Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قلتُ: أنا سلمةُ بنُّ الأكوع، والّذي كرّمَ وجهَ محمّدٍ وَّ لا أطلبُ رجلاً منكمْ إلّا أدركتهُ،
ولا يطلبني رجلٌ منكمْ فيدركني.
قالَ أحدهمْ: أنا أظنُّ.
فرجعوا، فما برحتُ مكاني حتّى رأيتُ فوارسَ رسولِ الله ◌َّه يتخلّلُونَ الشّجرَ، فإذا
أوّلهمْ الأخرمُ الأسديُّ على إثرهِ أبو قتادةَ الأنصاريُّ، وعلى إثرهِ المقدادُ بنُّ الأسودِ الكنديُّ.
فأخذتُ بعنانِ الأخرمِ، فولّوا مدبرينَ.
قلتُ: يا أخرمُ احذرهمْ لا يقتطعوكَ حتّى يلحقَ رسولُ اللهِ وَّهِ، وأصحابهُ.
قالَ: يا سلمةُ إنْ كنتَ تؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ، وتعلمُ أنَّ الجنّةَ حقٌّ، والنّارَ حقٌّ، فلا
تحلْ بيني وبينَ الشّهادةِ.
فخلّيْتَهُ، فالتقى هوَ وعبدُ الرّحمنِ، فعقرَ بعبدِ الرّحمنِ فرسهُ، وطعنهُ عبدُ الرّحمنِ، فقتلهُ،
وتحوّلَ على فرسهِ.
ولحقَ أبو قتادةَ فارسُ رسولِ الله ◌َّهِ بِعبدِ الرّحمنِ، فطعنهُ، فقتلهُ.
فوالّذي كرّمَ وجهَ محمّدٍ وَِّ؛ لتبعتهمْ أعدو على رجليَّ حتّى ما أرى ورائي منْ أصحابٍ
محمّدٍ وََّ، ولا غبارهمْ شيئاً، حتّى يعدلوا قبلَ غروبِ الشّمسِ إلى شعبٍ فيهِ ماءٌ يقالُ لهُ:
ذو قردٍ؛ ليشربوا منهُ، وهمْ عطاٌ. فنظروا إليَّ أعدو وراءهمْ، فخلّيتهمْ عنهُ(١)، فما ذاقوا
منهُ قطرةً.
ويخرجونَ، فيشتدّونَ في ثنيّةٍ، فأعدو، فألحقُّ رجلاً منهمْ، فأصكّهُ بسهمٍ في نغضٍ(٢)
کتفهِ.
قال: قلتُ:
خذها وأنا ابنُ الأكوعِ
واليومُ يومُ الرّضّعِ
(١) أيْ: طردتهمْ عنهُ.
(٢) النّغضُ: أعلى الكتف. وقيلَ: هوَ العظم الرّقيقُ الّذي على طرفه. النهاية [٨٧/٥].

٤٤١
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَاللَّهُ عليْهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
قالَ: يا ثكلتَهُ أمّهُ، أكوعهُ بكرةَ(١)؟
قلتُ: نعمْ يا عدوَّ نفسِهِ، أكوعكَ بكرةَ.
وأردوا فرسينٍ على ثنّةٍ(٢).
فجئتُ بهما أسوقهما إلى رسولِ الله وَال.
ولحقني عامٌ بسطيحةٍ(٣) فيها مذقةٌ منْ لبنٍ، وسطيحةٍ فيها ماءٌ، فتوضّأتُ وشربتُ.
ثمَّ أتيتُ رسولَ الله ◌َّهِ، وهوَ على الماءِ الّذي حلّأَتهمْ عنهُ، فإذا رسولُ الله ◌ََّ قِدْ أخذَ
تلكَ الإبلَ، وكلَّ شيءٍ استنقذتهُ منَ المشركينَ، وكلَّ رمحٍ وبردةٍ.
وإذا بلالٌ نحرَ ناقةً منَ الإبلِ الّذي استنقذتُ منَ القومِ، وإذا هوَ يشوي لرسولِ الله وَل
منْ کبدها وسنامها.
قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ القومَ عطاٌ، وإنّ أعجلتهمْ أنْ يشربوا سقيهمْ، خلّني، فأنتخبُ
منَ القومِ مائةَ رجلٍ، فأتّبعُ القومَ، فلا يبقى منهمْ مخبرٌ إلّا قتلتهُ.
فضحكَ رسولُ الله ◌َِّ حتّى بدتْ نواجذهُ في ضوءِ النّارِ.
فقالَ: ((يا سلمةُ أتراكَ كنتَ فاعلاً؟».
قلتُ: نعمْ، والّذي أكرمكَ.
فقالَ: ((يا ابنَ الأكوعِ، ملكتَ؛ فأسجحْ(٤)، إنهّمْ الآنَ ليقرونَ في أرضٍ غطفانَ)).
فجاءَ رجلٌ منْ غطفانَ فقالَ: نحرَ لهمْ فلانٌ جزوراً، فلمّا كشفوا جلدها رأوا غباراً،
فقالوا: أتاكمُ القومُ، فخرجوا هاربينَ.
(١) أي: أنتَ الأكوع الّذي كنت بكرة هذا النّهار.
(٢) معناهُ: أتعبوهما حتّى أسقطوهما وتركوهما.
(٣) السّطيحة: إناء منْ جلود سطحَ بعضها على بعض، والمذقة: قليل منْ لبن ممزوج بماءٍ. شرح النووي على صحيح
مسلم [١٢ / ١٨١].
(٤) والمعنى: قدرت فاعفُ، والسّجاحةُ السّهولةُ. فتح الباري [٤٦٣/٧].

٤٤٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فلمّا أصبحنا قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كانَ خيرَ فرساننا اليومَ أبو قتادةَ، وخيرَ رجّالتنا
سلمةُ)(١).
ثمَّ أعطاني رسولُ اللهِ وَّ سهمينِ: سهمَ الفارسِ، وسهمَ الرّاجلِ، فجمعهما لي جميعاً(٢).
ثمَّ أردفني رسولُ الله ◌َّه وراءهُ على العضباءِ راجعينَ إلى المدينةِ.
فبينما نحنُ نسيرُ، وكانَ رجلٌ منَ الأنصارِ لا يسبقُ شدّاً(٣)، فجعلَ يقولُ: ألا مسابقٌ إلى
المدينةِ، هلْ منْ مسابقٍ.
فجعلَ یعیدُ ذلكَ.
فلمّا سمعتُ كلامهُ، قلتُ: أما تكرمُ كريماً، ولا تهابُ شريفاً.
قالَ: لا، إلّا أنْ يكونَ رسولَ الله ◌َّ.
قلتُ: يا رسولَ الله بأبي وأمّي، ذرني فلأسابقَ الرّجلَ.
قالَ: ((إنْ شئتَ)).
قلتُ: اذهبْ إلیكَ.
وثنيتُ رجليٍّ، فطفرتُ(٤) فعدوتُ، فربطتُ عليهِ شرفاً(٥) أوْ شرفين، أستبقي نفسي.
(١) فيهِ: استحباب الثّناء على الشّجعان وسائر أهل الفضائل لا سيّما عند صنيعهمْ الجميل، لما فيهِ منْ الترّغيب لهمْ
ولغيرهمْ في الإكثار منْ ذلكَ الجميل، وهذا كله في حقّ منْ يأمن الفتنة عليه بإعجاب ونحوه. شرح النووي على
صحيح مسلم [١٢ / ١٨٢].
(٢) قال النووي: هذا محمول على أنَّ الزائد على سهم الرّاجل كانَ نفلًا، وهوَ حقيق باستحقاقِ النّفْلِ رَعَُّ؛ لبديعِ
صنعه في هذه الغزوة.
شرح النووي على صحيح مسلم [١٢ / ١٨٣].
(٣) يعني: عدواً على الرّجلين.
(٤) أيْ: وثبت وقفزت.
(٥) الشّف: ما ارتفعَ منْ الأرض، والمعنى: حبست نفسي عنِ الجري الشّديد لئلاّ يقطعني البهر. شرح النووي على
صحيح مسلم [١٢ / ١٨٣].

٤٤٣
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
ثُمَّ عدوتُ في إثرهِ، فربطتُ عليهِ شرفاً، أوْ شرفينٍ.
ثمَّ إنّ رفعتُ حتّى ألحقهُ، فأصكّهُ بینَ کتفیه.
قلتُ: قدْ سبقتَ والله.
قالَ: أنا أظنُّ.
فسبقتهُ إلى المدينةِ.
فوالله ما لبثنا إلّا ثلاثَ ليالٍ، حتّى خرجنا إلى خيبرَ معَ رسولِ الله ◌ِیّ.
فجعلَ عمّي عامرٌ يرتجزُ بالقومِ:
ولا تصدّقنا ولا صلّينا
تالله لولا الله ما اهتدينا
فثبّتِ الأقدامَ إنْ لاقينا
ونحنُ عنْ فضلكَ ما استغنینا
وأنزلنْ سكينةً علينا
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((منْ هذا؟)).
قال: أنا عامرٌ.
قالَ: ((غفرَ لكَ ربّكَ)).
وما استغفرَ رسولُ اللهِوَّ لإنسانٍ يخصّهُ إلّ استشهدَ.
فنادى عمرُ بنُ الخطّابِ وهوَ على جملٍ لهُ: يا نبيَّ الله لولا ما متّعتنا بعامٍ.
فلّا قدمنا خيبرَ، خرجَ ملكهمْ مرحبٌ يخطرُ بسيفِهِ (١) ويقولُ:
قدْ علمتْ خيبرُ أنّي مرحبُ شاكي السّلاحِ بطلٌ مجرّبُ
إذا الحروبُ أقبلتْ تلهّبُ
قالَ: وبرزَ لهُ عمّي عامرٌ فقالَ:
قدْ علمتْ خيبرُ أنّي عامرٌ شاكي السّلاحِ بطلٌ مغامرٌ
(١) أيْ: يرفعهُ مرّة، ويضعهُ أخرى.

٤٤٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ
فاختلفا ضربتينِ، فوقعَ سيفُ مرحبٍ في ترسٍ عامٍ، وذهبَ عامرٌ يسفلُ لهُ(١)، فرجعَ
سیفهُ على نفسِهِ، فقطعَ أکحلهُ، فکانتْ فيها نفسهُ.
فخرجتُ، فإذا نفرٌ منْ أصحابِ النّبِّوَّ يقولونَ: بطلَ عملُ عامٍ، قتلَ نفسهُ.
فأتيتُ النّبِيَّ وَّه وأنا أبكي، فقلتُ: يا رسولَ الله بطلَ عملُ عامٍ.
قالَ رسولُ الله ◌َّ: ((منْ قالَ ذلكَ)).
قلتُ: ناسٌ منْ أصحابكَ.
قالَ: ((كذبَ منْ قالَ ذلكَ، بلْ لهُ أجرهُ مرّتينِ - وجمعَ بينَ إصبعيهِ-، إنّهُ جاهدٌ مجاهدٌ،
قلَّ عربيُّ مشى بها مثلهُ))(٢) .
ثُمَّ أرسلني إلى عليٍّ، وهوَ أرمدُ، فقالَ: ((لأعطينَّ الرّايةَ رجلاً يحبُّ الله ورسولهُ، أَوْ يحبّهُ
الله ورسولهُ)).
فأتيتُ عليّاً، فجئتُ بهِ أقودُهُ، وهوَ أرمدُ، حتّى أتيتُ بِهِ رسولَ الله ◌ِّهِ، فبسقَ في عينيهِ،
فبرأَ، وأعطاهُ الرّايةَ.
وخرجَ مرحبٌ فقالَ:
قدْ علمتْ خيبرُ أنّي مرحبُ شاكي السّلاحِ بطلٌ مجرّبُ
إذا الحروبُ أقبلتْ تلهّبُ
فقالَ عليٌّ:
أنا الّذي سمّتني أمّي حيدرهُ(٣) كليثِ غاباتٍ كريهِ المنظرَهْ
أوفيهمُ بالصّاعِ كيلَ السّندرْ(٤)
(١) أيْ: يضربهُ منْ أسفله.
(٢) معناهُ: قَلَّ عربّ يشبههُ في جميع صفات الكمال. وفسرّوا الجاهدٌ بالجادِّ في علمه وعمله، أيْ: لجادٌّ في طاعة الله، والمجاهد
في سبيل الله، وهوَ الغازي، وقيل: جمعَ اللّفظينِ توكيداً. شرح النووي على صحيح مسلم [١٦٩/١٢].
(٣) حيدرة اسم للأسدِ، وكانتْ أمّ علّي سمّتهُ أوّل ولادته أسداً باسمٍ جدّه لأمّهِ أسد بن هشام بن عبد منافٍ، وكانَ
أبو طالب غائباً فلمّا قدمَ سّهُ عليّاً. شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ١٨٥].
(٤) معناهُ: أقتل الأعداء قتلاً واسعاً ذريعاً، والسّندرة: مكيال واسع.

٤٤٥
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
فضربَ رأسَ مرحبٍ، فقتلهُ، ثمَّ كانَ الفتحُ على يديه(١).
قال النووي: «في هذا الحديث أربعُ معجزاتٍ لرسولِ اللهِ وَلَّه
إحداها: تكثيرُ ماءِ الحديبيةِ.
والثّانيةُ: إبراءُ عينِ عليٍّ ◌َ عَنْهُ.
والثّالثةُ: الإخبارُ بأنّهُ يفتحُ الله علی یدیهِ.
والرّابعةُ: إخبارهَِّه بأنّهِمْ يقرونَ في غطفان، وكانَ كذلكَ))(٢).
وكانَ يقرّهم على استنباطاتهم البديعةِ:
عن حنشِ بنِ المعتمرِ أنَّ عليّاً رَّهُ كانَ باليمنِ، فاحتفروا زبيةً(٣) للأسدِ، فوقعَ فيها
الأسدُ، فبينا هم يتطلعون فيها إذْ سقطَ رجلٌ، فتعلّقَ بآخرَ، وتعلّقَ الآخرُ بآخرَ، وتعلّقَ
الآخرُ بآخرَ، وتعلّقَ الآخرُ بآخرَ حتّى صاروا أربعةً، فجرحهمْ الأسدُ فيها.
فانتدبَ لهُ رجلٌ بحريةٍ، فقتلهُ، وماتوا منْ جراحتهمْ كلّهمْ.
قالَ: فتنازعوا في ذلكَ حتّى أخذوا السّلاحَ.
فأتاهمْ عليٌّ ◌َ عَنْهُ، فقالَ: تريدونَ أنْ تقاتلوا، ورسولُ اللهِوََّ حِيٌّ، إنّ أقضي بينكمْ
قضاءً إِنْ رضيتمْ فهوَ القضاءُ، وإلّا حجزَ بعضكمْ عنْ بعضٍ حتّى تأتوا النّبِيَّ ◌َِّ، فيكونَ
هوَ الّذي يقضي بينكمْ، فمنْ عدا بعدَ ذلكَ فلا حقَّ لهُ، اجمعوا منْ قبائلِ الّذينَ حفروا البترَ
ربعَ الدّيةِ، وثلثَ الدّيةِ، ونصفَ الدّيةِ، والدّيةَ كاملةً، فقضى للأوّلِ ربعَ ديةٍ، وللثّاني ثلثَ
ديةٍ، وللثّالثِ نصفَ ديةٍ، وللرّابع الدّيةَ كاملةً.
قالَ: فرضيَ بعضهمْ، وكرهَ بعضهمْ، فارتفعوا إلى النّبِّ ◌ََّ، فأتوا النّبِيَّ ◌ََّ، وهوَ عندَ
مقام إبراهيمَ، فقصّوا عليهِ القصّةَ.
(١) رواه مسلم [١٨٠٧].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ١٨٦].
(٣) وهى حفرة تحفر للأسد إذا أرادوا صيده، ويغطى رأسها بما يسترها ليقعَ فيها. النهاية [٢٩٥/٢]

٤٤٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ: ((أنا أقضي بینکمْ)) واحتبى.
فقالَ رجلٌ منَ القومِ: إنَّ عليّاً قضى فينا، فقصّوا عليهِ القصّةَ، فأجازهُ رسولُ الله ◌َ﴾ (١).
وذلك لأن هؤلاءِ الأربعةَ المقتولينَ خطأً بالتدافع على الحفرةِ من الحاضرين عليها، لهم
الدّياتُ على من حضرَ على وجهِ الخطأ.
والأوّلُ مقتولٌ بالمدافعةِ، وهو قاتلٌ ثلاثةً بالمجاذبةِ، فله الديةُ بما قتلَ، وعليه ثلاثةُ أرباع
الدّيةِ بالثلاثةِ الذين قتلهم.
وأما الثاني فله ثلثُ الديةِ، وعليه الثلثانِ بالاثنين الّذِينِ قتلهما بالمجاذبةِ.
وأما الثالثُ فله نصفُ الدّيةِ، وعليه النّصفُ؛ لأنه قتل واحداً بالمجاذبة.
والرابعُ له الدّيةُ كاملةً؛ لأنّهُ لم يقتلْ أحداً.
قال ابن العربي: ((وهذا من بديعِ الاستنباط))(٢).
وقد أولى النبيُّ ◌َّابنَ عمّه عبدَ الله بن عباس رََّنَّهَا اهتماماً بالغاً؛ لما تمتّع به من صفاتٍ
تدلُّ على النبوغِ والذكاءِ.
عنْ عبد الله بنِ عبّاسٍ رَّهَا قالَ: ضمّني النّبِيُّ ◌ََّ إلى صدرهِ، وقال: ((اللهمَّ، علّمهُ
الحكمةَ))(٣).
وفي رواية: دخل النّبيُّ ◌َّه الخلاءَ، فوضعتُ لهُ وضوءاً، فقالَ: ((منْ وضعَ هذا؟)) فأخبرَ.
فقالَ: ((اللهمَّ، فقّههُ في الدّينِ)) (٤).
وفي رواية: أنَّ رسولَ اللهِ ◌ِّ كانَ في بيتٍ ميمونةَ، فوضعتُ لهُ وضوءاً منَ اللّيلِ. قَالَ
فقالتْ ميمونةُ: يا رسولَ الله وضعَ لكَ هذا عبدُ الله بنُ عبّاسٍ.
(١) رواه أحمد [٥٧٤]، وحسّنه الألباني في الصحيحة [٤٧٨/٢].
(٢) أحكام القرآن [٤٤/٤] لابن العربي.
(٣) رواه البخاري [٣٧٥٦].
(٤) رواه البخاري [١٤٣]، ومسلم [٢٤٧٧].

٤٤٧
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لُّعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
فقالَ: ((اللهمَّ، فقّةُ في الدّينِ، وعلّمُهُ التّوِيلَ))(١).
قال النووِيُّ: ((فيهِ: فضيلةُ الفقِهِ، واستحبابُ الدّعاءِ لمنْ عملَ عملاً خيّراً معَ الإنسان.
وفيهِ: إجابةُ دعاءِ النّبِّ ◌َِّلُهُ، فكانَ منَ الفقه بالمحلِّ الأعلى))(٢).
قالَ ابن المنير: ((مناسبةُ الدّعاءِ لابنِ عبّاس بالتّفقّهِ على وضعهِ الماءَ منْ جهة أنّهُ تردّدَ بين
ثلاثةِ أمورٍ:
إمّا أنْ يدخلَ إليهِ بالماءِ إلى الخلاء، أوْ يضعهُ على الباب؛ ليتناولهُ منْ قرب، أوْ لا يفعل
شيئاً، فرأى الثّاني أوفقَ؛ لأنَّ في الأوّلِ تعرّضاً للاطّلاعِ، والثّالثُ يستدعي مشقّةً في طلبٍ
الماءِ، والثّاني أسهلها، ففعلهُ يدلُّ على ذكائهِ؛ فناسبَ أنْ يدعو لهُ بالتّفقّهِ في الدّين؛ ليحصل
بهِ النّفع، وكذا كانَ))(٣).
فكان ابنُّ عبّاسٍ رََّنهُ من أشهرِ مفسّري الصحابةِ، مع أنّهُ كانَ أصغرهم سناً، فقد
ولدَ رََّّهُ قبل هجرةِ رسولِ اللهِ وَّه إلى المدينةِ بثلاثِ سنواتٍ، ولازمَ رسولَ الله وَِّ منذُ
نعومة أظفارهِ، وذلك لقرابته من رسولِ الله ◌ِ﴾، وقرابته من ميمونةً زوج النبيِّ صلى الله
عليه. وكيفَ لا يكون كذلك، وقد دعا لهُ الرسولُ وَّةٍ .. ؟!
وتوقّي رسول الله وَّه وسنّهُ ثلاثَ عشرةَ سنةً.
وكان ابنُ مسعود يقول: ((نعمَ ترجمانِ القرآن ابنُ عبّاسٍ)) (٤).
وقال ابن عمر: ((هوَ أعلم النّاس بما أنزلَ الله على محمّد))(٥).
وكان ◌َّه يردفه خلفه على الدّابّةِ:
فعنْ عبدِ الله بنِ عبّاسٍ رَ عَنْهَا قالَ: كنتُ خلفَ رسولِ اللهِوَّه يوماً، فقالَ: ((يا غلامُ، إنّ
(١) رواه أحمد [٣٠٢٤].
(٢) شرح النووي على مسلم [١٦/ ٣٧].
(٣) فتح الباري [١/ ٢٣٢].
(٤) رواه الحاكم في المستدرك [٦٢٩١].
(٥) رواه الآجري في الشريعة [٢٢٧١/٥].

٤٤٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أعلّمكَ كلماتٍ: احفظِ الله يحفظكَ، احفظِ الله تجدهُ تجاهكَ، [تعرّفْ إليهِ في الرّخاءِ؛ يعرفكَ
في الشّدّةِ] إذا سألتَ؛ فاسأل الله، وإذا استعنتَ؛ فاستعنْ بالله.
واعلمْ أنَّ الأمّةَ لوِ اجتمعتْ على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ؛ لمْ ينفعوكَ إلّا بشيءٍ قَدْ كتبهُ الله لكَ،
ولوِ اجتمعوا على أنْ يضرّوكَ بشيءٍ؛ لمْ يضرّوكَ إلّا بشيءٍ قَدْ كتبهُ الله عليكَ.
رفعتِ الأقلامُ، وجفّتِ الصّحفُ [واعلمْ أنَّ في الصّبِرِ على ما تكرهُ خيراً كثيراً، وأنَّ
النّصرَ معَ الصّبِ، وأنَّ الفرجَ معَ الكربِ، وأنَّ معَ العسر يسراً]))(١).
وقد تجلّى هذا النبوغُ منه رَهُ، وعرفَ ذلك أميرُ المؤمنين عمرُ، فكانَ يدنيهِ منه، ويقرّبهُ
إلیه.
عنْ عبد الله بنِ عبّاسٍ رَنْهَا قالَ: كانَ عمرُ يدخلني معَ أشياخ بدرٍ(٢)، فكأنَّ بعضهمْ
وجدَ في نفسِهِ، فقالَ: لم تدخلُ هذا معنا، ولنا أبناءٌ مثلهُ؟
فقالَ: إنّهُ منْ قَدْ علمتمْ(٣).
فدعاهمْ ذاتَ يومٍ، ودعاني معهمْ، وما رئيتهُ دعاني يومئذٍ إلّا ليريهمْ منّي.
فقالَ: ما تقولونَ في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ (١) وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ
دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ... ﴾؟ حتّى ختمَ السّورةَ.
فقالَ بعضهمْ: أمرنا أنْ نحمدَ الله، ونستغفرهُ إذا نصرنا، وفتحَ علينا.
وفي رواية: قالوا: فتح المدائنِ والقصورِ.
وقالَ بعضھمْ: لا ندري.
فقالَ لي: يا ابنَ عبّاسٍ، أكذاكَ تقولُ؟.
(١) رواه الترمذي [٢٥١٦]، وأحمد [٢٨٠٠]، والزيادتان له، وصحّحه الألباني بزياداته في الصحيحة [٢٣٨٢].
(٢) وكانتْ عادة عمر إذا جلسَ للنّاسِ أنْ يدخلوا عليهِ على قدر منازلهمْ في السّابقة، وكانَ ربّما أدخلَ معَ أهل المدينة
منْ ليسَ منهمْ إذا كانَ فيهِ مزيّة تجبر ما فاتهُ منْ ذلكَ.
(٣) أشارَ بذلكَ إلى قرابته منَ النّبيّ ◌ََّ، أَوْ إلى معرفته، وفطنته. فتح الباري [٧٣٥/٨].

٤٤٩
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
قلتُ: لا.
قالَ: فما تقولُ؟
قلتُ: هَوَ أجلُ رسولِ اللهِوَّل﴿ أَعلمهُ الله لهُ، ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾ فتحُ مكّةَ،
فذاكَ علامةُ أجلكَ، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ, كَانَ تَوَابًا﴾
قالَ: عمرُ ما أعلمُ منها إلّا ما تعلمُ(١).
وفيهِ فضيلةٌ ظاهرةٌ لابنِ عبّاس، وتأثيرٌ لإجابةِ دعوةِ النّبِيِّ ◌ََّ أنْ يعلّمهُ الله التّأْوِيلَ،
ویفقّههُ في الدّينِ(٢).
قال النوويُّ: ((وأمّا ابنُ عبّاسٍ فمحلّهُ منَ العلم، والفقه في الدّين، والفهمِ الثّاقبِ
معروفٌ، معَ كثرة بحثه، وتحفّظْهِ أحوالَ رسول الله ◌َّهِ الّتي لمْ يحفظها غيرهُ، وأخذهِ إِیّاها
منْ كبارِ الصّحابة))(٣).
ولقد كان يجالس يوماً، ولا يذكرُ فيه إلاّ الفقهَ، ويوماً التأويلَ، ويوماً المغازيَ، ويوماً
الشّعرَ، ويوماً أيّامَ العربِ (٤).
وروى يعقوب بإسنادٍ صحيح كما قال الحافظ ابن حجر عنْ أبي وائل قالَ: «قرأَ ابنُ
عبّاسٍ سورةَ النّورِ، ثمَّ جعلَ يفسّرها، فقالَ رجل: لوْ سمعتْ هذا الدّيلمُ لأسلمتْ))(٥).
وكان آيَةً في الحفظِ، أنشدهُ ابنُ أبي ربيعةَ قصيدتهُ التي مطلعها:
أمنْ آلِ نعمٍ أنتَ غادٍ فمبكرُ ...
فحفظها في مرّةٍ واحدةٍ، وهي ثمانون بيتاً(٦).
(١) رواه البخاري [٤٢٩٤].
(٢) فتح الباري [٧٣٦/٨].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٢٩٠/٤].
(٤) الأعلام [٤ / ٩٥] للزركلي.
(٥) فتح الباري [١٠٠/٧].
(٦) الأعلام [٩٥/٤] للزركلي.

٤٥٠
تعاملات النبيّ صَ لَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ومن النوابغ الذين كان للنبيِّ وَِّ عنايةٌ بهم: عبد الله بن مسعود رَّعَنْهُ.
قال عنه الذهبي: ((كانَ منَ السّابقينَ الأوّلينَ، ومنَ النّجباءِ العالمينَ))(١).
وقال: ((كان معدوداً في أذكياءِ العلماءِ))(٢).
عن شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبدُ الله بنُ مسعودٍ، فقالَ: والله لقدْ أخذتُ منْ في
رسولِ اللهِوَلّه بضعاً، وسبعينَ سورةً، والله لقدْ علمَ أصحابي أنّ منْ أعلمهمْ بكتابِ اللهِ،
وما أنا بخيرهمْ.
قالَ شقيقٌ: فجلستُ في الحلقِ أسمعُ ما يقولونَ، فما سمعتُ رادّاً يقولُ غيرَ ذلكَ(٣).
وقد طلب منه وَّل أن يقرأ عليه شيئاً من القرآنِ، فقرأ عليه من أوّل سورةِ النساءِ.
عنْ عبدِ الله بنِ مسعودٍ رَهُ قالَ: قَالَ ليِ النّبِيُّ ◌َ: ((اقرأْ عليّ)).
قلتُ: يا رسولَ الله، اقرأُ عليكَ، وعليكَ أنزلَ؟
قالَ: ((نعمْ)).
فقرأتُ سورةَ النّساءِ حتّى أتيتُ إلى هذهِ الآيةِ: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ
وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: ٤١].
قالَ: ((حسبكَ الآنَ)).
فالتفتُّ إليهِ فإذا عيناهُ تذرفانٍ(٤).
وأرشد النبي ◌َّه إلى أخذ القرآن عنه، فقال: ((خذوا القرآنَ منْ أربعةٍ: منِ ابنِ أمِّ عبدٍ -
فبدأَ بهِ -، ومعاذِ بنِ جبلٍ، وأبيِّ بنِ كعبٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفةَ)(٥).
(١) سير أعلام النبلاء [١ / ٤٦١].
(٢) سير أعلام النبلاء [١ / ٤٦٢].
(٣) رواه البخاري [٥٠٠٠]، ومسلم [٢٤٦٢].
(٤) رواه البخاري [٥٠٥٠]، ومسلم [٨٠٠].
(٥) رواه البخاري [٣٨٠٦]، ومسلم [٢٤٦٤].

٤٥١
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعليهِوسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
أيْ: تعلّموهُ منهما، والأربعة المذكورونَ، اثنانٍ منَ المهاجرينَ، وهما المبدأ بهما، واثنانٍ منَ
الأنصارِ، وسالمٌ هوَ ابن معقل مولى أبي حذيفة.
قالَ العلماء: سببه أنَّ هؤلاءِ أكثر ضبطاً لألفاظهِ، وأتقنُ لأدائِهِ، وإنْ كانَ غيرهمْ أفقه في
معانیه منھمْ.
أوْ لأنَّ هؤلاءِ الأربعةَ تفرّغوا لأخذهِ منهُ مَِّ مشافهةً، وغيرهم اقتصروا على أخذِ
بعضهمْ منْ بعضٍ.
أوْ لأنَّ هؤلاءِ تفرّغوا لأَنْ يؤخذَ عنهمْ.
أَوْ أَنّهُ وَِّ أَرادَ الإعلامَ بما يكونُ بعدَ وفاتِهِ ◌َّهِ مِنْ تقدّمِ هؤلاءِ الأربعةِ وتمكّنهمْ، وأنّهِمْ
أقعدُ منْ غيرهمْ في ذلكَ، فليؤخذْ عنهمْ(١).
وعنْ عبدِ الله بنِ مسعودٍ أنَّ أبا بكرٍ، وعمرَ بشّراهُ أنَّ رسولَ اللهِوَلَ قالَ: «مَنْ أحبَّ أنْ
يقرأ القرآنَ غضّاً كما أنزلَ؛ فليقرأهُ على قراءةِ ابنِ أمِّ عبدٍ))(٢).
ومن النابغين في الحفظ: أبو هريرة رَ عَنْهُ.
عن أبي هريرةَ رَّعَنْهُ قالَ: إنّكمْ تقولونَ إِنَّ أبا هريرةَ يكثرُ الحديثَ عنْ رسولِ اللهِوَّهه
وتقولونَ: ما بالُ المهاجرينَ والأنصارِ لا يحدّثونَ عنْ رسولِ الله وَّه يمثلِ حديث أبي هريرةَ؟
وإنَّ إخوتي منَ المهاجرينَ كانَ يشغلهمْ صفٌ بالأسواقِ، وكنتُ ألزمُ رسولَ الله وَل
على ملء بطني، فأشهدُ إذا غابوا، وأحفظُ إذا نسوا، وكانَ يشغلُ إخوتي منَ الأنصارِ عملُ
أموالهمْ، وكنتُ امرأً مسكيناً منْ مساكينِ الصّفّةِ، أعي حينَ ينسونَ.
وقدْ قالَ رسولُ الله ◌َّه في حديثٍ يحدّثُهُ: ((إنّهُ لنْ يبسطَ أحدٌ ثوبهُ حتّى أقضيَ مقالتي
هذهِ، ثُمَّ يجمعَ إليهِ ثوبهُ؛ إلّا وعى ما أقولُ)).
فبسطتُّ نمرةً عليّ.
(١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٨/١٦].
(٢) رواه ابن ماجه [١٣٨]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥٩٦١].

٤٥٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حتّى إذا قضى رسولُ الله ◌َِّ مقالتهُ جمعتها إلى صدري، فما نسيتُ منْ مقالةِ رسولِ الله وَله
تلكَ منْ شيءٍ(١).
قال الذهبي: ((وكانَ حفظُ أبي هريرةَ الخارقُ منْ معجزاتِ النّبوّةِ»(٢).
وعنْ أبي هريرةَ رَهُعَنْهُ قالَ: قلتُ: يا رسولَ الله، إنّ أسمعُ منكَ حديثاً كثيراً أنساهُ.
قالَ: ((ابسطْ رداءكَ)).
فبسطتهُ.
فغرفَ بيديهِ، ثمَّ قالَ: ((ضمّهُ)).
فضممتهُ، فما نسيتُ شيئاً بعدهُ(٣).
قالَ ابن حجر: ((لم يذكرِ المغروفَ منهُ، وكأنّها كانتْ إشارةً محضةً)) (٤).
قال ابن حجر: ((في هذينِ الحديثينِ فضيلةٌ ظاهرةٌ لأبي هريرةَ، ومعجزةٌ واضحٌ منْ
علاماتِ النّبوّةِ؛ لأنَّ النّسيانَ منْ لوازمِ الإنسانِ، وقدِ اعترفَ أبو هريرةَ بأنّهُ كانَ یکثرُ منهُ،
ثُمَّ تخلّفَ عنهُ ببركةِ النّبِّ ◌َِّ) (٥).
وكان النبيُّ وٍَّ يشيدُ بحرصه على التعلّم: عن أبي هريرةَ رَّهُ أنّهُ قالَ: يا رسولَ الله،
منْ أسعدُ النّاسِ بشفاعتكَ يومَ القيامةِ؟
قالَ رسولُ الله ◌ََّ: ((لقدْ ظننتُ يا أبا هريرةَ، أنْ لا يسألني عنْ هذا الحديثِ أحدٌ أوّلُ
منكَ؛ لما رأيتُ منْ حرصكَ على الحديثِ، أسعدُ النّاسِ بشفاعتي يومَ القيامةِ منْ قالَ: لا إلهَ
إلّا الله خالصاً منْ قلبِهِ))(٦).
(١) رواه البخاري [٢٠٤٧]، ومسلم [٢٤٩٢].
(٢) سير أعلام النبلاء [٢/ ٢٩٤].
(٣) رواه البخاري [١١٩].
(٤) فتح الباري [٢١٥/١].
(٥) فتح الباري [١/ ٢١٥].
(٦) رواه البخاري [٩٩].

٤٥٣
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
ومنهم أبيُّ بنُ كعب رَ عَنْهُ:
أرشد النبيُّ ◌َّ - كما تقدم- بأن يؤخذ القرآن من أربعةٍ، وذكر منهم أبي بن كعب.
وقال عمرُ بن الخطاب رَنهُ: ((عليٌّ أقضانا وأبيٌّ أقرؤنا))(١).
وأرشده النبيُّ ◌َّه إلى أن يفتحَ عليه في القراءة إذا لبس عليه أو نسي:
فعنْ عبدِ الله بنِ عِمرَ رَّا أَنَّ النّبِيَّ ◌َه صلّى صلاةً، فقراً فيها، فلبسَ عليهِ، فلمّا
انصرفَ قالَ لأبيٍّ: ((أصلّيتَ معنا؟)).
قالَ: نعمْ.
قالَ: ((فما منعكَ أنْ تفتحها عليَّ؟))(٢).
وفي الحديثِ: مشروعيّةُ الفتحِ على الإمام، فعندَ نسيانِ الإمامِ الآيةَ في القراءةِ الجهريّةِ
يكونُ الفتحُ عليهِ بتذكيرِهِ تلكَ الآيَةَ، وعندَ نسيانِ لغيرها منَ الأركانِ يكونُ الفتحُ بالتّسبیحِ
للرّجالِ، والتّصفيقِ للنّساءِ(٣).
ولذا فقد عيّن عمرُ أبيّاً إماماً لصلاة التراويح:
فعنْ عبدِ الرّحمنِ بنِ عبدِ القاريِّ أنّهُ قالَ: خرجتُ معَ عمرَ بنِ الخطّابِ رَ عَّهُ ليلةً في
رمضانَ إلى المسجدِ، فإذا النّاسُ أوزاعٌ متفرّقونَ، يصلّي الرّجلُ لنفسِهِ ويصلّي الرّجلُ، فيصلّي
بصلاتِهِ الرّهطُ.
فقالَ عمرُ: إنّي أرى لوْ جمعتُ هؤلاءِ على قارئٍ واحدٍ لكانَ أمثلَ.
ثمَّ عزمَ، فجمعهمْ على أبيِّ بنِ كعبٍ، ثمَّ خرجتُ معهُ ليلةً أخرى، والنّاسُ يصلّونَ
بصلاةٍ قارئهمْ.
(١) رواه الإمام أحمد [٢٠٥٨١].
(٢) رواه أبو داود [٩٠٧]، وابن حبان [٢٢٤٢]، وصححه النووي في المجموع [٤ /٤٢١]، والألباني في صفة
الصلاة [٢ / ٥٩٦].
(٣) نيل الأوطار [٣٨٠/٢].

٤٥٤
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ عمرُ: نعمَ البدعةُ هذهِ، والّتي ينامونَ عنها أفضلُ منَ الّتي يقومونَ - يريدُ آخرَ
اللّيلِ، وكانَ النّاسُ يقومونَ أوّلهُ(١).
تنبيه: قسّم قومٌ البدعةَ إلى بدعةٍ حسنةٍ، وبدعةٍ سيّئَةٍ؛ مستدلّينَ بقول عمرَ رَ عَنْهُ: (نعمَ
البدعةُ هذِهِ))، ويجابُ بأن المرادَ هنا البدعةُ اللّغويّةُ، وليس البدعة في الدّينِ؛ فالبدعُ في الدين
كلّها ضلالةٌ كما قال ◌َّةِ: ((وكلُّ بدعة ضلالةٌ [وكلُّ ضلالةٍ في النّارِ]))(٢).
ومن النابغين في الخبرة العسكرية: خالدُ بنُّ الوليدِ رَنهُ:
قال الذهبيُّ فيه: ((سيفُ الله تعالى، وفارسُ الإسلام، وليثُ المشاهدِ، السّيّدُ الإمامُ،
الأميرُ الكبيرُ، قائدُ المجاهدينَ.
سمّاهُ النّبِيُّ ◌َّ سِيفَ الله فقالَ: ((خالد بنُّ الوليد سيفٌ منْ سيوفِ الله سلّه الله على
المشركين))(٣).
وشهدَ الفتحَ، وحنيناً، وتأمّرَ في أيّامِ النّبِيِّ ◌َّةِ، واحتبسَ أدراعهُ، ولامتهُ في سبيلِ الله،
وحاربَ أهلَ الرّةِ، ومسيلمةَ، وغزا العراقَ، وشهدَ حروبَ الشّامِ، ولمْ يبقَ في جسدِهِ قيدُ
شبٍ إلاَّ وعليهِ طابعُ الشّهداءِ.
ومناقبهُ غزيرةٌ، أمّرهُ الصّدّيقُ على سائرِ أمراءِ الأجنادِ، وحاصرَ دمشقَ، فافتتحها هوَ
وأبو عبيدةً.
عاشَ ستّيْنَ سنةً، وقتلَ جماعةً منَ الأبطالِ، وماتَ على فراشهِ، فلاَ قرّتْ أعينُ الجبناءِ.
توفَّ بحمصَ، سنةَ إحدى وعشرينَ)) (٤).
عن أبي قتادةَ رَّهُ فارسِ رسولِ اللهِوَ ◌ّه قالَ: بعثَ رسولُ اللهِوََّ جِيشَ الأمراءِ،
وقالَ: ((عليكمْ زيدُ بنُّ حارثةَ، فإنْ أصيبَ زيدٌ فجعفرٌ، فإنْ أصیبَ جعفرٌ فعبدُ الله بنُ
رواحةَ الأنصاريُّ)).
(١) رواه البخاري [٢٠١٠].
(٢) رواه مسلم [٨٦٧]، والنسائي [١٥٧٨]، والزيادة له، وإسنادها صحيح.
(٣) رواه ابن عساكر [١٦/ ٢٤١]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٣٢٠٨].
(٤) سير أعلام النبلاء [١/ ٣٦٧].

٤٥٥
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
فوثبَ جعفرٌ، فقالَ: بأبي أنتَ يا نبيَّ الله وأمّي: ما كنتُ أرهبُ أنْ تستعملَ عليَّ زيداً.
قالَ: ((امضوا، فإنّكَ لا تدري أيُّ ذلكَ خيرٌ)).
فانطلقَ الجيشُ، فلبثوا ما شاءَ الله، ثمَّ إِنَّ رسولَ الله ◌َِّ صعد المنبرَ، وأمرَ أنْ ينادى:
الصّلاةُ جامعةٌ.
فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: «نابَ خيرٌ، أَوْ ثابَ خيرٌ، ألا أخبركمْ عنْ جيشكمْ هذا الغازي؟
إنّهمُ انطلقوا حتّى لقوا العدوَّ، فأصيبَ زيدٌ شهيداً، فاستغفروا لهُ)).
فاستغفر لهُ النّاسُ.
قال: ((ثُمَّ أَخذَ اللّواءَ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فشدَّ على القوم حتّى قتلَ شهيداً، أشهدُ لهُ
بالشّهادةِ، فاستغفروا لهُ.
ثُمَّ أخذَ اللّواءَ عبدُ الله بنُ رواحةً، فأثبتَ قدميهِ حتّى أصيبَ شهيداً، فاستغفروا لهُ.
ثمَّ أخذَ اللّواءَ خالدُ بنُّ الوليدِ. ولمْ يكنْ منْ الأمراءِ هوَ أمْرَ نفسهُ)).
فرفعَ رسولُ الله ◌َّه أصبعيهِ، وقالَ: ((اللهمَّ هوَ سيفٌ منْ سيوفكَ، فانصرهُ، أو فانتصرْ بهِ)).
فیومئذٍ سمّيَ خالدٌ سیفَ الله.
ثُمَّ قالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((انفروا فأمدّوا إخوانكمْ، ولا يتخلّفنَّ أحدٌ))، فنفرَ النّاسُ في حرِّ شدیدٍ
مشاةً، وركباناً(١).
ومن النابغين في الشجاعةِ، والجرأةِ على القتال: معاذُ بنُّ عمرو بنِ الجموحِ، ومعاذُ بنُ
عفراءَ.
عنْ عبدِ الرّحمنِ بنِ عوفٍ قالَ: بينا أنا واقفٌ في الصّفِّ يومَ بدرٍ، فنظرتُ عنْ يميني،
وعنْ شمالي، فإذا أنا بغلامينِ منَ الأنصارِ حديثةٍ أسنانهما، تمنّيتُ أنْ أكونَ بينَ أضلعَ منهما(٢)
(١) رواه أحمد [٢٢٠٤٥]، وحسّنه الألباني في أحكام الجنائز [١/ ٣٣].
(٢) أي: أقوى.

٤٥٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فغمزني أحدهما، فقالَ: يا عمِّ هلْ تعرفُ أبا جهلٍ؟.
قلتُ: نعمْ، ما حاجتكَ إليهِ يا ابنَ أخي.
قالَ: أخبرتُ أنّهُ يسبُّ رسولَ الله ◌َّهِ، والذي نفسي بيدهِ لئنْ رأيتهُ لا يفارقُ سوادي
سوادهُ حتّى يموتَ الأعجلُ منّا.
فتعجّبتُ لذلكَ.
فغمزني الآخرُ، فقالَ لي مثلها.
فلمْ أنشبْ أنْ نظرتُ إلى أبي جهلِ يجولُ في النّاسِ، قلتُ: ألا إنَّ هذا صاحبكما الّذي
سألتماني.
فابتدراهُ بسیفیهما، فضرباهُ حتّی قتلاهُ.
ثمَّ انصرفا إلى رسولِ الله ◌ِّهِ، فأخبراهُ.
فقالَ: ((أيّكما قتلهُ؟)).
قالَ كلُّ واحدٍ منهما: أنا قتلتهُ.
فقالَ: ((هلْ مسحتما سيفيكما؟)).
قالا: لا.
فنظرَ في السّيفينِ، فقالَ: ((كلاكما قتلهُ، سلبهُ لمعاذِ بنِ عمرو بنِ الجموحِ)).
وقضى بسلبهِ لمعاذٍ بنِ عمرو بنِ الجموحِ.
والرّجلانِ: معاذُ بنُ عمرو بنِ الجموحِ، ومعاذُ بنُ عفراءَ (١).
قال ابن حجر: «اشتركَ هذانِ الرّجلانِ في جراحته، لكنَّ معاذ بن عمرو بن الجموح
ثخنهُ أوّلاً فاستحقَّ السّلب، وإنّما قالَ النّبِيّ ◌َِّ: ((كلاكما قتلهُ))؛ تطبيباً لقلبِ الآخرِ منْ
(١) رواه البخاري [٣١٤١]، ومسلم [١٧٥٢].

٤٥٧
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
حيثُ إنَّ لهُ مشاركة في قتله، وإلّا فالقتل الشّرعيُّ الّذي يتعلّق بهِ استحقاق السّلب، وهوَ
الإثخان، وإخراجه عنْ كونه متمنّعاً إنّما وجدَ منْ معاذ بن عمرو بن الجموح؛ فلهذا قضى
لهُ بالسّلبِ.
ونظرهُ مَِّ فِي السّيفينِ واستلالهُ لهما هوَ ليرى ما بلغَ الدّمُ منْ سيفيهما، ومقدارَ عمقِ
دخولهما في جسمِ المقتولِ؛ ليحكمَ بالسّلبِ لمنْ كانَ في ذلكَ أبلغُ.
ولذلكَ سألهما أوّلاً: «هلْ مسحتما سيفيكما؟»؛ لأنّهما لوْ مسحاهما لما تبيّنَ المرادُ منْ ذلكَ.
وقد جاء أن ابن مسعود رَّ عَنهُ هوَ الّذي أجهزَ علیهِ، وأخذَ رأسه، ولهُ معهُ خبر
معروف))(١).
قال النووي: ((يحمل على أنَّ الثّلاثةَ اشتركوا في قتله، وكانَ الإثخان منْ معاذ بن عمرو
بن الجموح، وجاءَ ابنُ مسعود بعد ذلكَ، وفيهِ رمٌ، فحزَّ رقبته.
وفي هذا الحديث من الفوائد:
أنّهُ ينبغي أنْ لا يحتقرَ أحدٌّ، فقدْ يكون بعضُ منْ يستصغرُ عنِ القيام بأمرٍ أكبرَ مّا في
النّفوس، وأحقَّ بذلكَ الأمرِ كما جرى لهذينِ الغلامينِ)) (٢).
(١) فتح الباري [٢٤٨/٦].
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٢/ ٦٣].

٤٥٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
العقلُ فاعلمْ زينةُ الفتيانِ
كمْ منْ صغيرِ ذي مواهبَ جمّةٍ
يحتاجُ مكتشفاً، ومهتمّاً بهِ
إِنَّ النّبيَّ لهُ مزيدُ عنايةٍ
لمّا رأى عقلاً، وحسنَ تصرّفٍ
فبهِ أشادَ مشجّعاً، ومؤيّداً
كمْ ذا يخصّهمُ بعلمِ زائدٍ
بلْ كانَ يردفهمْ بكلِّ تواضعِ
ومنشّطٌ أذهانهمْ بسؤالهِ
ومشجّعٌ لهمُ بحسنِ ثنائِهِ
هذي مهاراتُ الصّغارِ تنوّعتْ
راعى تنوّعها النّبيُّ موظّفاً
والفهمُ للعقلاءِ كالتّيجانِ
فتفوُ منهُ كأجملِ الرّيحَانِ
النّسیانِ
كيلا يضيعَ بعالمِ
بالّابغينَ، وأبرزِ
الصّبیانِ
ما كانَ ذا ليمرَّ دونَ بیانِ
ليقابلَ الإحسانَ بالإحسانِ
ودعائهِ بالفهمِ في القرآنِ
فلينعموا منهُ بقربِ مكانٍ
إِنَّ السّؤالَ منشّطُ الأذهانِ
إِنَّ الثّناءَ يلُّ في الآذانِ
كتنوّعِ الثّمراتِ في البستانِ
فيما يفيدُ مهارةَ الفتيانِ

٤٥٩
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
تعامل النبي وَ اللّة مع المتخاصمين
كيف كان يقضي بينهم؟
لا يخلو مجتمعٌ مھما کان صلاحُ أفراده، ومهما كان حرصه على الخيرِ، من الاختلافِ على
أعراضِ الحياةِ الدنيا، أو التباينِ في حظوظِ النفسِ، أو الزللِ باتّباع بعض نزغاتِ الشياطين؛
مما يؤدّي إلى شيءٍ منَ الخصوماتِ والتحاكم.
وقد كانَ في المجتمعِ المسلمِ ما لا بدَّ منه في كلِّ مجتمعٍ بشريٍّ من الاختصامِ بين بعضٍ
أفراده.
و کان النبيُّ ګ یقضی بین المتخاصمين بما یعید الحقَّ إلی صاحبه، و کان ێ يصلح بين
المتخاصمينَ، ويذكّرهم بالله تعالى، ويحذّرهم من أن يقتطعَ أحدهم من حقَّ أخيه شيئا،
أو يتمادى في باطلٍ، ويعلّمهم أن لا ينسوا الفضلَ بينهم، وكان يبغّض إلى أنفسهم دعوى
الجاهلية وعصبيّتها المنتنة، فربّى المجتمع المسلم على كل صفاتِ الخيرِ.
وكان تعاملُ النبي ◌َّ مع المتخاصمين إليه تعاملاً حكيما عادلا ينهي الخلافَ، ويقطعه،
وسنقفُ على شيءٍ من هذه المواقفِ، والله المستعان.
كان ◌َّه يسعى أوّلاً للصّلح بين المتخاصمين، ولو بالحطِّ من بعض الحقِّ:
عنْ كعبِ بنِ مالكِ رََّتهُ: أنّهُ تقاضى ابنَ أبي حدردٍ ديناً كانَ لهُ عليهِ في المسجدِ،
فارتفعتْ أصواتهما حتّى سمعها رسولُ الله ◌َّ﴾ وهوَ في بیتِهِ.
فخرجَ إليهما حتّى كشفَ سجفَ(١) حجرتهِ، فنادى: ((یا کعبُ)).
(١) السّجفُ: السّتر. النهاية [٣٤٣/٢]