Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فإذا أدّى ذلكَ إلى إسقاطِ ثناياهُ؛ كانَ سقوطها بفعلٍ مأذونٍ فيهِ منَ الشّارعِ؛ فلا يقابلُ
بالدّيةِ))(١).
وكان ◌َّ يراعي حال المستفتي في الفتوى:
عنْ أبي هريرةَ رَهُ أَنَّ رجلاً سألَ النّبِيَّ ◌ََّ عنِ المباشرةِ للصّائمِ (٢)، فرخّصَ لهُ.
وأتاهُ آخرُ فسألهُ، فنهاهُ.
فإذا الّذي رخّصَ لهُ شيخٌ، والّذي نهاهُ شابٌّ (٣).
وفي هذا مراعاة النبيِّ وَّ الفرق بين الشابِّ والشيخ، ففرّق بينهما في الحكم.
((فاستنبطَ العلماءُ من ذلك: أن القبلةَ والمباشرة تكرهان للشبابِ ونحوهم، ممن تتحرّكُ
شهوته عند ذلك، ويخشى عليه مواقعةُ الحرام، أمّا من لا يخشى منه ذلك فلا كراهة في
حقّه))(٤).
قالَ النّوويُّ: ((ولا خلاف أنّها لا تبطلُ الصّومَ إلّا أنْ ينزلَ المنيَّ بالقبلةِ)) (٥).
وهكذا فعل الصحابة:
فعنْ سعدِ بنِ عبيدةَ، قالَ: جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عبّاسٍ، فقالَ: لمنْ قتلَ مؤمناً توبةٌ؟
قالَ: ((لا إلّا النّارُ)).
فلّا ذهبَ قالَ لهُ جلساؤهُ: ما هكذا كنتَ تفتينا، كنتَ تفتينا أنَّ لمنْ قتل مؤمناً توبةٌ
مقبولةٌ، فما بالُ اليومِ؟
قالَ: ((إنّ أحسبهُ رجلاً مغضباً يريدُ أنْ يقتلَ مؤمناً».
(١) إعلام الموقعين [١٢٤/٤].
(٢) معنى المباشرة ههنا اللّمس باليدِ وهوَ التقاء البشرتين.
(٣) رواه أبو داود [٢٣٨٧]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٢٠٦٥].
(٤) مجموع فتاوى ابن باز [١٥ / ٣١٥].
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم [٢١٥/٧].

٥٦١
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
قالَ: فبعثوا في أثرهِ، فوجدوهُ كذلكَ(١).
وكان ◌َلٌ يستفصلُ ويستفسرُ من المستفتي عن طبيعة الشيء المسئول عنه:
عن أبي موسى قالَ: بعثني رسولُ الله ◌َّل إلى اليمنِ.
فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ بها أشربةً، فما أشربُ وما أدعُ.
قالَ: ((وما هيَ؟».
قلتُ: البتعُ، والمزرُ.
قالَ: ((وما البتعُ والمزرُ؟)).
قلتُ: أمّا البتعُ فنبيذُ العسلِ، وأمّا المزرُ فنبيذُ الذّرةِ.
فقالَ: «تسکرُ)).
قالَ: نعمْ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّةِ: ((لا تشربْ مسكراً، فإنّي حرّمتُ كلَّ مسكٍ))(٢).
وكان يطلب عرض صورِ المسئولِ عنه؛ ليبيِّنَ ما يجوز منها مما لا يجوز.
عنْ عوفٍ بنِ مالكِ الأشجعيِّ قالَ: كنّا نرقي في الجاهليّةِ، فقلنا: يا رسولَ الله، كيفَ
ترى في ذلكَ؟
فقالَ: ((اعرضوا عليَّ رقاكمْ، لا بأسَ بالرّقى ما لمْ يكنْ فيهِ شركٌ))(٣).
وعنْ جابرِ بنِ عبدِ الله ◌َنَّا قالَ: نهى رسولُ الله ◌ََّ عنِ الرّقى، فجاءَ الُّ عمرو بنِ
حزمٍ إلى رسولِ اللهِوَّهِ، فقالوا: يا رسولَ الله، إنّهُ كانتْ عندنا رقيةٌ نرقي بها منَ العقربِ،
وإنّكَ نهيتَ عنِ الرّقى.
(١) رواه ابن أبي شيبة [٢٧٧٥٣].
(٢) رواه النسائي [٥٦٠٣]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٧٣٣٣]، وأصله في البخاري [٤٣٤٣]، ومسلم
[١٧٣٣].
(٣) رواه مسلم [٢٢٠٠].

٥٦٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ: فعرضوها عليهِ، فقالَ: ((ما أرى بأساً، منِ استطاعَ منكمْ أنْ ينفعَ أخاهُ؛ فلينفعهُ))(١).
قال النووي: ((وأمّا قوله: (يا رسول الله إنّك نهيتَ عنْ الرّقى) فأجابَ العلماء عنهُ
بأجوبةٍ:
أحدها: كانَ نهى أوّلاً، ثمَّ نسخَ ذلكَ، وأذنَ فيها، وفعلها، واستقرَّ الشّرع على الإذن.
والثّاني: أنَّ النّهي عنِ الرّقى المجهولة كما سبقَ.
والثّالث: أنَّ النّهي لقومٍ كانوا يعتقدونَ منفعتها وتأثيرها بطبعها كما كانتْ الجاهليّة
تزعمهُ في أشياء كثيرة))(٢).
وقال ابن حجر: ((وقدْ أجمعَ العلماءُ على جوازِ الرّقى عندَ اجتماعِ ثلاثةِ شروطٍ: أنْ يكونَ
بكلامِ الله تعالى أوْ بأسمائِهِ وصفاتِهِ، وباللّسانِ العربيِّ، أوْ بما يعرفُ معناهُ منْ غيرِهِ، وأنْ
يعتقدَ أنَّ الرّقيةَ لا تؤثّرُ بذاتها، بلْ بذاتِ الله تعالى))(٣).
وكان ◌َّه يختار لهم الأيسر والأسهل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً:
عنْ عبدِ الله بنِ عمرٍو ◌َعَنْهَا قَالَ: رأيتُ النّبِيَّ ◌َِّ عندَ الجمرةِ وهوَ يسألُ.
فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله نحرتُ قبلَ أنْ أرميَ.
قالَ: ((ارمٍ ولا حرجَ)).
قالَ آخرُ: يا رسولَ الله حلقتُ قبلَ أنْ أنحرَ.
قالَ: ((انحرْ ولا حرجَ)).
فما سئلَ عنْ شيءٍ قدّمَ ولا أخّرَ إلّا قالَ: افعلْ ولا حرجَ(٤).
(١) رواه مسلم [٢١٩٩].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤/ ١٦٨].
(٣) فتح الباري [١٠/ ١٩٥].
(٤) رواه البخاري [١٢٤]، ومسلم [١٣٠٦].

٥٦٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
وعنْ جابرِ بنِ عبدِ الله ◌َنَّ أَنَّ رجلاً قامَ يومَ الفتحِ، فقالَ: يا رسولَ الله، إنّ نذرتُ لله
إِنْ فتحَ الله عليكَ مكّةَ أَنْ أصلَّ في بيتِ المقدسِ ركعتينِ.
قالَ: ((صلِّ هاهنا)).
ثُمَّ أعادَ علیهِ.
فقالَ: ((صلِّ هاهنا)).
ثُمَّ أعادَ علیهِ.
فقالَ: ((شأنكَ إذنْ))(١).
وهكذا كان منهج النبيِّ وَّ التيسير، كما قال تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٨]، ((أيْ:
نسهّلُ عليكَ أفعالَ الخيرِ وأقوالهُ، ونشرّعُ لكَ شرعاً سهلاً، سمحاً، مستقيماً، عدلاً لا
اعوجاجَ فيهِ، ولا حرجَ، ولا عسرَ)(٢).
وعنْ أبي هريرةَ رَّهُ عَنِ النّبِّ ◌َلّ قالَ: ((إنَّ الدّينَ يسرٌ، ولنْ يشادَّالدّينَ أحدٌ إلّا
غلبهُ))(٣).
وقال ◌َّ: ((بعثتُ بالحنيفيّةِ السّمحةِ))(٤).
وعنْ عائشةَ رَ عَنْهَا أنّها قالتْ: ما خيّرَ رسولُ الله ◌َّه بِينَ أمرينٍ إلّا أخذَ أيسرهما ما لمْ
يكنْ إثماً، فإنْ كانَ إثماً كانَ أبعدَ النّاسِ منْهُ(٥).
وكان يختار الأنفع لأمته.
عن أبي هريرةَ رَّهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِوََّ: «ليلةَ أسريَ بي رأيتُ موسى، وإذا هوَ
(١) رواه أبو داود [٣٣٠٥]، وصححه الألباني في الإرواء [٢٥٩٧].
(٢) تفسير ابن كثير [٣٧٢/٨].
(٣) رواه البخاري [٣٩]، ومسلم [٢٨١٦].
(٤) رواه أحمد [٢١٧٨٨] عن أبي أمامة رََّنهُ، وقوّاه الألباني في الصحيحة [٤٢٣/٦] بشواهده.
(٥) رواه البخاري [٣٥٦٠]، ومسلم [٢٣٢٧].

٥٦٤
تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
رجلٌ ضربٌ(١) رجلٌ (٢) كأنّهُ منْ رجالٍ شنوءةَ، ورأيتُ عيسى، فإذا هوَ رجلٌ ربعٌ(٣) أحمرُ،
كأنّما خرجَ منْ ديماسٍ (٤)، وأنا أشبهُ ولِدِ إبراهيمَ ◌َّ بِهِ.
ثُمَّ أتيتُ بإناءينِ في أحدهما لبنٌّ، وفي الآخِرِ خمرٌّ، فقيل لي: اشربْ أيّهما شئتَ.
فأخذتُ اللّنَ فشربتهُ، فقيلَ: أخذتَ الفطرةَ، أما إنّكَ لوْ أخذتَ الخمرَ؛ غوتْ أمْتَكَ))(٥).
وكان يرخّص لأصحاب الحاجات، فيستثنيهم من الحكم العام.
وعن القاسم بن محمّد عنْ عائشةَ رَ عَنْهَا قالتْ: استأذنتْ سودةُ رسولَ الله ◌َِّ ليلةَ
المزدلفةِ تدفعُ قبلهُ، وقبلَ حطمةِ النّاسِ (٦)، وكانتْ امرأة ثبطةً - يقولُ القاسمُ: والثّبطةُ
الثّقيلةُ. قالَ: فأذنَ لها، فخرجتْ قبلَ دفعهِ، وحبسنا حتّى أصبحنا، فدفعنا بدفعهِ.
ولأنْ أكونَ استأذنتُ رسولَ الله وََّ كما استأذنتهُ سودةُ، فأكونَ أدفعُ بإذنِهِ أحبُّ إليّ منْ
مفروحِ بهِ(٧).
وعنْ عبد الله بنِ عمرَ رَةَ قالَ: استأذنَ العبّاسُ بنُ عبدِ المطّلبِ رَ عَنهُ رسولَ الله ◌َّه
أنْ يبيتَ بمكّةً لياليَ منَّى منْ أجلِ سقايتِهِ، فأذنَ لهُ(٨).
بل كان يطاوعُ السائل في طلب الاستثناء تيسيراً عليه.
عنْ عبد الله بنِ عبّاسٍ رَنْهَا أَنَّ النّبِيَّ ◌َّه قالَ: ((إنَّ اللهَ حرّمَ مكّةَ، فلمْ تحلَّ لأحدٍ قبلي،
ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنّما أحلّتْ لي ساعةً منْ نهارٍ، لا يختلى خلاها، ولا يعضدُ شجرها،
ولا ينفّرُ صيدها، ولا تلتقطُ لقطتها إلّا لمعرّفٍ)).
(١) أي: نحيف.
(٢) أي: دهين الشعر مسترسله.
(٣) أي: متوسط ليس بالطويل، ولا بالقصير.
(٤) أي: حمام.
(٥) رواه البخاري [٣٣٩٤]، ومسلم [١٦٨].
(٦) أي: قبل الزحام.
(٧) رواه البخاري [١٦٨٠]، ومسلم [١٢٩٠].
(٨) رواه البخاري [١٦٣٤]، ومسلم [١٣١٥].

٥٦٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
فقالَ العبّاسُ: يا رسولَ الله إلّا الإذخرَ لصاغتنا، وقبورنا.
فقالَ: ((إلّا الإذخرَ))(١).
قال النووي: ((قوله: فقالَ رسول الله وَّ: ((إلّا الإذخر))، هذا محمول على أنّهُ مَّ أَو حيَ
إليهِ في الحال باستثناءِ الإذخر وتخصيصه منْ العموم، أوْ أوحيَ إليهِ قبل ذلكَ أنّهُ إِنْ طلبَ
أحد استثناء شيء فاستثنِهِ، أَوْ أنّهُ اجتهدَ في الجميع. والله أعلم))(٢).
من فوائد الحديث:
فيهِ: بيانُ خصوصيّةِ النّبِّ وَّ بما ذكرَ في الحديثِ.
وفيهِ: جوازُ مراجعةِ العالم في المصالحِ الشّرعيّةِ، والمبادرةُ إلى ذلكَ في المجامعِ والمشاهدِ.
وفيهِ: عظيمُ منزلةِ العبّاسِ عندَ النّبِيِّ ◌َّ.
وفيهِ: عنايتهُ ◌َّ بأمرِ مكّةَ لكونِهِ كانَ بها أصلهُ ومنشؤهُ.
وفيهِ: رفعُ وجوبِ الهجرةِ عنْ مكّةَ إلى المدينةِ، وإبقاءُ حكمها منْ بلادِ الكفرِ إلى يومِ
القيامةِ(٣).
وإذا لم يجدْ رخصةً للمستفتي صرّح له بذلك، وأفتاه بالعزيمة:
عنْ ابنِ أمِّ مكتومٍ أنّهُ سألَ النّبِيَّ وَِّ، فقالَ: يا رسولَ الله إنّي رجلٌ ضریرُ البصرِ، شاسعُ
الدّار، ولي قائدٌ لا يلائمني، فهلْ لي رخصةٌ أنْ أصلَّ في بيتي؟.
قالَ: «هلْ تسمعُ النّداءَ)).
قالَ: نعمْ.
(١) رواه البخاري [١٣٤٩]، ومسلم [١٣٥٣]. والإذخر: نبات طيب الرائحة.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [٩/ ١٢٧].
(٣) فتح الباري [٥٠/٤].

٥٦٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ: ((لا أجدُ لكَ رخصةً))(١).
وفي هذا دليل على أنَّ حضور الجماعة واجب، ولوْ كانَ ذلكَ ندباً لكانَ أولى منْ يسعهُ
التّخلّف عنها أهل الضّرر والضّعف، ومنْ كانَ في مثل حال ابن أمّ مكتوم(٢).
وكان يرشد المستفتي إلى البديل المباح:
فإن من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء، فمنعه منه، و کانت حاجته تدعوه
إليه؛ أن يدلّه على ما هو عوضٌ له منه، فيسدَّ عليه باب المحظور، ويفتحَ له باب المباح.
فمثاله مثال الطبيب الناصح يحمي العليل عما يضرّه، ويصفُ له ما ينفعه.
عنْ فيروزَ الدّيلميِّ قالَ: أتينا رسولَ اللهِ وَّةِ، فقلنا: يا رسولَ الله قدْ علمتَ منْ نحنُ،
ومنْ أينَ نحنُ، فإلى منْ نحنُ؟
قالَ: ((إلى الله وإلى رسولهِ)).
فقلنا: يا رسولَ الله إنّا أصحابُ كرمِ، وقَدْ أنزلَ الله عَلَّ تحريمَ الخمرِ، فماذا نصنعُ بها.
قالَ: ((زبّبوها)).
قلنا: ما نصنعُ بالزّبيبِ؟.
قالَ: (انبذوهُ(٣) على غدائكمْ، واشربوهُ على عشائكمْ، وانبذوهُ على عشائكمْ واشربوهُ على
غدائکم)).
قلتُ: أفلا نؤخّرهُ حتّى يشتدَّ. [یتخمّر ويسكر]
(١) رواه أبو داود [٥٥٢]، والنسائي [٨٥١]، وابن ماجة [٧٩٢]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٥٦١]،
ورواه مسلم [٦٥٣] بنحوه من حديث أبي هريرة.
(٢) عون المعبود [١٨٠/٢].
(٣) النبذ والانتباذ: أن يوضع الزبيب أو التمر أو نحوهما في الماء، ويشرب نقيعه قبل أن يختمر ويصبح مسكرا.

٥٦٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
قالَ: ((لا تجعلوهُ في القللِ، واجعلوهُ في الشّنانِ (١)، فإنّهُ إِنْ تأخّرَ صارَ خلَّ) (٢).
(قوله: (علمتَ منْ نحنُ) يعني: القبيلة، وقوله: (ومنْ أينَ نحنُ) يعني: من البلد.
((إلى الله ورسوله)) يمكنُ أن يحمل على أنّهم صائرون إلى ما يأتي عن الله وعن رسوله ◌َّ،
ويلتزمون بما جاء عن الله وعن رسوله وَالٍ)(٣).
وكذا فعل ابن عباس، عنْ سعيدِ بنِ أبي الحسنِ قالَ: كنتُ عندَ ابنِ عبّاسِ رَةَ إِذْ أَتاهُ
رجلٌ، فقالَ: يا أبا عبّاسٍ إنّ إنسانٌّ إنّما معيشتي منْ صنعةِ يدي، وإنّي أصنعُ هذهِ التّصاويرَ.
فقالَ ابنُ عبّاسٍ: لا أحدّئكَ إلّا ما سمعتُ رسولَ اللهِوَّ يقولُ، سمعتهُ يقولُ: ((منْ
صوّرَ صورةً فإنَّ اللهَ معذّبهُ حتّى ينفخَ فيها الرّوحَ، وليسَ بنافخ فيها أبداً».
فربا الرّجلُ ربوةً شديدةً، واصفرَّ وجههُ.
فقالَ: ويحكَ إنْ أبيتَ إلّا أنْ تصنعَ، فعليكَ بهذا الشّجرِ كلِّ شيءٍ ليسَ فيهِ روحٌ (٤).
و کان یتوجّه إلى الله؛ ليلهمه الصواب:
ينبغي للمفتي الموفّق إذا نزلت به المسألة أن ينبعثَ من قلبه الافتقارُ الحقيقيُّ إلى ملهمِ
الصواب، ومعلّمِ الخير، وهادي القلوبِ، أن يلهمه الصواب، ويفتحَ له طريقَ السدادِ،
فمتی قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق.
فلما سأل رجلٌ النبيِّهِ، فقال: لو أنَّ رجلاً وجدَ معَ امرأتهِ رجلاً فتكلّمَ جلدتموهُ، أوْ
قتلَ قتلتموهُ، أوْ سكتَ سكتَ على غيظٍ.
فقالَ وَّ: ((اللهمَّ افتحْ))، وجعلَ يدعو، فنزلتْ آيَةُ اللّعانِ(٥).
(١) هيَ الأسقية منْ الأدم وغيرها، واحدها شنّ وأكثر ما يقال ذلكَ في الجلد الرّقيق أوْ البالي منْ الجلود.
(٢) رواه أبو داود [٣٧١٠]، والنسائي [٥٧٣٦]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٤٧٧].
(٣) شرح سنن أبي داود [٢٥/٤١٩] لعبد المحسن العباد.
(٤) رواه البخاري [٢٢٢٥]، ومسلم [٢١١٠].
(٥) رواه مسلم [١٤٩٥] عن عبد الله بن مسعود رَضِ لُّعَنْهُ.

٥٦٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قوله ◌َِّ: ((اللهمَّ افتحْ)) معناهُ: بيّنَ لنا الحكم في هذا(١).
قالَ الصّيمريّ وغيره في آداب الفتوى: ((وينبغي أن يدعو إذا أرادَ الإفتاء)(٢).
وكان من دعائه ◌َّ: ما رواه أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرّحمنِ بنِ عوفٍ قالَ: سألتُ عائشةَ أمَّ
المؤمنينَ: بأيِّ شيءٍ كانَ نبِيُّ الله ◌ََّ يفتتحُ صلاتهُ إذا قامَ منَ اللّيلِ؟
قالتْ: كانَ إذا قامَ منَ اللّيلِ افتتحَ صلاتهُ: «اللهمَّ ربَّ جبرائيلَ، وميكائيلَ، وإسرافيلَ،
فاطرَ السّماواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشّهادةِ، أنتَ تحكمُ بينَ عبادك فيما كانوا فيهِ
يختلفونَ، اهدني لما اختلفَ فيهِ منَ الحقِّ بإذنكَ، إنّكَ تهدي منْ تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ))(٣).
وكان يرفق بالسائل الذي جاء تائباً من ذنبٍ أو خطيئةٍ فلا يغلظُ علیه:
عنْ أبي هريرةَ رَّعَنْهُ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النّبِيِّ وَّةِ، فقالَ: هلكتُ يا رسولَ الله.
قالَ: ((وما أهلككَ؟)).
قالَ: وقعتُ على امرأتي في رمضانَ.
قالَ: «هلْ تجدُ ما تعتقُ رقبةً؟)).
قالَ: لا.
قالَ: ((فهلْ تستطيعُ أنْ تصومَ شهرين متتابعينٍ؟».
قالَ: لا.
قالَ: ((فهلْ تجدُ ما تطعمُ ستّينَ مسكيناً)).
قالَ: لا.
قالَ: ثمَّ جلسَ، فأتيَ النّبيُّ نَّه بعرقِ(٤) فيهِ تمرٌّ، فقالَ: «تصدّقْ بهذا)).
(١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/ ١٢٨].
(٢) آداب الفتوى والمفتي والمستفتي [٤٩/١] للنووي.
(٣) رواه مسلم [٧٧٠].
(٤) والعرق عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعا وهي ستون مدا لستين مسكينا لكل مسكين مد. شرح النووي
[٢٢٦/٧].

٥٦٩
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
قالَ: أفقرَ منّا؟ فما بينَ لابتيها أهلُ بيتٍ أحوجُ إليهِ منّا.
فضحكَ النّبِيُّ ◌ََّ حتّى بدتْ أنيابهُ، ثمَّ قالَ: ((اذهبْ، فأطعمهُ أهلكَ))(١).
قال ابن حجر: «فلمْ يعاقبهُ النّبِيّ ◌ِّ معَ اعترافهِ بالمعصيةِ، ذلك أن مجيئهُ مستفتیاً يقتضي
النّدمَ والتّوبة، فلوْ عوقبَ لكانَ سبباً لتركِ الاستفتاء، وهيَ مفسدةٌ؛ فاقتضى ذلكَ أنْ لا
يعاقبَ))(٢).
من فوائد الحدیث:
فيهِ: الرّفقُ بالمتعلّمِ، والتّلطّف في التّعليم، والتّألّف على الدّين.
وفيهِ: التّعاون على العبادة، والسّعي في إخلاص المسلم.
وفيهِ: إعطاءُ الواحد فوق حاجته الرّاهنة.
وسبب ضحكهِ وٍَّ كانَ منْ تباينِ حالِ الرّجل حيثُ جاءَ خائفاً على نفسه راغباً في
فدائها مهما أمكنهُ، فلّا وجدَ الرّخصةَ طمعَ في أنْ يأكلَ ما أعطيهُ منْ الكفّارة.
وقيلَ: ضحكَ منْ حالِ الرّجل في مقاطع كلامهِ و حسنِ تأتیه وتلطّفهِ في الخطابِ وحسن
توسّلِهِ في توصّلهِ إلى مقصودهِ))(٣).
وعنْ سلمةَ بنِ صخرِ الأنصاريِّ رَنهُ قالَ: كنتُ رجلاً قدْ أوتيتُ منْ جماعِ النّساءِ ما لمْ
يؤتَ غيري، فلمّا دخلَ رمضانُ تظاهرتُ منِ امرأتي حتّى ينسلخَ رمضانُ فرقاً منْ أنْ أصيبَ
منها في ليلتي، فأتتابعَ في ذلكَ إلى أنْ يدركني النّهارُ، وأنا لا أقدرُ أنْ أَنزِعَ، فبينما هيَ تخدمني
ذاتَ ليلةٍ إِذْ تكشّفَ لي منها شيءٌ، فوثبتُ عليها.
فلّا أصبحتُ غدوتُ على قومي، فأخبرتهمْ خبري، فقلتُ: انطلقوا معي إلى
رسولِ الله وَّةِ، فأخبرهُ بأمري.
(١) رواه البخاري [١٩٣٦] ومسلم [١١١١].
(٢) فتح الباري [٤ / ١٦٥].
(٣) فتح الباري [١٧١/٤] بتصرف.

٥٧٠
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالوا: لا والله لا نفعلُ؛ نتخوّفُ أنْ ينزلَ فينا قرآنٌ، أَوْ يقولَ فينا رسولُ الله ◌َله مقالةً
يبقى علينا عارها، ولكنْ اذهبْ أنتَ، فاصنعْ ما بدا لكَ.
قالَ: فخرجتُ، فأتيتُ رسولَ الله ◌َّ﴾، فأخبرتهُ خبري.
فقالَ: ((أنتَ بذاكَ؟)).
قلتُ: أنا بذاكَ.
قالَ: ((أنتَ بذاكَ؟)).
قلتُ: أنا بذاكَ.
قالَ: ((أنتَ بذاكَ؟)).
قلتُ: أنا بذاكَ، وها أنا ذا؛ فأمضِ فيَّ حكمَ الله، فإنّي صابرٌ لذلكَ.
قالَ: ((أعتقْ رقبةً)).
قالَ: فضربتُ صفحةَ عنقي بيدي، فقلتُ: لا والّذي بعثكَ بالحقِّ لا أملكُ غيرها.
قالَ: ((صمْ شهرینٍ)).
قلتُ: يا رسولَ الله، وهلْ أصابني ما أصابني إلّا في الصّيامِ؟
قالَ: ((فأطعمْ ستّينَ مسكيناً).
قلتُ: والّذي بعثكَ بالحقِّ لقدْ بتنا ليلتنا هذهِ وحشى، ما لنا عشاءٌ.
قالَ: «اذهبْ إلى صاحبٍ صدقةٍ بني زريقِ، فقلْ لهُ: فليدفعها إليكَ، فأطعمْ عنكَ منها
وسقاً ستّينَ مسكيناً، ثمَّ استعنْ بسائرِهِ عليكَ، وعلى عيالكَ)).
قالَ: فرجعتُ إلى قومي، فقلتُ: وجدتُ عندكمُ الضّيقَ، وسوءَ الرّأيِ، ووجدتُ عندَ
رسولِ اللهِوَلَّه السّعَةَ والبركةَ، أمرَ لي بصدقتكمْ، فادفعوها إليَّ، فدفعوها إليّ(١).
(١) رواه أبو داود [٢٢١٣]، والترمذي [٣٢٩٩]، وابن ماجة [٢٠٦٢]، وصححه الألباني في الإرواء [٢٠٩١]
بشواهده.

٥٧١
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
وكان يطيّبُ نفسَ السائلِ بالتطبيقِ على نفسه، ويؤكّدُ على أنه هو القدوة.
عن عائشةَ رََّنْهَا قالت: صنعَ النّبِيُّ ◌َّهِ شيئاً، فرخّصَ فيهِ، فتنزّهَ عنهُ قومٌ، فبلغَ ذلكَ
النّبِيّ ◌ََّ، فخطبَ، فحمدَ اللهَ، ثمَّ قالَ: ((ما بالُ أقوامٍ يتنزّهونَ عنِ الشّيءٍ أصنعهُ؟ فوالله إنّي
لأعلمهمْ بالله وأشدّهمْ لهُ خشيةً)) (١).
وفي رواية لمسلم: ((ما بالُ أقوامٍ يرغبونَ عّا رخّصَ لي فيه؟ فوالله لأنا أعلمهمْ بالله،
وأشدّهمْ له خشيةً)).
وفي الحديث: الحثّ على الاقتداء به ◌َّةِ، والنهيُّ عن التعمّق في العبادة، وذُّ التنزّه عن
المباح شكّاً في إباحته.
وأن القرب إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى والخشية له إنما يكون على حسب ما أمر، لا بمخيّلات
النفوس، وتكلّفِ أعمالٍ لم يأمر بها(٢).
وعن أنسِ بنِ مالكٍ رَعَنْهُ قال: جاءَ ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النّبِّ وَّ يسألونَ عنْ
عبادةِ النّبِيِّ وَّةِ، فلما أخبروا كأنّهمْ تقالّوها (٣)، فقالوا: وأينَ نحنُ منَ النّبِّ وََّ؟ قَدْ غفرَ لهُ
ما تقدّمَ منْ ذنبهِ وما تأخّرَ.
قالَ أحدهمْ: أمّا أنا فإنّي أصلّ اللّيلَ أبداً، وقالَ آخرُ: أنا أصومُ الدّهرَ، ولا أفطرُ، وقالَ
آخرُ: أنا أعتزلُ النّساءَ فلا أتزوّجُ أبداً، فجاءَ رسولُ الله ◌َّه إليهمْ، فقالَ: «أنتمْ الّذينَ قلتمْ
كذا وكذا؟ أما والله إنّ لأخشاكمْ لله وأتقاكمْ لهُ، لكنّي أصومُ وأفطرُ، وأصلّي وأرقدُ،
وأنزوّجُ النّساءَ، فمنْ رغبَ عنْ سنّي فَلَيْسَ منّي)) (٤).
وعنْ جابرِ بن عبد الله رَنَّ أَنَّ رسولَ الله ◌َّه خرجَ عامَ الفتح إلى مكّةَ في رمضانَ
حتّى بلغَ كراعَ الغميمِ قالَ: فصامَ النّاسُ وهمْ مشاةٌ، وركبان.
(١) رواه البخاري [٦١٠١]، ومسلم [٢٣٥٦].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥ / ١٠٧].
(٣) أي: اعتبروها قليلةً.
(٤) رواه البخاري [٥٠٦٣]، ومسلم [١٤٠١].

٥٧٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقيلَ لهُ: إِنَّ النّاسَ قَدْ شَقَّ عليهمُ الصّومُ، إنّما ينظرونَ ما تفعلُ.
فدعا بقدحِ، فرفعهُ إلى فيهِ حتّى نظرَ النّاسُ، ثمَّ شربَ، فأفطرَ بعضُ النّاسِ، وصامَ
بعضٌ.
فقيلَ للنّبِّ وَِّ: إِنَّ بعضهمْ صامَ فقالَ: ((أولئكَ العصاةُ، أولئكَ العصاةُ))(١).
قال النووي: ((قوله: ((أولئكَ العصاة)) محمول على منْ تضرّرَ بالصّومِ، أَوْ أنّهمْ أمروا
بالفطرِ أمراً جازماً لمصلحةِ بيان جوازه، فخالفوا الواجب.
وعلى التّقديرينِ لا يكون الصّائم اليوم في السّفر عاصياً إذا لمْ يتضرّرْ بِهِ، ويؤيّد التّأويلَ
الأوّلَ قولهُ: ((إنَّ النّاس قدْ شقَّ عليهمُ الصّيامُ))(٢).
وربما طيّب نفس السائل بالهدية؛ ليبين له أنه لم يغضب من سؤاله.
عنْ أنس بن مالكٍ رَضَعَتُ أنَّ اليهودَ كانوا إذا حاضتِ المرأةُ فيهمْ لَمْ يؤاكلوها، ولمْ
يجامعوهنَّ في البيوتِ، فسألَ أصحابُ النّبِّ وَِّ النّبِيَّ ◌َّهِ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ
عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى آخرِ الآيةِ، فقالَ
رسولُ الله ◌َّ: ((اصنعوا كلَّ شيءٍ إلّا النكاحَ)).
فبلغَ ذلكَ اليهودَ، فقالوا ما يريدُ هذا الرّجلُ أنْ يدعَ منْ أمرنا شيئاً إلَّا خالفنا فيهِ!
فجاءَ أسيدُ بنُ حضيرٍ، وعبّادُ بنُ بشرٍ، فقالا: يا رسولَ الله، إنَّ اليهودَ تقولُ كذا وكذا،
فلا نجامعهنَّ؟
فتغيّرَ وجهُ رسولِ الله ◌َِّ حَتّى ظنّا أنْ قدْ وجدَ(٣) عليهما، فخرجا، فاستقبلهما هديّةٌ منْ
لبنٍ إلى النّبِّ ◌ََّ، فأرسلَ في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أنْ لمْ يجِدْ عليهما(٤).
(١) رواه مسلم [١١١٤].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [٧/ ٢٣٣].
(٣) أي: غضب.
(٤) رواه مسلم [٣٠٢].

٥٧٣
الباب الرابع: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمً مع شرائح دعوية مخصوصة
((فسقاهما)) أي: من اللبن تلطّفاً بهما وإظهاراً للرضا.
(لم يجد عليهما)) لأنهما كانا معذورين؛ لحسن نيّتهما فيما تكلّما به، أو ما استمرَّ الغضب بل
زال(١).
وكان يتناول من الشىء المسئولِ عنه إذا كان مباحا؛ للتأكيد على إباحته.
عنْ أبي سعيد الخدريِّ رَعَنْهُ أَنَّ ناساً منْ أصحابٍ رسولِ اللهِوَ ◌َّ كانوا في سفرٍ، فمرّوا
بحيٍّ منْ أحياءِ العربِ، فاستضافوهمْ، فلمْ يضيفوهمْ، فقالوا لهمْ: هلْ فيكمْ راقٍ؛ فإنَّ سيّدَ
الحيِّ لديغٌ أوْ مصابٌ؟
فقالَ رجلٌ منهمْ: نعمْ.
فأتاهُ، فرقاهُ بفاتحةِ الكتابِ، فبرأَ الرّجلُ، فأعطيَ قطيعاً منْ غنمٍ، فأبى أنْ يقبلها، وقالَ:
حتّى أذكر ذلك للنّبِّ ێ.
فأتى النّبيَّ ◌َِّ، فذكرَ ذلكَ لهُ، فقالَ: يا رسولَ الله والله، ما رقيتُ إلّا بفاتحةِ الكتابِ،
فتبسّمَ، وقالَ: ((وما أدراكَ أنّهَا رقيةٌ؟)).
ثمَّ قالَ: ((خذوا منهمْ، واضربوا لي بسهمِ معكمْ))(٢).
قال النووي: ((أمّا قوله ◌َّ: ((واضربوا لي بسهم)) فإنّما قالهُ تطييباً لقلوبهمْ، ومبالغة في
تعريفهمْ أنّهُ حلال لا شبهة فیهِ))(٣).
من فوائد الحديث:
فيهِ: إمضاء ما يلتزمهُ المرء على نفسه؛ لأنَّ أبا سعيد التزمَ أنْ يرقيَ، وأنْ يكون الجعل لهُ
ولأصحابهِ، وأمرهُ النّبِيّ ◌َّهِ بالوفاءِ بذلكَ.
وفيهِ: الاشتراك في الموهوب إذا كانَ أصله معلوماً.
(١) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح [٢٤٥/٢].
(٢) رواه البخاري [٢٢٧٦]، ومسلم [٢٢٠١].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤ / ١٨٨].

٥٧٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفيهِ: جوازُ طلب الهديّة ممّنْ يعلمُ رغبته في ذلكَ وإجابته إلیهِ.
وفيهِ: جواز قبض الشّيء الّذي ظاهره الحلِّ، وترك التّصرّف فيهِ إذا عرضتْ فيهِ شبهة.
وفيهِ: الاجتهاد عند فقد النّصِّ، وعظمة القرآن في صدور الصّحابة خصوصاً الفاتحة.
وفيهِ: أنَّ الرّزق المقسوم لا يستطيع منْ هوَ في يده منعه ممّنْ قسمَ لهُ؛ لأنَّ أولئكَ منعوا
الضّيافة، وكانَ الله قسمَ للصّحابةِ في مالهمْ نصيباً، فمنعوهمْ، فسبّبَ لهمْ لدغ العقرب حتّی
سیقَ لهمْ ما قسمَ لهمْ.
وفيهِ: الحكمة البالغة حيثُ اختصَّ بالعقابِ منْ كانَ رأساً في المنع؛ لأنَّ منْ عادة النّاس
الائتمار بأمرٍ كبيرهمْ، فلّا كانَ رأسهمْ في المنع اختصَّ بالعقوبةِ دونهمْ جزاء وفاقاً.
وكأنَّ الحكمة فيهِ أيضاً إرادة الإجابة إلى ما يلتمسهُ المطلوب منهُ الشّفاء ولوْ كثرَ؛ لأنَّ
الملدوغ لوْ كانَ منْ آحاد النّاس لعلّهُ لمْ يكنْ يقدر على القدر المطلوب منهمْ(١).
وعنْ جابرِ بن عبد الله ◌ََّنَّا قَالَ: بعثنا رسولُ الله ◌َّهِ، وأمّرَ علينا أبا عبيدةَ نتلقّى عيراً
لقريشٍ، وزوّدنا جراباً منْ تمرٍ لمْ يجدْ لنا غيرهُ، فكانَ أبو عبيدةَ يعطينا تمرةً تمرةً.
قالَ: فقلتُ: كيفَ كنتمْ تصنعونَ بها؟
قالَ: نمصّها كما يمصُّ الصّبيُّ، ثمَّ نشربُ عليها منَ الماءِ، فتكفينا يومنا إلى اللّيلِ، وكنّا
نضربُ بعصيّنا الخبطَ(٢)، ثمَّ نبلّهُ بالماءِ، فنأكلهُ.
قالَ: وانطلقنا على ساحلِ البحرِ، فرفعَ لنا على ساحلِ البحرِ كهيئةِ الكثيبِ الضّخمِ،
فأتيناهُ، فإذا هيَ دابّةٌ تدعى العنبرَ.
قالَ: قالَ أبو عبيدةَ: ميتةٌ. ثمَّ قالَ: لا، بلْ نحنُ رسلُ رسولِ الله ◌ِّ﴾، وفي سبيلِ الله، وقدْ
اضطررتمْ، فكلوا.
قالَ: فأقمنا عليهِ شهراً، ونحنُ ثلاثُ مائةٍ حتّى سمنّا.
(١) فتح الباري [٤٥٨/٤].
(٢) ورق الشجر.

٥٧٥
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لّ ◌َلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
قالَ: ولقدْ رأيتنا نغترفُ منْ وقبٍ عينِهِ (١) بالقلالِ الدّهنَ، ونقتطعُ منهُ الفدرَ(٢) كالثّورِ،
أوْ كقدرِ الثّورِ.
فلقدْ أخذَ منّا أبو عبيدةَ ثلاثةَ عشرَ رجلاً، فأقعدهمْ في وقتٍ عينِهِ، وأخذَ ضلعاً منْ
أضلاعهِ، فأقامها، ثمَّ رحلَ أعظمَ بعيرٍ معنا، فمرَّ منْ تحتها، وتزوّدنا منْ لحمهِ وشائقَ(٣).
فلّا قدمنا المدينةَ أتينا رسولَ الله وَّهِ، فذكرنا ذلكَ لهُ.
فقالَ: ((هوَ رزقٌ أخرجهُ الله لكمْ، فهلْ معكمْ منْ لحمهِ شيءٌ فتطعمونا؟)).
قالَ: فأرسلنا إلى رسولِ اللهِ وَّهِ مِنْهُ، فأكلهُ(٤).
وكان ◌َله يجيب على أسئلة، واستفسارات غير المسلمين:
عن ثوبانَ مولى رسولِ الله وَّه قالَ: كنتُ قائمً عندَ رسولِ اللهِوَّهِ، فجاءَ حبرٌ منْ أحبارِ
اليهودِ.
فقالَ: السّلامُ عليكَ يا محمّدُ.
فدفعتهُ دفعةً کادَ يصرعُ منها.
فقالَ: لم تدفعني؟
فقلتُ: ألا تقولُ يا رسولَ الله.
فقالَ اليهوديُّ: إنّما ندعوهُ باسمِهِ الّذي سمّاهُ بِهِ أهلهُ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ اسمي محمّدٌ الّذي سمّني بهِ أهلي)).
فقالَ اليهوديُّ: جئتُ أسألكَ.
(١) أي: تجويفها.
(٢) أي: القطع.
(٣) هي اللحم يغلى إغلاء ولا ينضج، ثم يحملُ في السفر.
(٤) رواه البخاري [٢٤٨٣]، ومسلم [١٩٣٥].

٥٧٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ لهُ رسولُ اللهِ وَّ: ((أينفعكَ شيءٌ إِنْ حدّثتَكَ)).
قالَ : أسمعُ بأذنيَّ.
فنکتَ رسولُ الله ێ بعودٍ معهُ(١)، فقالَ: سلْ.
فقالَ اليهوديُّ: أينَ يكونُ النّاسُ يومَ تبدّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسّمواتُ؟
فقالَ رسولُ الله ◌َّةِ: ((همْ في الظّلمِ دونَ الجسرِ))(٢).
قالَ: فمنْ أوّلُ النّاسِ إجازةً؟
قالَ: ((فقراءُ المهاجرينَ)).
قالَ اليهوديُّ: فما تحفتهمْ حينَ يدخلونَ الجنّةَ(٣)؟
قالَ: ((زيادةُ كبدِ النّونِ))(٤).
قالَ: فما غذاؤهمْ على إثرها؟
قالَ: ((ينحرُ لهُمْ ثورُ الجنّةِ الّذي كانَ يأكلُ منْ أطرافها)).
قالَ: فما شرابهمْ علیهِ؟
قالَ: ((منْ عينٍ فيها تسمّی سلسبيلاً)).
قالَ اليهوديُّ: لقدْ صدقتَ وإنّكَ لنبيٌّ.
ثمَّ انصرفَ فذهبَ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: «لقدْ سألني هذا عنِ الّذي سألني عنهُ وما لي علمٌ بشيءٍ منهُ، حتّى
أتانيَ الله بهِ))(٥).
(١) ومعناهُ: يخطّ بالعودِ في الأرض، ويؤثّر بهِ فيها، وهذا يفعلهُ المفكّر. شرح النووي [٢٢٦/٣].
(٢) الجسر: الصراط.
(٣) وهيَ ما يهدى إلى الرّجل ويخصّ بهِ ويلاطف.
(٤) وهوَ الحوت، وجمعهُ نینان.
(٥) رواه مسلم [٣١٥].

٥٧٧
الباب الرابع: تعامل النبي صَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح دعوية مخصوصة
وعن أنس بن مالكٍ رَّهُ أَنَّ عبدَ الله بنَ سلامٍ بلغهُ مقدمُ النّبِّ وَِّ المدينةَ، فأتاهُ يسألهُ
عنْ أشياءَ.
فقالَ: إنّي سائلكَ عنْ ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلّا نبيٌّ، ما أوّلُ أشراطِ السّاعةِ؟ وما أوّلُ طعامِ
يأكلهُ أهلُ الجنّةِ؟ وما بالُ الولدِ ينزعُ إلى أبيهِ أوْ إلى أمّهِ؟
قالَ: ((أمَّا أوّلُ أشراطِ السّاعةِ فنارٌ تحشرهمْ منَ المشرقِ إلى المغربِ.
وأمّا أوّلُ طعامٍ يأكلهُ أهلُ الجنّةِ فزيادةُ كبدِ الحوتِ.
وأمّا الولدُ فإذا سبقَ ماءُ الرّجلِ ماءَ المرأةِ نزعَ الولدَ، وإذا سبقَ ماءُ المرأةِ ماءَ الرّجلِ
نزعتْ الولدَ)).
قالَ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله وأنّكَ رسولُ الله(١).
وعنْ المغيرةِ بنِ شعبةَ رَّعَنُ قالَ: لَّا قدمتُ نجرانَ سألوني، فقالوا لي: ألستمْ تقرءونَ
﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ [مريم: ٢٨]، وقدْ كانَ بينَ عيسى وموسى ما كانَ(٢)؟
فلمْ أدرِ ما أجيبهمْ.
فلّا قدمتُ على رسولِ اللهِ وَّه سألتُهُ عنْ ذلكَ.
فقالَ: ((ألا أخبرتهمْ أنّهمْ كانوا يسمّونَ بأنبيائهمْ والصّالحينَ قبلهمْ))(٣).
يعني: أنَّ هارونَ المذكورَ في قولهِ تعالى: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ ليسَ هوَ هارونُ النّبيُّ أخا
موسى - عليهما الصّلاةُ والسّلامُ-، بلْ المرادُ بهارونَ هذا رجلٌ آخرُ مسمَّى بهارونَ؛ لأنّهمْ
كانوا يسمّونَ أولادهمْ بأسماءِ الأنبياءِ، والصّالحينَ قبلهمْ(٤).
(١) رواه البخاري [٣٩٣٨].
(٢) أيْ: منْ طولِ الزّمانِ ما لا يمكنُ أنْ تكونَ مريمُ عليها السّلامُ أختاً لهارونَ أخي موسى عليهما الصّلاةُ والسّلام.
(٣) رواه مسلم [٢١٣٥].
(٤) تحفة الأحوذي [٨/ ٤٧٧].

٥٧٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان ◌َّيّه يجيب على أسئلة الجن واستفتاءاتهم:
عنْ عامٍ قالَ: سألتُ علقمةَ: هلْ كانَ ابنُ مسعودٍ شهدَ معَ رسولِ اللهِوَّه ليلةَ الجنِّ؟.
فقالَ علقمةُ: أنا سألتُ ابنَ مسعودٍ، فقلتُ: هلْ شهدَ أحدٌ منكمْ معَ رسولِ اللهِ وَّل ليلةَ
الجنِّ.
قالَ: لا، ولكنّا كنّا معَ رسولِ الله ذاتَ ليلةٍ وهوَ بمكّةَ ففقدناهُ، فالتمسناهُ في الأوديةِ
والشّعابِ، فقلنا استطيرَ أوْ اغتيلَ(١).
فبتنا بشرِّ ليلةٍ باتَ بها قومٌ.
فلّا أصبحنا إذا هوَ جاءٍ منْ قبلَ حراءٍ.
فقلنا: يا رسولَ الله، فقدناكَ، فطلبناكَ، فلمْ نجدكَ، فبتنا بشرِّ ليلةٍ باتَ بها قومٌ.
فقالَ: ((أتاني داعي الجنِّ، فذهبتُ معهُ، فقرأتُ عليهمْ القرآنَ)).
فانطلقَ بنا، فأرانا آثارهمْ وآثارَ نيرانهمْ.
وسألوهُ الزّادَ، فقالَ: «لكمْ كلَّ عظم ذكرَ اسمُ الله علیهِ يقعُ في أیدیکمْ، أوفرَ ما يكونُ
لحماً، وكلُّ بعرةٍ علفٌ لدوابَكمْ)).
فقالَ رسولُ اللهِوَّ: «فلا تستنجوا بهما، فإنّهما طعامُ إخوانكمٍ))(٢).
(لكمْ كلّ عظم ذكر اسم الله عليهِ)) قالَ بعض العلماء هذا لمؤمنيهمْ، وأمّا غيرهمْ فجاءَ في
حديث آخر أنَّ طعامهمْ ما لم يذكر اسم الله عليهِ (٣).
(١) أيْ ذهبَ بهِ بسرعةٍ كأنَّ الطّير حملته، أوِ اغتاله أحدٌ. والاستطارة والتّطاير: التّفرّقُ والذّهابُ. النهاية [١٥٢/٣].
(٢) رواه مسلم [٤٥٠].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٤/ ١٧٠].

٥٧٩
الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة
شفاءُ العِيِّ لوْ سألَ السّؤالُ
إذا ما أشكلتْ يوماً أمورٌ
فإنَّ لديكَ أهلُ العلمِ فاسألْ
إذا سئلَ النّبيُّ، وما لديهِ
ويكرهُ سؤلَ ما لا نفعَ فيهِ
ويعرضُ عنهُ تنبيهاً عليهِ
فإنْ يكُ في الضّرورةِ لمْ يؤخّرْ
إذا يأتيهِ يستفتي غريبٌ
ومهما أكثروا سؤلا عليهِ
عقولُ النّاسِ يكشفها لسانٌ
ويصبرُ إنْ يجادلهُ ممارٍ
ويقبلُ إنْ يراجعهُ سؤولٌ
وعلمُ العالمينَ بهِ ينالُ
أوِ اشتبهَ المحرّمُ والحلالُ
ليحسنْ منكَ عندهمُ المقالُ
جوابٌ لمْ يحبهُ، وذا كمالُ
إذا النّفْعُ انتفى كرهَ السّؤالُ
لحسنِ تأدٍّ فيما يقالُ
ويفتحْ في السّؤالِ لهُ المجالُ
وقدْ يجفو فصبرٌ واحتمالُ
أجابَ السّائلينَ، ولوْ أطالوا
وتعرفُ منْ سؤالهمُ الرّجالُ
وليسِ يفيدُ صاحبهُ الجدالُ
فلا ضجرٌّ لديهِ، ولا ملالُ