Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفيهِ: التّرغيبُ في احتمال الأذى عند بذلِ النّصيحةِ، ونشر الموعظة (١).
وكان يبيّنُّ للمصاب أجرَ المصيبة وثوابَ الاحتسابِ عليها:
عن قرّةَ بنِ إِياسٍ رَهُ قالَ: كانَ نِبِيُّ الله ◌َّهَ إذا جلسَ يجلسُ إليهِ نفرٌ منْ أصحابهِ،
وفيهمْ رجلٌ لهُ ابنٌ صغيرٌ يأتيهِ منْ خلفِ ظهرهِ، فيقعدهُ بینَ یدیهِ.
فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َّ: ((أتحبّهُ؟)).
فقالَ: يا رسولَ الله أحبّكَ الله كما أحبّهُ.
فماتَ [أي: الولد]، فامتنعَ الرّجلُ أنْ يحضرَ الحلقةَ لذكرِ ابنِهِ، فحزنَ عليهِ.
ففقدهُ النّبِيُّ ◌َِّ، فقالَ: ((مالي لا أرى فلاناً؟)).
قالوا: يا رسولَ الله بنيّهُ الّذي رأيتهُ هلكَ.
فلقيهُ النّبِيُّ ◌َّ فسألهُ عنْ بنيّهِ فأخبرهُ أنّهُ هلكَ، فعزّاهُ عليهِ، ثمَّ قالَ: ((يا فلانُ، أيُما كانَ
أحبُّ إليكَ أنْ تمتّعَ بِهِ عمركَ، أَوْ لا تأتي غداً إلى بابٍ منْ أبوابِ الجنّةِ إلّا وجدتهُ قَدْ سبقكَ
إلیهِ، يفتحهُ لكَ؟)).
قالَ: يا نبيَّ الله، بلْ يسبقني إلى بابِ الجنّةِ، فيفتحها لي لهوَ أحبُّ إليّ.
قالَ: ((فذاكَ لكَ)).
فقالَ رجلُ: يا رسولَ الله ألهُ خاصّةً أمْ لكلّنا؟
قالَ: ((بلْ لكلّكمْ)(٢).
وعنْ أبي هريرةَ رَنْهُ أَنَّ رسولَ اللهِوَلَ قالَ: يقولُ الله تعالى: ((ما لعبدي المؤمنِ عندي
جزاء إذا قبضتُ صفيّهُ منْ أهلِ الدّنيا، ثمَّ احتسبهُ إلّ الجنَّةُ))(٣).
(١) ينظر: فتح الباري [١٥٠/٣].
(٢) رواه النسائي [٢٠٨٨] وأحمد [١٥١٦٨]، وصححه الألباني في أحكام الجنائز [ص ١٦٢].
(٣) رواه البخاري [٦٢٢٤].

٢٨١
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
(صفيّه)) هوَ الحبيبُ المصافي كالولدِ، والأخ، وكلِّ منْ يحبّهُ الإنسانُ، والمرادُ بالقبضِ:
قبضُ روحه، وهوَ الموتُ.
(ثُمَّ احتسبهُ)) صبرَ على فقده راجياً الأجرَ منَ الله على ذلكَ، والاحتسابُ: طلبُ الأجرِ
منَ الله تعالى خالصاً(١).
وعن عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاصِ رَّعَنْهَا قالَ: قالَ رسولُ الله صلّى الله علیهِ:
((إنَّ الله لا يرضى لعبدهِ المؤمنِ إذا ذهبَ بصفيّهِ منْ أهلِ الأرضِ، فصبرَ واحتسبَ، وقالَ
ما أمرَ بِهِ بثوابٍ دونَ الجنّةِ))(٢).
وعنْ معاذِ بنِ جبلٍ رَّهُ عَنِ النّبِّ وَِّ قالَ: ((والّذي نفسي بيدهِ إِنَّ السّقطَ ليجرُّ أمّهُ
بسررهِ إلى الجنّةِ إذا احتسبتهُ))(٣).
و ((السّررُ)) بفتحتينٍ: هوَ ما تقطعهُ القابلةُ، وأمّا السّة فهيَ ما يبقى بعد القطع (٤).
عن شريح قال: ((إني لأصابُ بالمصيبةِ، فأحمدُ الله عليها أربعَ مرّاتٍ:
أحمده إذ لم تكنْ أعظمَ مما هي.
وأحمده إذ رزقني الصبرَ عليها.
وأحمده إذ وفّقني للاسترجاعِ؛ لما أرجو فيه من الثوابٍ.
وأحمده إذ لم يجعلها في ديني)) (٥).
ويبيّنُّ لهم أن المصائبَ تكفّرُ الخطايا:
عنْ عائشةَ رَتِهَا زوج النّبََِّّ قالتْ: قالَ رسولُ الله ◌َّ: ((ما منْ مصيبةٍ تصيبُ
المسلمَ إلّا كفّرَ الله بها عنهُ حتّى الشّوكةِ يشاكها))(٦).
(١) فتح الباري [١١/ ٢٤٢].
(٢) رواه النسائي [١٨٧١]، وحسّنه الألباني في أحكام الجنائز [ص٢٣].
(٣) رواه ابن ماجة [١٦٠٩]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [٧٠٦٤].
(٤) حاشية السندي على سنن ابن ماجه [٤٨٩/١].
(٥) رواه البيهقي في شعب الإيمان [٩٩٨٠].
(٦) رواه البخاري [٥٦٤٠]، ومسلم [٢٥٧٢].

٢٨٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وعنْ أمِّ العلاءِ رَعنها قالتْ: عادني رسولُ اللهِ وَلَه وأنا مريضة، فقالَ: ((أبشري يا أمَّ
العلاءِ، فإنَّ مرضَ المسلم يذهبُ الله بهِ خطاياهُ، كما تذهبُ النّارُ خبثَ الذّهبِ، والفضّةِ))(١).
قالَ المنذريُّ: وأمُّ العلاء هيَ عمّة حكيم ابن حزام وكانتْ منَ المبايعات (٢).
بل وأخبر أن كل مصيبة تصيب المسلم له فيها أجر وإن كانت صغيرة هيّة:
وعنْ أبي سعيد الخدريِّ رَّهُ عَنِ النّبِيِّ وَّ قالَ: «ما يصيبُ المسلمَ منْ نصبٍ، ولا
وصبٍ، ولا همٍّ ولا حزنٍ، ولا أذى ولا غمٍّ، حتّى الشّوكةِ يشاكها إلّا كفّرَ الله بها منْ
خطایاهُ))(٣).
وعنْ عبدِ الله بن مسعود رَّ ◌َنهُ قالَ: دخلتُ على رسولِ الله وَّ﴾ وهوَ يوعكُ، فمسستهُ
بيدي، فقلتُ: يا رسولَ الله إنّكَ لتوعكُ وعكاً شديداً (٤).
قالَ: ((أجلْ، إنّي أوعكُ كما يوعكُ رجلانِ منكمْ)).
قلتُ: ذلكَ أنَّ لكَ أجرينِ؟
قالَ: «أجلْ ذلكَ كذلكَ، ما منْ مسلم يصيبهُ أذَّى شوكةٌ فما فوقها إلّا كفّرَ الله بها سيّئَاتِهِ
كما تحطُّ الشّجرةُ ورقها))(٥).
وكان ◌َّ يصبّرهم على البلاء، ويعدهم إن صبروا بالجنة.
عنْ جابرِ بن عبدِ الله ◌َنْهَ أنَّ رسولَ اللهِوَلَ مَرَّ بعمّارٍ، وأهلِهِ، وهمْ يعذّبونَ، فقالَ:
((أبشروا آلَ عَّارٍ وآلَ ياسرٍ [وفي رواية: صبراً آلَ ياسٍ]؛ فإنَّ موعدكمُ الجنَّةُ))(٦).
وعن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ قال: قال لي ابنُ عبّاسٍ رَعَنْهَا: ألا أريكَ امرأةً منْ أهلِ الجنّةِ؟
(١) رواه أبو داود [٢٦٨٨]، وصحّحه الألباني في السلسلة الصحيحة [٧١٤].
(٢) الترغيب والترهيب [١٤٨/٤].
(٣) رواه البخاري [٥٦٤٢]، ومسلم [٢٥٧٣].
(٤) الوعك: ألُ الحمّى. النهاية [٥٤٥٣]].
(٥) رواه البخاري [٥٦٤٨]، ومسلم [٢٥٧١].
(٦) رواه الحاكم [٥٦٦٦]، وصححه الألباني في تخريج فقه السيرة [١٠٣].

٢٨٣
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّالَهُعليهِوسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
قلتُ: بلى.
قالَ: هذه المرأةُ أتتِ النّبِيَّ ◌َّ فقالتْ: إنّي أصرعُ، وإني أتكشّفُ، فادعُ الله لي!
فقال النّبِيُّ ◌َّ: ((إنْ شئتِ صبرتِ ولكِ الجنّةُ، وإنْ شئتِ دعوتُ الله أنْ يعافيكِ)).
فقالت: أصبرُ.
ثم قالتْ: إنّي أتكشّفُ! فادعُ الله لي أنْ لا أتكشّفَ، فدعا لها(١).
وفي الحديث أن الصّبرَ على بلايا الدّنيا يورثُ الجنّةَ(٢).
قدْ ينعمُ الله بالبلوى وإنْ عظمتْ ويبتلي الله بعضَ القومِ بالنّعِمِ
فكان يسلّ المصاب بالبشارة بالجنة والأجر العظيم:
عنْ أبي سعيد الخدريِّ رَعَنْهُ قالَ: جاءتِ امرأةٌ إلى رسولِ الله وَّةِ، فقالتْ: يا رسولَ
الله، ذهبَ الرّجالُ بحديثكَ، فاجعلْ لنا منْ نفسكَ يوماً نأتيكَ فيهِ تعلّمنا ممّا علّمكَ الله.
قالَ: ((اجتمعنَ يومَ كذا وكذا)).
فاجتمعنَ، فأتاهنَّ رسولُ اللهِوَّهِ، فعلّمهنَّ مّا علّمَهُ الله، ثمَّ قالَ: ((ما منكنَّ منِ امرأةٍ
تقدّمُ بينَ يديها منْ ولدها ثلاثةً إلّا كانوا لها حجاباً منَ النّارِ)).
فقالتِ امرأةٌ: واثنينٍ، واثنينِ، واثنينٍ؟
فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((واثنينٍ، واثنينٍ، واثنينٍ))(٣).
وعنْ أبي حسّانَ قالَ: قلتُ لأبي هريرةَ: إنّهُ قَدْ ماتَ ليَ ابنانٍ، فما أنتَ محدّثي عنْ
رسولِ اللهِ وَلِّ بحديثٍ تطيّبُ بهِ أنفسنا عنْ موتانا؟
(١) رواه البخاري [٥٦٥٢]، ومسلم [٢٥٧٦]، وقد سبق.
(٢) فتح الباري [١٠/ ١١٥].
(٣) رواه البخاري [١٠٢]، ومسلم [٢٦٣٤].

٢٨٤
تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قالَ: (نعمْ. صغارهمْ دعاميصُ(١) الجنّةِ يتلقّى أحدهمْ أباهُ، أَوْ قالَ أبويهِ، فيأخذُ بثوبِهِ،
أوْ قالَ بيدهِ، كما آخذُ أنا بصنفةِ ثوبكَ هذا(٢)، فلا يتناهى، أوْ قالَ: فلا ينتهي، حتّى يدخلهُ
الله وأباهُ الجنّةَ)) (٣).
وعنْ أبي موسى الأشعريِّ رَّعَنْهُ أَنَّ رسولُ اللهِ وَّ قال: ((إذا ماتَ ولدُ العبدِ قالَ الله
لملائكتهِ: قبضتمْ ولدَ عبدي؟ فيقولونَ: نعمْ.
فيقولُ: قبضتمْ ثمرةَ فؤادهِ؟ فيقولونَ: نعمْ، فيقولُ: ماذا قالَ عبدي؟ فيقولونَ: حمدكَ
واسترجعَ، فيقولُ الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنّةِ، وسمّوهُ بيتَ الحمدِ))(٤).
وكان يحثُّ من أصيب بمصيبة أن يتعزّى بمصبية من أعظم المصائب، وهي فقده ◌َليّ .
عَنْ عائشةَ رَنْهَا قالتْ: فتحَ رسولُ الله ◌َله باباً بينهُ، وبينَ النّاسِ، أوْ كشفَ ستراً، فإذا
النّاسُ يصلّونَ وراءَ أبي بكرٍ.
فحمدَ الله على ما رأى منْ حسنِ حالهمْ رجاءَ أنْ يخلفهُ الله فيهمْ بالّذي رآهمْ.
فقالَ: ((يا أيُّها النّاسُ، أيّما أحدٍ منَ النّاسِ أَوْ منَ المؤمنينَ أصيبَ بمصيبةٍ؛ فليتعزَّ بمصيبتِهِ
بي عنِ المصيبةِ الّتي تصيبهُ بغيري، فإنَّ أحداً منْ أمّتي لنْ يصابَ بمصيبةٍ بعدي أشدَّ عليهِ
منْ مصيبتي))(٥).
واعلمْ بأنَّ المرءَ غيرُ مخلّدٍ
اصبرْ لكِّ مصيبةٍ وتجلّدٍ
فاذكرْ مصابكَ بالنّبِيِّ محمّدٍ
فإذا ذكرتَ مصيبةً تسلو بها
وكان يعلّمهمْ ما يقولون عند نزول المصيبة:
قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصِ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ
(١) جمع دعموص، وهي دويبة تكون في مستنقع الماء. النهاية [١٢٠/٢].
(٢) أي: بطرفه
(٣) رواه مسلم [٢٦٣٥].
(٤) رواه الترمذي [١٠٢١]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٥].
(٥) رواه ابن ماجه [١٥٩٩] وصححه الألباني في صحيح الجامع [٧٨٧٩].

٢٨٥
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وَبَشِّرِ الصَّبِينَ (٥٥ ) الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ (٥٦) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
عنْ أمِّ سلمةَ رَعَنْهَا قالتْ: سمعتُ رسولَ الله ◌َ﴿ يقولُ: ((ما منْ مسلم تصيبهُ مصيبةٌ،
فيقولُ ما أمرهُ الله: إنّا لله وإنّا إليهِ راجعونَ، اللهمَّ أجرني في مصيبتي، وأخلفْ لي خيراً منها؛
إلّا أخلفَ الله لهُ خيراً منها».
قالتْ: فلّا ماتَ أبو سلمةَ، قلتُ: أيُّ المسلمينَ خيرٌ منْ أبي سلمةَ؟ أوّلُ بيتٍ هاجرَ إلى
رسولِ الله ◌َّهِ؟ ثمَّ إنّ قلتها، فأخلفَ الله لي رسولَ اللهِ وَلَ(١).
وكان ينهاهم عن الدّعاء على النفسِ عند وقوع المصيبة:
الدعاءُ على النفسِ، والأهلِ ممنوعٌ عموماً: عنْ جابرِ بنِ عبدِ الله رَّعَنْهَا قالَ: قَالَ
رسولُ الله ◌َّ: (( لا تدعوا على أنفسكمْ، ولا تدعوا على أولادكمْ، ولا تدعوا على خدمكمْ،
ولا تدعوا على أموالكمْ؛ لا توافقوا منَ الله تباركَ وتعالى ساعةً نيلٍ فيها عطاءٌ؛ فيستجيبَ
لکمْ))(٢).
ويمنع خصوصاً عند المصيبة: عنْ أمِّ سلمةَ رَتها قالتْ: دخلَ رسولُ الله ◌ِ ﴾ على أبي
سلمةَ، وقدْ شقَّ بصرهُ [أي: شخصَ]، فأغمضهُ، ثمَّ قالَ: ((إنَّ الرّوحَ إذا قبضَ تبعهُ البصرُ)).
فضحَّ ناسٌ منْ أهلهِ.
فقالَ: ((لا تدعوا على أنفسكمْ إلّا بخيرٍ؛ فإنَّ الملائكةَ يؤمّنونَ على ما تقولونَ))(٣).
ثمَّ قالَ: ((اللهمَّ اغفرْ لأبي سلمةَ، وارفعْ درجتهُ في المهديّينَ، واخلفهُ في عقبهِ في الغابرينَ،
واغفر لنا ولهُ يا ربَّ العالمينَ، وافسحْ لهُ في قبرهِ ونوّرْ لهُ فيهِ))(٤).
(١) رواه مسلم [٩١٨].
(٢) رواه مسلم [٣٠١٤].
(٣) أي: في دعائكمْ منْ خير أوْ شّر.
(٤) رواه مسلم [٩٢٠].

٢٨٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
من فوائد الحديث:
فيهِ: استحبابُ إغماضِ المّتِ، وأجمعَ المسلمونَ على ذلكَ. قالوا: والحكمة فيهِ ألّا يقبح
بمنظرهِ لوْ تركَ إغماضه.
وفيهِ: استحبابُ الدّعاءِ للميّتِ عندَ موته، ولأهلهِ، وذرّيّته بأمورِ الآخرة
والدّنيا(١).
وكان ينهى عن التسخّط والنياحة:
عن جابرَ بنَ عتيكٍ رَضَ عَنهُ: أنَّ رسولَ الله ◌َّه جاءَ يعودُ عبدَ الله بنَ ثابتٍ، فوجدهُ قدْ
غلبَ عليهِ، فصاحَ بِهِ فلمْ يجبهُ(٢).
فاسترجعَ رسولُ الله ◌َّهِ، وقالَ: ((غلبنا عليكَ يا أبا الرّبيعِ!».
فصاحَ النّسوةُ، وبکینَ.
فجعلَ جابرٌ یسکّتهنَّ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((دعهنَّ، فإذا وجبَ فلا تبكينَّ باكيةٌ))(٣)
قالوا: يا رسولَ الله وما الوجوبُ؟
قالَ: ((إذا ماتَ)).
فقالتْ ابنتهُ: والله إنْ كنتُ لأرجو أنْ تكونَ شهيداً، فإنّكَ كنتَ قدْ قضيتَ جهازكَ !!
فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ الله قدْ أوقعَ أجرهُ على قدرِ نيّتِهِ، وما تعدّونَ الشّهادةَ؟».
قالوا: القتلُ في سبيلِ الله.
فقالَ رسولُ الله ◌َّه: «الشّهداءُ سبعةٌ سوى القتلِ في سبيلِ الله: المطعونُ شهيدٌ، والغرقُ
(١) شرح النووي على صحيح مسلم [٢٢٣/٦].
(٢) يعني: أنَّ الألم والمرضَ الّذي كانَ بهِ غلبَ عليهِ حتّى منعهُ منْ مجاوبةِ النّبِّي ◌ََّ حَيَن صاحَ عليهِ
(٣) أي: بكاء مخصوصاً مما جرت به العادة.

٢٨٧
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
شهيدٌ، وصاحبُ ذاتِ الجنبِ شهيدٌ، والمبطونُ شهيدٌ، والحرقُ شهيدٌ، والّذي يموتُ تحتَ
الهدمِ شهيدٌ، والمرأةُ تموتُ بجمعٍ(١) شهيدٌ)(٢).
وقال ◌َّ: ((ليسَ منّا منْ ضربَ الخدودَ، وشقَّ الجيوبَ، ودعا بدعوى الجاهليّةِ)(٣).
عنْ أبي مالكِ الأشعريّ ◌َّهُ أَنَّ النّبِيَّ وَّه قالَ: ((أربعٌ في أمّتي منْ أمرِ الجاهليّةِ لا
يتركونهنَّ: الفخرُ في الأحسابِ، والطّعنُ في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنّجومِ، والنّاحةُ)).
وقالَ: ((النّائحةُ إذا لمْ تتبْ قبلَ موتها؛ تقامُ يومَ القيامةِ، وعليها سربالٌ منْ قطرانٍ، ودرعٌ
منْ جربٍ))(٤).
وكان ينهاهم عن التضجّر من المرض، والسبِّ والشتم:
عن جابرِ بنِ عبدِ الله ◌َنْهَا: أنَّ رسولَ اللهِوَلَه دخلَ على أمِّ السّائبِ فقالَ: «ما لكِ یا
أمَّ السّائبِ، تزفزفينَ))(٥).
قالتْ: الحمّى، لا باركَ الله فيها.
فقالَ: ((لا تسبّ الحمّى فإنّها تذهبُ خطايا بني آدمَ كما يذهبُ الكيرُ خبثَ الحديدِ))(٦).
فإن الحديدَ إذا صهرَ في النارِ؛ ذهبَ خبثه وبقيَ صافيا، كذلك الحمّى تفعلُ بالإنسان.
وعن ابنِ عبّاسٍ رَنْهَا أَنَّ النّبِيَّ ◌َِّ دخَلَ على أعرابيٍّ يعودُهُ، فقالَ لهُ: ((لا بأسَ، طهورٌ
إنْ شاءَ الله)).
قالَ: طهورٌ! كلّا، بلْ هيَ حمّى تفورُ أَوْ تثورُ، على شيخٍ كبيرٍ، تزيرهُ القبورَ!
(١) أيْ: تموت وفي بطنها ولد. النهاية [١/ ٢٩٦]
(٢) رواه مالك في الموطأ [٥٥٢]، والنسائي [١٨٤٦]، وأبو داود [٣١١١]، وصححه الألباني في أحكام الجنائز
[ص ٤٠].
(٣) رواه البخاري [١٢٩٧]، ومسلم [١٠٣] عن عبد الله بن مسعود رَضُّ عَنْهُ.
(٤) رواه مسلم [٩٣٤].
(٥) معناهُ تتحرّكَيَن حركة شديدة أيْ ترعدينَ. شرح النووي [١٦/ ١٣١].
(٦) رواه مسلم [٢٥٧٥].

٢٨٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: ((فنعمْ إذاً) (١).
وروى معمر عن زيد بن أسلم أن الأعرابي مات بعد ذلك(٢).
من فوائد الحديث:
فيهِ: أنّهُ لا نقصَ على الإمام في عيادة مريض منْ رعيّته ولوْ كانَ أعرابيّاً جافيا، ولا
على العالم في عيادة الجاهل؛ ليعلّمهُ ويذكّرهُ بما ينفعهُ، ويأمرهُ بالصِّرِ؛ لئلا يتسخّط قدر الله
فیسخط علیهِ.
وفيهِ: أنّهُ ينبغي للمريضِ أنْ يتلقّى الموعظة بالقبولِ، ويحسن جواب منْ يذكّرهُ
بذلكَ.
وفيهِ: أن السّنّة أن يخاطبَ العليلُ بما يسلّيهِ من ألمهِ بتذكيره بالكفارة لذنوبهِ، وتطهيره من
آثامه، ويذكّره بأن الله سيكفّرُ ذنوبه، ويفرّجُ عنه، فيجمعُ له الأجرَ والعافيةَ، ولا يتركهُ إلى
نزغات الشيطانِ، والسّخط، فربما جازاه الله بالتسخّط، وبسوء الظنِّ (٣).
قال ابن الجوزي: ((وقد خذلَ خلقٌ كثيرٌ عند موتِ أحبابهم، فمنهم من خرّق ثوبهُ،
ومنهم من لطم، ومنهم من اعترضَ !!
ولقد رأيتُ رجلاً كبيراً قد قاربَ الثمانين، وكان يحافظُ على الجماعة، فمات ولدٌ لابنته،
فقال: ما ينبغي لأحد أن يدعوَ، فإنه ما يستجيب.
ثم قال: إن الله یعاندنا، فما يترك لنا ولدا !!
فعلمتُ أن صلواته وفعله للخيرِ عادةٌ، لأنه لا ينشأُ عن معرفةٍ، وإیمانٍ.
وهؤلاء الذين يعبدون الله على حرفٍ))(٤).
(١) رواه البخاري [٣٦١٦].
(٢) شرح البخاري لابن بطال [١٧/ ٤٧٣].
(٣) فتح الباري [١١٩/١٠]، شرح ابن بطال على صحيح البخاري [١٧ / ٤٧٧].
(٤) الثبات عند الممات [١/ ٤١].

٢٨٩
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وكان ◌َّه ينهى من نزلت به مصيبةٌ أن يتمنّ الموتَ للضّرِّ الذي نزل به:
عنْ أنسِ بنِ مالكِ رَتُ قال: قالَ النّبِيُّ ◌َّهِ: (( لا يتمنّينَّ أحدكمْ الموتَ منْ ضِّ أصابهُ.
فإنْ كانَ لا بدَّ فاعلاً فليقلْ: اللهمَّ أحيني ما كانتِ الحياةُ خيراً لي، وتوفّني إذا كانتْ الوفاةُ
خيراً لي))(١).
وقوله: ((منْ ضرّ أصابهُ)) حملهُ جماعةٌ منَ السّلف على الضّرِّ الدّنيويِّ، لأنَّ فيه نوعَ
اعتراضٍ، ومراغمةٍ للقدرِ المحتومِ.
فإنْ وجدَ الضّرَّ الأخرويَّ بأنْ خشِيَ فتنةً في دينه؛ لمْ يدخل في النّهي(٢).
قالَ النّوويّ: ((في الحديث: التّصريحُ بكراهةٍ منّي الموت؛ لضرِّ نزلَ بِهِ منْ فاقة، أوْ محنة
بعدِ، ونحوه منْ مشاقّ الدّنيا.
فأمّا إذا خافَ ضرراً، أوْ فتنة في دينه فلا كراهة فيهِ؛ لمفهوم هذا الحديث))(٣).
وقدْ فعلَ ذلكَ بعضُ السلفِ: فقد قال عمر بن الخطاب رََّّهُ في آخر حياتي: «اللهمَّ
كبرتْ سنّي، وضعفتْ قوّتي، وانتشرتْ رعيّتي؛ فاقبضني إليك غيرَ مضيّعٍ ولا مفرّطٍ)) (٤).
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: عدتُ أبا هريرةَ، فسندته إلى صدري، ثم قلتُ:
اللهمَّ اشفِ أبا هريرةَ.
فقال: اللهمَّ لا ترجعها، ثم قالَ: إن استطعتَ يا أبا سلمةَ أنْ تموتَ؛ فمتْ.
فقلتُ: يا أبا هريرةَ إنا لنحبُّ الحياةَ.
فقالَ: والّذي نفسُ أبي هريرةَ بيدهِ؛ ليأتينَّ على العلماءِ زمانٌ الموتُ أحبُّ إلى أحدهمْ منَ
الذّهبِ الأحمرِ، ليأتينَّ أحدكمْ قبرَ أخيهِ فيقولُ: ليتني مكانهُ(٥).
(١) رواه البخاري [٥٦٧١]، ومسلم [٢٦٨٠].
(٢) فتح الباري [١٠/ ١٢٨].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [٨/١٧].
(٤) رواه مالك في الموطأ [١٥٦٠].
(٥) رواه الحاكم [٨٥٨١]، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

٢٩٠
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ويدلُّ على ذلك صراحةً حديثُ ابنِ عباس رََّنّ ◌َ مرفوعاً، وفيه: ((وإذا أردتَ بعبادكَ
فتنةً؛ فاقبضني إليكَ غیرَ مفتوٍ))(١).
ويعرّفُ المسلم أن طولَ العمرِ خيرٌ له ولو كان مريضاً:
طولُ العمرِ خيرٌ للمؤمنِ؛ لأنه كلّما طالَ عمرهُ ازدادَ من العملِ الصالحِ.
عنْ أبي بكرةَ رَُّ أَنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ الله، أيُّ النّاسِ خيرٌ؟
قالَ: ((منْ طالَ عمرهُ، وحسنَ عملهُ)).
قالَ: فَأَيُّ النّاسِ شرٌّ؟
قالَ: ((منْ طالَ عمرهُ، وساءَ عملهُ))(٢).
فإذا وقعَ المسلمُ في ضائقةٍ، أو أصابهُ مرضٌ، فلا يتمنَّ الموت؛ كيلا يحرمَ من مواصلةِ
العملِ الصالحِ.
عَنْ أبي هريرةَ رَّعَنْهُ أَنَّ رسولَ اللهِ وََّ قالَ: «لا يتمنّى أحدكمْ الموتَ، إمّا محسناً؛ فلعلّهُ
يزدادُ، وإمّا مسيئاً؛ فلعلّهُ يستعتبُ (٣))(٤).
ولفظ مسلم: ((لا يتمنّى أحدكمْ الموتَ، ولا يدعُ بهِ منْ قبلِ أنْ يأتيهُ؛ إنّهُ إذا ماتَ أحدكمْ
انقطعَ عملُهُ، وإِنّهُ لا يزيدُ المؤمنَ عمرهُ إلّا خيراً)).
قال ابن حجر: «فيهِ: إشارةٌ إلى تغبيط المحسن بإحسانِهِ، وتحذير المسيء منْ إساءته.
فكأنّهُ يقول: منْ كانَ محسناً؛ فليتركْ تمنّي الموتِ، وليستمرَّ على إحسانه، والازدياد منهُ.
ومنْ كانَ مسيئاً؛ فليتركْ تمنّي الموت، وليقلعْ عنِ الإساءة؛ لئلّا يموت على إساءته،
فيكون على خطر))(٥).
(١) رواه الترمذي [٣٢٣٣]، وصححه الألباني في الإرواء [٦٨٤].
(٢) رواه الترمذي [٢٣٣٠]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٣٢٩٧].
(٣) أي: يسترضي الله بالإقلاع والاستغفار. فتح الباري [١٣/ ٢٢٢]
(٤) رواه البخاري [٧٢٣٥]، ومسلم [٢٦٨٢].
(٥) فتح الباري [١٣/ ٢٢٢].

٢٩١
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِ وَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وكان ربما منع المصابَ من رؤية فقيده بعد موته خوفاً عليه من الجزع:
فمن ذلك: قصته مع صفيّة بعد مقتل أخيها حمزةَ رَُّ عَنْهَا:
عنْ عروةَ قالَ: أخبرني أبي الزّبِيرُ رَنهُ أنّهُ لَّا كانَ يومُ أحدٍ أقبلتِ امرأةٌ تسعى، حتّى إذا
كادتْ أنْ تشرفَ على القتلى قالَ: فكرهَ النّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ تراهمْ(١)، وقالَ: ((المرأةَ، المرأةَ)).
قالَ الزّبِيرُ رَّهُ: فتوسّمتُ أنَّها أمّي صفيّةُ، فخرجتُ أسعى إليها، فأدركتها قبلَ أنْ
تنتهيَ إلى القتلى، فلدمتْ في صدري - وكانتْ امرأةً جلدةً - وقالتْ: إليكَ لا أرضَ لكَ.
فقلتُ: إِنَّ رسولَ الله ◌َِّ عزمَ عليكِ.
فوقفتْ، وأخرجتْ ثوبينِ معها، فقالتْ: هذانِ ثوبانٍ جئتُ بهما لأخي حمزةَ، فقدْ بلغني
مقتلهُ، فكفّنوهُ فیھما.
فجئنا بالثّوبينِ؛ لنكفّنَ فيهما حمزةَ، فإذا إلى جنبهِ رجلٌ منَ الأنصارِ قتيلٌ قدْ فعلَ بهِ كما
فعلَ بحمزةَ، فوجدنا غضاضةً، وحياءًّ أنْ نكفّنَ حمزةَ في ثوبينِ والأنصاريُّ لا كفنَ لهُ.
فقلنا: لحمزةَ ثوبٌّ، وللأنصاريِّ ثوبٌّ، فقدرناهما فكانَ أحدهما أكبرَ منَ الآخِرِ فكفّنّا
كلَّ واحدٍ منهما في الثّوبِ الّذي صارَ لهُ(٢).
وعنْ أنسِ بنِ مالكِ قالَ: أتى رسولُ اللهِوَّه على حمزةَ يومَ أحدٍ، فوقفَ عليهِ فرآهُ قدْ مثّلَ
بِهِ فقالَ: ((لولا أنْ تجدَ صفيّةُ في نفسها لتركتهُ حتّى تأكلهُ العافيةُ(٣) حتّى يحشَر يومَ القيامةِ
من بطونها)».
ثمَّ دعا بنمرةٍ(٤) فكفّنهُ فيها، فكانتْ إذا مدّتْ على رأسهِ بدتْ رجلاهُ وإذا مدّتْ على
رجليهِ بدا رأسهُ، فخمّرَ رأسه)(٥).
(١) وفي رواية البيهقي في دلائل النبوة [٢٨٩/٣]: كرهَ أنْ ترى حمزةَ على حالهِ، وقدْ كانَ المشركونَ مثّلوا بهِ، فبعثَ
إليها رسولُ اللهِ وَِّ الزّبيرَ ليحبسها.
(٢) رواه أحمد [١٤٢١]، وحسنه شعيب الأرناؤوط.
(٣) أي: السّباعُ والطُّر
(٤) وهي بردةٌ مخطّطةٌ منْ صوفٍ، وقيلَ الكساءُ.
(٥) رواه الترمذي [١٠١٦]، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز [ص ٦٠].

٢٩٢
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
((وإنّما أرادَ ذلكَ؛ ليتمَّ لهُ بِهِ الأجرُ ويكملَ، ويكونَ كلُّ البدنِ مصروفاً في سبيلِهِ تعالى إلى
البعثِ، أَوْ ليبينَ أنّهُ ليسَ عليهِ فيما فعلوا بهِ منَ المثلةِ تعذيبٌ حتّى إنَّ دفنهُ وتركهُ سواءٌ)(١).
وكان ◌َّه يواسيهم، ويخفّفُ عنهم ألم المصيبة:
عنْ أسماءَ بنتِ عميسِ رََّها قالتْ: لَّا أصيبَ جعفرٌ، وأصحابهُ؛ دخلتُ على
رسولِ اللهِ وَّه، وقدْ دبغتُ أربعينَ منيئةً(٢)، وعجنتُ عجيني، وغسّلتُ بنيَّ، ودهنتهمْ،
ونظّفتهمْ.
فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((ائتيني ببني جعفرٍ)).
فأتيتهُ بهمْ، فشمّهمْ، وذرفتْ عيناهُ.
فقلتُ: يا رسولَ الله بأبي أنتَ وأمّي ما يبكيكَ، أبلغكَ عنْ جعفرٍ وأصحابهِ شيءٌ؟
قالَ: ((نعمْ أصيبوا هذا اليومَ)).
وخرجَ رسولُ الله ◌َّه إلى أهلِهِ فقالَ: «لا تغفلوا آلَ جعفرِ منْ أنْ تصنعوا لهمْ طعاماً؛
فإنّهِمْ قَدْ شغلوا بأمرِ صاحبهمْ))(٣).
وعنْ عبدِ الله بنِ جعفرٍ رَّ ◌َنُ قالَ: لَّا جاءَ نعيُّ جعفرٍ قالَ النّبيُّ ◌ََّ: ((اصنعوا لأهلِ
جعفرٍ طعاماً؛ فإنّهُ قَدْ جاءهمْ ما يشغلهمْ)) (٤).
قال المباركفوري: ((والمعنى: جاءهمْ ما يمنعهمْ منَ الحزنِ عنْ تهيئةِ الطّعامِ لأنفسهمْ؛
فيحصلُ الهمُّ، والضّررُ، وهمْ لا يشعرونَ.
(١) تحفة الأحوذي [٨٣/٤].
(٢) المنيئة الجلد في الدباغ. النهاية [٤/ ٣٦٣]
(٣) رواه أحمد [٢٦٥٤٦] وقال في مجمع الزوائد [٦/ ٢٣٦]: رواه أحمد وفيه امرأتان لم أجد من وثقهما ولا جرحهما
وبقية رجاله ثقات.
(٤) رواه أبو داود [٣١٣٢] والترمذي [٩٩٨]، وابن ماجة [١٦١٠]، وصححه الألباني في صحيح الجامع
[١٠١٥].

٢٩٣
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
قالَ الطّبيُّ: دلَّ على أنّهُ يستحبُّ للأقاربِ والجيرانِ تهيئةُ طعامٍ لأهلِ الميّتِ)) (١).
وربما تكفّل بشؤونهم:
عنْ عبدِ الله بن جعفر قالَ: بعثَ رسولُ الله ◌َّهِ جيشاً استعملَ عليهمْ زيدَ بنَ حارثةَ،
وقالَ: ((فإنْ قتلَ زيدٌ، أوِ استشهدَ فأمير كمْ جعفرٌ، فإنْ قتلَ أوِ استشهدَ فأمیر کمْ عبدُ الله بنُ
رواحةً».
فأتى خبرهمْ النّبِيَّ وََّ، فخرجَ إلى النّاسِ، فحمد الله وأثنى عليهِ، وقالَ: ((إنَّ
إخوانكمْ لقوا العدوَّ، وإنَّ زيداً أخذَ الرّايةَ، فقائلَ حتّى قتلَ أوِ استشهدَ، ثمَّ أخذَ
الرّايةَ بعدهُ جعفرُ بنُّ أبي طالبٍ، فقاتلَ حتّى قتلَ أوِ استشهدَ، ثمَّ أخذَ الرّايةَ عبدُ الله
بنُ رواحةَ، فقاتلَ حتّى قتلَ أوِ استشهدَ، ثمَّ أخذَ الرّايةَ سيفٌ منْ سيوفِ الله خالدُ بنُ
الولید ففتحَ الله علیهِ)).
فأمهلَ ثمَّ أمهلَ آلَ جعفرِ ثلاثاً أنْ يأتيهمْ ثُمَّ أتاهمْ. (٢)
فقالَ: ((لا تبكوا على أخي بعدَ اليومِ أوْ غدٍ، ادعوا لي بني أخي)).
قالَ: فجيءَ بنا كأنّا أفرخٌ. فقالَ: ((ادعوا إليَّ الحلّاقَ)).
فجيء بالحلّاقِ، فحلقَ رءوسنا.
ثُمَّ قالَ: ((أمّا محمّدٌ فشبيهُ عمّنا أبي طالبٍ، وأمّا عبدُ الله فشبيهُ خلقي وخلقي)).
ثمَّ أخذَ بيدي، فأشالها، فقالَ: ((اللهمَّ اخلفْ جعفراً في أهلهِ، وباركْ لعبدِ الله في صفقةِ
یمینهِ»، قالها ثلاثَ مرارٍ.
فجاءتْ أمّنا فذكرتْ لهُ يتمنا، وجعلتْ تفرحُ لهُ. فقالَ: ((العيلةَ تخافينَ عليهمْ، وأنا
وليّهمْ في الدّنيا والآخرةِ؟))(٣).
(١) تحفة الأحوذي [٤/ ٦٧].
(٢) أيْ: تركَ أهله بعد وفاته يبكونَ ويحزنونَ عليهِ ثلاثاً.
(٣) رواه أحمد [١٧٥٣]، وصححه الألباني في أحكام الجنائز [ص١٦٦]، وقد سبق.

٢٩٤
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان يحثُّ على رعاية الأرامل والأيتام:
عنْ سهلِ بنِ سعدٍ رَهُ عَنِ النّبِّ ◌َّ أنه قالَ: «أنا وكافلُ اليتيم في الجنّةِ هكذا)) وأشار
بإصبعيهِ السّابةِ والوسطى(١).
وعنْ أبي هريرةَ رَّهُ عَنِ النّبِيِّ ◌ََّ قالَ: ((السّاعي على الأرملةِ والمسكينِ كالمجاهدِ في
سبيلِ الله - وأحسبهُ قالَ -: وكالقائمٍ لا يفترُ، وكالصّائمِ لا يفطرُ)(٢).
وكان ◌َّ يعطي بعض المصابين من المال؛ ليخفّف عنهم من مصيبتهم:
ومن ذلك: إعطاؤه أهلَ مكةَ بعد فتحِ الطائفِ، حتى وجدَ الأنصارُ في أنفسهم شيئاً.
عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَنهُ قالَ: جَمِعَ النّبِيُّ ◌َّ ناساً منَ الأنصارِ، فقالَ: ((إنَّ قريشاً
حديثٌ عهدهمْ بجاهليّةٍ، ومصيبةٍ [من نحو قتل أقاربهم، وفتح بلادهم]، وإنّ أردتُ أنْ
أجبرهمْ، وأتألّفهمْ))(٣).
وقد واسی من فقد جمیعَ ماله في سبيل الله، كما في قصة صهيب الرومي:
عن صهيبٍ رَنْهُ قال: خرجَ رسولُ الله ◌َّل إلى المدينةِ، وخرجَ معه أبو بكرٍ، و كنتُ قد
هممتُ معه بالخروجِ، فصدّني فتيانٌ من قريشٍ، فجعلتُ ليلتي تلكَ أقومُ لا أقعدُ، فقالوا:
قد شغله الله عنکم ببطنه.
ولم أكن شاكياً، فناموا.
فخرجتُ، ولحقني منهم ناسٌٌ بعد ما سرتُ يريدون ليردّوني.
فقلتُ لهم: إن أعطيتكم أوافيَ من ذهبٍ، وتخلّونَ سبيلي، وتوفون لي؟
ففعلوا، فتبعتهم إلى مكّةَ.
فقلتُ: احفروا تحتَ أسكفّةِ البابِ فإن بها أواقيَ، واذهبوا إلى فلانةَ، فخذوا الحلّتين.
(١) رواه البخاري [٥٥٤٦].
(٢) رواه البخاري [٥٣٥٣]، ومسلم [٢٩٨٢].
(٣) رواه البخاري [٤٣٣٤].

٢٩٥
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَهُعَلَيهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
وخرجتُ حتى قدمتُ على رسول الله وَلَه بقباءٍ قبل أن يتحوّل منها، فلما رآني قال: ((یا
أبا يحيى ربحَ البيعُ)).
فقلتُ: يا رسول الله ما سبقني إليك أحدٌ، وما أخبركَ إلا جبرائيلُ عليه السلام.
فأنزل الله في صهيبٍ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ
رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [البقرة: ٢٠٧](١).
وكان يأمر بالتصدّق على من أصيب في ماله.
فعن أبي سعيدٍ اخدريِّ رټلُعنهُ قالَ: أصیبَ رجلٌ في عهدِ رسولِ الله ګ في ثمارٍ ابتاعها،
فکثرَ دینهُ.
فقالَ رسولُ اللهِوََّ: ((تصدّقوا عليهِ)، فتصدّقَ النّاسُ عليهِ، فلمْ يبلغْ ذلكَ وفاءَ دینِهِ.
فقالَ رسولُ الله ◌َِّ لغرمائِهِ: ((خذوا ما وجدتمْ، وليسَ لكمْ إلّ ذلكَ))(٢).
ومعناهُ: ليسَ لكمُ الآن إلّا هذا، ولا تحلُّ لكمْ مطالبته ما دامَ معسراً، بلْ ينظرُ إلى
ميسرةٍ(٣).
من فوائد الحدیث:
فيهِ: التّعاونُ على البرِّ والتّقوى.
وفيهِ: مواساةُ المحتاج، ومنْ عليهِ دين، والحثّ على الصّدقة عليهِ.
وفيهِ: أنَّ المعسر لا تحلُّ مطالبته ولا ملازمته ولا سجنه
وفيهِ: أنْ يسلّمَ إلى الغرماءِ جميعُ مالِ المفلس ما لمْ يقضِ دينهمْ، ولا يترك للمفلسِ سوى
ثيابه ونحوها(٤).
(١) رواه الحاكم [٥٧٠٦]، وصحّحه، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه مسلم [١٥٥٦].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/ ٢١٧].
(٤) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم [٢١٨/١٠].

٢٩٦
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وكان يخفّفُ من مصابهم بالبشارات:
عن أنسُ بنُ مالكٍ رَعَهُ أَنَّ أَمَّ الرُّبَيِّعِ بنتَ البراءِ وهيَ أمّ حارثةَ بنِ سراقَةَ أَتْتِ النّبيّ ◌َّه
فقالتْ: يا نبيَّ الله ألا تحدّثني عنْ حارثةَ - وكانَ قُتِلَ يومَ بدرٍ أصابهُ سهمٌ غَرْبٌ(١) - فإنْ كانَ
في الجنّةِ صبرتُ، وإنْ كانَ غيرَ ذلكَ اجتهدتُ عليهِ في البكاءِ.
فقالَ: ((ويحكِ أوهبلتٍ؟!(٢) أوجنّةٌ واحدةٌ هيَ؟ إنهّا جنانٌ كثيرةٌ، وإنّهُ لفي جنّةٍ
الفردوسِ))(٣).
قالَ الحافظُ: «كانَ ذلكَ قبلَ تحريمِ النّوحِ ... فإِنَّ تحريمهُ كانَ عقبَ غزوةِ أحدٍ، وهذهِ
القصّةُ كانتْ عقبَ غزوةِ بدٍ)»(٤).
عنْ جابرِ بنِ عبدِ الله ◌َنْها قال: لقيني رسولُ اللهِوَِّ، فقالَ لي: «يا جابرُ ما لي أراكَ
منکسراً؟!)).
قلتُ: يا رسولَ الله، استشهدَ أبي، قتلَ يومَ أحدٍ، وتركَ عيالاً وديناً.
قالَ: ((أفلا أبشّركَ بما لقيَ الله بهِ أباكَ؟)).
قالَ: قلتُ: بلى يا رسولَ الله.
قالَ: ((ما كلّمَ الله أحداً قطُّ إلَّا منْ وراءِ حجابٍ، وأحيا أباكَ، فكلّمهُ كفاحاً(٥)، فقالَ: يا
عبدي تمنَّ عليَّ؛ أعطكَ.
قالَ: يا ربِّ تحييني، فأقتلَ فيكَ ثانيةً.
قالَ الرّبُّ عَرَّجَلَّ: إنّهُ قَدْ سبقَ منّي أنّهمْ إليها لا يرجعونَ)).
(١) أي: لا يعرف راميه. النهاية [٣/ ٣٥٠].
(٢) أي: أفقدتِ الميز والعقل مما أصابك من الثّكل. ينظر: النهاية [٥٤٤/٥].
(٣) رواه البخاري [٦٥٧٦].
(٤) فتح الباري [٦/ ٢٧].
(٥) أيْ: مواجهةً ليسَ بينهما حجابٌ، ولا رسولٌ. النهاية [١٨٥/٤].

٢٩٧
الباب الثالث: تعامل النبي صَلَّلُّ عليهِوَسَلَّم مع شرائح اجتماعية مخصوصة
قالَ: وأنزلتْ هذهِ الآيةُ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا﴾ الآية.
[آل عمران: ١٦٩](١).
ويرشدهم لبعض الأطعمة التي قد تخفّف وقع المصيبة:
عنْ عائشةَ رََّّعَنهُ أنّها كانتْ إذا ماتَ الميّتُ منْ أهلها، فاجتمعَ لذلكَ النّساءُ، ثمَّ تفرّقنَ،
إلّا أهلها وخاصّتها، أمرتْ ببرمةٍ منْ تلبينةٍ، فطبختْ، ثمَّ صنعَ ثريدٌ، فصبّتِ التّلبينةُ عليها،
ثُمَّ قالتْ: كلنَ منها، فإنّي سمعتُ رسولَ الله ◌َله يقولُ: ((التّلبينَةُ مجمّةٌ لفؤادِ المريضِ، تذهبُ
ببعض الحزنٍ)(٢).
((أيْ: تريح فؤاده، وتزيل عنهُ الهمَّ، وتنشّطهُ.
ففيهِ: استحباب التّلبينة للمحزونِ(٣).
والتلبينةُ: حساء متّخذٌّ من دقيق الشعيرِ بنخالته (٤).
فوائد طبّة للتلبينة: قال أ.د.زغلول النجار: ((حساءُ الشعير قاطعٌ للعطش، ومدرٌّ للبول،
سهلُ الهضمِ، نافعٌ لحالاتِ السّعالِ وخشونةِ الحلقِ، وصعوبةِ التنفّسِ، والجلاءِ ما في المعدةِ،
ولأمراضِ الكلى والمثانةِ، ولإطفاءِ حرارةِ الجسمِ بصفة عامّةٍ، ولتقويةِ الأجسامِ المضادّة))(٥).
وقد أثبتت الدراسات العلميّة أن الشعيرَ يخفّضُ كوليسترول الدمِ حيثُ يدخلُ في
صناعة الكبد للكوليسترول.
ونشرت مجلة ليبيدز عام ١٩٨٥ مقالاً حول فوائد الشعير وغير من النباتات في معالجة
كوليسترول الدم جاءَ فيه: لقد قامَ خبراءُ من قسمِ الزراعةِ في أمريكا في إجراء بحوثٍ على
الشعيرِ، فتبيّن أنه يحوي على ثلاثةِ عناصرَ كلّها تقومُ بخفض كوليسترول الدم.
(١) رواه الترمذي [٣٠١٠]، وابن ماجة [١٩٠]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٠٥].
(٢) رواه البخاري [٥٤١٧]، ومسلم [٢٢١٦].
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤/ ٢٠٢].
(٤) زاد المعاد [٤ /١٢٠].
(٥) الإعجاز العلمي في السنة النبوية [٩/٢] نقلا عن الموقع المذكور بعدُ.

٢٩٨
تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال أ.د. زغلول النجار: وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن لهذه المركبات الكيميائية
[أي: التي تحتوي على الشعير] تأثيراً إيجابيّاً على الموصّلاتِ بين الخلايا العصبيّةِ؛ مما يعينُ
على التخفيفِ من حالات الاكتئاب، والميلِ إلى الرضا، وانشراح الصدرِ، وطمأنينةِ
القلب.
وحالاتُ الاكتئابِ تشخّصُ اليومَ بالخلل الکیمیائِّ في جسمِ الإنسانِ.
وعلاجه أساساً يكونُ بالغذاءِ المعالج لهذا الخلل من مثل حساء الشعيرِ الغنيِّ بالموادِّ
النافعةِ في مثل تلك الحالات(١).
وكان يزورهم، ويطمئنُّ على حالهم، ويعطفُ عليهم:
عن أنس بن مالك رَعَنْهُ قال: كانَ النّبِيُّ ◌َّ لا يدخلُ على أحدٍ منَ النّساءِ إلّ على
أزواجهِ إلّا أمّ سليمٍ، فإنّهُ كانَ يدخلُ عليها [أي: على الدّوامِ].
فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ: ((إنّي أرحمها، قتلَ أخوها معي)) (٢).
(أمُّ سليمٍ) هي سهلةُ، أو رميلةُ، أو مليكةُ بنتُ ملحانَ الأنصارِيّةُ رَعَنْهَا، وهي أمُّ أنسٍ
بنِ مالكٍ رَتُ مشهورةٌ بكنيتها، واختلف في اسمها.
قتلَ أخوها حرام بن ملحانَ في غزوةٍ بئر معونة، وقوله (معي) أيْ: معَ عسكري، أوْ على
أمري، وفي طاعتي؛ لأنَّ النّبِيَّ وَّ لِمْ يشهدْ بئر معونة، وإنّما أمرهمْ بالذّهابِ إليها.
وفي الحديث: حفظُ عهدِ الإخوانِ والأصحابِ، والقیامُ بمصالح أهليهم بعد وفاتهم.
والنّبِيُّ وََّ كَانَ يجبرُ قلبَ أمِّ سليم بزيارتها، ويعلّلُ ذلكَ بأنَّ أخاها قتلَ معهُ، ففيهِ: أنّهُ
خلفهُ في أهلهِ بخيرٍ بعدَ وفاتِهِ، وذلكَ منْ حسنٍ عهدِهِ وََّ(٣).
تنبيه: قال النووي: «قدْ قدّمنا في كتاب الجهاد عند ذكر أمِّ حرام أخت أمّ سلیمِ أنّهما كانتا
(١) المنهج الموقع الرسمي للشيخ عثمان الخميس (/http://www.aLManhaJ.com) باختصار.
(٢) رواه البخاري [٢٨٤٤]، ومسلم [٢٤٥٥].
(٣) فتح الباري [٦/ ٥١].

٢٩٩
الباب الثالث: تعامل النبي صَ لَّهُعَلَيْهِوَسَلًَّ مع شرائح اجتماعية مخصوصة
خالتينِ لرسولِ الله ◌َّه محرمينِ إمّا مِنَ الرّضاع، وإمّا منَ النّسبِ، فتحلَّ لهُ الخلوة بهما، وكانَ
يدخلُ عليهما خاصّةً، لا يدخلُ على غيرهما منَ النّساءِ إلّا أزواجه.
قالَ العلماءُ: ففيهِ: جوازُ دخولِ المحرم على محرمه، وفيهِ إشارة إلى منع دخول الرّجل إلى
الأجنبيّة. وإنْ كانَ صالحاً.
وقدْ تقدّمتِ الأحاديثُ الصّحيحةُ المشهورةُ في تحريم الخلوة بالأجنبيّةِ))(١).
وعلّمنا أن يعزّيَ بعضنا بعضاً في المصائبِ، وأن نستشعرَ آلامَ المصابين:
عن عمرو بنِ حزمٍ رَنْهُ عِنِ النّبِيِّ ◌َّ أنّهُ قالَ: «ما منْ مؤمنٍ يعزّي أخاهُ بمصيبةٍ إلّا
كساهُ الله سبحانهُ منْ حللِ الكرامةِ يومَ القيامةِ»(٢).
وعلّمنا ما يقول بعضنا لبعض عند التعزية:
عن أسامةُ بنُ زِيدٍ رَعَنْهَا قالَ: أرسلتْ ابنةُ النّبِّ ◌َّه إليهِ: إِنَّ ابناً لي قبضَ فأتنا.
فأرسلَ يقرئُ السّلامَ ويقولُ: ((إنَّ لله ما أخذَ، ولهُ ما أعطى، وكلِّ عندهُ بأجلٍ مسمَّى؛
فلتصبر ولتحتسبْ))(٣).
وكان ◌َّ يرقي من أصيبَ واشتكى من أصحابه:
عن يزيد بن أبي عبيدٍ قالَ: رأيتُ أثرَ ضربةٍ في ساقِ سلمةَ، فقلتُ: يا أبا مسلمٍ ما هذهِ
الضّربُ؟
فقالَ: هذهِ ضربةٌ أصابتني يومَ خيبرَ، فقالَ النّاسُ: أصيبَ سلمةُ، فأتيتُ النّبيَّ
◌َلَى اللَّهِ
وسـ
فنفثَ فِيهِ ثلاثَ نفثاتٍ(٤)، فما اشتكيتها حتّى السّاعةِ(٥).
(١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٠/١٦].
(٢) رواه ابن ماجه [١٦٠١]، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة [١٣٠١].
(٣) رواه البخاري [١٢٨٤]، ومسلم [٩٢٣]، وقد سبق.
(٤) النفث: فوقَ النّفْخِ، ودونَ التّفلِ، وقدْ يكونُ بغير ريِقِ بخلافِ التّفل، وقدْ يكونُ بريقِ خفيفٍ بخلافِ النّفخِ.
فتح الباري [٧ / ٤٧٥].
(٥) رواه البخاري [٤٢٠٦].