Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فظنّا أنّهُ إنّما تحبسهُ أمّهُ لأَنْ تغسّلهُ وتلبسهُ سخاباً(١). فلمْ يلبثْ أنْ جاءَ يسعى حتّى اعتنقَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبهُ. فقالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((اللهمَّ إنّ أحبّهُ فأحبّهُ، وأحببْ منْ يحبّهُ)). قالَ أبو هريرةَ: فما كانَ أحدٌ أحبَّ إليَّ منَ الحسنِ بنِ عليٍّ بعدَ ما قالَ رسولُ الله ◌َِّ ما قالَ(٢). قال النووي: (جاءَ يسعى حتّى اعتنقَ كلّ واحد منهما صاحبه) فيهِ: استحبابُ ملاطفةِ الصّبيِّ ومداعبته رحمةً لهُ، ولطفاً، واستحباب التّواضع معَ الأطفال، وغیرهمْ. وفي الحديث: جوازُ إلباسِ الصّبيانِ القلائد والسّخب، ونحوها منَ الزّينة، واستحباب تنظيفهمْ لا سيّما عند لقائهمْ أهل الفضل(٣). وقد كان الحفیدان رێەعنھما ريحانتیه من الدنیا: قالَ ابنُ عمرَ: سمعتُ رسولَ اللهِوَّه يقولُ: ((إنَّ الحسن والحسينَ هما ريحانتايَ منَ الدّنيا))(٤). والمعنى: أنّهما مّا أكرمني الله، وحباني بهِ؛ لأنَّ الأولاد يشمّونَ، ويقبّلونَ فكأنّهمْ منْ جملة الرّیاحین. وقوله: ((منَ الدّنيا)) أيْ: نصيبي منْ الرّيحان الدّنيويّ(٥). وكان يقبل أطفاله ويضمهم إلى صدره: عن أبي هريرةَ رََّعَنْهُ قالَ: قبّلَ رسولُ اللهِوَّه الحسنَ بنَ عليٍّ وعندهُ الأقرعُ بنُ حابسٍ التّميميُّ جالساً. (١) السخاب: هوَ خيطٌ ينظم فيهِ خرز ويلبسه الصّبيان والجواري. وقيلَ هوَ قلادة تتّخذ منْ قرنفل ونحوه، وليسَ فيها منَ اللّؤلؤ والجوهرِ شىءٌ. النهاية [٣٤٩/٢]]. (٢) رواه البخاري [٥٨٨٤] ومسلم [٢٤٢١]. (٣) شرح النووي على مسلم [١٥ / ١٩٣] بتصرف. (٤) رواه البخاري [٣٧٥٣]، والترمذي [٣٧٧٠]، واللفظ له. (٥) فتح الباري [١٠ / ٤٢٧]. ١٤١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله فقالَ الأقرعُ: إنَّ لي عشرةَ منْ الولِدِ ما قبّلتُ منهمْ أحداً. فنظرَ إليهِ رسولُ الله ◌َّ ثمَّ قالَ: ((منْ لا يرحمُ لا يرحمُ)) (١). ((وفي جواب النّبِيّ ◌َّه للأقرع إشارةٌ إلى أنَّ تقبيلَ الولد إنّما يكون للشّفقةِ والرّحمة، وكذا الضّمّ والشّمّ والمعانقة))(٢). ويحمل أحفاده على عاتقه: عن أبي هريرةَ رَّ ◌َنْهُ قالَ: خرج علينا رسولُ اللهِوَّهِ، ومعهُ حسنٌ وحسينٌ هذا على عاتقهِ، وهذا على عاتقهِ، وهوَ يلثمُ هذا مرّةً، ويلثمُ هذا مرّةً(٣). حتّى انتهى إلينا، فقالَ لهُ رجلٌ: يا رسولَ الله إنّكَ تحبّهما. فقالَ: ((منْ أحبّهما؛ فقدْ أحبّني، ومنْ أبغضهما؛ فقدْ أبغضني))(٤). وإذا قارنتَ حالَ النبيِّ وََّ بحالنا اليومَ في التعاملِ مع أولادنا رأيتَ العجب العجابَ، فالكثيرون تركوا الرعايةَ والمداعبةَ لأطفالهم على عاتقِ الخادماتِ، فيصبحُ الطفلُ ويمسي، وهو في أحضانِ تلك الأم المصطنعةِ، لا يعرفُ سبيلاً إلى حنانِ أمّهِ وأبيه. حتى لغة الطفلِ تبدو ضعيفةً وركيكةً، ولا يكادُ صغارُ اليومِ الذين نشئوا في أكنافٍ الخادماتِ يفصحون القولَ؛ وذلك راجع إلى تأثير الخادمات عليهم. ويسيل لعاب حفيده عليه فلا ينزعج من ذلك: فعنْ أبي هريرةَ رَّهُ قالَ: رأيتُ النّبيَّ ◌َِّ حَامَلَ الحسينِ بنِ عليٍّ على عاتقِهِ، ولعابهُ يسيلُ عليهِ(٥). (١) رواه البخاري [٥٩٩٧]، ومسلم [٢٣١٨]. (٢) فتح الباري [١٠ / ٤٣٠] (٣) يعني: يقبّل (٤) رواه ابن ماجة [١٤٣]، وأحمد [٩٣٨١]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٨٩٥]. (٥) رواه ابن ماجه [٦٨٥]، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة [٥٣٦]. ١٤٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بل كان يمصُّ شفة الحسن: عنْ معاويةَ رَّ ◌َنهُ قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِوَّه يمصُّ لسانهُ أوْ قالَ شفتهُ؛ يعني الحسنَ بنَ عليٍّ صلواتُ الله عليهِ، وإنّهُ لنْ يعذّبَ لسانٌ أوْ شفتانِ مصّهما رسولُ الله ◌َيَ(١). ویر کبهم معه، على دابته: عنْ عبدِ الله بنِ جعفرٍ قالَ: كَانَ رسولُ الله ◌َّه إذا قدمَ منْ سفرٍ تلقّيَ بصبيانِ أهلِ بیتِهِ، قالَ: وإنّهُ قدمَ منْ سفرٍ فسبقَ بي إليهِ، فحملني بينَ يديهِ، ثمَّ جيءَ بأحدِ ابنيْ فاطمةَ، فأردفهُ خلفه(٢). وعنْ إياسِ بنِ سلمةَ عنْ أبيهِ، قالَ: لقدْ قدتُ بنبيِّ الله ◌َّهِ، والحسنِ، والحسينِ، بغلتهُ الشّهباءَ، حتّى أدخلتهمْ حجرةَ النّبِيِّ وََّ، هذا قدّامهُ، وهذا خلفهُ(٣). وكان ◌َ ل يلاعب الأطفال، ويضاحكهم: عنْ سعيدِ بنِ أبي راشدٍ أنَّ يعلى بنَ مرّةَ حدّثهمْ: أنّهمْ خرجوا معَ النّبِيِّ ◌َِّ إلى طعامِ دعوا لهُ. فإذا حسينٌ يلعبُ في السّكّةِ. فتقدّمَ النّبِيُّ وَّهِ أَمامَ القومِ، وبسطَ يديهِ، فجعلَ الغلامُ يفرُّها هنا، وها هنا، ويضاحكهُ النّبِيُّ ◌َّ حتّى أخذهُ، فجعلَ إحدى يديهِ تحتَ ذقنِهِ، والأخرى في فأسِ رأسِهِ (٤) فقبّلهُ. وقالَ: ((حسينٌّ منّي، وأنا من حسينٍ، أحبَّ الله منْ أحبَّ حسيناً، حسينٌ سبطٌ منَ الأسباطِ))(٥). ((حسين منّي وأنا منْ حسين)) أيْ: بيننا منَ الاتّحاد والاتّصال ما يصحّ أنْ يقال كلّ منهما منَ الآخر. (١) رواه أحمد [١٦٤٠٦]، وصححه شعيب الأرناؤوط. (٢) رواه مسلم [٢٤٢٨]. (٣) رواه مسلم [٢٤٢٣]. (٤) هوَ طرف مؤخّره المنتشر على القفا. (٥) رواه ابن ماجه [١٤٤] والترمذي [٣٧٧٥] مختصراً، وحسنه الألباني في الصحيحة [١٢٢٧]. ١٤٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَاللَّهُ عليهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله ((حسينٌ سبطٌّ منَ الأسباطِ)) أيْ: أمٌّ منَ الأممِ في الخيرِ؛ والأسباطُ في أولادِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ بمنزلةِ القبائلِ في ولدِ إسماعيلَ. ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ: أَنّهُ يتشعّبُ منهُ قبيلةٌ، ويكونُ منْ نسلِهِ خلقٌ كثيرٌ، فيكونُ إشارةً إلى أنَّ نسلهُ يكونُ أكثرَ وأبقى، وكانَ الأمرُ كذلكَ(١). ويدعو لهم بالرحمة: عنْ أسامةَ بنِ زِيدٍ رَعَنْهَا: كانَ رسولُ الله ◌َّ يأخذني، فيقعدني على فخذهِ، ويقعدُ الحسنَ علی فخذهِ الأخری ثمَّ یضمّهما. ثمَّ يقولُ: ((اللهمَّ ارحمهما فإنّ أرحمهما)(٢). وإذا أتاه شيءٌ من الهدايا؛ فلأحفاده منها نصيبٌ: لما كان للهديةِ أثرٌ طيّبٌّ في النفس البشريةِ عامّةٍ، وفي نفوس الأطفال خاصة، كان النّبيُّ ◌َلا یتحف أحفاده بالهدایا. فعنْ عائشةَ رَ عَنْهَا قالتْ: قدمتْ على النّبِّ ◌ََّ حليةٌ منْ عنِدِ النّجاشيِّ أهداها لهُ؛ فيها خاتمٌ منْ ذهبٍ، فیهِ فصِّ حبشٌّ. قالتْ: فأخذهُ رسولُ الله ◌َّ بعودِ معرضاً عنهُ أَوْ ببعضِ أصابعِهِ. ثُمَّ دعا أمامةَ ابنةَ أبي العاصِ ابنةَ ابنتهِ زينبَ فقالَ: ((تحلُّّ بهذا يا بنيّةُ))(٣). وكان يربيهم منذ الصغر على ترك المحرّمات: عن أبي هريرةَ رَّ ◌َنهُ قالَ: أخذَ الحسنُ بنُ عَلِيِّ رَعَنْهَا تمرةً منْ تمرِ الصّدقِةِ، فجعلها في فیهِ. فقالَ النّبيُّ ◌َِّ: (كخْ كخْ))؛ ليطرحها. (١) تحفة الأحوذي [١٠ / ١٧٨]. (٢) رواه البخاري [٦٠٠٣]. (٣) رواه أبو داود [٤٢٣٥]، وابن ماجة [٣٦٤٤]، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجة [٢٩٣٩]. ١٤٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: ((أما شعرتَ أنّا لا نأكلُ الصّدقةَ))(١). ((كخْ كخْ)) هيَ كلمة يزجرُ بها الصّبيانُ عنِ المستقدرات، فيقال لهُ: (كخْ) أي: اتركهُ. وفي الحديث: أنَّ الصّبيان يوقّونَ ما يوقّاهُ الكبار، وتمنع منْ تعاطيه، وهذا واجب على الوليِّ. وفيه: تأديبهمْ بما ينفعهمْ ومنعهم ممّا يضرّهُمْ ومنْ تناولِ المحرّماتِ، وإِنْ كانوا غيرَ مكلّفينَ ليتدرّبوا بذلكَ(٢). الولد مجبنةٌ مبخلةٌ: عنْ يعلى العامريِّ أنّهُ قالَ: جاءَ الحسنُ، والحسينُ يسعيانِ إلى النّبِيِّ ◌َِّ فضمّهما إليهِ، وقالَ: ((إنَّ الولدَ مبخلٌ مجبنٌ)(٣). أي: لأجله يبخلُ الإنسانَ ويجبنُ، فقد يحملُ حبُّ الولد الإنسانَ على أن يبخلَ بماله، ويحمله على الجبنِ والخوفِ من الموتِ لأجلهم (٤). وفي هذا إشارةٌ إلى شدّةٍ حبّه وَّ للحسن والحسينِ؛ حيث ضمّهما، وقال ما قال. فهذه حاله گی﴾ مع أحفاده؛ کیف کان یشملهم برحمته، وحبّه، وعطفه، ورعايته، (١) رواه البخاري [١٤١٩]، ومسلم [١٠٦٩]. (٢) شرح النووي [١٧٥/٧]، فتح الباري [٣ / ٣٥٥]. (٣) رواه ابن ماجة [٣٦٥٦]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٩٨٩]. (٤) حاشية السندي [٧/ ٧٢]. ١٤٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله وأعزّ منْ أولادنا الأحفادُ نحكي لهمْ مجِدَ الصّحابةِ علّهِمْ خيرُ الجدودِ الرّاحمينَ نبيّنا ولدَ الحفيدُ، فكانَ بشری جدّهِ ويصبُّ في أذنِ الوليدِ أذانهُ بالتّمِرِ والرّيقِ اللّذيذِ محنكاً بالحسنِ سّاهمْ، فأحسنَ وصفهمْ ويعقُّ عنهمْ بالكباشِ مقدّياً كمْ كانَ حجرُ المصطفى مهداً همْ وانظرْ أمامةَ فوقَ عاتِقِ جدّها بدعاهُ يرقيهمْ، ويمسحُ فوقهمْ ويضمّهمْ منْ حبّهمْ في صدرهِ حتّى يقبّلهمْ ويمسحَ خدّهمْ وهمُ لنا الأرواحُ والأكبادُ يستبسلونَ وترجعُ الأمجادُ أحفادهُ الأسباطُ والأسيادُ ويداهُ للطّفلِ الوليدِ مهادُ عذباً بهِ يستفتحُ الميلادُ ما مثلهُ بينَ البريّةِ زادٌ والحسنُ في وسمِ الوليدِ مرادُ ومبشّراً، فكأنّها أعيادُ حتّى ولوْ بالوا عليهِ وعادوا صلّى بها، فلتحملِ الأحفادُ والطّفلُ قدْ يغرى بهِ الحسّادُ ويفيضُ بالتّحنانِ منهُ فؤادُ هل مثلُ ذاكَ تعطّفٌ وودادُ ١٤٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله تعامل النبي والجلاء مع أقاربه كان النبيُّ نَّه أرعى الخلقِ لقريبٍ، وأحناهم على رحم، وأكثرهم إحساناً إلى أهلِ، شهد المخالطون له ◌َّ بذلك، فوصفه واصفهم بأنه وَّ كان: ((أبّ النّاسِ، وأوصل النّاسِ)) (١). وكان له من الأعمام: أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، والعباس، وأبو طالب واسمه عبد مناف، وأبو لهب واسمه عبد العزى، والزبير، وعبد الكعبة، والمقوم، وضرار، وقثم، والمغيرة ولقبه حجل، والغيداق واسمه مصعب، وقيل: نوفل، والحارث، وجعل بعضهم الحارث والمقوم واحدا (٢). وأسنُّ أعمامِهِ الحارثُ، وأصغرهمْ سنّاً: العبّاسُ. ولم يدرك الإسلام من أعمامه إلا أربعة: أبو طالب، وأبو لهب، وحمزة، والعباس، وأسلم منهم اثنان فقط: حمزة والعباس رَضْلَ عَنْهَ(٣). وأمّا عَّتُهُ وَِّ، فستةٌ: صفيّةٌ أمّ الزّبيرِ بنِ العوّام، وعاتكةُ، وبرّةُ، وأروى، وأميمةُ، وأمّ حكيمِ البيضاءِ. أسلمَ منهنّ صفيّةٌ، واختلفَ في إسلامِ عاتكةً، وأروى (٤). (١) رواه مسلم [١٠٧٢] عن عبد المطلب بن ربيعة رَضَلَّهُ عَنْهُ. (٢) زاد المعاد [١ / ١٠٤]. (٣) قال الحافظ رحمه الله: ((من عجائب الاتفاق: أن الذين أدركهم الإسلام من أعمام النبي ◌َّ أربعة، لم يسلم منهم اثنان، وأسلم اثنان، وكان اسم من لم يسلم ينافي أسماء المسلمين، وهما: أبوطالب، واسمه عبد مناف، وأبو لهب، واسمه عبد العزى، بخلاف من أسلم، وهما: الحمزة، والعباس)) فتح الباري [١٩٦/٧]. (٤) زاد المعاد [١٠٥/١]. ١٤٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأما أبناءُ عمّه: فبلغوا خمسةً وعشرين، كلهم أسلموا إلا اثنان (طالب بن أبي طالب، وعتيبة بن أبي لهب)، ومن أشهرُ أبناءِ عمّه: علي بن أبي طالب، وجعفر بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، والفضل بن العباس، وعبيد الله بن عباس، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث. ومن بنات عمه: أمُّ هانئ بنتُ أبي طالب، وضباعة بنت الزبير، ودرّة بنت أبي لهب، وأمامة بنت حمزة. وله من أولاد العمّاتِ: أحدَ عشرَ رجلاً، وثلاثُ بنات، منهم: عامرُ بنُ بيضاء، وعبدُ الله وزهيرٌ ابنا عاتكة، وعبدُ الله بن جحش، وعبيدُ الله بن جحش، والزبير بن العوام، وزينبُ بنت جحش، وحمنةُ بنت جحش. و کلهم أسلموا، وثبتوا على الإسلام إلا عبيد الله بن جحش. وكان النبي ◌َّ إخوةٌ من الرضاعة: حمزة بن عبد المطلب، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، ابن عم رسول الله وَلّة، وعبدالله بن الحارث، والشيماء بنت الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وسماها الحافظ (آسية). و(أُنيسة) أكثر وأشهر(١). وكان يَّ يوصي بأقاربه وأهل بيته خيراً: فعن زيد بن أرقم ◌َّهُ قال: قامَ رسولُ الله ◌َّ يوماً فينا خطيباً، بماءٍ يدعى خَمّاً بينَ مكّةً والمدينةِ. فحمدَ اللهَ، وأثنى عليهِ، ووعظَ، وذكّرَ، ثمَّ قالَ: ((أيّها النّاسُ إنّما أنا بشرٌ، يوشكُ أنْ يأتيَ رسولُ ربّ فأجيبَ، وأنا تاركٌ فيكمْ ثقلينٍ: أوّلهما كتابُ الله، فيهِ الهدى والنّورُ، منِ استمسكَ بِهِ وأخذَ بِهِ كانَ على الهدى، ومنْ أخطاءُ ضلَّ. (١) انظر: سيرة ابن اسحاق [٤٨]، البداية والنهاية [٤٠٨/٣]، سير أعلام النبلاء [١/ ١٦٢]، زاد المعاد [٨١/١]، الإصابة [٣/٨]. ١٤٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لُّ عَيْهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومَن حوله وأهلُ بيتي، أذكّر كمُ الله في أهلِ بيتي، أذكّر كمُ الله في أهلِ بيتي، أذكّرُ كُمُ الله في أهلِ بیتي)). قال حصينُ بنُ سبرةَ: ومنْ أهلُ بيتِهِ يا زيدُ؟ أليسَ نساؤهُ منْ أهلِ بيتِهِ؟ قالَ: نساؤهُ منْ أهلِ بيتِهِ، ولكنْ أهلُ بيتِهِ مِنْ حرمَ الصّدقةَ بعدهُ. قالَ ومنْ همْ؟ قالَ: همْ ألُّ عليٍّ والُ عقيل وأَلُ جعفرٍ والُّ عبّاسٍ(١). وكان أبو بكر الصديق يقول: ((ارقبوا محمّداً ◌َّل في أهلِ بيتِهِ))(٢). والمراقبةُ للشّيءِ المحافظة عليهِ، يقول: احفظوهُ فيهمْ، فلا تؤذوهمْ، ولا تسيئوا إليهمْ(٣). وعنْ عائشةَ رَ أَنَّ أبا بكرٍ قالَ لعلي: ((والذي نفسي بيدهِ لقرابةُ رسولِ الله وَّل أحبُّ إليَّ أنْ أَصلَ منْ قرابتي)) (٤). وزار رسول الله ێ قبر أمه، وبکی عنده. فعنْ أبي هريرةَ رَُّ قالَ: زارَ النّبيُّ ◌َّ قِبْرَ أمّهِ، فبكى وأبكى منْ حولهُ، فقالَ: ((استأذنتُ ربّي في أنْ أستغفرَ لها فلمْ يؤذنْ لي، واستأذنتهُ في أَنْ أزورَ قبرها فأذنَ لي، فزوروا القبورَ؛ فإنّها تذكّرُ الموتَ))(٥). وكان بكاؤهُ مٍَّّ على ما فاتها منْ إدراك أيّامه، والإيمان بهِ. وعن بريدة رَّ ◌َنهُ قال: انتهى النبيُّ ◌َّ إلی رسم قبرٍ، فجلسَ، وجلس الناسُ حوله، فجعلَ یحرّكُ رأسهُ کالمخاطب، ثم بکی. فاستقبلهُ عمرُ بن الخطاب ◌َّ ◌َنهُ فقال: ما يبكيكَ يا رسولَ الله؟ (١) رواه مسلم [٢٤٠٨]. (٢) رواه البخاري [٣٧١٣]. (٣) فتح الباري [٧٩/٧]. (٤) رواه البخاري [٣٧١٢]. (٥) رواه مسلم [٩٧٦]. ١٥٠ تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ فقال: ((هذا قبرُ آمنةَ بنتِ وهبٍ، استأذنتُ ربّي في أنْ أزورَ قبرها، فأذنَ لي، واستأذنتهُ في الاستغفارِ لها فأبى، وأدركتني رقّتها، فبكيتُ)). قال: فما رأيتُ ساعةً أكثر باكياً من تلك الساعة (١). وكان ◌َّ حريصاً على دعوة أقاربه إلى الإسلام: عن أبي هريرةَ رَّ ◌َنهُ قالَ: قامَ رسولُ اللهِوَِّ حِينَ أنزلَ الله عزَّ وجلّ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَبِنَ ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فقالَ: ((يا معشر قريشٍ، اشتروا أنفسكمْ، لا أغني عنكمْ منَ الله شيئاً، يا بني عبدٍ منافٍ، لا أغني عنكمْ منَ الله شيئاً. يا عبّاسُ بنَ عبدِ المطّلبِ، لا أغني عنكَ منَ الله شيئاً، ويا صفيّةُ عمّةَ رسولِ الله، لا أغني عنكِ منَ الله شيئاً، ويا فاطمةُ بنتَ محمّدٍ، سليني ما شئتٍ منْ مالٍ، لا أغني عنكِ منَ الله شيئاً(٢). معناهُ: لا تتكلوا على قرابتي فإنّي لا أقدر على دفع مكروه یریدهُ الله بكمْ. وفي رواية عند مسلم (٢٠٤) زيادة: ((غير أنَّ لكمْ رحماً سأبلّها ببلالها)) أي سأصلها بالمعروفِ اللائق بها. والسُّّ في الأمر بإنذارِ الأقربينَ أوّلاً أنَّ الحجّة إذا قامتْ عليهمْ تعدّتْ إلى غيرهمْ(٣). ومن دعوته ێ﴾ لأقاربه: دعوته لعلي رَّهُ وهو صغيرٌ؛ فاستجاب وآمن، فكان أولَ صبيٍّ يدخلُ في الإسلام. قال الترمذي: قالَ بعضُ أهلِ العلمِ: أوّلُ منْ أسلمَ منَ الرّجالِ أبو بكرٍ، وأسلمَ عليٌّ وهوَ غلامٌ ابنُ ثمانِ سنينَ، وأوّلُ منْ أسلمَ منَ النّساءِ خديجةُ(٤). (١) رواه البيهقي في دلائل النبوة [١/ ١٨٩]، وصححه الألباني في صحيح السيرة [ص٢٣]. (٢) رواه البخاري [٢٧٥٣]، ومسلم [٢٠٦]. (٣) فتح الباري [٥٠٣/٨]. (٤) سنن الترمذي [٦٤٢/٥]. ١٥١ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لُّ عليهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومَن حوله ومن ذلك أيضاً: حرصه على هداية عمّه أبي طالب، وإلحاحه عليه ليؤمن. فعن سعيد بن المسيّبِ عنْ أبيهِ قالَ: لّ حضرتْ أبا طالبِ الوفاةُ جاءهُ رسولُ اللهِِّه فوجدَ عندهُ أبا جهلٍ وعبدَ الله بنَ أبي أميّةَ بنِ المغيرةِ. فقالَ: ((أيْ عمِّ، قلْ: لا إلهَ إلّا اللهُ، كلمةً أحاجُّ لكَ بها عندَ الله)) وفي رواية: ((أشهد لك بها عند الله)). فقالَ أبو جهلٍ وعبدُ الله بنُ أبي أميّةَ: أترغبُ عنْ ملّةِ عبدِ المطّلبِ. فلمْ يزلْ رسولُ الله ◌َ﴿ يعرضها عليهِ، ويعيدانهِ بتلكَ المقالةِ، حتّى قالَ أبو طالبٍ آخرَ ما كلّمهمْ: هو على ملّةِ عبدِ المطّلبِ، وأبى أنْ يقولَ: لا إلهَ إلّا اللهُ. فقالَ رسولُ اللهِوَّةِ: ((والله لأستغفرنَّ لكَ ما لمْ أنهَ عنكَ)). فأنزلَ اللهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزلَ الله في أبي طالبٍ، فقالَ لرسولِ اللهِوَّهِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ﴾ [القصص: ٥٦](١). وفي رواية صحيحة عند أحمد (٩٣٢٧)، فقالَ أبو طالب: ((لولا أنْ تعيّرني قريش يقولونَ ما حملهُ عليهِ إلّا جزع الموت؛ لأقررت بها عينك)). ومع أن عمه مات على الكفر، إلا أنه وَّ شفع له حتى خفّفَ عنه العذاب. فأبو طالب هو أخفُّ أهل النارِ عذاباً يومَ القيامة؛ بسبب شفاعةِ النبيِّ ◌َّ له في ذلك. عن ابنِ عباسٍ رَعَنْهَ أن رسول الله ◌َّه قال: ((أهونُ أهلِ النّارِ عذاباً أبو طالبٍ، وهوَ منتعلٌ بنعلينِ يغلي منهما دماغهُ))(٢). وعنِ العبّاسِ بنِ عبدِ المطّلبِ رَدْعَنهُ أنّهُ قالَ: يا رسولَ الله، هلْ نفعتَ أبا طالبٍ بشيءٍ؛ فإنّهُ كانَ يحوطكَ ويغضبُ لكَ؟ (١) رواه البخاري [٣٨٨٤] ومسلم [٢٤]. (٢) رواه مسلم [٢١١]. ١٥٢ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: ((نعمْ، هوَ في ضحضاحٍ منْ نارٍ (١)، ولولا أنا؛ لكانَ في الدّركِ الأسفلِ منَ النّارِ))(٢). وكان النبي ◌َّ يثني على قرابته، ويعرف لهم حقهم وقدرهم: فعنْ المطّلبِ بنِ أبي وداعةَ قالَ: جاءَ العبّاسُ إلى رسولِ اللهِ ◌ّهِ، فكأنّهُ سمعَ شيئاً؛ فقامَ النّبِيُّ ◌ََّ على المنبرِ، فقالَ: ((منْ أنا؟». فقالوا: أنتَ رسولُ الله عليكَ السّلامُ. قالَ: ((أنا محمّدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ المطّلبِ، إنَّ الله خلقَ الخلقَ، فجعلني في خيرهمْ فرقةً، ثمَّ جعلهمْ فرقتينٍ، فجعلني في خيرهمْ فرقً، ثمَّ جعلهمْ قبائلَ، فجعلني في خيرهمْ قبيلةً، ثُمَّ جعلهمْ بيوتاً، فجعلني في خيرهمْ بيتاً، وخيرهمْ نسباً)(٣). ((وكأنّهُ سمعَ شيئاً)) أيْ: منَ الطّعنِ في نسبهِ، أوْ حسبهِ. والمعنى: جاءَ العبّاسُ غضبانَ بسببٍ ما سمعَ، طعناً منَ الكفّارِ في رسولِ الله صَلىالله وَيَ وهذا من تمام الثناء على قرابته وعنْ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ قَالَ قالَ رسولُ الله ◌َّه للعبّاسِ: «هذا العبّاسُ بنُ عبدِ المطّلبِ أجودُ قريشٍ كفّاً وأوصلها))(٤). و کان یأخذُ بنصيحة عمه العباس ومشورته: عنِ ابنِ عبّاسٍ رَنَّ أنَّ رسولَ الله ◌ََّ عامَ الفتحِ جاءهُ العبّاسُ بنُ عبدِ المطّلبِ بأبي سفيانَ بنِ حربٍ، فأسلمَ بمرِّ الظّهرانِ (٥). فقالَ لهُ العبّاسُ: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ يحبُّ هذا الفخرِ، فلوْ جعلتَ لهُ شيئاً. (١) الضحضاح: ما يبلغ الكعبين من الماء. النهاية [١٦٤/٣]. (٢) رواه مسلم [٢٠٩]. (٣) رواه الترمذي [٣٤٥٥]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [١٤٧٢]. (٤) رواه أحمد [١٦١٣] وصححه الألباني في الصحيحة [٣٣٢٦]. (٥) موضع بقربٍ مگّة. ١٥٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله قالَ: ((نعمْ منْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ؛ فهوَ آمنٌ، ومنْ أغلقَ عليهِ بابهُ؛ فهوَ آمنٌ))(١). و کان څے یصحّحُ لهم عبادتهم. عنِ ابنِ عبّاسٍ رَعَنْهَا قَالَ: بتُّ عندَ ميمونةَ، فقامَ النّبِيُّ ◌َِّ، فأتى حاجتهُ، فغسلَ وجههُ ويديهِ، ثُمَّ نامَ ثمَّ قامَ، فأتى القربةَ، فأطلقَ شناقها، ثمَّ توضّاً وضوءاً بينَ وضوءينِ لمْ يكثرْ، وقدْ أبلغَ، فصلّ. فقمتُ، فتمطّيتُ كراهيةَ أنْ يرى أنّي كنتُ أرقبه، فتوضّأتُ، فقامَ يصلّي، فقمتُ عنْ يسارهِ، فأخذَ بأذني، فأدارني عنْ يمينِهِ ... الحديث(٢). و کان إذا وقع أحدهم في منکرٍ؛ أنکر علیه، وصرفه عنه. عنْ عبدِ الله بنِ عبّاسٍ رَعَنْهَا قالَ: كانَ الفضلُ رديفَ رسولِ اللهِوَّةِ، فجاءتْ امرأةٌ منْ خثعمَ، فجعلَ الفضلُ ينظرُ إليها، وتنظرُ إليهِ، وجعلَ النّبيُّ نَّ يصرفُ وجهَ الفضلِ إلى الشّقِّ الآخرِ. فقالتْ: يا رسولَ الله، إنَّ فريضةَ الله على عبادهِ في الحجِّ أدركتْ أبي شيخاً كبيراً، لا يثبتُ على الرّاحلةِ أفأحجُّ عنهُ؟ قالَ: ((نعمْ)). وذلكَ في حجّةِ الوداعِ (٣). وكان ◌َّه يستعينُ بهم في المواقف المهمة: ففي قصة بيعة العقبةِ التي يرويها كعبُ بنُ مالكِ رَلَّعَنهُ قال: خرجنا إلى الحجِّ، فواعدنا رسولَ الله ◌َّه العقبةَ مِنْ أوسطِ أيّامِ التّشريقِ. فاجتمعنا بالشّعبِ ننتظرُ رسولَ الله ◌َل﴿ حتّى جاءنا ومعهُ يومئذٍ عمّهُ العبّاسُ بنُ عبدِ المطّلبِ، وهوَ يومئذٍ على دينٍ قومِهِ، إلّا أنّهُ أحبَّ أنْ يحضرَ أمرَ ابنِ أخيهِ ويتوثّقُ لهُ. (١) رواه أبو داود [٣٠٣١] وحسنه الألباني في صحيح أبي داود [٣٠٢١]. (٢) رواه البخاري [٦٣١٦]، ومسلم [٧٦٣]. (٣) رواه البخاري [١٥١٣]، ومسلم [١٣٣٤] ١٥٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلمّا جلسنا كانَ العبّاسُ بنُ عبدِ المطّلبِ أوّلَ متكلّمٍ، فقالَ: يا معشرَ الخزرجِ، إنَّ محمّداً منّا حيثُ قدْ علمتمْ، وقدْ منعناهُ منْ قومنا ممّنْ هوَ على مثلِ رأينا فيهِ، وهوَ في عزٍّ منْ قومِهِ ومنعةٍ في بلدهِ، وإنّهُ قَدْ أبى إلّا الانحيازَ إليكمْ واللّحوقَ بكمْ. فإنْ كنتَمْ ترونَ إنّكمْ وافونَ لهُ بما دعوتموهُ إليهِ، ومانعوهُ مَّنْ خالفهُ، فأنتمْ وما تحمّلتَمْ منْ ذلكَ. وإنْ كنتمْ ترونَ أنّكمْ مسلموهُ وخاذلوهُ بعدَ الخروجِ بهِ إليكمْ، فمنَ الآنَ فدعوهُ، فإنّهُ في عزِّ ومنعةٍ منْ قومِهِ وبلدهِ. فقلنا: قدْ سمعنا ما قلتَ، فتكلّمْ يا رسولَ الله، فخذْ لنفسكَ، ولربّكَ ما أحببتَ، فتكلّمَ رسولُ الله ◌َّةَ، فتلا، ودعا إلى الله عزَّ وجلَّ، ورغّبَ في الإسلامِ ... الخ(١). وكان ◌َله يحسنُ إلى أقاربه: وقد تعدّدتْ وجوهُ إحسانه وَ لّه إليهم وتنوّعت، فكان يهتمُّ بأمورهم ويسعى في تزويج من لم يتزوج منهم، كما في الحديث عن عبدَ المطّلبِ بنَ ربيعةَ بنِ الحارثِ قالَ: اجتمعَ ربيعةٌ بنُ الحارثِ [ابن عم الرسول (وَلّم]، والعبّاسُ بنُ عبدِ المطّلبِ فقالا: والله لوْ بعثنا هذينٍ الغلامينِ [المطلب بن ربيعة والفضلِ بنِ عبّاسٍ ] إلى رسولِ الله ◌َّ؛ فكلّماهُ، فأمّر هما على هذهِ الصّدقاتِ، فأدّيا ما يؤدّي النّاسُ، وأصابا ممّا يصيبُ النّاسُ. فبينما هما في ذلكَ جاءَ عليّ بنُ أبي طالبٍ، فوقفَ عليهما، فذكرا لهُ ذلكَ. فقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ: لا تفعلا، فوَ الله ما هوَ بفاعلٍ. فانتحاهُ ربيعةُ بنُّ الحارثِ فقالَ: والله ما تصنعُ هذا إلّا نفاسةً(٢) منكَ علينا، فوالله لقدْ نلتَ صهرَ رسولِ اللهِ وَّةِ، فما نفسناهُ عليكَ. قالَ عليٌّ: أرسلوهما. فانطلقا. (١) رواه أحمد [١٥٣٧١] وصححه الألباني في فقه السيرة [١/ ١٤٦]. (٢) أي: حسداً. ١٥٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله فألقى عليٌّ رداءهُ ثمَّ اضطجعَ عليهِ، وقالَ: أنا أبو حسنِ القرمُ(١)، والله لا أريمُ مكاني(٢) حتّى يرجعَ إليكما ابناكما بحورِ ما بعثتها بِهِ إلى رسولِ الله وََّ(٣). قالَ: فلما صلّى رسولُ اللهِ وَِّ الظّهرَ سبقناهُ إلى الحجرةِ فقمنا عندها، حتّى جاءَ فأخذَ بآذاننا، ثمَّ قالَ: ((أخرجا ما تصرّرانٍ))(٤). ثمَّ دخلَ ودخلنا علیهِ وهوَ يومئذٍ عندَ زينبَ بنتِ جحشٍ . فتواكلنا الكلامَ، ثمَّ تكلّمَ أحدنا، فقالَ: يا رسولَ الله أنتَ أبُّ النّاسِ، وأوصلُ النّاسِ، وقدْ بلغنا النكاحَ، فجئنا؛ لتؤمّرنا على بعضِ هذهِ الصّدقاتِ، فنؤدّيَ إليكَ كما يؤدّي النّاسُ، ونصيبَ كما يصيبونَ. فسكتَ طويلاً حتّى أردنا أنْ نكلّمهُ، وجعلتْ زينبُ تلمعُ علينا منْ وراءِ الحجابِ أنْ لا تكلّمَاهُ(٥). ثُمَّ قالَ: ((إنَّ الصّدقةَ لا تنبغي لآلِ محمّدٍ (٦)، إنّما هيَ أوساخُ النّاسِ (٧)، وإنّها لا تحلُّ لمحمّدٍ ولا لآلِ محمّدٍ ادعوا لي محميةَ بنَ جزءٍ))، وهوَ رجلٌ منْ بني أسدٍ كانَ رسولُ الله ◌َّ استعملهُ على الأخماسِ، ونوفلَ بنَ الحارثِ بنِ عبدِ المطّلبِ. قالَ: فجاءاهُ، فقالَ لمحميةَ: ((أنكحْ هذا الغلامَ ابنتكَ)) للفضلِ بنِ عبّاسٍ فأنكحهُ. وقالَ لنوفلِ بنِ الحارثِ: ((أنكحْ هذا الغلام ابنتكَ)» لي، فأنكحني. (١) القرم: هوَ السّيّد، وأصله فحل الإبل. قالَ الخطّابيُّ: معناهُ المقدّم في المعرفة بالأمورِ والرّأي كالفحلِ (٢) أيْ: لا أفارقه. (٣) بحورِ أَيْ: بجوابٍ ذلكَ. يقال: كلّمته فما ردَّ عليَّ حوراً أَيْ جواباً، ويجوز أنْ يكون معناهُ الخيبة، أيْ: يرجعا بالخيبةِ، قالَ القاضي: هذا أشبهُ بسياقِ الحديث. (٤) معناهُ: تجمعانِهِ في صدور كما منَ الكلام. (٥) يقال: ألمعَ ولمعَ إذا أشارَ بثوبهِ أوْ بيدهِ. (٦) فالصّدقة محرّمة عليهم سواء كانتْ بسببِ العمل أوْ بسببِ الفقر والمسكنة وغيرهما منْ الأسباب الثّانية. (٧) أي: أنها تطهير لأموالهمْ ونفوسهمْ، فهيَ كغسّالةِ الأوساخ. ١٥٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالَ لمحميةَ: ((أصدقْ عنهما منَ الخمسِ كذا وكذا))(١). وقوله: ((أصدقْ عنهما منَ الخمسِ)) يحتمل أنْ يريد منْ سهم ذوي القربى منْ الخمس؛ لأنّهما منْ ذوي القربى، ويحتمل أنْ يريد منْ سهم النّبيّوَّ مِنْ الخمس(٢). ومن إحسانه لأقاربه ◌َّل أن عمّه العباس لّ جيء به أسيراً في بدر، ولم يكن عليه ثوب، طلب له ثوباً حتى يلبسه. عن جابر بن عبدِ اللهِ رََّّهَ قالَ: لَّ كانَ يومَ بدرٍ أتيَ بأسارى وأتيَ بالعبّاسِ ولمْ يكنْ عليهِ ثوبٌ، فنظرَ النّبيُّ ◌َّ لهُ قميصاً فوجدوا قميصَ عبدِ الله بنِ أبيِّ يقدرُ عليهِ(٣)، فكساهُ النّبِيُّ ◌َّهِ إِيّاهُ، فلذلكَ نزِعَ النّبِيُّ ◌َّه قميصهُ الّذي ألبسهُ(٤). قالَ ابنُ عيينةَ: كانتْ لهُ عندَ النّبِيِّ نَّهِيدٌ؛ فأحبَّ أنْ يكافئهُ(٥). ولما جاءه مالٌ من البحرين لم ينس عمه العباس. عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رَهُ قالَ: أَتَيَ النّبِيُّ ◌َّه بمالٍ منَ البحرينِ(٦). فقالَ: ((انثروهُ في المسجدِ))، وكانَ أكثرَ مالٍ أتيَ بِهِ رسولُ الله ◌َ. فخرجَ رسولُ الله ◌َّه إلى الصّلاةِ، ولمْ يلتفتْ إلیهِ. فلّا قضى الصّلاةَ، جاءَ فجلسَ إليهِ، فما كانَ يرى أحداً إلّا أعطاهُ. إِذْ جاءهُ العبّاسُ فقالَ: يا رسولَ الله أعطني؛ فإنّ فاديتُ نفسي وفاديتُ عقيلاً. [وكانَ أسرَ معَ عمّه العبّاس في غزوة بدر]. (١) رواه مسلم [١٠٧٢]. (٢) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم [٧/ ١٨٠]. (٣) وإنما كان ذلك لأن العباس كان بينّ الطول، وكذلك كان عبد الله بن أبّي. (٤) أي لعبد الله بن أبّ عند دفنه. (٥) رواه البخاري [٣٠٠٨] (٦) وهذا المالُ أرسلَ بهِ العلاء بن الحضرميّ جزية أهل البحرين، وهم مجوسُ هجر، وكان قد قدم به أبو عبيدة بن الجراح. ١٥٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله فقالَ لهُ رسولُ الله ◌َّ: ((خذْ)). فحثا في ثوبه، ثمَّ ذهبَ يقلّهُ(١)، فلمْ يستطعْ. فقالَ: یا رسولَ الله اؤمرْ بعضھمْ یرفعهُ إليّ. قالَ: ((لا)). قالَ: فارفعهُ أنتَ عليَّ. قالَ: (لا)). فنثرَ منهُ، ثمَّ ذهبَ يقلّهُ، فقالَ يا رسولَ الله: اؤمرْ بعضهمْ يرفعهُ عليَّ. قالَ: ((لا)). قالَ: فارفعهُ أنتَ عليّ. قالَ: (لا)). فنثرَ منه، ثمَّ احتملهُ فألقاهُ على كاهلِهِ، ثمَّ انطلقَ. فما قامَ رسولُ الله ◌َّهِ، وثمَّ منها درهمٌ(٢). في هذا الحديثِ: بيان كرم النّبيّ وَّةِ، وعدم التفاته إلى المال قلَّ أَوْ كثرَ. وقد كان العباسُ رَّ ◌َنهُ عظيماً جسيماً شديدَ القوة، فالظاهرُ أنه حمل مالا كثيراً، ولم يمنعهُ النبي وَل﴾ (٣). ولعلَّ النبي ◌َّه لم يعنهُ على الحملِ، أو يأمرْ أحداً بإعانته؛ حتى يقلّلَ مما أخذ من المال، ولا يحملَ إلا ما يقدرُ على حمله، ولم يرد أن يمنعه من أخذ ما أرادَ. والعباس كان من أغنى قريشٍ، وأكثرهم مالا، ولكنه غرم بسبب مفاداة نفسه، ومفاداة عقيل من الأسرِ. (١) منَ الإقلال وهوَ الرّفع والحمل. (٢) رواه البخاري [٣١٦٥] تعليقاً، ووصله أبو نعيم في المستخرج، كما في فتح الباري [٥١٦/١]. (٣) فتح الباري [٣ / ١٧٨] لابن رجب. ١٥٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن مساعدته ◌َّليه لأقاربه: حرصه على أدائهم للنسك معه، وإقناعه لمن لم يكن ينوي منهم الخروج بالمبادرة إلى ذلك. كما في قصة ضباعة رَّ عَنْهَا حين دخل عليها النبيِ وَّ فقال لها: «أردتِ الحَجَّ؟)). قالت: والله ما أجدني إلّا وجعةً. فقال لها: ((حجّي واشترطي، وقولي: اللهمَّ محلّي حيثُ حبستني)) (١). وكان يتابع أمورَ أقاربه، ويعتني بصحتهم: عن جابرِ بنِ عبدِ الله رَّعَنْها قال: رخّصَ النّبِيُّ ◌ََّ لآلِ حزمٍ في رقيةِ الحيّةِ. وقالَ لأسماء بنتِ عميسٍ: ((ما لي أرى أجسامَ بني أخي ضارعةً؟(٢) تصيبهمُ الحاجةُ؟». قالتْ: لا، ولكنْ العینُ تسرعُ إلیھمْ. قالَ: ((ارقیھمْ)). قالتْ: فعرضتُ علیهِ. فقالَ: ((ارقيهمْ)(٣). وعنْ أمِّ المنذرِ بنتِ قيسِ الأنصاريّةِ رَتها قالتْ: دخَلَ عليَّ رسولُ الله وَّةِ، ومعهُ عليٌّ وعليٌّ ناقةٌ (٤)، ولنا دوالي (٥) معلّقةٌ. فقامَ رسولُ الله ◌َّ يأكلُ منها، وقامَ عليٌّ؛ ليأكلَ، فطفقَ رسولُ الله ◌َّ يقولُ لعليٍّ: ((مْ؛ إنّكَ ناقةٌ)). حتّى كفَّ عليٌّ. (١) رواه البخاري [٥٠٨٩]، ومسلم [١٢٠٧] واللفظ له. (٢) أي نحيفة. (٣) رواه مسلم [٢١٩٨]. (٤) نقه المريض ينقه فهو ناقةٌ إذا برأ وأفاق، وكان قريب العهد بالمرض، لم يرجع إليه كمالُ صحّته وقوّته. النهاية [٢٣٢/٥]. (٥) جمعُ دالية وهي العذقُ من البسر يعلّقُ فإذا أرطبَ أكلَ. النهاية [٣٤٩/٢]. ١٥٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُعَلَّهِ وَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله قالتْ: وصنعتُ شعيراً وسلقاً، فجئتُ بهِ، فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((يا عليُّ أصبْ منْ هذا؛ فهوَ أَنفُ لكَ))(١). واستعان النبي وَاللّه بأقار به رَُّعنه، واستنابهم واستعملهم في كثير من شؤونه. ومن ذلك: • أمره عليّاً رَّ ◌َتُ لينامَ في فراشه ليلةَ الهجرة. · تأميره عليّاً رَهُعَنْهُ يوم خيبر على الجيشِ. • إعطاؤه ◌َلّ عليّاً ما بقي من بُدنه في الحج لينحرها، وأمره ◌َلّ له بأن يقوم على بدنه، وبأن يتصدّقَ على الناس بلحومها وجلودها وأجلّتها(٢). فعن علي رَُّ قالَ: «أهدى النّبِيُّ ◌َِّ مِائَةَ بدنةٍ، فأمرني بلحومها فقسمتها، ثمَّ أمرني بجلالها فقسمتها، ثمَّ بجلودها فقسمتها)»(٣). وجعل ابنَ عمه جعفراً على رأس المهاجرين إلى الحبشة، وأوّلَ من حمل رسالة إلى ملك الحبشة. وهو الذي تكلم أمام النجاشي شارحاً له دين الإسلام بأوجز عبارة. ولما قدم جعفر من الحبشة فرح ◌َ﴾ بقدومه وسرَّ بذلك: وكان قد قدم على رسول الله وَّه بعدَ فتح خيبر، فقام إليه والتزمه وَ له، وقبّلَ ما بين عينيهِ واعتنقه، وقال: ((ما أدري بأيّهما أنا أسُّ: بقدوم جعفر أَوْ بفتحٍ خيبر))(٤). وأنزله رسول الله وَّه إلى جنب المسجدِ، وأسهم له من غنائم خيبر. وجعله أميراً على الجيش في معركة مؤتةً بعد زيد بن حارثة. (١) رواه أبو داود [٣٨٥٦]، والترمذي [١٩٦٠]، وابن ماجة [٣٤٤٢]، وحسنه الألباني في الصحيحة [٥٩]. (٢) أي: ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه. ينظر: صحيح البخاري [١٧٠٧]، صحيح مسلم [١٣١٧]. (٣) رواه البخاري [١٧١٨]، ومسلم [٢٣٢١]. (٤) رواه الحاكم [٤٢٤٩]، وحسنه الألباني في فقه السيرة [١/ ٣٤٧].