Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعنْ عائشةَ رَّهَا أَنَّ النّبِيَّ ◌َ كَانَ يعوّذُ بعضَ أهلِهِ، يمسحُ بيدِهِ اليمنى، ويقولُ: ((اللهمَّ ربَّ النّاسِ، أذهبِ الباسَ، اشفهِ وأنتَ الشّافي، لا شفاءَ إلّا شفاؤك، شفاءً لا يغادرُ سقمًا) (١). وعن محمّدٍ بِنِ حاطبٍ رَهُعَنْهُ قال: انصبّتْ على يدي مرقةٌ، فأحرقتها، فذهبتْ بي أمّي إلى رسولِ اللهِوَّه فأتيناهُ وهوَ في الرّحبةِ، فأحفظُ أنّهُ قالَ: ((أذهبِ الباسَ ربَّ النّاسِ)). وأكثرُ علمي أنّهُ قالَ: ((أنتَ الشّافي لا شافيَ إلّا أنتَ))(٢). فمنْ ذا لا يرى يوماً مصابا كما الأرزاقِ وزّعتِ البلايا ومنهمْ صابرٌ يرجو الثّوابا منَ الأحزانِ تلتهبُ التهابا إذا کربوا اصطباراً واحتسابا فدعْ عنكَ العبوسَ والاكتئابا يلاقيَ حينَ غفلتِهِ العذابا فكيفَ تظنُّ ما فاقَ الحسابا؟ إذا دخلوا على الأبرارِ بابا كريماً حينَ يلقونَ المصابا على القدرِ الّذي يمضي كتابا فدعْ عنكَ التّبرّمَ والعتابا فطولُ العمرِ فرصةُ منْ أنابا لهُمْ، ويذكّرُ القومَ الثّوابا إذا ما أحسنوا فيهِ الجوابا فمنهمْ جازعٌ يشكو الرّزايا تجرّعها، ولكنَّ الحشايا لقدْ وصّى النّبيُّ ذوي البلايا يبيّنُ ما محتهُ منَ الخطايا وكمْ مستدرجٍ بالخيرِ حتّى وأجرُ الصّابرينَ بلا حسابٍ تحيّيهمْ ملائكةٌ كرامٌ يعلّمهمْ رسولُ الله قولاً بغيرِ تسخّطٍ، وبلا اعتراضٍ ومنْ يعتبْ على الأقدارِ يحرمْ وينهى عنْ تمنّي الموتِ سخطاً جراحَ القومِ يأسوها، ويدعو ويخلفُ ربّنا خيراً عليهمْ (١) رواه البخاري [٥٧٤٣]، ومسلم [٢١٩١]. (٢) رواه ابن حبان [٢٩٧٦] وصححه الألباني في تحقيق موارد الظمآن [١١٨٦]. ٣٠١ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة تعامله ولاء مع الفقراء الفقرُ في الشريعةِ الإسلاميّةِ يعني: النقصَ في الاحتياجاتِ الأساسيّةِ؛ فكل من ليسَ له كفايةٌ تكفيه، وتكفي عياله فهو من الفقراء والمساكين(١). وكان ◌َّه يجعل ما يزيدُ عن حاجته، وحاجةٍ أهله من النفقة للفقراء والمساكين: قال عمرُ بنُ الخطّابِ رَ عَنْهُ: (( كانَ رسولُ الله ◌َّه ينفقُ منْ مالِهِ على أهلِهِ، ویتصدّقُ بفضلهِ))(٢). ولما فتح خيبر، وأخذ نصيبه منها وهو الخمسُ؛ فعلَ به ذلك أيضاً، قال عمرُ: ((وأمّا خيبرُ فجزّأها رسولُ الله ◌َّ ثلاثةَ أجزاءٍ: جزأينٍ بينَ المسلمينَ، وجزءاً نفقةً لأهلِهِ، فما فضلَ عنْ نفقةِ أهلِهِ جعلهُ بينَ فقراءِ المهاجرينَ)(٣). وقد قال ◌َّ: ((كلُّ مالِ النّبيِّ صدقةٌ إلاّ ما أطعمهُ أهلهُ وكساهمْ، إنّا لا نورثُ))(٤). وكان ◌َلّ يتأثّر إذا رأى الحاجة في وجوه بعض أصحابه أو هيئتهم: عنْ جرير بن عبد الله ◌َّ عَنْهُ قالَ: كنّا عندَ رسولِ اللهِ وَّ في صدرِ النّهارِ، فجاءهُ قومٌ حفاةٌ عراةٌ مجتابي النّارِ، أوِ العباءِ (٥) متقلّدي السّيوفِ، عامّتهمْ منْ مضَر، بلْ كلّهمْ منْ مضرَ، فتمعّرَ (٦) وجهُ رسولِ اللهِوَّ؛ لما رأى بهمْ منَ الفاقِةِ، فدخلَ، ثمَّ خرجَ، فأمرَ بلالًا، (١) مجموع الفتاوى)) [٥٧٠/٢٨]. (٢) رواه أبو داود [٢٩٧٥] وأصله في البخاري [٢٩٠٤]، ومسلم [١٧٥٧]. (٣) رواه أبو داود [٢٥٧٧]، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود [٢٩٦٧]. (٤) رواه البخاري [٢٩٠٤]، ومسلم [١٧٥٧]، وأبو داود [٢٩٧٥]، واللفظ له. (٥) النّمار: جمع نمرة، وهي ثياب مخططة كالنمر، واجتابوها: أي: قوّروها من الوسط. النهاية [٣١٠/١]، [١١٨/٥]. (٦) أي: تغيرّ. النهاية [٣٤٢/٤] ٣٠٢ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأذّنَ، وأقامَ، فصلّى، ثمَّ خطبَ، فقالَ: ﴿يَتُهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ ﴿ إِنَّ اللَّ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، والآيةَ الّتي في الحشرِ: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨]، «تصدّقَ رجلٌ منْ دينارِهِ، منْ درهمِهِ، منْ ثوبهِ، منْ صاعٍ بِّهِ، منْ صاعٍ تمرهٍ)). حتّى قالَ: ((ولوْ بشقِّ تمرةٍ)). قالَ: فجاءَ رجلٌ منْ الأنصارِ بصرّةٍ كادتْ كفّهُ تعجزُ عنها، بلْ قدْ عجزتْ. قالَ: ثمَّ تتابعَ النّاسُ حتّى رأيتُ كومينٍ منْ طعامٍ وثيابٍ حتّى رأيتُ وجهَ رسولِ الله وَله يتهلّلُ (١) كأنّهُ مذهبٌ، فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((منْ سنَّ في الإسلام سنّةً حسنةً؛ فلهُ أجرها، وأجرُ منْ عملَ بها بعدهُ منْ غيرِ أنْ ينقصَ منْ أجورهمْ شيءٌ، ومنْ سنَّ في الإسلامِ سنّةً سيّئَةً؛ كانَ عليهِ وزرها، ووزرُ منْ عملَ بها منْ بعدهِ منْ غيرِ أنْ ينقصَ منْ أوزارهمْ شيءٌ)(٢). قال النووي: ((أمّا سبب سرورهٍوَّ ففرحاً بمبادرةِ المسلمينَ إلى طاعة الله تعالى، وبذلِ أموالهمْ لله، وامتثالِ أمرِ رسولِ الله ◌ََّ، ولدفع حاجةِ هؤلاءِ المحتاجينَ، وشفقةِ المسلمينَ بعضهمْ على بعضٍ، وتعاونهمْ على البرِّ والتّقوى. وينبغي للإنسانِ إذا رأى شيئاً منْ هذا القبيلِ أنْ يفرحَ، ويظهرَ سرورهُ، ویکون فرحهُ لما ذكرناهُ))(٣). من فوائد الحديث: فيهِ: الحثَّ على الابتداء بالخيراتِ، وسنِّ السّننِ الحسناتِ. وفيهِ: التّحذيرُ منِ اختراعِ الأباطيل والمستقبحاتِ (٤). (١) أي: يستنير فرحاً. (٢) رواه مسلم [١٠١٧]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٧/ ١٠٣]. (٤) شرح النووي على مسلم [٧ / ١٠٤]. ٣٠٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَّهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة والسّنّة الحسنة على نوعين: الأوّل: أن تكونَ السّنّةُ مشروعةً، ثم يتركُ العملَ بها، ثم يجدّدها منْ يجدّدها، مثل قيام رمضانَ بإمام. والثاني: أن يكونَ الإنسانُ أوّلَ من يبادرُ إلى فعل ما جاء به الشّرعُ، مثل حال الرجلِ الذي بادرَ بالصدقة حتى تتابعَ الناسُ، ووافقوه على ما فعل(١). وكان يقدّرُ ما فيهم من الحاجة والفقر؛ فيكرمهم ويواسيهم: عن أبي هريرةَ رَّهُ أنه قال: ((والله الّذي لا إلهَ إلّ هوَ إنْ كنتُ لأعتمدُ بكبدي على الأرضِ منَ الجوعِ، وإنْ كنتُ لأشدُّ الحجرَ على بطني منَ الجوعِ)) (٢). وفي رواية للبخاري (٧٣٣٤): «لقدْ رأيتني، وإنّ لأخرّ ما بين المنبر والحجرة من الجوع مغشياً عليَّ، فيجيءُ الجائي، فيضع رجله على عنقي يرى أنَّ بي الجنونَ، وما بي إلّا الجوعُ)). ولقدْ قعدتُ يوماً على طريقهمْ الّذي يخرجونَ منهُ، فمرَّ أبو بكرٍ ، فسألتهُ عنْ آيَةٍ منْ كتابِ الله ما سألتهُ إلّا ليشبعني، فمرَّ ولم يفعل. ثمَّ مرَّبي عمرُ، فسألتهُ عنْ آيَةٍ منْ كتابِ الله، ما سألتُهُ إلّا ليشبعني، فمرَّ فلمْ يفعلْ، ودخلَ دارهُ(٣). فمشيتُ غيرَ بعيدٍ، فخررتُ لوجهي منَ الجهدِ والجوعِ، فإذا رسولُ اللهَوَّل قائمٌ على رأسي، فتبسّمَ حينَ رآني، فأخذَ بيدي، فأقامني، وعرفَ ما في نفسي، وما في وجهي. ثمَّ قالَ: ((يا أبا هرِّ)). (١) شرح رياض الصالحين [١ / ١٩٩] لابن عثيمين بتصّرف. (٢) قالَ العلماء: فائدة شدّ الحجر المساعدة على الاعتدال والانتصاب، أوْ المنع منْ كثرة التّحّل منَ الغذاء الّذي في البطن لكونِ الحجر بقدرِ البطن، فيكون الضّعف أقلّ، أوْ لتقليلِ حرارة الجوع ببردِ الحجر. فتح الباري [١١/ ٢٨٤]. (٣) ولعلَّ العذر لكلِّ منْ أبي بكر وعمر حمل سؤال أبي هريرة على ظاهره، أوْ فهما ما أرادهُ، ولكنْ لم يكنْ عندهما إذْ ذاكَ ما يطعمانِهِ. ٣٠٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلتُ: لبّكَ يا رسولَ الله. قالَ: ((الحقْ)). ومضى، فتبعتهُ، فدخلَ منزلهُ، فاستأذنتُ، فأذنَ لي، فوجدَ قدحاً منْ لبنٍ، فقالَ: ((منْ أينَ هذا اللّبنُ؟)). قالوا: أهداهُ لكَ فلانٌ، أَوْ فلانةُ. قالَ: ((أبا هرِّ)». قلتُ: لبِّكَ يا رسولَ الله. قالَ: ((الحقْ إلى أهلِ الصّفّةِ(١) فادعهمْ لي)). قالَ: وأهلُ الصّفّةِ أضيافُ الإسلامِ، لا يأوونَ إلى أهلِ ولا مالٍ، ولا على أحدٍ، إذا أتتهُ صدقةٌ بعثَ بها إليهمْ، ولمْ يتناولْ منها شيئاً، وإذا أتتهُ هديّةٌ أرسلَ إليهمْ، وأصابَ منها، وأشركهمْ فيها. فساءني ذلكَ، فقلتُ: وما هذا اللّنُ في أهلِ الصّفّةِ !! كنتُ أحقَّ أنا أنْ أصيبَ منْ هذا الّنِ شربةً أتقوّی بها. وأنا رسولهُ إليهمْ، فسيأمرني أنْ أديرهُ عليهمْ، فما عسى أنْ يصيبني منهُ، وقدْ كنتُ أرجو أنْ أصیبَ منهُ ما یغنیني! ولمْ يكنْ منْ طاعةِ الله وطاعةِ رسولِهِ مَ ﴾ بدٌّ، فأتیتھمْ، فدعوتهمْ. فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذنَ لهمْ، وأخذوا مجالسهمْ منَ البيتِ. قالَ: ((يا أبا هرِّ)). قلتُ: لبّكَ يا رسولَ الله. (١) الصّفّة: مكان في مؤخّر المسجد النّبويّ مظلّل، أعدّ لنزولِ الغرباء فيهِ تّمنْ لا مأوى لهُ ولا أهل، وكانوا يكثرونَ فيهِ ويقلّونَ بحسبٍ منْ يتزوّج منهمْ أوْ يموت أوْ يسافر. فتح الباري [٦/ ٥٩٥]. ٣٠٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لّ عَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة قالَ: ((خذْ، فأعطهمْ)). قالَ: فأخذتُ القدحَ، فجعلتُ أعطيهِ الرّجلَ، فيشربُ حتّى يروى، ثمَّ يردُّ عليَّ القدحَ، فأعطيهِ الرّجلَ، فيشربُ حتّى يروى، ثمَّ يردُّ عليَّ القدحَ، فيشربُ حتّى يروى، ثمَّ يردُّ عليّ القدحَ، حتّى انتهيتُ إلى النّبِّ وَِّ، وقَدْ رويَ القومُ كلّهمْ. فأخذَ القدحَ، فوضعهُ على يدِهِ، فنظرَ إليَّ، فتبسّمَ، فقالَ: ((أبا هرِّ)). قلتُ: لبِّكَ یا رسولَ الله. قالَ: ((بقيتُ أنا، وأنتَ)). قلتُ: صدقتَ يا رسولَ الله. قالَ: ((اقعدْ، فاشربْ)). فقعدتُ، فشربتُ. فقالَ: ((اشربْ)). فشربتُ، فما زالَ يقولُ: ((اشربْ)) حتّى قلتُ: لا، والّذي بعثكَ بالحقِّ ما أجدُ لهُ مسلكاً. قالَ: ((فأرني)». فأعطيتهُ القدحَ، فحمدَ الله، وسمّى، وشربَ الفضلةَ. قالَ: فلقيتُ عمرَ، وذكرتُ لهُ الّذي كانَ منْ أمري، وقلتُ لهُ: فولّى الله ذلكَ منْ كانَ أحقَّ بهِ منكَ يا عمرُ، والله لقدْ استقرأتكَ الآيَةَ ولأنا أقرأُ لها منكَ. قالَ عمرُ: والله لأنْ أكونَ أدخلتكَ أحبُّ إليَّ منْ أنْ يكونَ لي مثلُ حمرِ النّعمِ (١). فكان النبيُّ وَّ يفطنُ للفقيرِ، وينتبهُ لأماراتِ الجوعِ الباديةِ عليه؛ فيواسي بما يستطيع. (١) رواه البخاري [٥٣٧٥]، [٦٤٥٢] والترمذي [٢٤٧٧]. ٣٠٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فوائد الحدیث: فيه: أنَّ خادم القوم إذا دار عليهمْ بما يشربونَ يتناول الإناءَ منْ كلِّ واحدٍ، فيدفعهُ هوَ إلى الّذي يليه، ولا يدعُ الرّجل يناول رفيقه؛ لما في ذلكَ منْ نوع امتهان الضّيف. وفيهِ: معجزةٌ عظيمةٌ، ولها نظائرُ في علامات النّبوّةِ منْ تكثير الطّعامِ، والشّرابِ بیر کتە چلڑ. وفيهِ: جوازُ الشّبع، ولوْ بلغَ أقصى غايته أخذاً منْ قول أبي هريرة ((لا أجد لهُ مسلكاً ((، وتقريرِ النّبيّ ◌َّ على ذلكَ. لكن لا يتّخذُّ الشّبعَ عادةً؛ لما يترتّبُ على ذلكَ منَ الكسل عنِ العبادةِ، وغيرها. وفيهِ: أنَّ كتمانَ الحاجةِ، والتّلويحَ بها أولى منْ إظهارها، والتّصريحِ بها. وفيهِ: كرمُ النّبِيِّ وَّةِ، وإيثاره على نفسه، وأهله، وخادمه. وفيهِ: ما كانَ بعضُ الصّحابة عليهِ في زمنِ النّبِّ وَِّ مِنْ ضيق الحال. وفيهِ: فضلُ أبي هريرة، وتعفّفه عنِ التّصريحِ بالسّؤالِ، واكتفاؤهُ بالإشارةِ إلى ذلكَ، وتقديمه طاعةَ النّبيِّ ◌َّ على حظّ نفسه، معَ شدّة احتياجه. وفيهِ: أنَّ المدعوَّ إذا وصلَ إلى دار الدّاعي لا يدخل بغيرِ استئذان(١). وعن أبي هريرةَ رَهُ قال: أتتْ عليَّ ثلاثةُ أيّامٍ لمْ أطعمْ فيها طعاماً، فجئتُ أريدُ الصّفّةَ، فجعلتُ أسقطُ، فجعلَ الصّبيانُ ينادونَ: جنَّ أبو هريرةَ. قالَ: فجعلتُ أناديهمْ، وأقولُ: بلْ أنتمُ المجانينُ حتّى انتهينا إلى الصّفّةِ. فوافقتُ رسولَ الله ◌َّهِ أَتِيَ بقصعةٍ منْ ثريدٍ، فدعا عليها أهلَ الصّفّةِ، وهمْ يأكلونَ منها، فجعلتُ أتطاولُ كِيْ يدعوني، حتّى قامَ القومُ، وليسَ في القصعةِ إلّا شيءٌ في نواحي القصعةِ، فجمعهُ رسولُ الله ◌َّهِ، فصارتْ لقمةً، فوضعها على أصابعِهِ، ثمَّ قالَ لي: ((كلْ باسمِ اللهِ)). (١) ينظر: فتح الباري [٢٨٩/١١]. ٣٠٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة فوالّذي نفسي بيدهِ ما زلتُ آكلُ منها حتّى شبعتُ (١). وقد أشار أبو هريرة في هذه القصة إلى عادة النبي ◌َّ- مع فقراء الصحابة بقوله: ((إذا أنتُهُ صدقةٌ بعثَ بها إليهمْ ولمْ يتناولْ منها شيئاً، وإذا أتتُهُ هديّةٌ أرسَل إليهمْ وأصابَ منها، وأشركهمْ فيها». وفي قصة إسلام الفارسي رَنهُ قال سلمانُ: قَدْ كانَ عندي شيءٌ قَدْ جمعتهُ، فلما أمسیتُ أخذتهُ، ثمَّ ذهبتُ إلى رسولِ اللهِوَلَه وهوَ بقباءَ، فدخلتُ عليهِ، فقلتُ لهُ: إنّهُ قدْ بلغني أنّكَ رجلٌ صالحٌ، ومعكَ أصحابٌ لكَ غرباءُ ذوو حاجةٍ، وهذا شيءٌ كانَ عندي للصّدقةِ، فرأيتكمْ أحقَّ بِهِ منْ غیرکمْ. قالَ: فقرّبتهُ إليهِ. فقالَ رسولُ اللهِ وَّه لأصحابهِ: ((كلوا))، وأمسكَ يدهُ، فلمْ يأكل. قالَ: فقلتُ في نفسي: هذهِ واحدٌ. ثمَّ انصرفتُّ عنهُ، فجمعتُ شيئاً، وتحوّلَ رسولُ اللهِ وَّه إلى المدينةِ، ثمَّ جئتُ بهِ، فقلتُ: إنّي رأيتكَ لا تأكلُ الصّدقةَ، وهذهِ هديّةٌ أكرمتكَ بها. قالَ: فأكلَ رسولُ اللهِ وَّهِ منها، وأمرَ أصحابهُ، فأكلوا معهُ. قالَ: فقلتُ في نفسي: هاتانِ اثنتانِ ... الحديث(٢). وكذلك كان النبيُّ نَّه يقسّمُ هؤلاءِ الفقراءَ بين أصحابه؛ ليطعموهم: عن ابن سيرينَ قال: كان رسولُ الله ◌َّه إذا أمسى قسمَ ناساً منْ أهلِ الصّفّةِ بينَ أناسٍ منْ أصحابهِ، فكانَ الرّجلُ يذهبُ بالرّجلِ، والرّجلُ بالرّجلينِ، والرّجلُ بالثّلاثةِ، حتّى ذكرَ عشرةً(٣). (١) رواه ابن حبان [٦٥٣٣]، وضعّفه الألباني في التعليقات الحسان [٦٤٩٩]. (٢) رواه أحمد [٢٣٢٢٥]، وحسنه الألباني في الصحيحة [٨٩٤]. (٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف [٢٧١٥٤]. ٣٠٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال الحسن: وما بقى منهم أدخلهم رسولُ الله ◌َلّله بيته، فأطعمهم ما كان عنده(١). عنْ يعيشَ بنِ طخفةَ الغفاريِّ قالَ: كانَ أبي منْ أصحابِ الصّفّةِ، فأمرَ رسولُ الله ◌َِه بهمْ، فجعلَ ينقلبُ الرّجلُ بالرّجلِ والرّجلينِ، حتّى بقيتُ خامسَ خمسةٍ. فقالَ رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((انطلقوا)). فانطلقنا معهُ إلى بيتِ عائشةَ، فقالَ: ((يا عائشةُ، أطعمينا)). فجاءتْ بحشيشةٍ(٢) فأكلنا، ثمَّ جاءتْ بحيسةِ(٣) مثلِ القطاِ(٤) فأكلنا. ثمَّ قالَ: ((يا عائشةُ اسقينا». فجاءتْ بعسٍّ (٥)، فشربنا، ثمَّ جاءتْ بقدحٍ صغيرٍ فيهِ لبنٌّ، فشربنا. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنْ شئتمْ بِتّمْ، وإنْ شئتمْ انطلقتمْ إلى المسجد)). فقلنا: لا، بلْ ننطلقُ إلى المسجدِ(٦). ويحثُّ أصحابه على ذلك: عنْ عبدِ الرّحمنِ بنِ أبي بكرٍ: أنَّ أصحابَ الصّفّةِ كانوا ناساً فقراءَ، وإنَّ رسولَ الله ◌َه قالَ مرّةً: ((منْ كانَ عندهُ طعامُ اثنينٍ؛ فليذهبْ بثالثٍ، ومنْ كانَ عندهُ طعامُ أربعةٍ؛ فليذهبْ بخامسٍ». وانطلقَ نبِيُّ الله ◌َّ بعشرةٍ(٧)، وأبو بكرٍ بثلاثةٍ، قالَ: فهوَ، وأنا، وأبي، وأمّي، وامرأتي، وخادٌ بينَ بیتنا وبیتِ أبي بكرٍ. (١) رواه البيهقي في شعب الإيمان [١٠٣٣٣]. (٢) هوَ طعام يصنع منْ حنطة قدْ طحنتْ بعض الطّحن وطبختْ، وتلقى فيهِ لحم أوْ تمر. (٣) طعام يتّخذ منْ تمر وسويق وأقط وسمن. (٤) طائر معروف، وكأنّهُ شبّهَ به في القلّة (٥) قدح ضخم. (٦) رواه أبو داود [٥٠٤٠]، وابن ماجة [٧٥٢] وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب [١٨٠١]. (٧) هذا مبينّ لما كانَ عليهِ النّبيّ ◌َ﴿ مِنَ الأخذ بأفضل الأمور، والسّبق إلى السّخاء والجود، فإنَّ عيال النّبيّ ◌َّ كانوا قريباً منْ عدد ضيفانه هذهِ اللّيلة، فأتى بنصفِ طعامه أوْ نحوه. شرح النووي [٨/١٤]. ٣٠٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُ عليهِوسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وكانَ أبي يتحدّثُ إلى رسولِ اللهِوَ﴿ مِنَ اللّيلِ، فانطلقَ، وقالَ: يا عبدَ الرّحمنِ افرغْ مِنْ أضيافكَ قبل أنْ أجيءَ. قالَ: فلما أمسیتُ جئنا بقراهمْ. فأبوا، فقالوا: حتّى يجيءَ أبو منزلنا، فيطعمَ معنا. فقلتُ لهمْ: إنّهُ رجلٌ حديدٌ، وإنّكمْ إنْ لمْ تفعلوا خفتُ أنْ يصيبني منهُ أذَّى. قالَ: فأبوا. قالَ عبد الرّحمن: وإنَّ أبا بكرٍ تعشّى عندَ النّبِّ وَِّ، ثمَّ لبثَ حتّى صلّتِ العشاءُ، ثمَّ رجعَ، فلبثَ حتّى نعسَ رسولُ الله ◌َّةٍ. فجاءَ بعدما مضى منَ اللّيلِ ما شاءَ الله. قالتْ لهُ امرأتهُ: ما حبسكَ عنْ أضيافكَ؟ قالَ: أوَ ما عشّيتهمْ. قالتْ: أبوا حتّى تجيءَ، قَدْ عرضوا عليهمْ، فغلبوهمْ.(١) قالَ عبد الرّحمن: فذهبتُ أنا فاختبأتُ. وقالَ: يا غنثرُ(٢)، فجدّعَ وسبَّ. فقالَ: يا غنثرُ، أقسمتُ عليكَ إنْ كنتَ تسمعُ صوتي إلّا جئتَ. قالَ: فجئتُ فقلتُ: والله ما لي ذنبٌ، هؤلاءِ أضيافكَ فسلهمْ، قدْ أتيتهمْ بقراهمْ، فأبوا أنْ يطعموا حتّى تجيءَ. قالوا: صدقكَ. (١) أيْ: أنَّ آلَ أبي بكر عرضوا على الأضياف العشاء، فأبوا، فعالجوهمْ، فامتنعوا حتّى غلبوهمْ، وهذا فعلوهُ أدباً ورفقاً بأبي بكر فيما ظنّوهُ؛ لأنّهمْ ظنّوا أنّهُ لا يحصل لهُ عشاء منْ عشائهمْ. (٢) هوَ الثّقيل الوخم، وقيل: هوَ الجاهل. النهاية [٣٨٩/٣] ٣١٠ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: ما لكمْ أنْ لا تقبلوا عنّا قراكمْ، فوالله لا أطعمهُ اللّيلةَ. فقالوا: فوالله لا نطعمهُ حتّى تطعمهُ. فقالَ أبو بكرٍ: إنْ كانتْ هذهِ منَ الشّيطانِ، فدعا بالطّعامِ، فسمّى، فأكلَ، وأكلوا. قالَ عبد الرّحمن: فايمُ الله ما كنّا نأخذُ منْ لقمةٍ إلّا ربا[أيْ: زادَ] منْ أسفلها أكثرَ منها، حتّى شبعنا، وصارتْ أكثرَ ممّا كانتْ قبلَ ذلكَ. فنظرَ إليها أبو بكرٍ ، فإذا هيَ كما هيَ، أَوْ أكثُرُ. قالَ لامرأتِهِ: يا أختَ بني فراسٍ ما هذا؟ قالتْ: لا وقرّةٍ عيني لهيَ الآنَ أكثرُ منها قبلَ ذلكَ بثلاثِ مرارٍ. ثُمَّ حملها إلى رسولِ الله ◌ِّهِ، فأصبحتْ عندهُ.(١) فقالَ: يا رسولَ الله برّوا، وحنثتُ. فقالَ: ((بلْ أنتَ أبّهمْ، وأخيرهمْ)). [أيْ: لأنّك حنثت في يمينك حنثاً مندوباً إليهِ مطلوباً، فأنتَ أفضل منهمْ بهذا الاعتبار]. قالَ عبد الرّحمن: وكانَ بيننا وبينَ قوم عقدٌ فمضى الأجلُ، فعرّفنا اثنا عشر رجلاً(٢)، معَ كلِّ رجلٍ منهمْ أناسٌ الله أعلمُ كمْ معَ كلِّ رجلٍ، إلّا أنّهُ بعثَ معهمْ، فأكلوا منها أجمعونَ (٣). فالحاصل أنَّ جميع الجيش أكلوا منْ تلكَ الجفنة الّتي أرسلَ بها أبو بكر إلى النّبِيِّّ. من فوائد الحدیث: فيه: استحبابُ إيثارِ الفقراءِ بالشّبع من الطعامِ، ومواساتهم فيه؛ فلهذا أمرَ من كانَ عندهُ طعامُ اثنينِ أن يذهبَ بثالث، ومن كان عنده طعامُ أربعةٍ أن يذهبَ بخامسٍ. (١) أي: الجفنة على حالها. (٢) أيْ جعلنا عرفاء. (٣) القصة مجمعة من روايات البخاري [٦٠٢]، [٣٥٨١]، [٦١٤١] ومسلم [٢٠٧٥] وأحمد [١٧١٤]. ٣١١ الباب الثالث: تعامل النبي صَلّله عليهِوسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وفیهِ: ما يقعُ منْ لطفِ الله تعالى بأولیائِهِ. وفيهِ: فضيلةُ الإيثارِ والمواساةِ، وأنّهُ إذا حضرَ ضيفانٌ كثيرونَ فينبغي للجماعةِ أنْ يتوزّعوهمْ، ويأخذَ كلَّ واحدٍ منهمْ منْ يحتملهُ، وأنّهُ ينبغي لكبيرِ القومِ أنْ يأمر أصحابه بذلكَ، ويأخذ هوَ منْ يمكنهُ. وفيهِ: التجاءُ الفقراءِ إلى المساجدِ عندَ الاحتياج إلى المواساةِ إذا لمْ يكنْ في ذلكَ إلحاحٌ، ولا إلحافٌ، ولا تشويشٌ على المصلّينَ. وفيهِ: التّوظيفُ في المخمصةِ. وفيهِ: جوازُ الغيبة عنِ الأهل، والولدِ، والضّيفِ إذا أعدّتْ لهمُ الكفايةُ. وفيهِ: تصرّفُ المرأة فيما تقدّمُ للضّيفِ، والإطعامُ بغيرِ إذن خاصٍّ منَ الرّجل. وفيهِ: جوازُ سبِّ الوالد للولِدِ على وجه التّأديبِ، والتّمرين على أعمالِ الخيرِ، وتعاطيهِ. وفيهِ: جوازُ الحلفِ على تركِ المباحِ. وفيهِ: توكيدُ الرّجلِ الصّادق لخبرِهِ بالقسمِ. وفیهِ: جوازُ الحنثِ بعد عقد الیمینِ. وفيهِ: عرضُ الطّعامِ الّذي تظهرُ فيهِ البركةُ على الكبار، وقبولهمْ ذلكَ. وفيهِ: العملُ بالظّنِّ الغالب لأنَّ أبا بكر ظنَّ أنَّ عبد الرّحمن فرّطَ في أمر الأضياف، فبادرَ إلى سبّه، وقوّى القرينةَ عنده اختباؤهُ منهُ. وفيهِ: ما كانَ عليهِ النّبِيُّ ◌َّهِ مِنَ الأخذِ بأفضلِ الأمورِ، والسّبقِ إلى السّخاءِ، والجودِ؛ فإنَّ عيالَ النّبِّ وَ﴿ كانوا قريباً منْ عددِ ضيفانِهِ هذهِ اللّيلةَ(١). وكان وَّل يقاسمهم ما عنده من طعام: عنِ المقدادِ بنِ عمرٍو رََّنهُ، قالَ: جئت أنا، وصاحبٌ لي؛ قدْ كادتْ تذهبُ أسماعنا، (١) ينظر: فتح الباري [٦٠٠/٦] لابن حجر، فتح الباري [٤ / ١٧٥] لابن رجب، شرح النووي على صحيح مسلم [١٨/١٤]. ٣١٢ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبصارنا منَ الجوعِ، فجعلنا نتعرّضُ للنّاسِ، فلمْ يضفنا أحد، فأتينا النّبيَّ ◌َِّ، فقلنا: يا رسولَ الله! بنا جوعٌ شديدٌ؛ فتعرّضنا للنّاسِ، فلمْ يضفنا أحدٌ، فأتيناك. فذهبَ بنا إلى منزلهِ، فإذا ثلاثةُ أَعنِزِ؛ فقالَ النّبيُّ ◌َِّ: ((احتلبوا هذا اللّبنَ بيننا)). قالَ: فكنّا نحتلبُ، فيشربُ كلُّ إنسانٍ منّا نصيبهُ، ونرفعُ النّبِّ ◌َّ نصيبهُ. فيجيءُ منَ اللّيلِ، فيسلّمُ تسليماً لا يوقظُ نائماً، ويسمعُ اليقظانَ. ثُمَّ يأتي المسجدَ، فیصلّي، ثمَّ یأتي شرابهُ، فيشربُ. فأتاني الشّيطانُ ذاتَ ليلةٍ، وقدْ شربتُ نصيبي؛ فقالَ: محمّدٌ يأتي الأنصارَ، فيتحفونهُ، ويصيبُ عندهمْ، ما بهِ حاجةٌ إلى هذهِ الجرعةِ، فأتيتها، فشربتها. فلمّا أنْ وغلتْ(١) في بطني، وعلمتُ أنّهُ ليسَ إليها سبيلٌ؛ ندّمني الشّيطانُ، فقالَ: ويحكَ ما صنعتَ؟! أشربتَ شرابَ محمّدٍ، فيجيءُ، فلا يجدهُ، فيدعو عليكَ؛ فتهلكُ، فتذهبُ دنياكَ، وآخرتكَ. وعليَّ شملةٌ إذا وضعتها على قدميَّ خرجَ رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرجَ قدمايَ، وجعلَ لا يجيئني النّومُ. وأمّا صاحبايَ؛ فناما، ولَمْ يصنعا ما صنعتُ. فجاءَ النّبِيُّ ◌َّهِ؛ فسلّمَ كما كانَ يسلّمُ، ثمَّ أتى المسجدَ، فصلّى، ثمَّ أتى شرابهُ، فكشفَ عنهُ، فلمْ يجدْ فيهِ شيئاً، فرفعَ رأسهُ إلى السّماءِ. فقلتُ: الآنَ يدعو عليَّ، فأهلكُ. فقالَ: ((اللهمَّ أطعمْ منْ أطعمني، وأسقِ منْ أسقاني!)). فعمدتُ إلى الشّملةِ، فشددتها عليَّ، وأخذتُ الشّفرةَ، فانطلقتُ إلى الأعنزِ أيّها أسمنُ، (١) الوغولُ: الدّخول في الشيّء. النهاية [٢٠٩/٥]. ٣١٣ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَّهُعَلَيْهِوَسَلًَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة فأذبحها لرسولِ اللهِوٍَّ، فإذا هيَ حافلةٌ، وإذا هنَّ حقّلٌ كلّهنَّ(١)، فعمدتُ إلى إناءٍ لَآَلٍ محمّدٍ مِّ ما كانوا يطمعونَ أنْ يحتلبوا فيهِ، فحلبتُ فيهِ حتّى علتهُ رغوةٌ، فجئتُ إلى رسولِ الله گال﴾. فقالَ: ((أشربتمْ شرابكمُ اللّيلةَ؟)). قلتُ: يا رسولَ الله، اشرب، فشرب، ثمَّ ناولني. فقلتُ: يا رسولَ الله اشربْ، فشربَ، ثمَّ ناولني. فلمّا عرفتُ أنَّ النّبِيَّ وَّ قَدْ رويَ، وأصبتُ دعوتهُ، ضحكتُ حتّى ألقيتُ إلى الأرضِ. فَقالَ النّبيُّ ◌َِّ: ((إحدى سوآتَكَ يا مقدادُ)). فقلتُ: يا رسولَ الله كانَ منْ أمري كذا و كذا، وفعلتُ کذا. فَقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((ما هذهِ إلّا رحمةٌ منَ الله، أفلا كنتَ آذنتني، فنوقظَ صاحبینا، فیصیبانِ منها؟)). قالَ، فقلتُ: والذي بعثكَ بالحقِّ ما أبالي إذا أصبتها، وأصبتها معكَ منْ أصابها منَ النّاسِ(٢). وفي قصة إسلام سلمان الفارسي رَوَّه عنهُ لَّا قدّم إلى رسول الله ◌َله طعاماً على وجه الهدية، أكلَ رسولُ الله ◌َّه منها، وأمرَ أصحابهُ، فأكلوا معهُ(٣). وإذا لم يكن عنده ما يواسي به الفقيرَ أرسله إلى أحد أصحابه: عنْ أبي هريرةَ رَّهُ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله ◌َِّ، فقالَ: إنّ مجهودٌ. فأرسلَ إلى بعضٍ نسائِهِ، فقالتْ: والّذي بعثكَ بالحقِّ ما عندي إلّا ماءٌ. ثُمَّ أرسلَ إلى أخرى، فقالتْ مثلَ ذلكَ، حتّى قلنَ كلّهنَّ مثلَ ذلكَ: لا والّذي بعثكَ بالحقِّ ما عندي إلّا ماءٌ. (١) أي: اجتمع اللبن الكثير في ضرعها، وهذهِ منْ معجزات النّبوّة، وآثار بركته وَ ل. (٢) رواه مسلم [٢٠٥٥]، وقد سبق في الباب الثاني فليراجع هناك. (٣) رواه أحمد [٢٣٢٢٥]، وحسنه الألباني في الصحيحة [٨٩٤]، وقد سبق. ٣١٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((ألا رجلٌ يضيّفهُ هذهِ اللّيلةَ يرحمهُ الله؟)). فقالَ رجلٌ منَ الأنصارِ: أنا يا رسولَ الله. فانطلقَ بهِ إلى رحلِهِ، فقالَ لامرأتهِ: أكرمي ضيفَ رسولِ الله فقالتْ: ما عندنا إلّا قوتُ صبياني. فقالَ: هيّئي طعامكِ، وأصبحي سراجكِ، ونوّمي صبيانكِ إذا أرادوا عشاءً، فإذا دخلَ ضيفنا؛ فأطفئي السّراجَ، وأريهِ أنّا نأكلُ، فإذا أهوى؛ ليأكلَ فقومي إلى السّراجِ حتّى تطفئيهِ. فهيّأتْ طعامها، وأصبحتْ سراجها، ونوّمتْ صبيانها، ثمَّ قامتْ كأنّها تصلحُ سراجها، فأطفأتهُ، فجعلا يريانِهِ أنّهما يأكلانِ، فباتا طاویینٍ. فلّا أصبحَ غدا إلى رسولِ الله ◌َّ. فقالَ: ((ضحكَ الله اللّيلةَ، أوْ عجبَ منْ صنيعكما)) فأنزلَ الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩](١). ومن ذلك: عنِ ابنِ عبّاسٍ رَعَنْهَ قالَ: جاءَ نبيَّ اللهَّهرجلانِ حاجتهما واحدةٌ، فتكلّمَ أحدهما، فوجدَ نبيُّ الله وَّهِ مِنْ فيهِ إخلافاً(٢). فقالَ لهُ: ((ألا تستاكُ)). فقالَ: إنّي لأفعلُ، ولكنّي لمْ أَطعمْ طعاماً منذُ ثلاثٍ. فأمرَ بهِ رجلاً فآواهُ، وقضى لهُ حاجتهُ(٣). (١) رواه البخاري [٣٧٨٩] ومسلم [٢٠٥٤]، وقد سبق مع بعض فوائده في الباب الثاني في تعامله محلآل مع الضيوف، فليراجع هناك. (٢) من الخلوف وهو تغيرّ رائحة الفم، والخلوف يظهر عند خلو المعدة من الطعام. (٣) رواه أحمد [٢٤٠٥] وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: [١٠/ ٣٢٤] "إسناده جيد"، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند [٤ / ١٣١]. ٣١٥ الباب الثالث: تعامل النبي صَلّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة وكان ◌َّ يعايشُ أحوالهم؛ ليكون القدوةَ لهم في الصبر والتحمّل: عنْ سماكِ بنِ حربٍ قالَ: سمعتُ النّعمانَ يخطبُ قالَ: ذكرَ عمرُ ما أصابَ النّاسُ منَ الدّنيا فقالَ: «لقدْ رأيتُ رسولَ الله ◌َِّ يظُلُّ اليومَ يلتوي ما يجدُ دقلاً(١) يملأ بهِ بطنهُ!))(٢). وعنْ أبي حازمٍ قالَ: رأيتُ أبا هريرةَ يشيرُ بإصبعهِ مراراً يقولُ: والّذي نفسُ أبي هريرةَ بيدهِ ما شبعَ نبِيُّ الله ◌َّه وأهلهُ ثلاثةَ أيّامٍ تباعاً منْ خبزِ حنطةٍ حتّى فارقَ الدّنيا(٣). ولفظ البخاري: ((ما شبعَ آَلُّ محمّدٍ وَلَّ مِنْ طعامٍ ثلاثةَ أيّامِ حتّى قبضَ)). وعنْ عائشةَ رََّها أنّها قالتْ لعروةَ: ابنَ أختي إنْ كنّا لننظرُ إلى الهلالِ، ثمَّ الهلالِ، ثمَّ الهلالِ، ثلاثةَ أهلّةٍ في شهرينٍ، وما أوقدتْ في أبياتِ رسولِ اللهِوَّه نارٌ !. فقلتُ: يا خالةُ ما كانَ یعیشکمْ؟ قالتْ: الأسودانِ التّمرُ والماءُ، إلّا أنّهُ قَدْ كانَ لرسولِ اللهِوَّه جيرانٌ منَ الأنصارِ كانتْ لهمْ منائحُ، وكانوا يمنحونَ رسولَ اللهِ ﴿ مِنْ ألبانهمْ، فيسقينا(٤). وعنْ عائشةَ رََّمْعَتْهَا قالتْ: لقدْ توفَّ النّبِيُّ ◌َ﴾ وما في رقّي منْ شيءٍ يأكلهُ ذو كبدٍ إلّا شطرُ شعيرٍ في رفِّ لي، فأكلتُ منهُ حتّى طالَ عليَّ، فكلتهُ ففنيَ (٥). وعنْ عائشةَ رَتْهَا قالتْ: ما أكلَ آلُّ محمّدٍ وَّ أكلتينِ في يومٍ إلّ إحداهما تمرٌ (٦). وفي حديث جابر بن عبد الله رَّعَنْهَا قصة حفر الخندق: إنّا يومَ الخندقِ نحفرُ، فعرضتْ كديةٌ شديدةٌ، فجاءوا النّبِيَّ وَّةِ، فقالوا: هذهِ كديةٌ(٧) عرضتْ في الخندقِ. (١) الدقل: التمر الرديء. النهاية [٢٩٩/٢]. (٢) رواه مسلم [٢٩٧٨]. (٣) رواه البخاري [٥٣٧٤]، ومسلم [٢٩٧٦]، وهذا لفظه. (٤) رواه البخاري [٢٥٦٧] ومسلم [٢٩٧٢]. (٥) رواه البخاري [٣٠٩٧]، ومسلم [٢٩٧٣]. (٦) رواه البخاري [٦٤٥٥]، ومسلم [٢٩٧١]. (٧) الكدية: قطعة غليظةٌ صلبة لا تعمل فيها الفأس. النهاية [١٥٦/٤] ٣١٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: ((أنا نازلٌ))، ثمَّ قامَ وبطنهُ معصوبٌ بحجرٍ، ولبثنا ثلاثةَ أيّام لا نذوقُ ذواقاً، فأخذَ النّبِيُّ ◌َِّ المعولَ، فضربَ، فعادَ كئيباً أهيلَ ... الحديث(١). وعنْ أبي طلحةَ رَّ ◌َنهُ قالَ: شكونا إلى رسولِ اللهِوَّهِ الجوعَ، ورفعنا عنْ بطوننا عنْ حجرٍ حجرٍ، فرفعَ رسولُ الله ◌َِّ عنْ حجرينِ(٢). وكان من هديه ◌َّ في التعامل معهم: مجالستهم، والقربُ منهم، وعدمُ التكبّ عليهم. عن عثمان بن اليمانِ -وهو من أتباع التابعين - قالَ: لَّا كثرتِ المهاجرونَ بالمدينةِ، ولَمْ يكنْ لهُمْ دارٌ، ولاَ مأوى أنزلهمْ رسولُ الله ◌َّهِ المسجدَ، وسمّاهمْ: أصحابَ الصّفّةِ، فكانَ يجالسهمْ، ويأنسُ بهمْ(٣). وفي هذه المجالسةِ تسليةٌ لهم ومؤانسةٌ، وفيها امتثالٌ لأمر الله تعالى كما قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيًّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. قال السعدي: ((يأمرُ تعالى نبيّه محمداً ◌َّ - وغيره أسوته، في الأوامر والنواهي - أن يصبرَ نفسه مع المؤمنين العباد المنيبينَ ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ﴾، أي: أوّلَ النهارِ وآخره يريدون بذلك وجهَ الله، فوصفهم بالعبادةِ، والإخلاصِ فيها، ففيها الأمرُ بصحبةٍ الأخيارِ، ومجاهدةِ النفسِ على صحبتهم، ومخالطتهم، وإن كانوا فقراءَ؛ فإن في صحبتهم من الفوائدٍ ما لا يحصى. ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾، أي: لا تجاوزهم بصرك، وترفعْ عنهم نظرك. ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾، فإن هذا ضارٌّ غيرُ نافعٍ، وقاطعٌ عن المصالحِ الدينيّةِ، فإن ذلك يوجبُ تعلّقَ القلبِ بالدنيا، فتصيرُ الأفكارُ والهواجسُ فيها، وتزولُ من القلبِ الرغبةُ في الآخرةِ، فإن زينةَ الدنيا تروقُ للناظر، وتسحرُ العقلَ، فيغفلُ القلبُ عن ذكرِ الله، ويقبلُ (١) رواه البخاري [٤١٠١]، ومسلم [٢٠٣٩]. (٢) رواه الترمذي [٢٣٧١]، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي [٢٤٩٠]. (٣) سنن البيهقى [٤١٣٥]. ٣١٧ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة على اللّذّاتِ والشهواتِ، فيضيعُ وقتهُ، وينفرطُ أمره، فيخسرُ الخسارةَ الأبديّةَ، والندامةَ السرمديّةَ؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا﴾، غفل عن الله، فعاقبهُ بأن أغفله عن ذکرهِ. ﴿وَاتَّبَعَ هَوَئُ ﴾، أي: صار تبعاً لهواه، حیث ما اشتهتْ نفسه فعله، وسعى في إدراكه، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه، فهو قد اتّخذَ إلههُ هواهُ، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ. هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمِ ﴾ الآية. ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ ﴾، أي: مصالحُ دينه ودنياه ﴿قُرْطًا﴾، أي: ضائعةً معطّلةً. فهذا قد نهى الله عن طاعته؛ لأنَّ طاعته تدعو إلى الاقتداء به، ولأنه لا يدعو إلا لما هو متّصفٌ به))(١). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ ﴾. قال السعدي: ((أي: لا تطردْ عنكَ، وعن مجالستك أهلَ العبادةِ والإخلاصِ؛ رغبةً في مجالسةِ غيرهم منَ الملازمين لدعاءِ ربّهم دعاءَ العبادةِ بالذّكرِ، والصلاةِ ونحوها، ودعاءِ المسألةِ في أوّلِ النهارِ وآخره، وهم قاصدونَ بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراضِ سوى ذلك الغرضِ الجليلِ. فهؤلاء ليسوا مستحقّين للطردِ، والإعراضِ عنهم، بل مستحقّونَ لموالاتهم ومحبّتهم، وإدنائهم، وتقريبهم؛ لأنهم الصفوةُ من الخلقِ وإن كانوا فقراءَ، والأعزاءُ في الحقيقةِ وإن كانوا عند الناسِ أذلّاءَ. ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ ﴾، أي: كلَّ له حسابه، وله عمله الحسنُ، وعمله القبيحُ. ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾. وقد امتثلَ وَ لِّ هذا الأمر أشدَّ امتثالٍ، فكان إذا جالس الفقراء من المؤمنين صبر نفسه معهم، وأحسنَ معاملتهم، وألانَ لهم جانبه، وحسّنَ خلقه، وقرّبهم منه، بل كانوا هم أكثر (١) تفسير السعدي [٤٧٥/١]. ٣١٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهلِ مجلسه رَّعَنْهُ)(١). وكان سببُ نزولِ هذه الآيات أنَّ جماعةً من أشرافِ العربِ أنفوا أن يستجيبوا إلى دعوة الإسلام؛ لأن محمداً ◌َل﴿ يؤوي إليه الفقراءَ الضّعافَ، من أمثال: صهيب، وبلال، وعمار، وخبّاب، وسلمان، وابن مسعود، وأمثالهم، وعليهم جبابٌ تفوحُ منها رائحةُ العرقِ لفقرهم. ومكانتهم الاجتماعيّةُ لا تؤهّلهم لأن يجالسوا ساداتِ قريشٍ! فطلب هؤلاءِ الكبراءُ إلى رسول الله وََّ أن يطردهم عنه، فأبى. ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِنِّى أَرَنَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. فاقترحوا أن يخصّصَ لهم مجلساً، ويخصّصَ للأشرافِ مجلساً آخر، لا يكونُ فيه هؤلاءِ الفقراءُ الضّعافُ؛ كي يظلّ للسادة امتيازهم، واختصاصهم، ومهابتهم في المجتمع الجاهليّ! فهمََّّ رغبةً في إسلامهم أن يستجيبَ لهم في هذه. فجاءه أمر ربه: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. عن ابن مسعود رَعَنْهُ قال: مرَّ الملأَّ من قريشِ برسولِ الله ◌َّهِ، وعنده: صهيبٌ، وبلالٌ، وعمارٌ، وخبّابٌ، وغيرهم من ضعفاءِ المسلمينَ. فقالوا: يا محمدُ، أرضيتَ بهؤلاء من قومكَ؟ أهؤلاء الذين منَّ الله عليهم من بيننا؟ ونحن نكونُ تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عنك، فلعلّك إن طردتهم أن نتبعك. فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَطَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَاُلْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الأنعام: ٥٢](٢). وعنْ سعد بن أبي وقاص رَّعَّهُ قالَ: كنّا معَ النّبِيِّنَّه سنّةَ نفرٍ، فقالَ المشركونَ للنّبِّ وَّ: اطردْ هؤلاءِ لا يجترئونَ علينا. (١) تفسير السعدي [١/ ٢٥٧]. (٢) تفسير الطبري [١١/ ٣٧٤] ٣١٩ الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيْهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة وكنتُ أنا وابنُ مسعودٍ ورجلٌ منْ هذيلٍ، وبلالٌ ورجلانِ لستُ أسمّيهما. ﴿ وَلَا فوقعَ في نفسِ رسولِ اللهِوَّ ما شاءَ الله أنْ يقعَ، فحدّثَ نفسهُ، فأنزلَ الله عَنَّجَلّ: تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَاُلْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَدُ﴾(١). ومن تعامله ◌َ لّ معهم أنه كان يدلّم على أبواب الخير والأعمال الصالحة التي توصلهم إلى منزلة الأغنياء المنفقين: عنْ أبي هريرةَ رَ عَّهُ أَنَّ فقراءَ المهاجرينَ أتوا رسولَ الله وَّةِ، فقالوا: ذهبَ أهلُ الدّثورِ (٢) بالدّرجاتِ العلى، والنّعِيمِ المقيمِ. فقالَ: ((وما ذاكَ؟)). قالوا: يصلّونَ كما نصلّي، ويصومونَ كما نصومُ، ويتصدّقونَ ولا نتصدّقُ، ويعتقونَ ولا نعتقُ(٣). فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: «أفلا أعلّمكمْ شيئاً تدركونَ بهِ منْ سبقکمْ، وتسبقونَ بهِ منْ بعدكمْ، ولا يكونُ أحدٌ أفضلَ منكمْ إلّا مِنْ صنعَ مثلَ ما صنعتمْ؟)). قالوا: بلى يا رسولَ الله. قالَ: ((تسبّحونَ، وتكبّونَ، وتحمدونَ، دبرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثينَ مرّةً)). فرجعَ فقراءُ المهاجرينَ إلى رسولِ اللهِوَّةِ، فقالوا: سمعَ إخواننا أهلُ الأموالِ بما فعلنا، ففعلوا مثلهُ. فقالَ رسولُ الله ◌َّ: «ذلكَ فضلُ الله يؤتِهِ منْ يشاءُ))(٤). (١) رواه مسلم [٢٤١٣]. (٢) أي: الأموال الكثيرة. النهاية [٢١٤/٢] (٣) وفي رواية للبخاري: ولهمْ فضلٌ منْ أموالٍ يحجّونَ بها، ويعتمرونَ، ويجاهدونَ، ويتصدّقونَ. (٤) رواه البخاري [٨٤٣]، ومسلم [٥٩٥].