Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨٠ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقعُ في النّارِ يقعنَ فيها، فجعلَ ينزعهنَّ، ويغلبنهُ فيقتحمنَ فيها، فأنا آخذُ بحجزكمْ (١) عنِ النّارِ، وهمْ يقتحمونَ فيها))(٢). قال ابنُ حجر رَحِمَةُاللّهُ: «في الحديثِ: ما كان فيهَِِّ من الرأفةِ، والرحمةِ، والحرص على نجاةِ الأمّةِ كما قال تعالى: ﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]))(٣). وكم ذرفت عيناه ◌َّه من أجل هذه الأمة: عنْ عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاصِ أنَّ النّبِيّ ◌َ تلا قولَ الله عََّجَلَّ في إبراهيمَ: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِّ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآيةَ، وقالَ عيسى عليهِالسَّلامُ: ﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: ١١٨]. فرفعَ يديهِ، وقالَ: ((اللهمَّ أمّتي أمّتي))، وبكى. فقالَ الله عَجَلَّ: يا جبريلُ اذهبْ إلى محمّدٍ - وربّكَ أعلمُ - فسلهُ ما يبكيكَ؟ فأتاهُ جبريلُ عَيْهِالسَلامُ، فسألهُ، فأخبرهُ رسولُ الله ◌َّ بما قالَ. فقالَ الله: يا جبريلُ، اذهبْ إلى محمّدٍ، فقلْ: إنّا سنرضيكَ في أمّتكَ، ولا نسوءكَ (٤). وكم برقتْ أساريرُ وجهه ◌َ لّ؛ فرحاً وسروراً بإشهار رجل إسلامه: ففي قصة إسلام عديٍّ بن حاتم: فلما رآهُ رسولُ الله ◌َّه وثبَ إليهِ فرحاً، وما عليهِ رداءٌ، حتّی بايعهُ(٥). والمتأمّلُ في السيرةِ الصحيحةِ والسنة النبوية يجدُ أن هدي النبيِّ وَّ مع المسلمين الجدد - في جميع المراحل - هو أكملُ هديٍ وأتمه. (١) الحجزة: موضع عقد الإزار. (٢) رواه البخاري [٦٤٨٣]، ومسلم [٢٢٨٤] عن أبي هريرة رَضُّ عَنْهُ. (٣) فتح الباري [١١/ ٣١٨]. (٤) رواه مسلم [٢٠٢]. (٥) رواه مالك في الموطأ [١١٥٦] وعبد الرزاق في المصنف [١٢٦٤٦]، وقد سبق. ٤٨١ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة ولنستعرض بعض هذه الصور الكريمة وهذا الهدي الطيب المبارك لنقف على بعض معاني قول الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْ سَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]: كان ◌َله يبتهل بالدعاء إلى الله تعالى لهداية من يتوسّمَ فيه الخيرَ من الناس؛ ليدخل في الإسلام: قال أبو الحسن ابن بطال رَحِمَةُ اللَّهُ: (كان الرسول ◌َ ليه يحبُّ دخول الناس في الإسلام، وكان يدعو لمن كان يرجو منه الإنابةَ، فأسلم کثیرٌ ممن دعا له بالهدى))(١). وعنْ عبد الله بنِ عبّاسٍ رَنْهَا أَنَّالنّبِيَّ ◌َّهِ قالَ ((اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذينِ الرّجلينِ إليكَ: بأبي جهلٍ، أَوْ بعمرَ بنِ الخطّابِ)». قال: وكان أحبّهما إليه عمرُ (٢). وكان هذا في أول الأمر، ثم خصَّ عمرَ بالدعاءِ: فعن عائشةَ رَتْهَ أنَّ النّبيَّ ◌َلّه قال: ((اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ بعمر بنِ الخطّابِ خاصّةً))(٣). وقد أسلم عمرُ بن الخطاب عقبَ دعوةِ النبيِّ مع أن كثيراً من الناس كان يائساً من إسلام عمرَ، حتى قال قائلهم: ((لا يسلمُ عمرُ حتى يسلمَ حمارُ الخطّاب))(٤). فدعاءُ النبيِّ ◌َِّ لعمر بن الخطاب كان له الأثرُ البالغُ في دخوله الإسلامَ. (١) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [١٤٩/٩] مختصراً. (٢) رواه الترمذي [٣٦٨١]، وصحّحه الألباني في سنن الترمذي [٢٩٠٧]. (٣) رواه ابن حبان [٦٨٨٢]، وصحّحه الحاكم [٤٤٨٥]، والذهبي، والحافظ في الفتح [٤٨/٧]، والألباني في الصحيحة [٦٨٨٢]. (٤) السيرة النبوية لابن هشام [٢٩٥/١] ٤٨٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكذلك دعا لأم أبي هريرة بالإسلام: قالَ أبو هريرة ◌ََّنُ: كنتُ أدعو أمّي إلى الإسلامِ وهيَ مشركةٌ، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسولِ اللهِ وَّ ما أكرهُ. فأتيتُ رسولَ الله وَ له وأنا أبكي. قلتُ: يا رسولَ الله إنّي كنتُ أدعو أمّي إلى الإسلامِ، فتأبى عليَّ، فدعوتها اليومَ، فأسمعتني فيكَ ما أكرهُ، فادعُ اللهَ أنْ يهديَ أمَّ أبي هريرةَ. فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: «اللهمَّ اهدِ أمَّ أبي هريرةَ)». فخرجتُ مستبشراً بدعوةٍ نبيِّ الله ◌َالجلاد. فلّا جئتُ، فصرتُ إلى البابِ، فإذا هوَ مجافٌ(١)، فسمعتْ أمّي خشفَ قدميَّ(٢) فقالتْ: مکانكَ يا أبا هريرةَ. وسمعتُ خضخضةَ الماءِ(٣)، قالَ: فاغتسلتْ، ولبستْ درعها، وعجلتْ عنْ خمارها، ففتحت البابَ. ثُمَّ قالتْ: يا أبا هريرةَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله، وأشهدُ أنَّ محمّداً عبدهُ ورسولهُ. فرجعتُ إلى رسولِ الله ◌َّهِ، فأتيتهُ وأنا أبكي منْ الفرحِ. قلتُ: يا رسولَ الله، أبشرْ، قدِ استجابَ الله دعوتكَ، وهدى أمَّ أبي هريرةَ. فحمدَ اللهَ، وأثنى عليهِ، وقالَ خيراً. قلتُ: يا رسولَ الله ادعُ اللهَ أنْ يحبّني أنا وأمّي إلى عبادهِ المؤمنينَ، ويحبّهمْ إلينا. فقالَ رسولُ الله ◌َّ: «اللهمَّ حبّبْ عبيدكَ هذا وأمّهُ إلى عبادكَ المؤمنينَ، وحبّبْ إليهمْ المؤمنينَ)). (١) أيْ: مغلقٌ. (٢) أيْ: صوتهما في الأرض. (٣) أي: صوت تحریکه. ٤٨٣ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة فما خلقَ مؤمنٌ يسمعُ بي، ولا يراني إلّا أحبّني(١). و كذلك دعا لقبيلة دوس بالهداية للإسلام: كما روى أبو هريرةَ رَو ◌َّهُ قالَ: جاءَ الطّفيلُ بنُ عمرو إلى النّبِيِّوَِّ، فقالَ: إنَّ دوساً قدْ هلكتْ، عصتْ وأبتْ، فادعُ اللهَ عليهمْ. فظنَّ النّاسُ أنّهُ يدعو علیھمْ. فقالَ: ((اللهمَّ اهدِ دوساً، وأتِ بهمْ)(٢). وقد بوّب عليه البخاري في صحيحه: ((بابُ الدّعاءِ للمشركينَ بالهدى ليتألّفِهمْ». قال الحافظ: ((وقوله: (ليتألّفهمْ) منْ تفقِّ المصنّفَ، إشارة منهُ إلى الفرقِ بينَ المقامينِ، وأنّهُ مِّكانَ تارةً يدعو عليهمْ، وتارةً يدعو لهمْ. فالحالة الأولى: حيثُ تشتدُّ شوكتهمْ، ويكثرُ أذاهمْ، والحالةُ الثّانيةُ: حيثُ تؤمنُ غائلتھمْ، ويرجى تألّفهمْ كما في قصّةِ دوسٍ))(٣). و کان يحمدُ الله تعالى على إسلامهم ويفرح بذلك. عنْ أَنسِ رَّعَنْهُ قالَ: كانَ غلامٌ يهوديٌّ يخدمُ النّبِيّ ◌َ فِمرضَ، فَأَتَاهُ النّبيُّ ◌َِّ يعودُهُ، فقعدَ عندَ رأسِهِ، فقالَ لهُ: ((أسلمْ)). فنظرَ إلى أبيهِ وهوَ عندهُ فقالَ: لَهُ أطعْ أبا القاسمِ ◌ِّ، فأسلمَ. فخرجَ النّبِيُّ ◌َّه وهوَ يقولُ: ((الحمدُ لله الّذي أنقذهُ [بي] منَ النّارِ))(٤). وقد سبق معنا ذكر فرح النبي ◌ُّ بإسلام عدي بن حاتم، وإسلام عكرمة بن أبي جهل. (١) رواه مسلم [٢٤٩١]. (٢) رواه البخاري [٢٩٣٧]، ومسلم [٢٥٢٤]. (٣) فتح الباري [١٠٨/٦]. (٤) رواه البخاري [١٣٥٦] وأبو داود [٣٠٩٥]، والزيادة لأبي داود. ٤٨٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومما يستأنس به في ذلك: ما روي عن حويطبٍ بنِ عبدِ العزّى أنه قال: لما دخلَ رسولُ الله ◌َّ مِكّةَ عامَ الفتحِ خفتُ خوفاً شديداً، فخرجتُ منْ بيتي، وفرّقتُ عيالي في مواضعَ يأمنونَ فيها. فانتهيتُ إلى حائطِ عوفٍ، فكنتُ فيهِ، فإذا أنا بأبي ذرِّ الغفاريِّ، وكانتْ بيني وبينهُ خلّةٌ، والخلّةٌ أبداً مانعةٌ، فلما رأيتهُ هربتُ منهُ. فقالَ: أبا محمّدٍ. فقلتُ: لبّيكَ. قالَ: ما لكَ؟ قلتُ: الخوفُ. قالَ: لا خوفَ عليكَ، أنتَ آمنٌ بأمانِ الله عَنَّوَجَلَّ. فرجعتُ إلیهِ، فسلّمتُ علیهِ. فقالَ: اذهبْ إلى منزلكَ. قلتُ: هلْ لي سبيلٌ إلى منزلي، والله ما أراني أصلُ إلى بيتي حيّاً حتّى ألفى فأقتلَ، أَوْ يدخلُ عليَّ منزلي فأقتلُ، وإنَّ عيالي لفي مواضعَ شتّى. قالَ: فاجمعْ عيالكَ في موضعٍ، وأنا أبلغُ معكَ إلى منزلكَ. فبلغَ معي، وجعلَ ينادي على أنَّ حويطباً آمنٌّ فلا يهجْ. ثمَّ انصرفَ أبو ذرِّ إلى رسولِ الله ◌َّهِ، فأخبرهُ، فقالَ: ((أوليسَ قدْ أَمنَ النّاسُ كلّهمْ إلّا منْ أمرت بقتلهمْ؟)). قالَ: فاطمأننتُ، ورددتُ عيالي إلى منازلهمْ، وعادَ إليَّ أبو ذرٍّ. فقالَ لي: يا أبا محمّدٍ حتّى متى؟ وإلى متى؟ قَدْ سبقتَ في المواطنِ كلّها، وفاتكَ خِيرٌ كثيرٌ، وبقيَ خيرٌ كثيرٌ؛ فَأتِ رسولَ الله ◌َِّ، فأسلمْ تسلمْ. ٤٨٥ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة ورسولُ اللهِ وَّ أَبُّ النّاسِ، وأوصلُ النّاسِ، وأحلمُ النّاسِ، شرفهُ شرفكَ، وعزّهُ عزّكَ. قالَ: قلتُ: فأنا أخرجُ معكَ، فآتیهِ. فخرجتُ معهُ حتّى أتيتُ رسولَ الله ◌َّ بالبطحاءِ، وعندهُ أبو بكرٍ، وعمرُ رَّعَنَ)، فوقفتُ على رأسهِ، فسلمت عليه فردّ السلام، فقلتُ: أشهدُ أنَّ لا إلهَ إلّا الله، وأنّكَ رسولُ الله، فقالَ رسولُ اللهِ وَّ: (الحمدُ لله الّذي هداكَ)). قالَ: وسرَّ رسولُ الله ◌َّه بإسلامي، ثم شهدتُ معهُ حنيناً والطّائفَ، وأعطاني منْ غنائم حنينٍ مائةً بعیٍ(١). و کان ګ یرشدهم للاغتسال بعد الإسلام. عنْ قيسِ بنِ عاصمٍ رَهُ أَنّهُ أَسلمَ، فأمرهُ النّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يغتسلَ بماءٍ وسدٍ(٢). وعنْ أبي هريرةَ أنَّ ثمامةَ بنَ أثالٍ أسلمَ، فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((اذهبوا بهِ إلى حائطِ بني فلانٍ، فمروهُ أنْ يغتسلَ))(٣). وفيهِ: دليلٌ على مشروعيّةِ الغسلِ لمنْ أسلمَ، وذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى وجوبهِ، وذهبَ الأكثرونَ إلى الاستحبابِ. قالَ الترمذي: «والعملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ، يستحبّونَ للرّجالِ إذا أسلمَ أنْ يغتسلَ ويغسلَ ثيابهُ))(٤). وكان يعلّمهم الأحكام الشرعية، ويأمرهم بالتخلّص من أدران الجاهلية. عن أبي مالكِ الأشجعيُّ عنْ أبيهِ قالَ: كانَ الرّجلُ إذا أسلمَ علّمَهُ النّبِيُّ وَِّ الصّلاةَ، ثُمَّ أمرهُ أنْ يدعو بهؤلاءِ الكلماتِ: ((اللهمَّ اغفرْ لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني))(٥). (١) المستدرك على الصحيحين للحاكم [٦١٣٠]. (٢) رواه أبو داود [٣٥٥]، والترمذي [٥٥٠]، وصححه الألباني في الإرواء [١٢٨]. (٣) رواه أحمد [٧٩٧٧]، وصححه في الإرواء [١/ ١٦٤]. (٤) سنن الترمذي [٥٠٢/٢]، تحفة الأحوذي [١٤٠/٢]. (٥) رواه مسلم [٢٦٩٧]. ٤٨٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعنْ عثيمٍ بنِ كليبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدّهِ أنّهُ جاءَ إلى النّبِّ وَّةِ، فقالَ: قدْ أسلمتُ. فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َِّ: ((ألقِ عنكَ شعرَ الكفر، واختتنْ))(١). وكان مَّ يقدّم الدخول في الإسلام على أي أمر آخر. عن البراءَ رَّهُ قال: أتى النّبِيَّ وَ رجلٌ مقنّعٌ بالحديدِ(٢)، فقالَ: يا رسولَ الله، أقاتلُ، أوْ أسلمُ؟ قالَ: ((أسلمْ، ثمَّ قاتلْ)). فأسلمَ، ثمَّ قاتلَ، فقتلَ. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((عملَ قليلاً، وأجرَ كثيراً) (٣). وفي هذا الحديث: أنَّ الأجر الكثير قدْ يحصل بالعملِ اليسير فضلاً منَ الله وإحساناً(٤). قيل: إن هذا الرجل هو: عمرو بنُ ثابتِ بنِ وقشٍ . عنْ أبي هريرةَ رَّعَنهُ أنه كانَ يقولُ: حدّثوني عنْ رجلِ دخلَ الجنّةَ لمْ يصلِّ قطُّ؟ فإذا لمْ يعرفُ النّاسُ سألوهُ: منْ هَوَ؟ فيقولُ: أصيرمُ بني عبدِ الأشهلِ : عمرو بنُ ثابتِ بنِ وقش. قالَ الحصينُ فقلتُ لمحمودِ بنِ لبيدٍ: كيفَ كانَ شأنُ الأصيرمِ؟ قالَ: كانَ يأبى الإسلامَ على قومِهِ، فلمّا كانَ يومُ أحدٍ، وخرجَ رسولُ الله ◌َّل إلى أحدٍ بدا لهُ الإِسلامُ، فأسلمَ. فأخذَ سيفهُ، فغدا حتّى أتى القومَ، فدخلَ في عرضِ النّاسِ، فقاتلَ حتّى أثبتهُ الجراحةُ. (١) رواه أبو داود [٣٥٦]، وحسنه الألباني في الإرواء [٧٩]. (٢) وهوَ كناية عنْ تغطية وجهه بآلةِ الحرب. (٣) رواه البخاري [٢٨٠٨]. (٤) فتح الباري [٢٥/٦]. ٤٨٧ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِ وَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة فبينما رجالُ بني عبدِ الأشهلِ يلتمسونَ قتلاهمْ في المعركةِ إذا همْ بهِ، فقالوا: والله إنَّ هذا للأصيرمُ، وما جاءَ، لقدْ تركناهُ وإِنّهُ لمنكرٌ هذا الحديثَ. فسألوهُ ما جاءَ بهِ، قالوا: ما جاءَ بكَ يا عمرو أحدباً على قومكَ(١)، أوْ رغبةً في الإسلامِ؟ قالَ: بلْ رغبةً في الإسلام، آمنتُ بالله ورسولهِ، وأسلمتُ ثمَّ أخذتُ سيفي، فغدوتُ معَ رسولِ الله ◌َّ فقاتلتُ حتّى أصابني ما أصابني. ثُمَّ لم يلبثْ أنْ ماتَ في أيديهمْ، فذكروهُ لرسولِ اللهِوَّه فقالَ: ((إنّهُ لمنْ أهلِ الجنّةِ)(٢). وكان يبعثُ مع المسلمين الجدد من يعلّمهم أمورَ دينهم: عنْ أنسٍ رَهُ أَنَّ النّبِيَّ ◌َ أَتاهُ رعلٌ، وذكوانُ، وعصيّةُ، وبنو لحيانَ، فزعموا أنّهمْ قَدْ أسلموا، واستمدّوهُ على قومهمْ. فَأَمدّهُمُ النّبِيُّ ◌ََّ بسبعينَ منَ الأنصارِ. قالَ أنسُ: كنّا نسمّيهمْ القرّاءَ، يحطبونَ بالنّهارِ، ويصلّونَ بِاللّيلِ(٣). قال المهلب: «فیه أن السّنّة مضتْ من النبيِّ ګ﴾ في أن یمدَّ ثغوره بمددٍ من عنده، وجرى بذلك العمل من الأئمة بعده))(٤). وكان يَّه حريصاً على ثباتهم على الإسلام، وبعيداً عن كل ما ينفّرهم عنه: عَنْ عائشةَ رَتْهَا قالتْ: سألتُ النّبِيَّ وََّ عِنَ الجدرِ أَمنَ البيتِ هوَ؟. قالَ: ((نعمْ)). قلتُ: فما لهُمْ لمْ يدخلوهُ في البيتِ؟. (١) أي: أعطفاً وحنوّاً. وقد تصحفت إلى ((أحرباً))، والتصويب من الإصابة [٥٠١/٤]، ومن طبعة الرسالة (٢) رواه أحمد [٢٣١٢٣]، وحسّنه ابن حجر في الإصابة [٥٠١/٤]. (٣) رواه البخاري [٣٠٦٤]، ومسلم [٦٧٧]. (٤) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [٩/ ٢٩٠]. ٤٨٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((إنَّ قومكِ قصّرتْ بهمْ النّفقةُ)). قلتُ: فما شأنُ بابهِ مرتفعاً؟. قالَ: ((فعلَ ذلكَ قومكِ؛ ليدخلوا منْ شاءوا، ويمنعوا منْ شاءوا)). ثم قالَ لها: ((يا عائشةُ لولا أنَّ قومكِ حديثُ عهدٍ بجاهليّةٍ؛ لأمرتُ بالبيتِ فهدمَ، فأدخلتُ فيهِ ما أخرجَ منهُ، وألزقتهُ بالأرضِ، وجعلتُ لهُ بابينٍ: باباً شرقيّاً وباباً غربيّاً، فبلغتُ بهِ أساسَ إبراهيمَ))(١). وفي رواية: ((ولولا أنَّ قومكِ حديثٌ عهدهمْ بالجاهليّةِ، فأخافُ أنْ تنكرَ قلوبهمْ ... )). فربّما أنكرتْ نفوسهمْ خرابَ الكعبةِ، فيوسوسُ لهمْ الشّيطانُ بذلكَ ما يقتضي إدخالَ الدّاخلِ علیھمْ في دینھمْ. والنّبِيُّ ◌َِّ كَانَ يريدُ استئلافهمْ، ويرومُ تثبيتهمْ على أمرِ الإسلامِ والدّينِ، يخافُ أنْ تنفرَ قلوبهمْ بتخريبِ الكعبةِ، ورأى أنْ يتركَ ذلكَ. وأمرُ النّاسِ باستيعابِ البيتِ بالطّوافِ أقربُ إلى سلامةِ أحوالِ النّاسِ، وإصلاحِ أديانهمْ، معَ أنَّ استيعابهُ بالبنيانِ لمْ يكنْ منَ الفروضِ، ولا منْ أركانِ الشّريعةِ الّتي لا تقومُ إلّا بِهِ، وإنّما يجبُ استيعابهُ بالطّوافِ خاصّةً، وهذا يمكنُ معَ بقائِهِ على حالِهِ (٢). من فوائد الحدیث: فيه: تركُ بعضِ الاختيارِ مخافةَ أنْ يقصرَ عنهُ فهمُ بعضِ النّاسِ . وفيهِ: اجتنابُ ولِيِّ الأمرِ ما يتسرّعُ النّاسُ إلى إنكارهِ، وما يخشى منهُ تولّدُ الضّررِ عليهمْ في دینٍ، أوْ دنيا. وفيه: تألّفُ قلوبهمْ بما لا يتركُ فيهِ أمرٌ واجبٌ. (١) رواه البخاري [١٥٨٣]، ومسلم [١٣٣٣]. (٢) المنتقى شرح الموطإ [٢/ ٢٨٢]. ٤٨٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة وفيهِ: تقديمُ الأهمِّ، فالأهمِّ منْ دفعِ المفسدةِ، وجلبِ المصلحةِ، وأنّهما إذا تعارضا بدئَّ بدفعِ المفسدةِ، وأنَّ المفسدةَ إذا أمنَ وقوعها عادَ استحبابُ عملِ المصلحةِ. وفيه: حديثُ الرّجلِ معَ أهلهِ في الأمورِ العامّةِ. وفيه: حرصُ الصّحابةِ على امتثالٍ أوامرِ النّبِيِّ وَّةَ(١). فائدة: قال ابن كثير رَحِمَةُ اللَّهُ: ((فبناها ابن الزبير على ذلك كما أخبرته به خالته عائشة أم المؤمنين عن رسول الله وَالّ، فجزاه الله خيراً. ثم لما غلبه الحجاج بن يوسف في سنة ثلاث وسبعين هدم الحائط الشمالي وأخرج الحجر كما كان أولا، وأدخل الحجارة التي هدمها في جوف الكعبة فرصها فیه، فارتفع الباب، وسدَّ الغربي، وتلك آثاره إلى الآن، وذلك بأمر عبد الملك بن مروان في ذلك، ولم یکن بلغه الحديث، فلما بلغه الحديث قال: وددنا أنا تركناه وما تولى من ذلك. وقد همَّ ابن المنصور المهدي أن يعيدها على ما بناها ابن الزبير، واستشار الإمام مالك بن أنس في ذلك، فقال: إني أكره أن يتخذها الملوك لعبة، يعني يتلاعبون في بنائها بحسب آرائهم، فهذا یری رأي ابن الزبير، وهذا یری رأي عبد الملك بن مروان، وهذا یری رأیا آخر والله سُبْحَانَهُ وَعَلَى أَعلم))(٢). وعن جابرِ بنَ عبدِ الله رَعَنَّ أَنَّ عبدَ الله بنَ أبيِّ قالَ: أما والله لئنْ رجعنا إلى المدينةِ ليخرجنَّ الأَعزّ منها الأَذَلَّ، فبلغَ النّبِيّ ◌َّهِ، فقامَ عمرُ، فقالَ: يا رسولَ الله، دعني أضربْ عنقَ هذا المنافقِ. فَقالَ النّبِيُّ ◌ََّ: ((دعهُ؛ لا يتحدّثُ النّاسُ أَنَّ محمّداً يقتلُ أصحابهُ))(٣). (١) فتح الباري [٤٤٨/٣]. (٢) البداية والنهاية [٢٧٥/٨]. (٣) رواه البخاري [٤٩٠٥]، ومسلم [٢٥٨٤]. ٤٩٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعنْ جابرِ بنِ عبدِ الله ◌َعَنْهَا قالَ: أتى رجلٌ رسولَ الله وَّ بالجعرانةِ منصرفهُ منْ حنينٍ، وفي ثوبٍ بلالٍ فضّةٌ، ورسولُ الله ◌ِّ يقبضُ منها يعطي النّاسَ، فقالَ: يا محمّدُ، اعدلْ. قالَ: ((ويلكَ! ومنْ يعدلُ إذا لمْ أكنْ أعدلُ؟ لقدْ خبتَ وخسرتَ إنْ لمْ أكنْ أعدلُ)). فقالَ عمرُ بنُّ الخطّابِ رَ عَنْهُ: دعني يا رسولَ الله، فأقتَلَ هذا المنافقَ. فقالَ: ((معاذَ الله أنْ يتحدّثَ النّاسُ أنّي أقتلُ أصحابي))(١). قال النووي رَحمَةُ اللَّهُ: ((فيهِ: ما كانَ عليهِ وَلَه مِنَ الحلم. وفيهِ: ترك بعض الأمور المختارة، والصّبر على بعض المفاسد؛ خوفاً منْ أنْ تترتّب على ذلكَ مفسدة أعظم منهُ. وكانَ وَلّه يتألّف النّاس، ويصبرُ على جفاء الأعراب والمنافقينَ، وغيرهمْ؛ لتقوى شوكة المسلمينَ، وتتمّ دعوة الإسلام، ويتمكّن الإيمان منْ قلوب المؤلّفة، ويرغب غیرهمْ في الإِسلام، وكانَ يعطيهمْ الأموال الجزيلة لذلكَ. ولمْ يُقتل المنافقينَ لهذا المعنى، ولإظهارهمْ الإسلام، وقدْ أمرَ بالحكمِ بالظّاهرِ، والله يتولّى السّرائر، ولأنّهمْ كانوا معدودينَ في أصحابه ◌ِِّ، ويجاهدونَ معهُ إمّا حميّة، وإمّا لطلبٍ دنيا، أوْ عصبيّة لمنْ معهُ منْ عشائرهمْ. قالَ القاضي: واختلفَ العلماء هلْ بقيَ حكم الإغضاء عنهمْ، وترك قتاهمْ، أوْ نسخَ ذلكَ عند ظهور الإسلام، ونزول قوله تعالى: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ ﴾ [التوبة: ٧٣]. وقيلَ: إنّما كانَ العفو عنهمْ ما لمْ يظهروا نفاقهمْ، فإذا أظهروهُ قتلوا))(٢). فالمنافقُ ما لم يظهرْ كفره ونفاقه فإنه لا يعاملُ في أحكام الدنيا معاملةَ الكفّار، بل معاملة المسلمين؛ لأنه قد عصمَ دمه وماله؛ بإعلانِ إسلامه، وتلك هي الجنّةُ التي ذكرها الله تعالى في كتابه: ﴿أَّخَذُواْ أَيْمَنْهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوْيَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢]. (١) رواه البخاري [٣١٣٨]، ومسلم [١٠٦٣]، واللفظ لمسلم. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٦/ ١٣٩]. ٤٩١ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُ عليْهِ وَسًَّ مع شرائح دعوية مخصوصة قال الإمام الشافعي رَحمَةُاللهُ: ((يعني - والله أعلمُ - منَ القتلِ، فمنعهمْ منَ القتلِ، ولمْ يزلْ عنهمْ في الدّنيا أحكامَ الإيمانِ بما أظهروا منهُ. وأوجبَ لهمُ الدّركَ الأسفلَ منَ النّارِ بعلمِهِ بسرائرهمْ، وخلافها لعلانيتهمْ بالإيمانِ))(١). قال ابن كثير: ((ولهذا كان الضحاك بن مزاحم يقرؤها: ((اتخذوا إيمانهمْ جنّةً)) أي: تصديقهم الظاهر جنّة، أي: تقيّةً يتّقون به القتل. والجمهور يقرؤها: ﴿أَيْمَنَهُمْ﴾ جمع يمين))(٢). فالمنافقون لا يدخلون في أحكام المرتدّين، مع شدّة كفرهم، بل تجري عليهم في الدنيا أحكامُ المسلمين. وعنْ أبي سعيد الخدريَّ رَهُ قالَ: بينما نحنُ عندَ رسولِ اللهِعَلَه وهوَ يقسمُ قسماً أتاهُ ذو الخويصرةِ - وهوَ رجلٌ منْ بني تميمٍ - فقالَ: يا رسولَ الله، اعدلْ. فقالَ: «ويلكَ! ومنْ يعدلُ إذا لمْ أعدلْ؟ قَدْ خبتَ وخسرتَ إنْ لمْ أكنْ أعدلُ)). فقالَ عمرُ: يا رسولَ الله، ائذنْ لي فيهِ، فأضرب عنقهُ. فقالَ: «دعهُ فإنَّ لهُ أصحاباً يحقرُ أحدكمْ صلاتهُ معَ صلاتهمْ، وصيامهُ معَ صيامهمْ، يقرءونَ القرآنَ لا يجاوزُ تراقيهمْ، يمرقونَ منَ الدّينِ (٣) كما يمرقُ السّهمُ منَ الرّمّيّةِ)) (٤). وفي رواية لهما: قال النبي ◌َّ: ((إني لم أومرْ أنْ أنقبَ عن قلوبِ الناس، ولا أشقَّ بطونهمْ))(٥). وفي رواية: قال النبي ◌َّ: ((معاذَ الله أنْ يتحدّثَ الناس أنّي أقتلُ أصحابي))(٦). (١) أحكام القرآن [٢٩٩/١ - ٣٠٠]. (٢) تفسير ابن كثير [٨/ ١٥٠]. (٣) أي: يخرجون. (٤) رواه البخاري [٣٦١٠]، ومسلم [١٠٦٤]. (٥) رواه البخاري [٤٣٥١]، ومسلم [١٠٦٤]. (٦) رواه مسلم [١٠٦٣] من حديث جابر بن عبد الله رَضِ لّ عَنْهًا. ٤٩٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال الحافظ ابن حجر: ((قوله: ((فإنَّ لهُ أصحاباً ... )) هذا ظاهرهُ أنَّ تركَ الأمرِ بقتلهِ بسببٍ أنَّ لهُ أصحابا بالصّفةِ المذكورة، وهذا لا يقتضي تركَ قتلهِ معَ ما أظهرهُ منْ مواجهةِ النّبِّ وَّ بما واجههُ، فيحتمل أن يكون لمصلحة التألّف كما فهمهُ البخاريُّ؛ لأنّهُ وصفهمْ بالمبالغةِ في العبادةِ معَ إظهارِ الإسلامِ، فلوْ أذنَ في قتلهمْ؛ لكانَ ذلكَ تنفيراً عنْ دخولِ غیرهمْ في الإسلامِ))(١). وكان يتألّف من أسلم منهم بالمال والمعاملة الحسنة، ليكون ذلك سبباً لثباتهم على الإسلام. عنْ أنس بن مالكِ رَهُ قالَ: ما سئلَ رسولُ الله ◌َِّ على الإسلامِ شيئاً إلّا أعطاهُ. فجاءهُ رجلٌ فأعطاهُ غنماً بينَ جبلينٍ (٢)، فرجعَ إلى قومِهِ فقالَ: يا قومِ أسلموا، فإنَّ محمّداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقةَ(٣). وقالَ أنسُّ: إنْ كانَ الرّجلُ ليسلمُ ما يريدُ إلّا الدّنيا، فما يسلمُ حتّى يكونَ الإسلامُ أحبَّ إليهِ منْ الدّنيا وما عليها (٤). والمراد: أنّهُ يظهر الإسلام أوّلاً للدّنيا، لا بقصدٍ صحيح بقلبهِ، ثمَّ منْ بركة النّبيّ ◌ِّ ونور الإسلام لم يلبث إلّا قليلاً حتّى ينشرح صدره بحقيقةِ الإيمان، ويتمكّن منْ قلبه، فيكون حينئذٍ أحبَّ إليهِ منْ الدّنيا وما فيها(٥). وكذا كان يعطي من كان متردّداً أو كان ضعيف الإيمان، كما قال ◌َّه قال: ((إنّ أعطي قريشاً أتألّفهمْ؛ لأنّهمْ حديثُ عهدٍ بجاهليّةٍ))(٦). (١) فتح الباري [١٢/ ٢٩٣]. (٢) أيْ: كثيرة كأنهّا تملأ ما بين جبلين. (٣) رواه مسلم [٢٣١٢]. (٤) رواه مسلم [٢٣١٢]. (٥) شرح النووي على صحيح مسلم [٨/ ٢١]. (٦) رواه البخاري [٣١٤٦]، ومسلم [١٠٥٩]. ٤٩٣ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِوَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة وكان ◌َّ يأمر بعض من أسلم بكتمان إسلامه إذا خشي عليه الأذى: عن أبي ذرِّ رَنهُ قال: كنتُ رجلاً منْ غفارٍ، فبلغنا أنَّ رجلاً قدْ خرجَ بمكّةَ يزعمُ أنّهُ نبيٌّ. فقلتُ لأخي: انطلقْ إلى هذا الرّجلِ كلّمهُ، وأتني بخبرهِ. فانطلقَ فلقیهُ، ثمَّ رجعَ. فقلتُ: ما عندكَ. فقالَ: والله لقدْ رأيتُ رجلاً يأمرُ بالخيرِ، وينهى عنْ الشّرِّ. فقلتُ لهُ: لمْ تشفني منْ الخبرِ. فأخذتُ جراباً وعصاً، ثمَّ أقبلتُ إلى مكّةَ، فجعلتُ لا أعرفهُ، وأكرهُ أنْ أسألَ عنهُ، وأشربُ منْ ماءِ زمزمَ، وأكونُ في المسجدِ. فمرَّ بي عليٌّ فقالَ: كأنَّ الرّجلَ غريبٌ. قلتُ: نعمْ. قالَ: فانطلقْ إلى المنزلِ. فانطلقتُ معهُ لا يسألني عنْ شيءٍ، ولا أخبرهُ. فلمّا أصبحتُ غدوتُ إلى المسجدِ لأسألَ عنهُ، وليسَ أحدٌ يخبرني عنهُ بشيءٍ. فمرَّبي عليٌّ فقالَ: أما آنَ للرّجلِ أن يعرفُ منزلهُ بعدُ(١)؟ قلتُ: لا. قالَ: انطلقْ معي. فانطلقتُ معهُ لا يسألني عنْ شيءٍ، ولا أخبرهُ. (١) أي: أن يعرف منزلي الذي هو كمنزله. وهذا تلطّفٌ في عرض الاستضافة. ٤٩٤ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتّى إذا كانَ يومُ الثّالثِ، فعادَ عليٍّ على مثلِ ذلكَ، فأقامَ معهُ ثمَّ قالَ: ألا تحدّثني ما أمركَ، وما أقدمكَ هذهِ البلدةَ. قلتُ لهُ: إِنْ كتمتَ عليَّ أخبرتكَ. قالَ: فإنّيّ أفعلُ. قلتُ لهُ: بلغنا أنّهُ قدْ خرجَ ها هنا رجلٌ يزعمُ أنّهُ نبيٌّ، فأرسلتُ أخي لیکلّمهُ، فرجعَ، ولمْ يشفني منَ الخبرِ، فأردتُ أنْ ألقاهُ. فقالَ لهُ: أما إنّكَ قدْ رشدتَ، فإنّهُ حقٌّ، وهوَ رسولُ الله ◌َلِّ، فإذا أصبحتَ فاتبعني حتّى تدخلَ مدخلي، فإنّي إِنْ رأيتُ أحداً أخافهُ عليكَ قمتُ إلى الحائطِ كأنّ أصلحُ نعلي، وامضِ أنتَ. فمضى ومضيتُ معهُ، حتّى دخلَ ودخلتُ معهُ على النّبِّ وَّهِ. فقلتُ لهُ: اعرضْ عليَّ الإسلامَ. فعرضهُ فأسلمتُ مکاني(١). فقالَ لي: ((يا أبا ذرِّ اكتمْ هذا الأمرَ، وارجعْ إلى بلدكَ، فإذا بلغكَ ظهورنا فأقبلْ)). فقلتُ: والّذي بعثكَ بالحقِّ لأصرخنَّ بها بينَ أظهرهمْ(٢). فجاءَ إلى المسجدِ وقريشٌ فِيهِ، فقالَ: يا معشرَ قريشٍ إنّ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله وأشهدُ أنَّ محمّداً عبدهُ ورسولهُ. فقالوا: قوموا إلى هذا الصّابئِ(٣). فقاموا، فضربتُ لأموتَ. (١) كأنّهُ كانَ يعرف علامات النّبيّ، فلما تحقّقها لم يتردّد في الإسلام. (٢) والمراد أنّهُ يرفع صوته جهاراً بين المشركين، وكأنّهُ فهمَ أنَّ أمر النّبيّ وَّ لهُ بالكتمانِ ليسَ على الإيجاب، بلْ على سبيل الشّفقة عليهِ، فأعلمهُ أنَّ بِهِ قوّة على ذلكَ، ولهذا أقرّهُ النّبيّ نَّه على ذلكَ. (٣) وكانوا يسمّونَ منْ أسلمَ صابياً؛ لأنّهُ منْ صبا يصبو إذا انتقلَ منْ شيء إلى شيءٍ. ٤٩٥ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِ وَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة فأدركني العبّاسُ، فأكبَّ عليّ، ثمَّ أقبلَ عليهمْ فقالَ: ويلكمْ تقتلونَ رجلاً منْ غفارَ، ومتجركمْ وممّكمْ علی غفارَ. فأقلعوا عنّي. فلمّا أنْ أصبحتُ الغدَ رجعتُ، فقلتُ مثلَ ما قلتُ بالأمسِ. فقالوا: قوموا إلى هذا الصّابئِ. فصنعَ بي مثلَ ما صنعَ بالأمسِ، وأدركني العبّاسُ فأكبَّ عليّ وقالَ مثلَ مقالتِهِ بالأمسِ(١). وكذلك أمر عمرو بن عبسة بكتمان إسلامه والرجوع إلى قومه: عن عمرو بنُ عبسةَ السّلميُّ قال: كنتُ وأنا في الجاهليّةِ أظنُّ أنَّ النّاسَ على ضلالةٍ، وأنّهِمْ ليسوا على شيءٍ، وهمْ يعبدونَ الأوثانَ. فسمعتُ برجلٍ بمكّةَ يخبرُ أخباراً. فقعدتُ على راحلتي، فقدمتُ عليهِ، فإذا رسولُ اللهَوَّه مستخفياً، جرءاءُ عليهِ قومهُ(٢)، فتلطّفتُ حتّى دخلتُ عليهِ بمكّةً. فقلتُ لهُ: ما أنتَ؟ قالَ: ((أنا نبيٌّ)). فقلتُ: وما نبيٌّ؟ قالَ: ((أرسلني الله)). فقلتُ: وبأيِّ شيءٍ أرسلكَ؟ قالَ: ((أرسلني بصلةِ الأرحام، وكسرِ الأوثانِ، وأنْ يوحّدَ الله لا يشركُ بهِ شيءٌ». قلتُ لهُ: فمنْ معكَ على هذا؟ (١) رواه البخاري [٣٥٢٢]، ومسلم [٢٤٧٣]. (٢) منَ الجرأة وهيَ الإقدام والتّسلّط. ٤٩٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((حرٌّ وعبدٌ)). ومعهُ يومئذٍ: أبو بكرٍ، وبلالٌ، ممّنْ آمنَ بِهِ. فقلتُ: إنّي متّبعكَ. قالَ: «إنّكَ لا تستطيعُ ذلكَ يومكَ هذا، ألا ترى حالي وحالَ النّاسِ، ولكنْ ارجعْ إلى أهلكَ، فإذا سمعتَ بي قدْ ظهرتُ فأتني)). فذهبتُ إلى أهلي. وقدمَ رسولُ الله ◌َّهِ المدينةَ، وكنتُ في أهلي، فجعلتُ أتخبّرُ الأخبارَ، وأسألُ النّاسَ حينَ قدمَ المدينةَ، حتّى قدمَ عليَّ نفرٌ منْ أهلِ يثربَ منْ أهلِ المدينةَ. فقلتُ: ما فعلَ هذا الرّجلُ الّذي قدمَ المدينةَ؟ فقالوا: النّاسُ إليهِ سراعٌ، وقدْ أرادَ قومهُ قتلهُ، فلمْ يستطيعوا ذلكَ. فقدمتُ المدينةَ، فدخلتُ عليهِ، فقلتُ: يا رسولَ الله أتعرفني؟ قالَ: ((نعمْ، أنتَ الّذي لقيتني بمكّةً)). فقلتُ: بلى. فقلتُ: يا نبيَّ الله أخبرني عّا علّمكَ الله وأجهلهُ؟ أخبرني عنِ الصّلاةِ؟ قالَ: ((صلِّ صلاةَ الصّبحِ، ثمَّ أقصرْ عنِ الصّلاةِ حتّى تطلعَ الشّمسُ حتّى ترتفعَ، فإنّا تطلعُ حينَ تطلعُ بينَ قرنيْ شيطانٍ، وحينئذٍ يسجدُ لها الكفّارُ. ثُمَّ صلِّ فإنَّ الصّلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ(١)، حتّى يستقلَّ الظَّلُّ بالرّمح(٢). ثُمَّ أقصرْ عنِ الصّلاةِ؛ فإنَّ حينئذٍ تسجرُ جهنّمُ. فإذا أقبلَ الفيءُ؛ فصلِّ؛ فإنَّ الصّلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ حتّى تصلَّ العصرَ. (١) أيْ: تحضرها الملائكة فهيَ أقرب إلى القبول وحصول الرّحمة. (٢) أيْ: يقوم مقابله في جهة الشّمال وليسَ مائلًا إلى المغرب ولا إلى المشرق، وهذهِ حالة الاستواء. ٤٩٧ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِ وَسَلًّ مع شرائح دعوية مخصوصة ثمَّ أقصرْ عنِ الصّلاةِ حتّى تغربَ الشّمسُ؛ فإنّها تغربُ بينَ قرنيْ شيطانٍ، وحينئذٍ يسجدُ لها الكفّارُ)). قالَ: فقلتُ يا نبيَّ الله، فالوضوءَ حدّثني عنهُ؟ / قالَ: ((ما منكمْ رجلٌ يقرّبُ وضوءهُ، فيتمضمضُ ويستنشقُ، فينتثرُ؛ إلّا خرّتْ خطايا و جههِ، و فیهِ و خیاشیمهِ. ثُمَّ إذا غسلَ وجههُ كما أمرهُ الله؛ إلّا خرّتْ خطايا وجههِ منْ أطرافٍ لحيتهِ معَ الماءِ. ثمَّ يغسلُ يديهِ إلى المرفقينِ؛ إلّا خرّتْ خطايا يديهِ منْ أناملهِ معَ الماءِ. ثمَّ يمسحُ رأسهُ؛ إلّا خرّتْ خطايا رأسهِ منْ أطرافِ شعرهِ معَ الماءِ. ثُمَّ يغسلُ قدميهِ إلى الكعبينِ إلّا خرّتْ خطايا رجليهِ منْ أناملهِ معَ الماءِ. فإنْ هوَ قامَ فصلّى، فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ ومجّدُهُ بالّذي هوَ لهُ أهلٌ، وفرّغَ قلبهُ لله؛ إلّا انصرفَ منْ خطيئتهِ کھیئتِهِ یومَ ولدتهُ أمّهُ»(١) . وكان ◌َّ يبشّرهم بغفران ما مضى من ذنوبهم حال الكفر، وأن الإسلام يهدم ما كان قبله: عنْ حبيبٍ بنِ أبي أوسٍ قالَ: حدّثني عمرو بنُ العاصِ منْ فيهِ قالَ: لَّا انصرفنا منَ الأحزابِ عنِ الخندقِ، جمعتُ رجالاً منْ قريشٍ كانوا يرونَ مكاني، ويسمعونَ منّي. فقلتُ لهُمْ: تعلمونَ والله إنّ لأرى أمرَ محمّدٍ يعلو الأمورَ علوّاً كبيراً منكراً، وإنّ قدْ رأيتُ رأياً فما ترونَ فِيهِ؟ قالوا: وما رأيتَ؟ قالَ: رأيتُ أنْ نلحقَ بالنّجاشيِّ، فنكونَ عندهُ، فإنْ ظهرَ محمّدٌ على قومنا كنّا عندَ النّجاشيِّ، فإنّا أنْ نكونَ تحتَ يديهِ أحبُّ إلينا منْ أنْ نكونَ تحتَ يديْ محمّدٍ. (١) رواه مسلم [٨٣٢]. ٤٩٨ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنْ ظهرَ قومنا، فنحنُ منْ قدْ عرفَ، فلنْ يأتينا منهمْ إلَّا خيرٌ. فقالوا: إنَّ هذا الرّأيُ. فقلتُ لهمْ: فاجمعوا لهُ ما نهدي لهُ، وكانَ أحبَّ ما يهدى إليهِ منْ أرضنا الأدمُ(١). فجمعنا لهُ أدماً کثیراً، فخرجنا حتّى قدمنا علیهِ. فوالله إنّا لعندهُ إِذْ جاءَ عمرو بنُ أميّةَ الضّمرِيُّ؛ وكانَ رسولُ اللهِ ﴾ قَدْ بعثهُ إليهِ في شأنٍ جعفرٍ وأصحابهِ. قالَ: فدخلَ عليهِ ثمَّ خرجَ منْ عندهِ. فقلتُ لأصحابي: هذا عمرو بنُّ أميّةَ الضّمريُّ، لوْ قدْ دخلتُ على النّجاشيِّ، فسألتهُ إيّاهُ، فأعطانيهِ، فضربتُ عنقهُ، فإذا فعلتُ ذلكَ رأتْ قريشٌ أنّي قدْ أجزأتُ عنها حينَ قتلتُ رسولَ محمّدٍ. فدخلتُ عليهِ، فسجدتُ لهُ كما كنتُ أصنعُ. فقالَ: مرحباً بصديقي، أهديتَ لي منْ بلادكَ شيئاً؟ قلتُ: نعمْ أيّها الملكُ، قد أهديتُ لكَ أدماً كثيراً. ثُمَّ قدّمتهُ إليهِ، فأعجبهُ، واشتهاهُ. ثمَّ قلتُ لهُ: أيُّها الملكُ إنّي قدْ رأيتُ رجلاً خرِجَ منْ عندكَ، وهوَ رسولُ رجلٍ عدوٍّ لنا، فأعطنيهِ لأقتلهُ؛ فإنّهُ قدْ أصابَ منْ أشرافنا وخيارنا. فغضبَ، ثمَّ مدَّ يدهُ فضربَ بها أنفهُ ضربةً ظننتُ أنْ قدْ كسرهُ؛ فلوِ انشقّتْ لي الأرضُ؛ لدخلتُ فيها فرقاً منهُ. ثمَّ قلتُ: أيُّها الملكُ، والله لوْ ظننتُ أنّكَ تكرهُ هذا ما سألتكهُ. فقالَ لهُ: أتسألني أنْ أعطيكَ رسولَ رجلٍ يأتيهِ النّاموسُ الأكبرُ الّذي كانَ يأتي موسى لتقتلهُ؟ (١) الجلد المدبوغ. ٤٩٩ الباب الرابع: تعامل النبي صَ لُّ عليْهِ وَسَلَّ مع شرائح دعوية مخصوصة قلتُ: أيّها الملكُ أكذاكَ هوَ؟ فقالَ: ويحكَ يا عمرو أطعني واتّبعهُ؛ فإنّهُ والله لعلى الحقِّ، وليظهرنَّ على منْ خالفهُ كما ظهرَ موسى على فرعونَ وجنودهِ. قلتُ: فبايعني لهُ على الإسلامِ. قالَ: نعمْ فبسطَ يدهُ وبايعتهُ على الإسلامِ. ثمَّ خرجتُ إلى أصحابي، وقدْ حالَ رأبي عمّا كانَ عليهِ، وكتمتُ أصحابي إسلامي. ثمَّ خرجتُ عامداً لرسولِ الله ◌ِّ لأسلمَ. فلقيتُ خالدَ بنَ الوليدِ، وذلكَ قبيلَ الفتحِ وهوَ مقبلٌ منْ مكّةً. فقلتُ: أينَ يا أبا سليمانَ؟ قالَ: والله لقدْ استقامَ المنسمُ(١)، وإنَّ الرّجلَ لنبيٌّ، أذهبُ والله أسلمُ، فحتّى متى؟. قلتُ: والله ما جئتُ إلّا لأسلمَ. فقدمنا على رسولِ الله ◌ِ﴾، فقدمَ خالدُ بنُ الوليدِ، فأسلمَ، وبايعَ. ثمَّ دنوتُ، فبسطَ رسولُ الله ◌َّ يدهُ إليّ. فقلتُ: يا رسولَ الله إنّي أبايعكَ على أنْ تغفرَ لي ما تقدّمَ منْ ذنبي. فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((يا عمرو بايعْ، فإنَّ الإسلامَ يجبُّ ما كانَ قبلهُ(٢)، وإنَّ الهجرةَ تجبُّ ما كانَ قبلها)). فبایعتهُ، ثمَّ انصرفتُ. قالَ عمرٌو: فوالله إنْ كنتُ لأشدَّ النّاسِ حياءً منْ رسولِ اللهِوَّةِ، فما ملأتُ عيني منْ رسولِ اللهِ وَّةٍ، ولا راجعتهُ بما أريدُ حتّى لحِقَ بالله عَنَّوَجَلَّ حياءً منهُ(٣). (١) وهو الطريق، والمعنى: لقد اتّضحَ الأمر ولم يعد فيه لبس وشك. (٢) والمراد أنه يذهب أثر المعاصي التي قارفها حال كفره من كفر وعصيان، وما يترتب عليهما من حقوق الله، أما حق الآدمي فلا يسقط إجماعا. (٣) رواه أحمد بتمامه [١٧٣٢٣]، وقال الألباني في الإرواء [١٢٨٠]: ((إسناده حسن أو قريب منه)).