Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيهِ: جوازُ الشّبع، وأمّا ما جاءَ في كراهة الشّبع فمحمولٌ على المداومة عليهِ، لأنّهُ يقسّي القلب، وينسي أمر المحتاجينَ(١). وعنْ لقيطِ بنِ صبرَ رَّ ◌َنهُ قالَ: قدمنا على رسولِ اللهِوَّه فلمْ نصادفهُ في منزلِهِ، وصادفنا عائشةَ أمَّ المؤمنينَ. قالَ: فأمرتْ لنا بخزيرةٍ، فصنعتْ لنا، وأتينا بقناع(٢)، ثمَّ جاءَ رسولُ الله ◌َّ فقالَ: ((هلْ أصبتمْ شيئاً أوْ أمرَ لكمْ بشيءٍ؟)). قالَ: قلنا: نعمْ يا رسولَ الله. قالَ: فبينا نحنُ معَ رسولِ الله ◌ََّ جلوسٌ، إذْ دفعَ الرّاعي غنمهُ إلى المراحِ، ومعهُ سخلةٌ تيعرُ. فقالَ: ((ما ولّدتَ يا فلانُ؟». قالَ: بهمةً. قالَ: ((فاذبحْ لنا مكانها شاةً)). ثمَّ قالَ: ((لا تحسبنَّ أَنّا منْ أجلكَ ذبحناها، لنا غنمٌ مائةٌ لا نريدُ أنْ تزيدَ، فإذا ولّدَ الرّاعي بهمةً؛ ذبحنا مكانها شاةً))(٣). معناه: تركُ الاعتدادِ به على الضيفِ، والتبرّؤ من الریاءِ. من فوائد الحدیث: فيه: أن الرجل إذا نزلَ عند أحد ضيفاً ولم يجده في منزله، فالمستحب لأهله أن يطعموه شيئاً، ولا يؤخّروه إلى حضور صاحب المنزل. وفيه: أنه يستحبُّ أن يقدّم للضيف خيارُ ما عندهم من المأكول (٤). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٣/ ٢١٣]. (٢) الخزيرة من الأطعمة: ما اتخذ من دقيق ولحم، يقطع اللحم صغاراً، ويصب عليه الماء، فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة. والقناعُ الطّقُ فيهِ تمرٌ. (٣) رواه أبو داود [١٤٢]، وصحّحه الألباني. (٤) شرح أبي داود [١/ ٣٣٥] للعيني. ٢٠١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَه ◌َيْهِوَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله وبالجملة فقد كان النبيُّ ◌َّ يقتفي أثرَ أبيه إبراهيم عَلَيْهِالسَلامُ في قرى الضيف. وقد قصَّ الله تعالى علينا قصة أبي الضّيفان إبراهيم عَيْهِالسَلَمُ مع ضيوفه، فقال: ﴿هَلْ أَنَنْكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ فَرَاعَ فَقَرَّبَةُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٧) فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ لَا إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلِ سَمِينٍ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤-٢٨]. وقد اشتملت هذه القصّةُ على عدد من آداب الضيافة: أولاً: أنه قرّبَ الطعامَ إليهم؛ ولم يأمرهم بالقيام إلى الطعام ﴿فَقَرَّهُ إِلَيْهِمْ﴾؛ حتى يكفيهم مؤنةَ الإتيانِ إلى الطعام. ثانياً: السرعةُ في الإتيان بالطعامِ؛ حيث قال: ﴿فَجَآءَ بِعِجْلِ سَمِينٍ﴾؛ ولم يقل: (ثمَّ جاء))؛ فإن ((الفاء)) تدلُّ على الترتيبِ، والتعقيبِ، أي المباشرةِ، والسرعةِ، وأما ((ثمَّ)) فتفيد التراخي. ثالثاً: إحضارُ الطعامِ بدون إعلامهم؛ لئلا يحرجوا، قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ،﴾، أي انسلَّ خفيةً، وأتاهم بالطعامِ. رابعاً: اختيارُ أحسنِ الطعامِ: ﴿فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]، و(الحنيذ): المشويُّ على الحجارة المحماةِ، وهو ألذُّ الطعامِ، وأصحّه. خامساً: أسلوبُ العرضِ الطيب: ﴿فَقَرَّبَةُ: إِلَيْهِمْ﴾؛ فيه الرفقُ في وضعِ الطعامِ؛ ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، وهي دعوةٌ الأضياف للطعامِ في غايةِ اللّطفِ. سادساً: قوله: ﴿قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾، أي: الضيوفُ الذين لا أعرفهم، فهو یرحّبُ بمن يعرفُ، وبمن لا يعرفُ، وهذا من كرمه ◌َّله؛ فهو يكرمُ الجميع، ومجيئه لأضياف لا یعرفهم بعجل سمین غاية في الكرم والجود. فهذه جملةٌ من آداب الضيافةِ في تلك القصّةِ، والسنة النبوية مليئةٌ بالمواقف التي تجلّى فيها أدب النبيِّ ◌َِّ واضحا، سواء أضاف أحداً أو حلَّ عليه ضيفاً؛ فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. ٢٠٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحسنِ البشرِ تبتدرُ الضّيوفُ ونخدمهُ بأعيننا، ونبقى وحينَ أزورهُ حبّاً فإنّي وللضّيفانِ حقٌّ مستحقٌّ ونكرمهمْ بأنفسِ ما لدينا وقدْ وصّى النّبيُّ بهمْ كثيراً ويومَ الخندقِ المشهودِ جاءوا وبوركَ في الطّعامِ لهمْ، فوفّى ويأتيهمْ رسولُ الله ضيفاً ويقبلُ دعوةَ الدّاعي، وإنْ لمْ وبسطُ الوجهِ أوّلُ منْ يضيفُ عليهِ بكلِّ مكرمةٍ نطوفُ كريمٌ في زيارتهِ عفيفُ بكلِّ الخيرِ تنبسطُ الكفوفُ قرانا بينَ أيديهمْ صنوفُ فحقّهمُ يصانُ، ولا نحيفُ الدعوةِ جابرٍ عددٌ كثيفُ ولوْ زادوا لزادَ وهمْ ألوفُ ليهنِ صحابهُ الضّيفُ الشّريفُ يكنْ في وسعهِ إلّ الرّغيفُ ٢٠٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله تعامل النبي ◌َّ مع خواصِّ أصحابه مكانة الصحابةِ في الإسلام لا تخفى، فهم أبرُّ هذه الأمةِ قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلّها تكلّفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيّه، وإقامة دينه. وقد أثنى الله عليهم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَاْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ولقد كان الصحابةُ على درجاتٍ متفاوتةٍ من الصحبة، كما قال شيخ الإسلام: ((الصحبةُ اسمُ جنسٍ، تقع على من صحبَ النبي ◌ِّ قليلاً أو كثيراً. لكن كلٌّ منهم له من الصحبة بقدرٍ ذلك، فمن صحبهُ سنةً، أو شهراً، أو يوماً، أو ساعةً، أو رآه مؤمناً، فله من الصّحبة بقدر ذلك»(١). وموضوعنا سيكون عن تعامل النبيِّ وَّ مع خواصِّ أصحابه الملازمین له. ومن أبرز هؤلاء: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن عوف. وأخصّهم بالنبي ◌َّ: أبو بكر، وعمر. قال عليٌّ بنُ أبي طالبٍ: ((كنتُ كثيراً أسمعُ النّبِيَّ ◌َّ يقولُ: ذهبتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ، ودخلتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ، وخرجتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ))(٢). (١) مجموع الفتاوى لابن تيمية [٤ / ٤٦٤]. (٢) رواه البخاري [٣٦٨٥] ومسلم [٢٣٨٩]. ٢٠٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان ◌َّلم يعلن حبّه لهم ويظهره في الناس: عن عمرو بنِ العاصِ رَّهُ أَنَّ النّبِيَّ ◌ََّ بعثُهُ على جيشِ ذاتِ السّلاسلِ، فأتيتهُ فقلتُ: أيُّ النّاسِ أحبُّ إليكَ؟ قالَ: ((عائشةُ)). فقلتُ: منْ الرّجالِ؟ فقالَ: ((أبوها)). قلتُ: ثمَّ منْ؟ قالَ: (ثُمَّ عمرُ بنُ الخطّابِ))(١). قال القرطبي: ((فيه: جوازُ ذكرِ الأحبِّ من النساء والرجالِ، وأنه لا يعابُ على من فعله إذا كان المقولُ له من أهل الخيرِ والدینِ. وإنما بدأ بذكر محبته عائشة؛ لأنها محبّةٌ جبلّيّةٌ ودينيّةٌ، وغيرها دينيّةٌ لا جبلّيَّةٌ، فسبق الأصلُ على الطارئ)». فقيل له: ومن الرجال؟ قال: ((أبوها))؛ لسابقته في الإسلام، ونصحه لله تعالى ورسوله، وللإسلام وأهله، وبذلِ ماله، ونفسه في رضاهما))(٢). ولا یرضی من أحدٍ أن يتكلم فيهم بسوء: عنْ أبي سعيد الخدريِّ رَهُ قالَ: كانَ بينَ خالِدِ بنِ الوليدِ، وبينَ عبدِ الرّحمنِ بنِ عوفٍ شيءٌ، فسبّهُ خالدٌ(٣). فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((لا تسبّوا أصحابي، فلوْ أنَّ أحدكمْ أنفقَ مثلَ أحدٍ ذهباً ما بلغَ مَّ أحدهمْ، ولا نصيفهُ)) (٤). (١) رواه البخاري [٣٦٦٢]، ومسلم [٢٣٨٤]. (٢) المفهم [٩ / ٧١]، فيض القدير [٢١٨/١]. (٣) وفي رواية عند أحمد [١٣٤٠٠]: كانَ بيَن خالدِ بنِ الوليدِ وبيّن عبدِ الرّحمنِ بنِ عوفٍ كلامٌ، فقالَ خالدٌ لعبدِ الرّحمنِ: تستطيلونَ علينا بأيّامٍ سبقتمونا بها، فبلغنا أنَّ ذلكَ ذكرَ النّبيِّ وَّه. (٤) رواه البخاري [٣٦٧٣]، ومسلم [٢٥٤١]. ٢٠٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَّهِوَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله المدُّ: مكيالٌ يقدّرُ بملءِ الكفّين، ويعادل ربع الصاع. ومعناهُ: لوْ أنفقَ أحدكمْ مثل أحد ذهباً ما بلغَ ثوابه في ذلكَ ثواب نفقة أحد أصحابي مدّاً، ولا نصف مدٍّ. وسببُ تفضيل نفقتهمْ أنّها كانتْ في وقت الضّرورة وضيق الحال، بخلافِ غیرهمْ، ولأنَّ إنفاقهمْ كانَ في نصرته ◌ّ﴾ وحمايته، وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهمْ وسائر طاعتهمْ، وقدْ قالَ الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً ﴾ [الحديد: ١٠]. وذلكَ أنَّ الإنفاق والقتال كانَ قبل فتح مكّة عظيماً لشدّةِ الحاجة إليهِ وقلّةِ المعتنى بهِ، بخلافِ ما وقعَ بعد ذلكَ؛ لأنَّ المسلمينَ كثروا بعد الفتح، ودخلَ النّاس في دين الله أفواجاً، فإنّهُ لا يقع ذلكَ الموقع المتقدّم. هذا كلّه معَ ما كانَ في أنفسهمْ منَ الشّفقةِ، والتّودّدِ، والخشوعِ، والتّواضعِ، والإيثارِ، والجهادِ في الله حقَّ جهاده. وفضيلةُ الصّحبة، ولوْ لحظة لا يوازيها عملٌ، ولا تنال درجتها بشيءٍ، والفضائل لا تؤخذ بقياسٍ، ذلكَ فضل الله يؤتيه من يشاء(١). والمراد بقولهِ ((أصحابي)) أصحابٌ مخصوصونَ، وهم منْ أسلمَ قبل الفتح ممنْ طالتْ صحبته، وقاتلَ معهُ، وأنفقَ وهاجرَ ونصرَ. فالسابقونَ الأولون من المهاجرين والأنصار أفضلُ من سائر الصحابة. ويدلُّ على ذلك أن المخاطب بذلكَ هو خالد بن الوليد وهوَ منْ الصّحابة الموجودينَ إِذْ ذاكَ. قال ابن حجر: ((ومعَ ذلكَ فنهي بعض منْ أدركَ النّبيّ ◌َّ﴿ وخاطبهُ بذلكَ عنْ سبّ منْ سبقهُ يقتضي زجر منْ لَمْ يدرك النّبِيَّ نَّه ولمْ يخاطبهُ عنْ سبٍّ منْ سبقهُ منْ باب الأولى))(٢). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [٣٩/١٦]. (٢) فتح الباري [٣٤/٧]. ٢٠٦ تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ فإذا كان هذا نهيه لخالدِ بن الوليد وأمثاله من مسلمة الحديبية، فكيف يكونُ حالُ من لیس من أصحابه بحال مع أصحابه !! قال الإمام النووي: ((واعلمْ أنَّ سبَّ الصّحابة ◌َنْهُ حرامٌ منْ فواحش المحرّمات، سواء منْ لابسَ الفتن منهمْ وغيره؛ لأنّهمْ مجتهدونَ في تلكَ الحروب، متأوّلونَ، وسبُّ أحدهمْ منَ المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنّهُ يعزّر، ولا يقتل. وقالَ بعض المالكيّة: يقتل))(١). قال ابن كثير: ((فقد أخبر الله العظيمُ أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصارِ، والذين اتبعوهم بإحسان: فيا ويلَ من أبغضهم، أو سبّهم، أو أبغضَ، أو سبَّ بعضهم، ولا سيما سيدُ الصحابة بعدَ الرسول وَّه، وخيرهم وأفضلهم، أعني الصدّيقَ الأكبرَ، والخليفةَ الأعظمَ أبا بكر بن أبي قحافة رَّة، فإن الطائفة المخذولةَ من الرافضةِ يعادون أفضلَ الصحابةِ، ويبغضونهم ويسبّونهم، عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدلُّ على أن عقولهم معكوسةٌ، وقلوبهم منكوسةٌ)(٢). كان النبيُّ ◌َلّه يعرفُ لخواصِّ أصحابه مكانتهم وقدرهم، ويدعو الناس لإنزالهم المنزلةَ اللائقة بهم. عنْ أبي الدّر داءِ رَنهُ قالَ: كانتْ بِينَ أبي بكرٍ وعمرَ محاورٌ، فأغضبَ أبو بكرٍ عمرَ، فانصرفَ عنهُ عمرُ مغضباً. فاتّبعهُ أبو بكرٍ يسألهُ أنْ يستغفرَ لهُ، فلمْ يفعلْ، حتّى أغلق بابهُ في وجههِ. فأقبلَ أبو بكرٍ إلى رسولِ الله وٍَّ. قالَ أبو الدّرداءِ: كنتُ جالساً عندَ النّبِيِّنَّهِ إِذْ أقبلَ أبو بكرٍ آخذاً بطرفِ ثوبهِ حتّى أبدى عنْ رکبتهِ. (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٦ / ٩٣]. (٢) تفسير ابن كثير [٤ / ٢٠٣]. ٢٠٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله فقالَ النّبِيُّ ◌ََّ: ((أما صاحبكمْ، فقدْ غامرَ))(١). فسلّمَ، وقالَ: إِنّ كانَ بيني وبينَ ابنِ الخطّابِ شيءٌ، فأسرعتُ إليهِ، ثمَّ ندمتُ، فسألتهُ أنْ يغفر لي، فأبى عليَّ. فأقبلتُ إليكَ. فقالَ: ((يغفرُ الله لكَ يا أبا بكرٍ، يغفرُ الله لكَ يا أبا بكرٍ، يغفرُ الله لكَ يا أبا بكرٍ))، ثلاثاً. ثُمَّ إِنَّ عمرَ ندمَ، فأتى منزلَ أبي بكرٍ فسألَ: أَثَّمَ أبو بكرٍ. فقالوا: لا. فأتى إلى النّبِّ ◌َّ فسلّمَ، فجعلَ وجهُ النّبِيِّ وَِّ يتمعّرُ(٢). حتّى أشفقَ أبو بكرٍ [أنْ يكون منْ رسول الله وٍَّ إلى عمر ما يكره]، فجثا على ركبتيهِ. فقالَ: يا رسولَ الله والله أنا كنتُ أظلمَ، والله أنا كنتُ أظلمَ. فقالَ النّبيُّ ◌َّ: ((إنَّ الله بعثني إليكمْ فقلتمْ كذبتَ، وقالَ أبو بكرٍ صدقَ، وواساني بنفسِهِ ومالِهِ، فهلْ أنتمْ تاركوا لي صاحبي، فهلْ أنتمْ تاركوا لي صاحبي؟)). فما أوذيَ بعدها(٣). من فوائد الحدیث: فيه: فضل أبي بكر على جميع الصّحابة. وفيه: أنَّ الفاضل لا ينبغي لهُ أنْ يغاضب منْ هوَ أفضل منهُ. وفيهِ: جواز مدحُ المرءِ في وجهه، ومحلّه إذا أمنَ عليهِ الافتتان والاغترار. وفيهِ: ما طبعَ عليهِ الإنسان منَ البشريّةِ حتّى يحملهُ الغضبُ على ارتكاب خلاف الأولى، (١) أيْ خاصمَ، والمعنى دخلَ في غمرة الخصومة. (٢) أيْ: تذهب نضارته من الغضب. (٣) رواه البخاري [٣٦٦١]. ٢٠٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكنْ الفاضل في الدّين يسرع الرّجوع إلى الأولى كقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَُّهُمْ طَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وفيهِ: أنَّ غير النّبيِّ ولوْ بلغَ منْ الفضل الغاية ليسَ بمعصومٍ. وفيهِ: استحباب سؤال الاستغفار، والتّحلّل منَ المظلوم. وفيهِ: أنَّ الرّكبة ليستْ عورةً(١). وعن ربيعة الأسلمي رََّنهُ قال: إنَّ رسولَ الله ◌َّه أعطاني أرضاً، وأعطاني أبو بكرٍ أرضاً. وجاءتِ الدّنيا فاختلفنا في عذقِ نخلةٍ. فقلت أنا: هي في حدّي. وقال أبو بكرٍ: هي في حدّي. فكانَ بيني وبينَ أبي بكرٍ كلامٌ، فقالَ أبو بكرٍ كلمةً كرهها، وندمَ. فقالَ لي: يا ربيعةُ ردَّ عليَّ مثلها، حتّى تكونَ قصاصاً. قلتُ: لا أفعلُ. فقالَ أبو بكرٍ: لتقولنَّ، أَوْ لأستعدينَّ عليكَ رسولَ الله وَل. فقلتُ: ما أنا بفاعلٍ . ورفضَ الأرضَ، وانطلقَ أبو بكرٍ رَهُ إلى النّبِيِّ وَِّ، وانطلقتُ أتلوهُ. فجاءَ ناسٌ منْ أسلمَ فقالوا لي: رحمَ الله أبا بكرٍ! في أيِّ شيءٍ يستعدي عليكَ رسولَ الله وَّةِ، وهوَ قالَ لكَ ما قالَ؟! فقلتُ: أتدرونَ ما هذا؟ هذا أبو بكرِ الصّدّيقُ، هذا ثانيَ اثنينٍ، وهذا ذو شيبةِ المسلمينَ، إيّاكُمْ، لا يلتفتُ، فيراكمْ تنصروني عليهِ، فيغضبَ، فيأتيَ رسولَ الله وَّهَ؛ فيغضبَ لغضبهِ، فيغضبَ الله عَوَجَلَّ لغضبهما، فيهلكَ ربيعةً. (١) فتح الباري [٢٦/٧]. ٢٠٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله قالوا: ما تأمرنا؟ قالَ: ارجعوا. فانطلقَ أبو بكرٍ رَّهُ إلى رسولِ اللهِوَّه فتبعتهُ وحدي، حتّى أتى النّبِيَّ وَّ. فحدّثْهُ الحديثَ كما كانَ، فرفعَ إليَّ رأسهُ فقالَ: يا ربيعةُ ما لكَ وللصّدّيقِ؟ قلتُ: يا رسولَ الله كانَ كذا، كانَ كذا، قالَ لي كلمةً كرهها، فقالَ لي: قلْ كما قلتُ حتّی يكونَ قصاصاً، فأبيتُ. فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((أجلْ، فلا تردَّ عليهِ، ولكنْ قلْ: غفرَ الله لكَ يا أبا بكرٍ)). فقلتُ: غفرَ الله لكَ يا أبا بكرٍ. فولّ أبو بكرٍ رَعَنْهُ وهوَ يبكي(١). و کان ◌ّ يخصّهم بأشیاءً دون سائر أصحابه: عنْ أبي سعيد الخدريِّ قالَ: خطبَ النّبيُّ وَّه في مرضه الّذي ماتَ فيهِ فقالَ: ((إنَّ الله خيّرَ عبداً بينَ أنْ يؤتيهُ زهرةَ الدّنيا، وبينَ ما عندهُ، فاختارَ ما عندَ الله)). فبكى أبو بكرِ الصّدّيقُ رَفْعَنْهُ، وبكى(٢). فقالَ: فديناكَ بآبائنا وأمّهاتنا. فقلتُ في نفسي: ما يبكي هذا الشّيخَ، إِنْ يكنِ الله خيّرَ عبداً بينَ الدّنيا، وبينَ ما عندهُ، فاختارَ ما عندَ الله. فكانَ رسولُ اللهِ وَّ هوَ العبدَ، وكانَ أبو بكرٍ أعلمنا. قالَ: ((يا أبا بكرٍ لا تبكِ، إِنَّ أَمنَّ النّاسِ عليَّ في صحبتِهِ ومالهِ أبو بكرٍ(٣). ولوْ كنتُ متّخذاً (١) رواه أحمد [١٦١٤٣] وصححه الألباني في الصحيحة [٣٢٥٨]. (٢) معناهُ بكى كثيراً، وكأنَّ أبا بكر رَنهُ فهمَ الرّمز الّذي أشارَ بِهِ النّبيّ ◌َّ مِنْ قرينة ذکره ذلكَ في مرض موته، فاستشعرَ منهُ أنّهُ أرادَ نفسه فلذلكَ بكى. فتح الباري [٧/ ١٢]. (٣) قوله: ((أمنّ)) أفعل تفضيل منْ المنّ بمعنى العطاء والبذل، بمعنى إنَّ أبذل النّاس لنفسهِ وماله، لا منْ المنّة الّتي تفسد الصّنيعة. فتح الباري [٧/ ١٣]. ٢١٠ تعاملات النبيّ صَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خليلاً منْ أمّتي لاتخذتُ أبا بكرٍ، ولكنْ أخوّةُ الإسلامِ ومودّتُهُ. لا يبقينَّ في المسجدِ بابٌ إلّا سدَّ، إلّا بابُ أبي بكرٍ))(١). الخوخة: هيَ الباب الصّغير بين البيتينِ، أوِ الدّارينٍ، ونحوه، والمعنى: لا تبقوا باباً غير مسدود إلّا باب أبي بكر فاترکوهُ بغیرِ سٌّ. وفي هذا الحديث فضيلة وخصّيصة ظاهرة لأبي بكر رَّ عَنْهُ. وقدْ ذكرَ عمر بن شبّة في ((أخبار المدينة)) أنَّ دار أبي بكر الّتي أذنَ لهُ في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانتْ ملاصقةً للمسجدِ، ولم تزلْ بیدِ أبي بكر حتّى احتاجَ إلى شيء یعطیه لبعضٍ منْ وفدَ عليهِ، فباعها، فاشترتها منهُ حفصة أمّ المؤمنينَ بأربعة آلاف درهم، فلمْ تزلْ بيدها إلى أنْ أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان، فطلبوها منها؛ ليوسّعوا بها المسجد، فامتنعتْ وقالتْ: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيلَ لها نعطيك داراً أوسعَ منها ونجعل لك طريقاً مثلها، فسلّمتْ ورضيتْ(٢). من فوائد الحديث: فيه: فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصّدّيق، وأنّهُ كانَ متأهّلاً لأنْ يَتّخذهُ النّبيّ وَّ خليلاً. وفيهِ: شكر المحسن والتّنويه بفضلهِ والثّناء علیهِ. وفيهِ: أنَّ المساجد تصانُ عنْ تطرّق النّاس إليها في خوخات ونحوها إلّا منْ أبوابها، إلّا لحاجةٍ مهمّةٍ(٣). وكان ◌َّه يحتملُ منهم ما لا يحتملُ من غيرهم: عنْ عمرَ بنِ الخطّابِ رَعَنظُ أنّهُ قالَ: لّا ماتَ عبدُ الله بنُ أبيٌّ ابنُ سلولَ دعيَ لهُ (١) رواه البخاري [٣٩٠٤]، ومسلم [٢٣٨٢]. وفي رواية لهما: لا تبقينَّ في المسجدِ خوخةٌ إلاّ خوخةَ أبي بكرٍ (٢) فتح الباري [١٤/٧]. (٣) فتح الباري [٧/ ١٤]، شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ١٥٢]. ٢١١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله رسولُ الله ◌َ﴿ ليصلّيَ عليهِ فلّا قامَ رسولُ الله ◌َّهِ وثبتُ إليهِ، فقلتُ: يا رسولَ الله أتصلّي على ابنِ أبِيٌّ، وقدْ قالَ يومَ كذا وكذا: كذا وكذا !! أعدّدُ عليهِ قولهُ(١). فتبسّمَ رسولُ الله ◌َّه وقالَ: ((أخّرْ عنّي يا عمرُ)). فلّا أكثرتُ عليهِ قالَ: ((إنّ خيّرتُ، فاخترتُ، لوْ أعلمُ أنّي إِنْ زدتُ على السّبعينَ يغفرُ لهُ لزدتُ علیھا)). قالَ: فصلّى عليهِ رسولُ الله ◌َِّ، ثُمَّ انصرفَ. فلمْ يمكثْ إلّا يسيراً حتّى نزلتِ الآيتانِ منْ براءةٌ: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلىَ أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةٍ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ ﴾ [التوبة: ٨٤]. قالَ: فعجبتُ بعدُ منْ جرأتي على رسولِ اللهِ لِّ يومئذٍ، واللهُ ورسولهُ أعلمُ(٢). فقد احتملَ منهُ النّبِيّ ◌َّ أخذهُ بثوبِهِ ومخاطبته لهُ في مثل ذلكَ المقام، حتّى التفتَ إليهِ متبسّاً(٣). فائدة: قالَ الخطّابِيُّ: ((إنّما فعلَ النّبِيُّ ◌ََّ مِعَ عبد الله بن أبيِّ ما فعلَ؛ لكمالٍ شفقته على منْ تعلّقَ بطرفٍ منَ الدّين، ولتطييبٍ قلبٍ ولده عبد الله الرّجل الصّالح، ولتألّفِ قومه منَ الخزرج لریاستهِ فیھمْ. فلوْ لمْ يجبْ سؤال ابنه، وتركَ الصّلاة عليهِ قبلَ ورود النّهي الصّريح؛ لكانَ سبّةً على ابنه وعاراً على قومه، فاستعملَ أحسن الأمرينِ في السّياسة إلى أنْ نهيَ فانتهى)) (٤). من فوائد الحديث: فيه: بيانُ عظيم مكارم أخلاقِ النّبِّ وَّةِ؛ فقدْ علمَ ما كانَ منْ هذا المنافق منَ الإيذاء، (١) وفي رواية: ((فأخذَ عمرُ بنُ الخطّابِ بثوبهِ فقالَ: تصليّ عليهِ وهوَ منافقٌ وقدْ نهاكَ الله أَنْ تستغفرَ لهمْ؟». (٢) رواه البخاري [١٣٦٦] ومسلم [٢٤٠٠]. (٣) فتح الباري [٣٣٥/٨]. (٤) فتح الباري [٣٣٦/٨]. ٢١٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقابلهُ بالحسنى، فألبسهُ قميصه كفناً، وصلّى عليهِ، واستغفرَ لهُ. قالَ الله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ٤]. وفيهِ: تحريم الصّلاة على من مات كافراً، والدّعاء لهُ بالمغفرةِ، والقيام على قبره للدّعاءِ(١). وكان يعتمد على بعضهم في أموره الخاصّة: فكان ◌َلّ يعتمدُ على بلال بن رباح وهو من السابقين إلى الإسلام في تدبير أمور نفقته. عن عبدِ الله الهوزنيُّ قالَ: لقيتُ بلالاً مؤذّنَ رسولِ الله وَّ بحلبَ. فقلتُ: يا بلالُ حدّثني كيفَ كانتْ نفقةُ رسولِ الله ◌ِّ؟ قالَ: ما كانَ لهُ شيءٌ إلاَّ أنا الّذي كنتُ ألي ذلكَ منهُ، منذُ بعثهُ الله إلى أنْ توفّيَ(٢). وكانَ إذا أتاهُ الإنسانُ مسلماً، فرآهُ عارياً، يأمرني فأنطلقُ فأستقرضُ، فأشتري لهُ البردةَ فأکسوهُ وأطعمهُ. حتّى اعترضني رجلٌ منَ المشركينَ فقالَ: يا بلالُ، إنَّ عندي سعةً، فلا تستقرضْ منْ أحدٍ إلّا منّي. ففعلتُ. فلمّا أَنْ كانَ ذاتَ يومٍ، توضّأتُ، ثمَّ قمتُ لأؤذّنَ بالصّلاةِ، فإذا المشركُ قدْ أقبلَ في عصابةٍ مِنَ التّجّارِ. فلمّا أنْ رآني قالَ: یا حبشُّ. قلتُ: يا لبّاهُ(٣). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ١٦٧]. (٢) أيْ أنا الذي أتولىّ أمر النّفقة منْ النّبيّ ◌َّ. (٣) أيْ لبّيكَ. ٢١٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله فتجهّمني(١)، وقالَ لي قولاً غليظاً. وقالَ لي: أتدري كمْ بينكَ وبينَ الشّهرِ؟ قلتُ: قريبٌ. قالَ: إنّما بينكَ وبينهُ أربعٌ، فَآخذكَ بالّذي عليكَ(٢)، فإنيّ لم أعطكَ الذي أعطيتكَ منْ كرامتكَ، ولاَ منْ كرامةِ صاحبكَ، ولكنْ أعطيتكَ؛ لتجبَ لى عبداً، فأردّكَ ترعى الغنمَ كما كنتَ قبلَ ذلكَ. فأخذَ في نفسي ما يأخذُ في أنفسِ النّاسِ(٣). حتّى إذا صلّيتُ العتمةَ رجعَ رسولُ الله ◌َّه إلى أهلِهِ، فاستأذنتُ عليهِ، فأذنَ لي. فقلتُ: يا رسولَ الله بأبي أنتَ وأمّي، إنَّ المشركَ الّذي كنتُ أتديّنُ منهُ، قَالَ لي كذا وكذا، وليسَ عندكَ ما تقضي عنّي ولا عندي، وهوَ فاضحي، فأذنْ لي أنْ آتَىَ بعض هؤلاءِ الأحیاءِ الّذِينَ قَدْ أسلموا، حتّى يرزقَ الله رسولهُ مَّ ما يقضي عنّي. فخرجتُّ حتّى إذا أتيتُ منزلي، فجعلتُ سيفي وجرابي ونعلي ومجنّ عندَ رأسي (٤). واستقبلتُ بوجهىَ الأفقَ، فكلّما نمتُ انتبهتُ، فإذا رأيتُ علىَّ ليلاً نمتُ، حتّى إذا انشقَّ عمودُ الصّبحِ الأوّلِ (٥)، أردتُ أنْ أَنطلقَ، فإذا إنسانٌ يسعى يدعو: يا بلالُ، أجبْ رسولَ الله ◌َلّ. فانطلقتُ حتّى أتيتُهُ. فإذا أربعُ ركائبَ مناخاتٌ عليهنَّ أحمالهنَّ(٦). (١) أيْ: تلقّاني بوجهٍ کریه. (٢) أيْ آخذك على رأس الشّهر في مقابلة ما عليك منَ المال، وأتخّذكَ عبداً في مقابلة ذلكَ المال. (٣) أيْ منَ الهمّ. (٤) الجراب: وعاء منْ جلد، والمجنّ: الترّس. (٥) أي: العمود المستطيل المرتفع في السّماء، وهوَ الصّبح الكاذب. (٦) ركائبَ: جمع ركوبة وهوَ ما يركب عليهِ منْ كلّ داّة. ٢١٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستأذنتُ. فقالَ لي رسولُ الله ◌َّهِ: ((أبشرْ، فقدْ جاءكَ الله بقضائكَ)). فحمدتُ اللهَ. ثمَّ قالَ: ((ألمْ ترَ الرّكائبَ المناخاتِ الأربعَ؟)). فقلتُ: بلى. فقالَ: ((إنَّ لكَ رقابهنَّ وما عليهنَّ، فإنَّ عليهنَّ كسوةً وطعاماً أهداهنَّ إليَّ عظيمُ فدكَ، فاقبضهنَّ واقضٍ دینكَ)). ففعلتُ، فحططتُّ عنهنَّ أحمالهنَّ، ثمَّ عقلتهنَّ(١)، ثمَّ عمدتُ إلى تأذينِ صلاةِ الصّبحِ، حتّى إذا صلّى رسولُ الله ◌َّ خرجتُ إلى البقيع، فجعلتُ إصبعىَّ في أذنيَّ فناديتُ، وقلتُ: مِنْ كانَ يطلبُ رسولَ الله ◌َّ﴾ ديناً؛ فلیحضرْ. فما زلتُ أبيعُ، وأقضى، وأعرّضُ، وأقضى، حتّى لمْ يبقَ على رسولِ اللهوَِّدِينٌ فى الأرضِ. حتّى فضلَ عندى أوقيّتانِ، أوْ أوقيّةٌ ونصفٌ. ثمَّ انطلقتُ إلى المسجدِ، وقدْ ذهبَ عامّةُ النّهارِ، فإذا رسولُ اللهِوَلَ قاعدٌ في المسجدِ وحدهُ، فسلّمتُ علیهِ. فقالَ لي: ((ما فعلَ ما قبلكَ))(٢). قلتُ: قدْ قضى الله كلَّ شيءٍ كانَ على رسولِ اللهِوَّةِ، فلمْ يبقَ شيءٌ. قالَ: ((أفضلَ شيءٍ؟)). قلتُ: نعمْ. قالَ: ((انظرْ أنْ تريحني منهُ (٣)، فإنيّ لستُ بداخلٍ على أحدٍ منْ أهلي حتّى تريحني منهُ)). (١) عقلُ الدابّة: ربطها بالعقال، وهو الحبل الذي تربط به الإبل ونحوها. (٢) أيْ: ما حال ما عندك منَ المال هلْ قضَي الدّين أمْ لا؟ (٣) أيْ: تفرغ قلبي منهُ بأنْ تنفّقهُ على مصارفه. ٢١٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّالَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله فلمْ يأتنا أحدٌ حتّى أمسينا، فلمّا صلّى رسولُ الله وَّ العتمةَ دعاني. فقالَ: ((ما فعلَ الّذي قبلكَ؟». قلتُ: هوَ معي لم يأتنا أحدٌ. فباتَ رسولُ الله ◌َّه في المسجدِ حتّى أصبحَ، وظلّ فى المسجدِ اليومَ الثّاني. حتّى كانَ في آخرِ النّهارِ جاءَ راكبانٍ، فانطلقتُ بهما، فكسوتهما، وأطعمتهما. حتّى إذا صلّى العتمةَ، دعاني. قالَ: ((ما فعلَ الّذي قبلكَ؟)). قلتُ: قدْ أراحكَ الله منهُ يا رسولَ الله. فكبّرَ، وحمدَ الله، شفقاً منْ أنْ يدركهُ الموتُّ، وعندهُ ذلكَ. ثُمَّ اتّبعتهُ حتّى إذا جاءَ أزواجهُ، فسلّمَ على امرأةٍ امرأةٍ، حتّى أتى مبيتهُ. فهذا الّذي سألتني عنهُ(١). وكان النبي وَل يتفقّدُ من غاب من أصحابه: عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ الله أنّهُ قالَ: لما نزلتْ هذهِ الآيةُ: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢] إلى آخرِ الآيةِ، جلسَ ثابتُ بنُ قيسٍ في بيتِهِ، وقالَ: أنا منْ أهلِ النّارِ، واحتبسَ عنِ النّبِيِّ وَّ. فسألَ النّبِيُّ ◌َّ سعدَ بنَ معاذٍ، فقالَ: ((يا أبا عمرٍو، ما شأنُ ثابتٍ؟ اشتكى؟». قالَ سعدٌ: إنّهُ لجاري، وما علمتُ لهُ بشكوى. قالَ: فأتاهُ سعدٌ، فذكرَ لهُ قولَ رسولِ الله وَّةِ، فقالَ ثابتٌ: أنزلتْ هذهِ الآيةُ، ولقدْ علمتمْ أنّي منْ أرفعكمْ صوتاً على رسولِ اللهِوَّهِ، فأنا منْ أهلِ النّارِ. (١) رواه أبو داود [٣٠٥٥]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [٣٠٥٥]. ٢١٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرَ ذلكَ سعدٌ للنّبِّ وَّةِ، فقالَ رسولُ اللهِ وََّ: ((بلْ هوَ مَنْ أهلِ الجنّةِ)(١). وعنْ قرّةَ بنِ إِياسٍ رَةُ أَنَّ رجلاً أتى النّبِيَّ ◌َّهِ، ومعهُ ابنٌّ لهُ، فقالَ لهُ: ((أتحبّهُ؟)) فقالَ: ((أحبّكَ الله كما أحبّهُ)). فماتَ، ففقدهُ، فسألَ عنهُ، فقالَ لأبيهِ: ((أما يسرّكَ أنْ لا تأتيَ باباً منْ أبوابِ الجنّةِ إلّا وجدتهُ عندهُ يسعى يفتحُ لكَ؟))(٢). وكان ذلك التفقّد يتأكّد في الأوقات الحرجة: عن زيد بن ثابت رَّهُ قال: بعثني رسولُ الله ◌َل﴿ يومَ أحد؛ لطلبٍ سعدِ بنِ الربيع، وقال لي: ((إنْ رأيتهُ فأقرئَهُ منّي السّلامَ، وقلْ لهُ: يقولُ لكَ رسولُ اللهِوَّةِ: كيفَ تجدكَ؟)). فجعلتُ أطوفُ بين القتلى، فأصبته وهو في آخرِ رمقٍ، وبه سبعون ضربةً ما بين طعنةٍ برمحٍ، وضربةٍ بسیفٍ، ورميةِ بسهمِ. فقلتُ له: يا سعدُ، إن رسولَ اللهِوَلَه يقرأُ عليك السلام، ويقولُ لك: أخبرني كيف تجدك؟. قال: على رسولِ اللهِ وَّ، وعليك السلامُ. قل له: يا رسول الله، أجدُ ریحَ الجنة. وقلْ لقومي الأنصارِ: لا عذرَ لكم عندَ الله إن خلصَ إلى رسول الله وَّةِ، وفيكم شفرٌ يطرفُ(٣). وفاضتْ نفسه رَحِمَةُاللَّه(٤). وهذا اشتغال واهتمام منهُ وَلِّ بأصحابهِ، وبحثه عنْ منْ فقدَ منهمْ بعدَ الموتِ، ليعلمَ ما خبرهُ، وما الّذي غيّبهُ(٥). (١) رواه البخاري [٣٦١٣]، ومسلم [١١٩]. (٢) رواه النسائي [١٨٧٠]، وأحمد [١٩٨٥٢]، وزاد: فقال رجل: يا رسول الله! أله خاصة أو لكلنا؟ قال: ((بل لكلّكم)). وصححه الألباني في أحكام الجنائز [١١١]. (٣) شفر العين: ما نبت عليه الشعر، وأصل منبت الشعر في الجفن. (٤) رواه البيهقي في دلائل النبوة [٣ / ٢٦٩] وذكره مالك في الموطأ [٨٨٤] بنحوه عن يحيى بن سعيد معضلا، وقال ابن عبد البر: ((هذا الحديث لا أحفظه، ولا أعرفه إلا عند أهل السير، فهو عندهم مشهور معروف)). التمهيد [٢٤ / ٩٤]. (٥) المنتقى شرح الموطأ [٦٨/٣]. ٢١٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَه ◌َيْهِوَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله وقوله (أجد ريح الجنة): يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة بأن يكون شم رائحة طيبة زائدة على ما يعهده، فعرف أنها الجنة. ويحتمل أن يكون أطلق ذلك باعتبار ما عنده من الیقین، حتى كأن الغائب عنه صار محسوسا عنده(١). وكان رسول الله قال﴾ يفدّي بعضهم بأبيه وأمه: عن سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ قال: نثَلَ لي النّبِيُّ ◌ََّ كنانتَهُ(٢) يومَ أحدٍ فقالَ: «ارمِ فداكَ أبي وأمّي))(٣). وهذه كلمةٌ تقولها العربُ على الترحيبِ أي: لو كان لي إلى الفداءِ سبيلٌ؛ لفديتك بأبويَّ اللذين هما عزیزانٍ عندي. وفي رواية مسلم عنْ سعدٍ أَنَّ النّبِيَّ وَّ جمعَ لهُ أبويهِ يومَ أحدٍ. قالَ: كَانَ رجلٌ منْ المشركينَ قدْ أحرقَ المسلمينَ(٤). فقالَ لهُ النّبِيُّ ◌َِّ: ((ارمِ فداك أبي وأمّي)). فنزعتُ لهُ بسهمٍ ليسَ فيهِ نصلٌ، فأصبتُ جنبهُ، فسقطَ، فانكشفتْ عورتهُ. فضحكَ رسولُ اللهِوَِّ حَتّى نظرتُ إلى نواجذهِ. ((فضحكَ)) أيْ: فرحاً بقتلهِ عدوّهُ، لا لانكشافِهِ (٥). وعنْ عبدِ الله بنِ الزّبيِ رَلهُ قالَ: كنتُ يومَ الأحزابِ(٦) جعلتُ أنا وعمرُ بنُ أبي سلمةَ في الأطم الّذي فيهِ النّسوة(٧) . (١) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد [٤ / ٢٤٧]. (٢) أي: استخرج ما فيها من النبل (٣) رواه البخاري [٤٠٥٥]، ومسلم [٢٤١٢]. (٤) أيْ: أثخنَ فيهمْ، وعملَ فيهمْ نحو عمل النّار. (٥) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥ / ١٨٥]. (٦) لمّا حاصرتْ قريش ومنْ معها المسلميَن بالمدينةِ. (٧) الأطم: الحصن وجمعهُ آطام. ٢١٨ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانَ يطأطئ لي مرّة فأنظر، وأطأطئ لهُ مرّة فينظر(١). فنظرتُ، فإذا أنا بالزّبيرِ على فرسِهِ يختلفُ إلى بني قريظةَ مرّتينٍ أوْ ثلاثاً. فلمّا رجعتُ قلتُ: يا أبتِ رأيتكَ تختلفُ. قالَ: أوهل رأيتني يا بنيَّ. قلتُ: نعمْ. قالَ: كَانَ رسولُ اللهِوَّه قالَ: «مَنْ يأتِ بني قريظةَ، فيأتيني بخبرهمْ؟)). فانطلقتُ، فلمّا رجعتُ جمعَ لي رسولُ الله ◌َّ﴿ أَبويهِ، فقالَ: ((فداكَ أبي وأمّي))(٢). قال النووي: ((ليسَ فيهِ حقيقةٌ فداء، وإنّما هوَ كلامٌ، وإلطافٌ، وإعلام بمحبّتِهِ لهُ، ومنزلته. وفيهِ منقبة لابنِ الزّبير؛ لجودةِ ضبطه لهذهِ القضيّة مفصّلة في هذا السّنِّ، فإنَّ ابن الزّبير ولدَ عام الهجرة في المدينة، وكانَ الخندق سنة أربع منَ الهجرة على الصّحيح، فيكون لهُ في وقت ضبطه لهذهِ القضيّة دون أربع سنينَ(٣). و کان چل﴾ يحزنُ عند وفاتهم، ویبکي عليهم: عنْ عبدِ الله بنِ عِمرَ رَعَنْهَا قالَ: أمّرَ رسولُ الله ◌َّه في غزوة مؤتةَ زيدَ بنَ حارثةَ. فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنْ قتلَ زيدٌ فجعفرٌ، وإنْ قتلَ جعفرٌ فعبدُ الله بنُ رواحةً». قالَ عبدُ الله: كنتُ فيهمْ في تلكَ الغزوةِ، فالتمسنا جعفرَ بنَ أبي طالبٍ، فوجدناهُ في القتلى، ووجدنا ما في جسدِهِ بضعاً وتسعينَ منْ طعنةٍ ورميةٍ (٤). وعنْ أنسِ بنِ مالكِ رَهُ قالَ: خطبَ النّبِيُّ ◌َلَ فقالَ: «أخذَ الرّايَ زیدٌ فأصیبَ، ثمَّ (١) ومعناهُ: يخفضُ لي ظهره. (٢) رواه البخاري [٣٧٢٠]، ومسلم [٢٤١٦]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٥/ ١٨٤]. (٤) رواه البخاري [٤٢٦١]. ٢١٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَّالَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله أخذها جعفرٌ فأصيبَ، ثمَّ أخذها عبدُ الله بن رواحةَ فأصيبَ، وعيناهُ تذرفانٍ. ثمَّ أخذها خالدُ بنُّ الوليدِ منْ غيرِ إمرةٍ، ففتحَ لهُ))(١). وعنْ عائشةَ رَّعَنْهَا قالتْ: رأيتُ رسولَ الله ◌َِّ يقبّلُ عثمانَ بنَ مظعونٍ وهوَ ميّتٌ، حتّى رأيتُ الدّموعَ تسيلُ على خدّيهِ. وفي رواية: وعيناهُ تذرفانِ(٢). وعن المطّلب بن عبد الله قال: لَّا ماتَ عثمانُ بنُ مظعونٍ أخرجَ بجنازتهِ فدفنَ، فأمَرَ النّبُّ ◌َُّ﴿ رجلاً أَنْ یأتیهُ بحجٍ. فلمْ یستطعْ حملهُ. فقامَ إليها رسولُ الله ◌َّةِ، وحسرَ عنْ ذراعيهِ. قالَ المطّلبُ: قالَ الّذي يخبرني ذلكَ عنْ رسولِ اللهِوَّهِ: كأنّي أنظرُ إلى بياضٍ ذراعيْ رسولِ اللهِوََّ حِينَ حسرَ عنهما، ثمَّ حملها، فوضعها عندَ رأسهِ، وقالَ: «أتعلّمُ بها قبرَ أخي، وأدفنُ إليهِ منْ ماتَ منْ أهلي)(٣). وعثمانَ بنَ مظعونٍ: هوَ أخو رسولِ اللهِوََّ من الرضاعة، هاجرَ الهجرتينِ وشهدَ بدراً، وكانَ حرّمَ الخمرَ في الجاهليّةِ، وهوَ أوّلُ منْ ماتَ منَ المهاجرينَ بالمدينةِ في شعبانَ على رأسِ ثلاثينَ شهراً منَ الهجرةِ، وكانَ عابداً مجتهداً منْ فضلاءِ الصّحابةِ(٤). والحديثُ يدلُّ على أنَّ تقبيلَ المسلمِ بعدَ الموتِ والبكاءَ عليهِ جائزٌ. وقال ابن قدامة: ((ولا بأس بتعليم القبر بحجرٍ أو خشبةٍ، قال أحمد: لا بأس أن يعلّم الرجل القبرَ علامةً يعرفه بها، وقد علّم النبيِِّ قبرَ عثمان بن مظعون))(٥). (١) رواه البخاري [١٢٤٦]. (٢) رواه أبو داود [٣١٦٣]، والترمذي [٩٨٩]، وابن ماجة [١٤٥٦]، وصححه الألباني في مختصر الشمائل [٢٨٠]. (٣) رواه أبو داود [٣٢٠٦] وحسنه الألباني في أحكام الجنائز (ص ١٥٥]. (٤) تنظر ترجمته في: الإصابة [٤/ ٤٦١]. (٥) المغني [٢/ ١٩١].