فيها .
فبدأ بالمدينة المنورة ، ثم مكة ، فالطائف ، فاليمن ، فاليمامة ، فالبحرين . ثم
الكوفة ، والبصرة ، وواسط ، والمدائن ، وبغداد ، وخراسان ، والرى ، وهمذان ،
وقم والأنبار . ثم الشام والجزيرة ، والعواصم والثغور. ثم مصر، وأيلة ، وإفريقية ،
والأندلس .
وفى كل هذه الأمصار - باستثناء المدينة المنورة - يستهل حديثه بمن نزله من
الصحابة ، ثم يتبعه بذكر أهل العلم الذين أخذوا عن الصحابة ، ثم الطبقة التى تلى
هؤلاء ويستمر ابن سعد على نفس هذا المنهج فى كل بلد حتى عصره .
وكان آخر المراكز التى تناولها فى هذا التقسيم الأندلس ، ثم تلاها بذكر
طبقات النساء وهى تمثل الجزء الأخير من الكتاب ، وقد بدأ تراجم النساء ببيت
الرسول ، فقدّم خديجة ، فبنات الرسول ، فعماته ، فبنات عمومته ، فأزواج
الرسول، فمن تزوج ولم يجمع بهن ، فمن فارق وطلَّق ومن خطب ولم ينكح ،
فمارية ، فالمسلمات المبايعات من قريش وحلفائهم ومواليهم ، فغرائب نساء
١١

العرب، فالمهاجرات المبايعات ، فنساء الأنصار ، وختم هذه التراجم بأسماء النساء
اللواتى لم يروين عن رسول الله مح له وروين عن أزواجه وغيرهن .
على أن الأمر الذى يسترعى النظر أن بعض المترجم لهم قد يهاجر إلى مصر
من الأمصار وفى هذه الحالة تتكرر ترجمته تبعا لكل مصر هاجر إليه أوحلّ به . وقد
راعى ابن سعد فى هذا الجانب عدم تكرار المادة إلا فى حالات نادرة ، ولذا نجده
يترجم ترجمة مطولة فى موضع ويختصرها فى المواطن الأخرى .
وقد أشرت إلى نماذج متعددة من هذا المنهج عند موضعه فى هذا الكتاب .
منهجه فى عرض المادة العلمية :
تبدو وملامح ابن سعد المنهجية فى إيراده للأخبار التى تتسق وصفات المترجم
له وما اشتهر به .
فمثلا عرف عن سلمة بن الأكوع أنه بطل المشاة والرماة المبرزين ، وعرف عمر
ابن الخطاب بالصرامة التى لا تعرف الوهن ، كما عرف حسان بن ثابت بدفاعه
عن الرسول والإسلام . ومن ثم كانت مكونات تراجمهم تتسق وهذه الصفات .
يضاف إلى ذلك أن ابن سعد راعى أن يبدأ كل ترجمة بتحقيق نسب
المحارب ، متحدثا عن نسب أبيه ونسب أمه متتبعا سلسلة هذه الأنساب إلى أجيال
عديدة ، ثم ينتقل إلى الحديث عن أولاده وأمهاتهم ، متحدثا عن نسب هؤلاء
الأمهات أيضا .
ويسود فى منهجه بالنسبة لتراجم الصحابة الاستطراد فى الحديث عن سلسلة
الصحابى المحارب وعن تاريخها ، وعما إذا كانت ذريته بقيت بالمدينة أو رحلت
عنها متخذة لها من أى مكان آخر بالدولة الإسلامية موطنا .
كما يبين ابن سعد الوقت الذى اعتنق فيه الصحابى المحارب الإسلام وأسلم
على يدى رسول الله وَلّ وترتيبه فى الدخول فى الإسلام وهل كان الخامس
أو السادس مثلا .
كذلك لا ينسى ابن سعد أن يذكر ما إذا كان الصحابى الذى يترجم له قد
اشترك فى الهجرة الأولى إلى الحبشة أم الثانية .
١٢

وفى النهاية يصف ابن سعد نهاية الصحابى ، متحدثا عن كيفية الوفاة وسببها
وزمانها ، وغالبا ما يتردد ذكر وقعة اليمامة سنة ١٢ هـ ، والتى استشهد فيها
كثيرون من قدامى الصحابة . وحينئذ نجد اهتماما خاصا بتفاصيل ما كان يصنع
بالجثة ودفنها ، ومن الذى غسلها وبم كفنها . وهل حملت الجثة إلى المسجد حيث
يصلى عليها ، أم هرول بها الجمع سراعا إلى المقابر حيث تدفن .
" ولا يفوته أن يذكر من الذى خطب أمام القبر، وكم عدد التكبيرات التى كبّر
بها . ومن الذى نزل القبر مع الجثة ليودع الميت الوداع الأخير .
وغالبا ما كان ابن سعد يحرص على أن يصف المظهر الخارجى للصحابى
ليتمكن القراء من تصوره ، وكان يهتم اهتماما خاصا بتبيان ما إذا كان الرجل
يخضب شعره ولحيته أم يتركهما بلا خضاب ، وإذا كان يخضبهما فيم .
كذلك يتحدث عن الثياب والعمائم ، وعن المادة التى تصنعان منها وعن
اللون .
ثم يتحدث عن الخاتم وعن معدنه وعن النقش الموجود عليه إن وجد ، وفى أى
إصبع كان يلبس .
وأخيرا فإنه بالنسبة لبعض الصحابة يتحدث عن وصاياهم صيغة وفحوى ،
وهل كانوا يشهدون عليها الشهود بالتوقيع أم لا ، مبينا الثروة التى خلفوها
وراءهم .
هذا ولا يقل الجزء الأخير الخاص بالنساء شأنا عن الأجزاء السابقة من حيث
الإسهامات التى قامت بها المرأة آنئذ ، وكذلك ماقامت به من إثراء للحياة الثقافية
والفكرية للإسلام كذلك يعتبر هذا الجزء مصدرا خصبا لمعرفة الحياة المنزلية آنذاك
كما أنه لا يختلف عن غيره من الأجزاء فى أنه وسيلة لنقد الإسناد ، والمؤلف إنما
يهتم بالنساء فى المقام الأول باعتبار أنهن شاهدات على الحديث ، ويلزم لصحة
الحكم على الرواة وتعديلهم أو تجريحهم ضرورة معرفة أحوالهم المعيشية . لذلك
جمع كل مايمكن من الأخبار التاريخية القيمة . وقد اهتم بصفة خاصة بالأخبار
الثقافية التاريخية طبقا لما يمليه عليه وضع المرأة المفروض فى الإسلام .
١٣

فإلى ابن سعد يرجع الفضل الذى لا ينسى فى جمع أخبار وروايات تحوى من
التفاصيل المسهبة مابدا له ولرفقاء عصره على غاية من الأهمية باذلا فى جمعها
جهدا مضنيا .
١٤

إضافات الطبعة التى نقدم لها اليوم :
وقد أضافت هذه الطبعة التى نقدم لها اليوم ١٣٥٨ ترجمة منها ٢٥٢ ترجمة
وهم فى الطبقة الثانية من الأنصار ممن لم يشهد بدرًا وشهد أَحدًا وما بعدها من
المشاهد وتشمل أرقام التراجم من ٤٦٦ - ٧١٧ من الجزء الرابع من هذا الكتاب .
وقد اشترك رجال هذه الطبقة فى الملامح المنهجية العامة فى كتابات ابن سعد
فبدأت كل ترجمة فى الغالب بتحقيق نسب الصحابى ، ثم تناول ابن سعد نسب
أبيه ونسب أمه متتبعا سلسلة هذه الأنساب إلى أجيال عديدة . ثم ينتقل إلى
الحديث عن أولاده وأمهاتهم ، متحدثا عن نسب هؤلاء الأمهات أيضا .
كذلك يتحدث عما إذا كان قد انقرض عقبه أم لا ، ثم يذكر ما إذا كان قد
مات شهيدا وفى أى الغزوات كان ذلك ، وأحيانا يشير إلى بعض مايحدث لبعض
المترجمين فى الغزوات فيذكر أنه شهد غزوة كذا وقطعت رجله يومئذ ، وفى بعض
الأحيان يصرح باسم من قتل الصحابى فى المعركة .
وإن كان الصحابى شهد أحدًا ولم يمت فيها شهيدًا فإنه يضيف إلى ذلك أنه
قتل بعد ذلك شهيدًا يوم الخندق ، أو يشير إلى أنه شهد أحدا والخندق وما بعدهما
من المشاهد وقتل يوم اليمامة شهيدا . وأحيانا يذكر مكان الدفن .
بل فى بعض الأحيان كان يتناول تفاصيل دقيقة عن حياة الصحابى كذكره
لخاتم حذيفة بن اليمان من حيث معدنه ونقشه ، وماكفن به الصحابى ونوع الكفن
وثمنه .
ويخضع طول الترجمة أو قصرها فى هذا القسم للمعلومات المتوفرة لدى
المؤلف عن صاحب الترجمة ، فإن كان المترجم له من الأشخاص الذين لهم دور
هام فى الحياة العامة وما يصحب ذلك من الحوادث التى تظهر وقتئذ فإن ترجمته
تطول تبعا لذلك .
أما الطبقة الثالثة من المهاجرين والأنصار ممن شهد الخندق وما بعدها فقد بلغ
عدد تراجمهم ٣٠٩ وتشمل أرقام التراجم من ٧١٨ - ١٠٢٦ من الجزء الخامس
من هذا الكتاب .
١٥

وقد اتبع ابن سعد نفس المنهج الذي اتبعه فى الطبقات السابقة من ذكر نسب
الصحابى ونسب أبيه ونسب أمه متتبعا سلسلة هذه الأنساب إلى أجيال عديدة .
ثم ينتقل كذلك إلى الحديث عن أولاده وأمهاتهم ، متحدثا عن نسب هؤلاء
الأمهات أيضا .
وفى الطبقة الثالثة من الأنصار ممن شهد الخندق وما بعدها من المشاهد خضع
طول الترجمة أو قصرها كذلك للمعلومات المتوفرة لدى المؤلف عن صاحب
الترجمة .
ولا ينسى ابن سعد أن يتحدث كذلك عن مكانة زيد فى الجوانب الأخرى ،
حییث أشار فی نماذجه أن ابن عباس أخذ لزيد بن ثابت بالركاب ، فقال له زيد :
تنحّ يابن عم رسول الله . فقال ابن عباس : هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا .
ويضيف ابن سعد إلى نماذجه أن زيد بن ثابت لما مات قال أبو هريرة ! مات
خَبْر هذه الأمة ، ولعل الله أن يجعل فى ابن عباس خلفا منه .
وفى الطبقة الرابعة من الصحابة ممن أسلم عند فتح مكة وما بعد ذلك وقد
بلغ عدد التراجم منها ٣٤٤ ترجمة . تبدأ بالترجمة رقم ١٠٢٧ وتنتهى بالترجمة
رقم ١٣٦٦ من الجزء الخامس من هذا الكتاب .
وقد سار ابن سعد فيها كذلك على الملامح المنهجية العامة التى أشرنا إليها عند
الحديث عن بعض المترجم لهم فى المنهج العام وهو هنا كذلك .
إن الإسهامات المختلفة التى تبدو للمترجم له على مسرح الحوادث تلعب دورًا
هاما فى حجم الترجمة ، ويبدو هذا جليا فى بعض تراجم هذه الطبقة ، حيث
تجمع عن أصحابها لدى المؤلف معلومات متعددة كترجمة أبى سفيان بن حرب ،
ويزيد بن أبى سفيان بن حرب ، ومعاوية بن أبى سفيان وأمثالهم ، وقد أدى ذلك
إلى التوسع فى تراجمهم .
وثم تراجم مختصرة فى هذه الطبقة ، وقد يُكتفى فى بعضها فى بعض
الأحيان بكتابة اسم المترجم دون أدنى معلومات عنه . وذلك ككتابات المؤلف عن
جليحة بن عبد الله حيث اكتفى بذكر المشاهد التى شهدها . وكذلك الحارث بن
قيس الأسدى ، ورباح الأسدى .
١٦

أما بشر بن الفجيع البكائى ، والفلتان بن عاصم الجرمى فلم يذكر المؤلف
سوى اسم كل منهما فقط ، وهذا يعنى أن أصحابها مجهولون لدى المؤلف ولم
تتوفر لديه أية معلومات عنهم .
أما الطبقة الخامسة من الصحابة وهى الطبقة الخاصة بمن قُبض رسول الله
وهم أحداث الأسنان ولم يغز منهم أحد مع رسول الله وقد حفظ عامتهم ماحدثوا
به عنه ، ومنهم من أدركه ورآه ولم يحدث عنه شيئا ، فقد بلغ عدد التراجم فيها
٤٦ ترجمة وتبدأ بالترجمة رقم ١٣٦٧ وتنتهى بالترجمة ١٤١٢ من الجزء الخامس
من هذا الكتاب ، وكثير منها من التراجم المطولة ، وهى تتفق مع سابقتها فى
الملامح المنهجية العامة من ذكر نسب المترجم له ونسب أمه وذكر أولاده
وأمهاتهم، ويوضح المؤلف كذلك ما إذا كان المترجم له عقب أم أن عقبه قد
انقرض .
كذلك كان مما قدمته هذه الطَّبْعَة قسما كبيرا من تابعى أهل المدينة ومن
بعدهم وهم يشملون من ربع الطبقة الثالثة إلى منتصف الطبقة السادسة ، وقد بلغ
عدد تراجم هذا القسم ٤٠٧ تبدأ بالترجمة رقم ١٨٢١ وتنتهى بالترجمة رقم
٢٢٢٨ من الجزء السابع من هذا الكتاب وتبدو أهمية هذا القسم فى أن جمهرة
المصادر التى ترجمت لعلماء المدينة فى القرنين الأول والثانى من الهجرة قد فقدت .
وهكذا تكتمل الصورة لكتابات ابن سعد فى الطبقات الكبير بعد أن ظلت
محجوبة عن الباحثين ردحا من الزمن .
ومن ذلك يتبين لنا أن طبعة ليدن يعتورها الكثير من النقص ، يضاف إلى ذلك
كثرة مابها من تصحيف وتحريف .
ويشاركها فى كل ذلك طبعة دار التحرير بالقاهرة عام ١٣٨٨ هـ ، وكذا
طبعة بيروت وكلتاهما نقل طبعة ليدن بالحرف .
*
١٧
[ ٣ - الطبقات الكبير جـ ١ ]

المؤلف ونسبة كتاب الطبقات إليه
هو محمد بن سعد بن مَنِيْع الكاتب الزهرى ، اشتهر بابن سعد ، ولقب
بكاتب الواقدى .
ولد بالبصرة سنة ١٦٨ هـ ، ثم قدم بغداد ولازم شيخه الواقدى ، وكتب له
مدة طويلة فعرف به ، كما رحل إلى الكوفة ومكة والمدينة .
وكانت هذه المدن تشهد آنئذ حركة علمية واسعة ، فكانت ملتقى
العلماء، وإليها يفد الطلاب لتلقى العلم ، كما كَثُر الوافدون إليها بغية الرواية
عن علمائها .
ولا ريب أن ابن سعد أفاد من علماء عصره فى المدن التى تنقل بينها ، ولا أدل
على ذلك مما ذكره تلميذه الحسين بن فهم من أنه ((كان كثير العلم كثير الحديث
والرواية كثير الكتب ... )).
ومما ذكره ابن النديم من أنه ((كان عالما بأخبار الصحابة والتابعين)).
أما الخطيب البغدادى فذكره فى تاريخه مثنيا عليه بقوله: ((كان من أهل
العلم والفضل )).
ولدى الذهبى: ((كان من أوعية العلم، ومن نظر فى الطبقات خضع لعلمه)).
على أن الأمر الجدير بالملاحظة أن النقاد الذين تناولوا ابن سعد أجمعوا على أنه
عدل وصدوق .
قال أبو حاتم: ((يصدق)). وقال ابن النديم فى الفهرست: ((كان ثقة
مستورا)). ولدى ابن خلكان: ((وكان صدوقا ثقة)). وقال عنه الذهبى:
((صدوق)). وقال ابن حجر: ((أحد الحفاظ الكبار والثقات المُتُحَرِّين)).
شيوخه :
ليس من اليسير حصر جميع شيوخه لكثرتهم حيث بلغوا المئات .
وليس من اليسير كذلك أن أترجم لهم فى هذا الموطن ولكن أقتصر على ذكر
بعض من نقل عنهم أَوْ رَوَى :
١٨

١ - موسى بن عقبة ( ت ١٤١ هـ ) :
هو موسى بن عقبة بن أبى عياش أبو محمد الأسدى ، لا يعرف عام ميلاده ،
ولكنا نعرف أنه التقى وهو غلام سنة ٦٨ هـ . بعبد الله بن عمر فى طريقه حاجا
إلى مكة ، ومن ثم فإنه يمكن القول بأنه ولد سنة ٥٥ هـ .
وكانت له فى مسجد الرسول حلقة علم يمنح فيها كذلك أجازاته العلمية .
ويعدّ موسى من المتبحرين فى المغازى ، ولذلك قال بعض العلماء عليكم
بمغازى موسى بن عقبة فإنه ثقة .
وتوجد عدة مقتبسات من كتاباته لدى ابن سعد يستنتج منها أن كتاب موسى
كان يحتوى على قائمة المهاجرين إلى الحبشة والمشتركين فى بيعتى العقبة وكذا
المحاربين فى بدر .
وكان يعرض مادته التاريخية وفق السنين .
٢ - محمد بن إسحاق مؤلف كتاب المغازى ( ت ١٥٠ هـ ) :
ولد محمد بن إسحاق حوالى عام ٨٥ هـ ، وشغف منذ صغره برواية
الحديث، واتسعت مداركه فيما بعد بزيارة العلماء البارزين من أمثال عاصم بن
عمر ، وعبد الله بن أبى بكر ، والزهرى . وقد جمع إلى الثلاثة جميعهم فی کتابه،
كما حصل على الأخبار من أماكن أخرى حتى بلغ عدد رواته فى المدينة قرابة
مائة .
وكتابه المغازى ينقسم إلى ثلاثة أقسام : المبتدأ ، والمبعث ، والمغازى .
ولدى ابن سعد نقول من كتابات ابن إسحاق أورد بعضها فى أثناء تناوله
لمهاجرة بدر ، كما أورد بعضا منها فى أنصار بدر ، وكذلك مسلمة قبل الفتح .
٣ - مَعْمَر بن راشد ( ت ١٥٤ هـ ) :
ولد معمر بن راشد فى البصرة حوالى عام ٩٦ هـ ، ولمعمر شهرة طيبة فى
مجال الحديث ، ولذا قيل عنه : عليكم بهذا الرجل فإنه لم يبق أحد من أهل زمانه
أعلم منه .
١٩