Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبلغَ ذلكَ النّبِيَّ وََّ، فغضبَ منْ ذلكَ وقالَ لهُ قولاً شديداً. ثم قالَ: ((لقدْ هممتُ أنْ لا أصلَّ عليهِ))(١). ثمَّ دعا مملوكيهِ، فجزّأَهمْ ثلاثةَ أجزاءٍ، ثمَّ أقرعَ بينهمْ، فأعتقَ اثنينٍ، وأرقَّ أربعةً(٢). وربما عاقب بعض العصاة بعدم الصلاة عليه بعد وفاته، ردعاً لغيره عن مثل فعله: عن جابرُ بنُ سمرةَ رَ عَنهُ قالَ: مرضَ رجلٌ، فصيحَ عليهِ، فجاءَ جارهُ إلى رسولِ الله فقالَ لهُ: إنّهُ قدْ ماتَ. قالَ: ((وما يدريكَ؟)). قالَ: إنّهُ صیحَ علیهِ. قالَ رسولُ الله ◌َّ: ((إنّهُ لمْ يمتْ)). قالَ: فرجعَ فصیحَ علیهِ. فجاءَ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ، فقالَ: إِنّهُ قَدْ ماتَ. فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((إِنّهُ لمْ يمتْ)). فرجعَ، فصیحَ علیهِ. فقالتْ امرأتهُ(٣): انطلقْ إلى رسولِ الله وَّةِ، فأخبرهُ. فقالَ الرّجلُ : اللهمَّ العنهُ. ثُمَّ انطلقَ الرّجلُ، فرآهُ قدْ نحرَ نفسهُ بمشقصٍ (٤) معهُ. (١) وهذا محمول على أنَّ النّبِيّ وَِّ وحده كانَ يترك الصّلاة عليهِ تغليظاً وزجراً لغيرهِ على مثل فعله. وأمّا أصل الصّلاة عليهِ فلا بدّ منْ وجودها منْ بعض الصّحابة. شرح النووي على صحيح مسلم [١١/ ١٤٠]. (٢) رواه مسلم [١٦٦٨]، والنسائي [١٩٥٨] وقوله: ((لقدْ هممتُ أنْ لا أصلَيّ عليه)) عند النسائي فقط وصححه الألباني في تحقيق المشكاة [٣٣٩٠]. (٣) أيْ: زوجة المريض لجارهِ. (٤) نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض. ٦٤١ الباب الرابع: تعامل النبي صَلّلُّ علَيهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة فانطلقَ إلى النّبِّ وَِّ، فأخبرهُ أنّهُ قدْ ماتَ. فقالَ: ((وما يدريكَ؟)) قالَ: رأيتُهُ ينحرُ نفسهُ بمشاقصَ معهُ. قالَ: ((أنتَ رأيتهُ؟». قالَ: نعمْ. قالَ: ((إذاً لا أصلّيَ عليهِ))(١). قالَ أبو عيسى الترمذي: ((واختلفَ أهلُ العلمِ في هذا، فقالَ بعضهمْ: يصلّى على كلٍّ منْ صلّى إلى القبلةِ وعلى قاتلِ النّفسِ، وهوَ قولُ الثّوريِّ وإسحقَ. وقالَ أحمدُ: لا يصلّي الإمامُ على قاتلِ النّفْسِ ويصلّ عليهِ غيرُ الإمامِ)) (٢). قال البيهقي: ((وقدْ روّينا عنْ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الحنظليِّ: أنّهُ وَّهِ إِنّما قالَ ذلكَ ليحذّرَ النّاسَ بتركِ الصّلاةِ عليهِ، فلاَ يرتكبوا كما ارتكبَ))(٣). وقالَ الخطّابُّ: ((وترك الصّلاة عليهِ معناهُ العقوبة لهُ وردع لغيرهِ عنْ مثل فعله))(٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((أمّا منْ كانَ مظهراً للفسقِ معَ ما فيهِ منَ الإيمانِ كأهلِ الكبائرِ، فهؤلاءِ لا بدَّ أنْ يصلَّ عليهمْ بعضُ المسلمينَ. ومنِ امتنعَ منَ الصّلاةِ على أحدهمْ زجراً لأمثالهِ عنْ مثلِ ما فعلهُ، كما امتنعَ النّبيُّ ◌َّ عنِ الصّلاةِ على قاتلِ نفسِهِ، وعلى الغالِّ، وعلى المدينِ الّذي لا وفاءَ لهُ، وكما كانَ كثيرٌ منْ السّلفِ يمتنعونَ منَ الصّلاةِ على أهلِ البدعِ - كانَ عملهُ بهذِهِ السّنّةِ حسناً)(٥). (١) رواه أبو داود [٣١٨٥]، وصححه الألباني في أحكام الجنائز (ص٨٤]، ورواه مسلم [٩٧٨] والترمذي [١٠٦٨] مختصراً. (٢) سنن الترمذي [٣٧٢/٢]. (٣) السنن الكبرى [١٩/٤]. (٤) عون المعبود [٣٢٨/٨]. (٥) مجموع الفتاوى [٢٨٦/٢٤]. ٦٤٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعنْ زيدٍ بِنِ خالدِ الجهنيِّ رَهُ أَنَّ رجلاً منْ أصحابِ النّبِّوَّ توفّيَ يومَ خيبرَ، فذكروا ذلكَ لرسولِ الله فقالَ رسولُ اللهِ وَّ: «صلّوا علی صاحبکمْ)). فتغيّرتْ وجوهُ النّاسِ لذلكَ. فقالَ: ((إنَّ صاحبكمْ غلَّ في سبيلِ الله). ففتّشنا متاعهُ، فوجدنا خرزاً منْ خرزِ يهودَ لا يساوي درهمين(١). وعنْ أبي قتادةَ رَّهُ قال: كانَ رسولُ الله ◌َله إذا دعيَ لجنازةٍ سألَ عنها. فإنْ أثنيَ عليها خيرٌ قامَ فصلّى عليها. وإنْ أثنيَ عليها غيرُ ذلكَ، قَالَ لأهلها: ((شأنكمْ بها))، ولمْ يصلِّ عليها(٢). قال ابن حبان: ((تركُ المصطفى ◌َلّ الصلاة على من وصفنا نعتہ کان ذلك عن قصد التّأديبِ مِنْهُ ◌ٍَّ لأمّتهَ؛ كيلا يرتكبوا مثلَ ذلكَ الفعلِ، لا أنَّ الصّلاةَ غيرُ جائزةٍ على منْ أتى مثلَ ما أتى منْ لمْ يصلِّ عليهِوٍَّ)(٣). (١) رواه أبو داود[٢٧١٠]، والنسائي [١٩٥٩]، وابن ماجة [٢٨٤٨]، وصححه الحاكم [٢٥٨٢] على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وضعّفه الألباني في الإرواء [٧٢٦]. (٢) رواه أحمد [٢٢٠٤٩]، وصححه الألباني في التعليقات الحسان [٣٠٤٦]. (٣) صحيح ابن حبان [٦٤/٥]. ٦٤٣ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ علَيهِوَسَلَّمً مع شرائح دعوية مخصوصة يا ربِّ إنّكَ واسعُ الغفرانِ تعفو وتقبلُ منْ أتى لكَ تائباً إيّاكَ يرجو، والرّجاءُ مطمٌّ يسعُ العصاةَ المذنبينَ بحلمِهِ ويدلّهمْ حتّى يكفّرَ ذنبهِمْ يحتاطُ جدّاً في الحدودِ يقيمها والحدَّ يدرأهُ بعارضِ شبهةٍ يدعو العصاةَ لسترِ أنفسهمْ؛ لذا يأتيهِ معترفٌ بحدٍّ مبهم حتّى إذا صلّى محتهُ صلائَةً فإذا أقامَ الحدَّ ليسَ معنّفاً بلْ قدْ نهى أصحابهُ عنْ لعنِهِ ولربّما يشتدُّ في تعنيفِ منْ ولربّما هجرَ العصاةَ مؤدّباً لكنْ لأهلِ الجهلِ ليسَ معنّفاً ولربّما تركَ الصّلاةَ على الفتى تعفو عنِ التّقصيرِ والعصيانِ متوسّلاً بحقيقةِ الإيمانِ في العفوِ والغفرانِ والإحسانِ صدرُ النّبِيِّ معاملاً بحنانِ لمزيدِ فعلِ الخيرِ بالإمكانِ بثبوتِ هذا الحدِّ بالبرهانِ كالجهلِ والتّأويلِ والنّسيانِ كمْ مرّةٍ ردَّ المقرَّ الزّاني للسّتِرِ يتركهُ بلا استبيانٍ إِنَّ الصّلاةَ لأعظمُ الأركانِ فيزيدَ تعذيباً لهُ بهوانٍ لعنُ العصاةِ معونةُ الشّيطانِ هوَ منهُ ذو قدرٍ وأهلُ مكانٍ ولقدْ يتوبُ العبدُ بالهجرانِ بلْ منهُ تعلیمٌ، وحسنُ بیانِ ردعاً لأهلِ الفجرِ والعصيانِ ٦٤٥ الباب الرابع: تعامل النبي صَلّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع شرائح دعوية مخصوصة تعامل النبي ◌َ اللّ مع المنافقين لقد كان نبيّنا محمدٌ وَلِّ يعاملُ كلَّ فئةٍ من الناس حسب ما يقتضيه وضعهم وحالهم، وإن من الفئات التي ينبغي لنا أن نقفَ عندها؛ لننظرَ كيف كان النبيُّ وَّ يعاملهم: فئة ((المنافقين))، وهم الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر. ومن أبرز صفاتهم: • ادّعاء الإيمان كذباً: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. • الخداع: قال تعالى: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلََّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: ٩]. • الإفساد في الأرض: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ ١١ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ اُلْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُونَ﴾ [البقرة: ١١- ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٤) وَإِذَا تَوَلَى سَعَى ج) وَإِذَا قِيلَ لَهُ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَتَّمُ وَلَبِئْسَ اُلْمِهَادُ ﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٦]. التثاقل عن العبادة: قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: ١٤٢]. ٦٤٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ • السخرية من المؤمنين: قال تعالى: ﴿ وَ إِذَا لَقُواْلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا تَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَاُلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧٩]. المؤمنين وبغضهم والتآمر ضدهم: قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقال تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ نَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبُّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَّبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمَّ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]. موالاة الكفار، وتقوية عزائمهم: • قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" الَّذِينَ يَنَّخِذُونَ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن ١٣٨ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨-١٣٩]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَنَصُرَ نَّكُمْ وَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١]. • التحاكم إلى الطاغوت، وترك الشريعة: قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَّ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ () وَإِذَا دُهُوْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بََّهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٨) وَإِن يَكُنْ لَُّ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴿ أَفِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ أَمِ أَرْتَابُوْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولَةٌ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [النور: ٤٧ - ٥٠]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن ٦٤٧ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَنْ ١) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا ® فَكَيْفَ إِذَا أَصَبَتْهُم ◌ُصِيبَةٌ بِمَا ٦١ اَلْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُ وَ يَحْلِفُونَ بِلَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا (٣) أُوْلَئِكَ اُلَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٠-٦٣]. • الاستكبار عن الاستغفار والتوبة: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْيَسْتَغْفِرْلَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْ رُوسَهُمُوَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]. • محبة انتشار الفاحشة في المؤمنين: قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: ١٩]. • محاربة المؤمنين اقتصاديّاً: قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ وَللَّهِ خَزَابِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]. • الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف: قال تعالى: ﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمُّ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [التوبة: ٦٧]. إن المنافقين من أخطر الفئات التي تهدّدُ الأمة؛ نظراً لاختلاطهم بالمسلمين ومعرفتهم بمكامنِ القوّة والضعفِ فيهم، والنّفاقُ كما قال ابن القيم: «هو الدّاءُ العضالُ الباطنُ))(١). وقد يتصوّرُ البعض أن هؤلاء المنافقين كانوا في الزّمن الأول ثم انقرضوا، وهذا تصوّرٌ (١) مدارج السالكين [٣٥٤/١]. ٦٤٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باطل، بل هم باقون في كل زمان؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((والمنافقونَ ما زالوا، ولا يزالونَ إلى يومِ القيامةِ)(١). والنفاق لم يعرفه العرب والمسلمون إلا بعد الهجرة النبويّة إلى المدينة، فلم يكن معروفاً بمكة، وذلك لأن المسلمين في مكة لم يكن لهم شوكةٌ، بل كانت الشوكةُ والقوة للمشركين، فلم يكن هناك داعٍ لأن يخفيَ المشركُ عقيدته. ظهر النفاقُ في المدينة بعد أن ازدادت قوة المسلمين، وقد أظهر المنافقون الإسلام، وأبطنوا الكفر؛ جبناً وخداعاً، وكان يرأسهم عبدُ الله بن أبي ابن سلول(٢) الذي كان ينتظر الزعامة على الأوس والخزرج قبل الهجرة النبوية، فلما خسر هذا الأمر دخل في الإسلام نفاقاً. وظل ابن سلول يظهرُ الإسلام، ويبطنُ الحقدَ، والشرَّ والكيدَ، ويتحيّن الفرص للإيقاع بالمسلمين، ولم يألُ جهداً في حبكِ المؤامراتِ ضَّ المسلمين، إلى أن هلك. ومع ذلك فقد كان النبي ◌ِّ يترفّق به، ويعامله بالصفحِ والحلم؛ رغبةً في تأليفٍ قلبه. وأول موقفٍ برزت فيه عداوةُ عبد الله بن أبي ابن سلول للإسلام كان قبل غزوة بدر، قبل أن یظهرَ إسلامه. عن أسامةَ بنَ زِيدٍ رَعَهُ: أَنَّ النّبِيَّ ◌َّه ركبَ حماراً عليهِ إِكافٌ، تحتهُ قطيفةٌ فدكيَّةٌ(٣)، وأردفَ وراءهُ أسامةَ، وهوَ يعودُ سعدَ بنَ عبادةَ في بني الحارثِ بنِ الخزرجِ، وذاكَ قبلَ وقعِةِ بدر. حتّى مرَّ بمجلسٍ فيهِ أخلاطٌ منَ المسلمينَ والمشركينَ عبدة الأوثانِ واليهودِ، فيهمْ عبدُ الله بنُ أبيِّ، وذلكَ قبلَ أنْ يسلمَ عبدُ الله (٤)، وفي المجلسِ عبدُ الله بن رواحةً. (١) مجموع الفتاوى [٧ / ٢١٢]. (٢) أبيٌّ أبوه، وسلول أمّه، فهو منسوب إلى أبيه وأمه معاً. (٣) الإكاف ما يوضع على الدّابّة كالبرذعةِ، وقوله ((فدكيّة)) نسبة إلى فدك القرية المشهورة، كأنهّا صنعتْ فيها، والحاصل أنَّ الإكاف يلي الحمار والقطيفة فوق الإكاف، والرّاكب فوق القطيفة. فتح الباري [١٠/ ١٢٢]. (٤) أي: قبل أنْ يظهر الإسلام. ٦٤٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَلّالّ ◌َلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة فلّا غشيتِ المجلسَ عجاجةُ الدّابّةِ(١)، جَمَرَ عبدُ الله بنُ أبيِّ أنفهُ بردائِهِ، ثمَّ قالَ: لا تغبرّوا علینا. فسلّمَ عليهمْ النّبِيُّ ◌َ(٢)، ثمَّ وقفَ، فنزلَ فدعاهمْ إلى الله، وقرأَ عليهمْ القرآنَ. فقالَ عبدُ الله بنُ أبيٍّ: أيّها المرءُ، لا أحسنَ منْ هذا إنْ كانَ ما تقولُ حقّاً، فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجعْ إلى رحلكَ، فمنْ جاءكَ منّا، فاقصصْ علیهِ. فقالَ عبدُ الله بن رواحةَ: اغشنا في مجالسنا، فإنّا نحبُّ ذلكَ. فاستبَّ المسلمونَ والمشركونَ واليهودُ حتّى همّوا أنْ يتواثبوا. وفي رواية: ((فلّا أتاهُ النّبيُّ ◌ََّ قالَ: إليكَ عنّي، والله لقدْ آذاني نتنُ حماركَ. فقالَ رجلٌ منَ الأنصارِ: والله لحمارُ رسولِ اللهِ وَّهِ أَطِيبُ ريحاً منكَ. فغضبَ لعبدِ الله رجلٌ منْ قومِهِ فشتمهُ، فغضبَ لكلِّ واحدٍ منهما أصحابهُ، فكانَ بينهما ضربٌ بالجريدِ والأيدي والنّعالِ. فلمْ يزلْ النّبيُّ ◌َّ يُخْفّضِهِمْ(٣)(٤). ثُمَّ ركبَ رسول الله ◌َّ دابّتُهُ حتّى دخلَ على سعدِ بنِ عبادةَ فقالَ: ((أيْ: سعدُ، ألمْ تسمعْ إلى ما قالَ أبو حبابٍ؟(٥)، يريدُ عبدَ الله بنَ أيٍّ، قالَ: كذا وكذا)). فقالَ سعد: اعفُ عنهُ يا رسولَ الله واصفحْ، فوالله لقدْ أعطاكَ الله الّذي أعطاكَ، ولقدْ اصطلحَ أهلُ هذهِ البحيرةِ(٦) أنْ يتوّجوهُ فيعصّبوهُ بالعصابةِ(٧). (١) هوَ ما ارتفعَ منْ غبار حوافرها. (٢) فيه: جواز الابتداء بالسّلامِ على قوم فيهمْ مسلمونَ وكفّار. شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ١٥٨] (٣) أيْ: يسكّنهمْ ويسهّل الأمر بينهمْ. (٤) رواه البخاري [٢٦٩٩]، ومسلم [١٧٩٩] عن أنس بن مالك رَ عَنْهُ. (٥) كنّاهُ النّبِيّ ◌َّ في تلكَ الحالة لكونِهِ كانَ مشهوراً بها، أوْ لمصلحةِ التّألّف. (٦) هذا اللّفظ يطلق على القرية وعلى البلد، والمراد بهِ هنا المدينة النّبويّة. (٧) معناهُ: اتّفقوا على أنْ يجعلوهُ ملكهمْ، وكانَ منْ عادتهمْ إذا ملّكوا إنساناً أنْ يتوّجوهُ ويعصبوهُ. ٦٥٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلّا ردَّ الله ذلكَ بالحقِّ الّذي أعطاكهُ شرقَ بذلكَ(١)، فذلكَ فعلَ بهِ ما رأيتَ. فعفا عنهُ النّبيُّ ◌َّهِ، وكانَ النّبِيُّ ◌َّه وأصحابهُ يعفونَ عنِ المشركينَ وأهلِ الكتابِ كما أمرهمْ الله ويصبرونَ على الأذى، قالَ الله عََّجَلَّ: ﴿لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وكانَ النّبِيُّ ◌َّه يتأوّلُ العفوَ ما أمرهُ الله بِهِ، حتّى أذنَ الله فيهمْ (٢). وعفوه ◌َّه عنْ كثير منَ المشركينَ واليهود بالمنِّ والفداء وصفحه عنِ المنافقينَ مشهور في الأحادیث والسّیر. فقد ظهر في هذا الحديث حلمُ النبيِّ ◌َّةِ؛ فلم يغضب عندما صدرَ الأذى من زعیم المنافقين بقوله لرسول الله وَله: ((لا تغبّروا علينا)) وخّر أنفه بردائه، وأساءَ الأدب مع النبي وَّ حيث ناداه بنداء الاستخفاف بقوله: ((أيها المرءُ)). وقابل النبيُّ ◌َّ﴾ هذا الكلام القبيح بالحلّم، فلم يغضب، وعفا عنه. قال النووي: ((وفي هذا الحديث: بيان ما كانَ عليهِ النّبيّ ◌ََّ منَ الحلم، والصّفح، والصّبر على الأذى في الله تعالى، ودوام الدّعاء إلى الله تعالى، وتألّف قلوبهمْ))(٣). إن النبي ◌َّ كان مأموراً من ربه في بداية الدعوة بالعفو والصفح ﴿فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِةٍ﴾ [البقرة: ١٠٩]، ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. وكانت التوجيهات في البداية بعدم المواجهة بالسلاح حتى يقوى المسلمون ويستطيعوا المواجهة. (١) أيْ: غصَّ، وحسدَ النّبِيّ ◌َه. (٢) رواه البخاري [٦٢٥٤] ومسلم [١٧٩٨]. وقوله: ((حتّى أذنَ اللهُ فيهمْ)): أيْ: في قتالهمْ. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ١٥٩]. ٦٥١ الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِ وَسًَّ مع شرائح دعوية مخصوصة ولما قويتْ شوكة المسلمين بعد غزوة بدر، دخل ابن سلول وكثير من المشركين في الإسلام نفاقاً. عن أسامةَ بنَ زِيدٍ رَضْوَ عَنْهَا قال: لَّا غزا رسولُ اللهِوَلَه بدراً، فقتلَ الله بها منْ قتلَ منْ صناديدِ الكفّارِ(١) وسادةِ قريشٍ، فقفلَ رسولُ اللهَ وَّ﴾ وأصحابهُ منصورينَ غانميَن معهمْ أسارى منْ صناديدِ الكفّارِ، وسادةِ قريشٍ - قالَ ابنُ أبيِّ ابنُ سلولَ ومنْ معهُ منَ المشركينَ، وعبدةِ الأوثانِ: هذا أمرٌ قدْ توجّهَ(٢)، فبايعوا الرّسولَ وَلَّ على الإسلامِ فأسلموا(٣). وهذا لخوفهم وجزعهم. ودلَّ هذا الحديث على أن المنافقين يختفون بشرّهم عند ظهورِ قوة المسلمين، ويظهرون نفاقهم وشرّهم وأذاهم عند ضعفِ المسلمين. ومع إعلانهم الدخول في الإسلام، إلا أن عداوتهم للإسلام، وإضمارهم الشرَّ للمسلمين لم يتغيّرْ، فما زالوا يتربّصون بالمسلمين الدوائرَ، وينتهزون الفرص المواتية للانقضاض علیھم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((المهاجرونَ لمْ يكنْ فيهمْ منافقٌ؛ وإنّما كانَ النّفاقُ في بعضِ منْ دخلَ منَ الأنصارِ؛ وذلكَ أنَّ الأنصارَ همْ أهلُ المدينةِ؛ فلمّا أسلمَ أشرافهمْ وجمهورهمُ احتاجَ الباقونَ أنْ يظهروا الإسلامَ نفاقاً؛ لعزِّ الإسلامِ، وظهورهِ في قومهمْ. وأمّا أهلُ مكّةَ فكانَ أشرافهمْ وجمهورهمْ كفّاراً، فلمْ يكنْ يظهرُ الإيمانَ إلّا منْ هَوَ مؤمنٌ ظاهراً وباطناً؛ فإنّهُ كانَ منْ أظهرَ الإسلامَ يؤذى ويهجرُ؛ وإنّما المنافقُ يظهرُ الإسلامَ لمصلحةِ دنياهُ، وكانَ منْ أظهرَ الإسلامَ بمكّةَ يتأذّى في دنياهُ))(٤). (١) وهمْ أشرافهم، وعظماؤهم ورؤساؤهم، الواحدُ صنديد، وكلُ عظيمٍ غالبٍ صنديد. النهاية [٥٥/٣] (٢) أيْ: ظهر وجهه، أو قد استمر فلا طمع في إزالته وتغييره. (٣) رواه البخاري [٤٥٦٦]. (٤) الفتاوى الكبرى [٤٥٠/٣]. ٦٥٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان عبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين يحيكون المؤامرات مع اليهود ضد المسلمين. ويوضّحُ ذلك انحيازهم إلى جانب يهود بني قينقاع، الذين نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ◌ِ ﴾ بأن لا يعتدي أحد الجانبين على الآخر. عنْ عبد الله بنِ عبّاسٍ رَعَنْهَا قالَ: لَّا أصابَ رسولُ الله ◌َّ قريشاً يومَ بدرٍ، وقدمَ المدينةَ؛ جمعَ اليهودَ في سوقٍ بني قينقاعَ، فقالَ: ((يا معشرَ يهودَ، أسلموا قبلَ أنْ يصيبكمْ مثلُ ما أصابَ قریشاً)(١). قالوا: يا محمّدُ لا يغرّنّكَ منْ نفسكَ أنّكَ قتلتَ نفراً منْ قريشِ كانوا أغماراً (٢) لا يعرفونَ القتالَ، إنّكَ لوْ قاتلتنا لعرفتَ أنّا نحنُ النّاسُ، وأنّكَ لمْ تلقَ مثلنا. فأنزلَ الله عَّجَلَّ في ذلكَ: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّهُ وَبِئْسَ اُلْمِهَادُ ﴾ [آل عمران: ١٢](٣). وذكر ابن هشام عن أبي عون محمد بن عبد الله الثقفي أنَّ امرأةً منَ العربِ قدمتْ بجلبٍ لها، فباعتهُ بسوقِ بني قينقاعَ، وجلستْ إلی صائغ بها، فجعلوا يريدونها على کشفٍ وجهها، فأبتْ، فعمدَ الصّائغُ إلى طرفِ ثوبها، فعقدهُ إلى ظهرها، فلمّا قامتْ انكشفتْ سوأتها، فضحکوا بها، فصاحتْ. فوثبَ رجلٌ منَ المسلمينَ على الصّائغِ، فقتلهُ، وكانَ يهوديّاً، وشدّتِ اليهودُ على المسلم، فقتلوهُ. فاستصرخَ أهلُ المسلمِ المسلمينَ على اليهودِ، فغضبَ المسلمونَ، فوقعَ الشّرُّ بينهمْ وبينَ بني قينقاعَ (٤). (١) وفي رواية: فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم. السيرة النبوية لابن إسحاق [١/ ٣١٣]. (٢) أغمار: جمع غمر وهو الجاهل الغرّ الّذي لم يجرّب الأمور. النهاية [٣٨٥/٣] (٣) رواه أبو داود [٣٠٠١]، وحسّنه ابن حجر في الفتح [٣٣٢/٧]، وصححه أحمد شاكر في عمدة التفسير وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود [٥٢٤]. (٤) السيرة النبوية [٤٨/٢] لابن هشام. ٦٥٣ الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة وقد كان صنيعهم هذا مستوجباً ما عاملهم به رسول الله وَ ل﴿ه من ضرب الحصار، وشدِّ الخناق علیھم، حتی نزلوا علی حکمه. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: ((فحاصرهم رسول الله وَله حتى نزلوا على حكمه، فقامَ إليهِ عبدُ الله بنُ أبيّ ابنُ سلولَ، حينَ أمكنهُ الله منهمْ، فقالَ: یا محمّدُ أحسنْ في مواليّ، وكانوا حلفاءَ الخزرجِ. فأبطأَ عليهِ رسولُ الله ◌َّ. فقالَ: يا محمّدُ أحسنْ في مواليّ. فأعرضَ عنهُ. فأدخلَ یدهُ في جیبٍ درعِ رسولِ الله. فقالَ لهُ رسولُ الله ◌َِّ أرسلني، وغضبَ رسولُ اللهِوَلَ حتّى رأوا لوجههِ ظللاً(١). ثمّ قالَ: ((ويحك أرسلني)). قالَ: لا والله، لا أرسلك حتّى تحسنَ في مواليّ، أربعمائةِ حاسٍ(٢)، وثلاثمائةِ دارعِ(٣)، قدْ منعوني منَ الأحمرِ والأسودِ، تحصدهمْ في غداةٍ واحدةٍ؟! إنّي والله امرؤ أخشى الدّوائرَ. فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((همْ لك))(٤). و کان عبد الله بن أبيّ لا يزال صاحب شأنٍ في قومه؛ فقبل رسول الله ګ شفاعته في بني قينقاع على أن يجلوا عن المدينة، وأن يأخذوا معهم أموالهم عدا السلاح. (١) أي: تغيرّ وجهه للسواد من شدة غضبه في (٢) وهو الذى لا درع، ولا مغفر عليه. (٣) الذي علیه درع. (٤) السيرة النبوية [٢/ ٤٨] لابن هشام. وإسناده حسن، لكنه مرسل. ٦٥٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولمّا خرج النبي وَلّه إلى غزوة أحد تخاذل المنافقون عن القتال معه، فرجعوا بثلث الجيش، ومع ذلك لم يعاقبهم النبيُّ ◌َلّ. عنْ زيدٍ بِنِ ثابتٍ رَّهُ قالَ: لَّاَ خرِجَ النّبيُّ ◌َّ إلى أحدٍ، رجعَ ناسٌ ممّنْ خرجَ معهُ، وكانَ أصحابُ النّبِّ وَّ فرقتينٍ: فرقةً تقولُ نقاتلهمْ، وفرقةً تقولُ: لا نقاتلهمْ. فنزلتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَفِقِينَ فِتَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرَّكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُسَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨](١). ((رجعَ ناس ممّنْ خرجَ معهُ)) يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وقدْ وردَ ذلكَ صريحاً في رواية موسى بن عقبة، وأنَّ عبد الله بن أبيّ كانَ وافقَ رأيه رأي النّبيّ نَّه على الإقامة بالمدينةِ، فلّا أشارَ غيره بالخروجِ، وأجابهمْ النّبيّ ◌َّ فخرجَ، قالَ عبد الله بن أبيّ لأصحابهِ: أطاعهمْ وعصاني، علامَ نقتلُ أنفسنا؟ فرجعَ بثلثِ النّاسِ. قالَ ابن إسحاق في روايته: فاتّبعهمْ عبد الله بن عمرو بن حرام وهوَ والد جابر وكانَ خزرجيّاً كعبدِ الله بن أبيّ، فناشدهمْ أنْ يرجعوا فأبوا، فقالَ: أبعدكمُ الله أعداءَ الله، فسيغني الله عنکمْ نبيّهُ(٢). ((وكانَ أصحاب رسول الله وَّ فرقتينٍ)) أيْ: في الحكم فيمنِ انصرفَ معَ عبدِ الله بن أبيّ(٣). ومعنى الآيةِ: فما لكمْ يا معشرَ المؤمنينَ في المنافقينَ فئتينِ أيْ: صرتمْ في أمرهمْ فرقتينِ، فرقةً تذبُّ عنهمْ وفرقةً تباينهمْ وتعاديهمْ. فنهى الله الفرقةَ الّذِينَ يذبّونَ عنهمْ، وأمرَ المؤمنينَ جميعاً أنْ يكونوا على منهاجٍ واحدٍ في التّباينِ لهمْ والتّبرّؤْ منهمْ. ﴿وَاللّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾: يعني: نكسهمْ في كفرهمْ، وارتدادهمْ، وردّهمْ إلى أحكامِ الكفّارِ بما كسبوا: أيْ بسببٍ ما اكتسبوا منْ أعمالهمُ الخبيثةِ(٤). (١) رواه البخاري [٤٠٥٠] ومسلم [٢٧٧٦]. (٢) السيرة النبوية [٦٤/٢] لابن هشام، فتح الباري [٣٥٦/٧]. (٣) فتح الباري [٧/ ٣٥٦]. (٤) تفسير الخازن [١/ ٤٠٧]، تحفة الأحوذي [٣٠٤/٨]. ٦٥٥ الباب الرابع: تعامل النبي صَلَّالَُّ علَيهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة فصحَّ أن المنافقين خذلوا المسلمين في أحرج المواقف، بتأثيرهم على الضّعفاء، وسحبهم ثلثَ جيش المسلمين، الذي خرج للتصدّي للمشركين، واحتجوا لأنفسهم بأوهى الأسباب، وهو زعمهم أن القتال لن يقع، مع أنهم كانوا يعلمون أن القتال حاصلٌ لا محالة. وإنما الذي صدّهم عن الانضمام إلى كتائب المسلمين هو كفرهم ونفاقهم؛ كما أوضح الله ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَاتِلُواْ فِي سَبِ الَّهِأَوِ أَدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمُّ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧]. ومع ما صدر منهم فلم يعاقبهم النبيُّ ◌َّ على هذا الجرم العظيم الذي فيه تخذيلٌ للمسلمین. وترك النبيُّ ◌َل قتلهم لأجل مصالح كثيرة في الإسلام: فرسول الله وَله لم يقتل أحداً من المنافقين ممن يخالط المجتمع تحصيلاً لمصالح الدعوة، ومنها: سدُّ ذرائع النفور عن دعوة الإسلام. ويدلُّ على ذلك حديث جابرِ بنِ عبدِ الله رَنْهَا قالَ: كَّا في غزاةٍ (١)، فكسعَ (٢) رجلٌ منَ المهاجرينَ رجلاً منَ الأنصارِ. فقالَ الأنصاريُّ: يا للأنصارِ. وقالَ المهاجريُّ: يا للمهاجرينَ.(٣) فسمعَ ذلكَ رسولُ اللهِوَّةِ، فقالَ: ((ما بالُ دعوى الجاهليّةِ؟». قالوا: يا رسولَ الله، كسعَ رجلٌ منَ المهاجرينَ رجلاً منَ الأنصارِ. فقالَ: ((دعوها فإنّها منتنةٌ)). (١) هي غزوة بني المصطلق. (٢) الكسع: ضرب الدّبر باليدِ أَوْ بالرّجلِ. (٣) بالرغم أن اللفظ المستخدم لفظ إسلامي: ((المهاجرون والأنصار))، لكن لما استخدم استخداماً خاطئاً أنكر النبي وَّ ذلك. ٦٥٦ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسمعَ بذلكَ عبدُ الله بنُ أبيٍّ فقالَ: فعلوها !! ، أما والله لئنْ رجعنا إلى المدينةِ ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ(١)! فبلغَ النّبيَّ ◌َلِّ. فقامَ عمرُ فقالَ: يا رسولَ الله دعني أضربْ عنقَ هذا المنافقِ. فقالَ النّبِيُّ ◌َ: ((دعُهُ، لا يتحدّثُ النّاسُ أَنَّ محمّداً يقتلُ أصحابهُ))(٢). زادَ ابن إسحاق: «فقالَ: لا، ولكنْ أَذِّنْ بالرّحيلِ، فراحَ في ساعة ما كانَ يرحل فيها(٣). فلقيهُ أسيد بن حضير فسألهُ عنْ ذلكَ فأخبرهُ، فقالَ: فأنتَ يا رسول الله الأعزُّ وهوَ الأذلُّ)). وبلغَ عبد الله بن عبد الله بن أبيِّ ما كانَ منْ أمر أبيهِ، فأتى النّبيّ ◌َلّ فقال: بلغني أنّك ترید قتل أبي فيما بلغك عنهُ، فإنْ کنت فاعلاً، فمرني بهِ فأنا أحمل إليك رأسه. فقالَ: ((بلْ نترفّق بهِ ونحسن صحبته ما بقيَ معنا)) (٤). وفي رواية: فقالَ لهُ ابنه عبد الله: والله لا تنقلبُ إلى المدينة حتّى تقرَّ أنّكَ الذّليلُ ورسولُ اللهِوَّه العزيزُ، ففعلَ (٥). (١) في رواية عبدِ الرّزّاقِ عنْ معمرٍ عن قتادةَ مرسلًا: فانكفاً كلّ منافق إلى عبد الله بن أبيِّ فقالوا: كنت ترجى وتدفع، فصرت لا تضرُّ ولا تنفع، فقالَ: لئنْ رجعنا إلى المدينةِ ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلّ. وسندها مرسل = = جيد؛ كما قال ابن حجر في الفتح [٦٤٩/٨]. وفي رواية ابن إسحاق: فقالَ عبد الله بن أبيٍّ: أقدْ فعلوها؟ نافرونا، وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذهِ إلّا كما قالَ القائل: سمّنْ كلبك يأكلك. السيرة النبوية [٣٥٩/٤] لابن هشام. يقصد أننا آويناهم وأطعمناهم، فلما شبعوا وعزّوا كاثرونا، ونافسونا. (٢) رواه البخاري [٣٥١٨] واللفظ له، ومسلم [٢٥٨٤]. (٣) والحكمة ظاهرة من أمره وَّه بالرحيل في وقت غير معتاد، وهي: أن ترك مثل هذا الخبر ينتشر في الجيش يسبّبُ بلبلةً في الأفكار، ويثير القيل والقال مما يصرف أذهان الجند إلى مهاترات كلامية، لا تحمد عقباها. فكانت مسيرة الجيش المتصلة ليلاً ونهاراً مما أجهدهم، حتى وقعوا نياماً، فمسح النومُ العميقُ بعد النّصبِ الشديد آثار الفتنة. مرويات غزوة بني المصطلق [١ / ١٩٠]. (٤) السيرة النبوية [٢/ ٢٩١] لابن هشام. (٥) رواه الترمذي [١٥٨٢]، وصححه الألباني في صحيح الترمذي [٣٣١٥]. ٦٥٧ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِ وَسَلًَّ مع شرائح دعوية مخصوصة أيْ: فأقرَّ عبدُ الله بنُ أبيٍّ بأنّهُ الذّليلُ ورسولَ اللهِ وَِّ العزيزُ. قال النووي رَحمَةُ اللَّهُ: فِيهِ: ما كانَ عليهِ بَلَه مِنَ الحلم. وفيهِ: ترك بعض الأمور المختارة، والصّبر على بعض المفاسد خوفاً منْ أنْ تترتّب على ذلكَ مفسدة أعظم منهُ. وكانَ ◌َ ◌َلّه يتألّف النّاس، ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقينَ، وغيرهمْ؛ لتقوى شوكة المسلمينَ، وتتمّ دعوة الإسلام، ويتمكّن الإيمان منْ قلوب المؤلّفة، ويرغب غیرهمْ في الإسلام، وكانَ يعطيهمُ الأموال الجزيلة لذلكَ. ولمْ يُقتل المنافقينَ لهذا المعنى، ولإظهارهمُ الإسلام، وقدْ أمرَ بالحكمِ بالظّاهرِ، والله يتولّى السّرائر، ولأنّهمْ كانوا معدودينَ في أصحابه ◌ِِّ، ويجاهدونَ معهُ إمّا حميّةً، وإمّا لطلبٍ دنيا، أوْ عصبيّة لمنْ معهُ منْ عشائرهمْ))(١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((الثّالثُ - أي: من الشواهد على قاعدة سد الذرائع: أنَّ النّبِيّ ◌ََّ كانَ يكفُّ عنْ قتلِ المنافقينَ معَ كونِهِ مصلحةً؛ لئلا يكونَ ذريعةً إلى قولِ النّاسِ أنَّ محمّداً ◌َّ يقتلُ أصحابهُ؛ لأنَّ هذا القولَ يوجبُ النّورَ عنِ الإسلامِ مَّنْ دخلَ فيهِ، وممّنْ لمْ يدخلْ فيهِ، وهذا النّفورُ حرامٌ)) (٢). فكان الأصل في تعامله وَليّ مع المنافقين: أن يجري ظاهر حكم الإسلام عليهم ما داموا مظهرينَ للإسلام. فعاملهم معاملة المسلمين في أحكام الدنيا، فلم يفرّق بينهم وبين غيرهم من المسلمين في الأحكام الظاهرة. قال الشافعي: ((من أظهر الإيمان بعد الكفر له حكم المسلمين من الموارثة والمناكحة وغير ذلك من أحكام المسلمين))(٣). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٣٩/١٦]. (٢) إقامة الدليل على إبطال التحليل [٤٧١/٣]. (٣) الأم [٦ /١٦٦]. ٦٥٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((الإيمانَ الظّاهرَ الّذي تجري عليهِ الأحكامُ في الدّنيا لا يستلزمُ الإيمانَ في الباطنِ الّذي يكونُ صاحبهُ منْ أهلِ السّعادةِ في الآخرةِ؛ فإنَّ المنافقينَ الّذِينَ قالوا آمنا بالله وباليومِ الآخرِ وما همْ بمؤمنينَ همْ في الظّاهِرِ مؤمنونَ يصلّونَ معَ النّاسِ ويصومونَ ويحجّونَ ويغزونَ، والمسلمونَ يناكحونهمْ ويوارثونهم كما كانَ المنافقونَ على عهدِ رسولِ الله وَالكلهم وشـ ولمْ يحكمْ النّبِيُّ ◌َّ فِي المنافقينَ بحكمِ الكفّارِ المظهرينَ للكفرِ لا في مناكحتهمْ، ولا موارثتهم، ولا نحوِ ذلكَ. بلْ لَّا ماتَ عبدُ الله بنُ أبي ابنُ سلول - وهوَ منْ أشهرِ النّاسِ بالنّفاقِ - ورثهُ ابنهُ عبدُ الله، وهوَ منْ خيارِ المؤمنينَ، وكذلكَ سائرُ منْ كانَ يموتُ منهمْ يرثهُ ورثتهُ المؤمنونَ. وإذا ماتَ لأحدهمْ وارثٌ ورثوهُ معَ المسلمينَ ... وإنْ علمَ في الباطنِ أَنّهُ منافقٌ ... وإنْ كانوا في الآخرةِ في الدّركِ الأسفلِ منْ النّارِ؛ بلْ كانوا يورثونَ ويرثونَ؛ وكذلكَ كانوا في الحقوقِ والحدودِ كسائرِ المسلمينَ))(١). فهؤلاء المنافقون يعاملون معاملة المسلمين ما لم يظهر منهم ما يدلُّ على كفرهم ونفاقهم صراحةً، فإن ظهر منهم ذلك، وثبت بالأدلة الواضحة، فيعاملون معاملة الكفار، ويقام عليهم حكم الردة. ولذلك من الخطأ الواضح ما يقرّره البعض من ترك الحرّية لكل منافق فاسدٍ، وشيطان ماردٍ، بأن يقول ما شاءَ، بحجّة أن النبيَّ وَّ كفَّ عن المنافقين! وخفي على هؤلاء أن النبيَّ ◌َّ كفَّ عن المنافقين في زمانه؛ لأنهم كانوا يكتمون نفاقهم، وما ظهر منهم من فلتات اللسان لم تقمْ عليهم فيه البيّةُ الواضحةُ، وكانوا ينكرونه ويتنصّلون منه بالأيمانِ الكاذبةِ، كما قال تعالى: ﴿أَتَّخَذُواْ أَيْمَنْهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]، أي: وقاية يتقون بها القتل، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ ﴾ [التوبة: ٧٤]. أو لعدم إمكان إقامتها إلا مع تنفيرِ أقوام عن الدخولِ في الإسلام وارتدادِ آخرين عنه. (١) مجموع الفتاوى [٧ / ٢١٠] باختصار. ٦٥٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة لقد كان النبيُّ ◌َلا يقبل اعتذاراتهم وأيمانهم تأليفاً لهم: قال زيد رَ عَنّهُ: خرجنا معَ رسولِ الله وَّل في سفرٍ أصابَ النّاسَ فيهِ شدّةٌ. فسمعتُ عبدَ الله بنَ أبِيِّ يقولُ: لا تنفقوا على منْ عندَ رسولِ الله حتّى ينفضّوا منْ حولِهِ، ولئنْ رجعنا منْ عندهِ ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأَذَلَّ. قال زيد بن أرقم: فذكرتُ ذلكَ لعمّي(١)، فذكرهُ للنّبِّ ◌ََّ، فدعاني، فحدّثتُهُ. فأرسلَ رسولُ الله ◌َّه إلى عبدِ الله بنِ أبيٍّ وأصحابهِ، فحلفوا ما قالوا. فكذّبني رسولُ اللهِوَّةِ، وصدّقهُ(٢)، فأصابني همِّ لم يصبني مثلهُ قطُّ، فجلستُ في البيتِ(٣). فقالَ لي عمّي: ما أردتَ إلى أنْ كذّبكَ رسولُ اللهِ وَّةِ، ومقتكَ؟! فوقعَ في نفسي ممّا قالوهُ شدّةٌ حَتّى أنزلَ الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ كَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] إلى آخر السورة، وفيها: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ) يَقُولُونَ لَيِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعَزُّمِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّالْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٧-٨]. فأرسلَ إليَّ رسولُ الله ◌َّهِ فقرأها عليَّ، ثمَّ قالَ: إنَّ اللهَ قدْ صدّقكَ يا زيدُ (٤). (١) المراد بعمّهِ سعد بن عبادةَ وليسَ عمّه حقيقة وإنّما هوَ سيّد قومه الخزرج. (٢) وفي رواية: فقالَ رسول الله وَّلَه: ((لعلّك أخطأَ سمعك، لعلّك شبّهَ عليك)). مغازي الواقدي [٤١٧/٢]، ثم إن تكذيب سيد القوم، وتصديق غلام صغير قد لا يكون مقبولا عند كثير من الناس في هذه المرحلة. (٣) وفي رواية أحمد [١٨٧٩٩]: فرجعت إلى المنزل، فنمت كئيباً حزيناً. (٤) وفي رواية قالَ: فبينما أنا أسير معَ رسول الله وََّ قَدْ خفقتُ برأسي منَ الهمِّ، أتاني فعركَ بأذني وضحكَ في وجهي، فما كانَ يسرّني أنَّ لي بها الخلدَ في الدّنيا. ثمَّ إِنَّ أبا بكرٍ لحقني فقالَ: ما قالَ لكَ رسولُ الله ◌ََّ، قلتُ ما قالَ لي شيئاً إلّا أنّهُ عركَ أذني وضحكَ في وجهي. فقالَ: أبشرْ. ثمَّ لحقني عمرُ فقلتُ لهُ مثلَ قولي لأبي بكرٍ. فلمّا أصبحنا قرأَ رسولُ اللهِ وَّ سورةَ المنافقينَ. رواه الترمذي [٣٣١٣]، وصححه الألباني في صحيح الترمذي [٣٣١٣].