Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو من بابٍ تلقّي المخاطبِ بغير ما يطلبُ، إيذاناً بأن الأهمَّ من المطلوبِ هو التزوّدُ للمعادِ، والصبرُ على مشاقٌّ الدنيا، والتجافي عن دارِ الغرورِ(١). وقد علّمها رسول الله وَ ل﴾ أيضاً دعاءً تدعو به عوضاً عن الخادم، فعن أبي هريرةَ رََّّهُ؟ قالَ: أتتْ فاطمةُ النّبِيّ ◌َّ تسألُهُ خادماً؛ فقالَ لها: قولي: ((اللهمَّ ربَّ السّماواتِ السّبعِ، وربَّ الأرضِ، وربَّ العرشِ العظيمِ، ربّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، فالقَ الحبِّ والنّوى، ومنزلُ التّوراةِ والإنجيلِ والفرقانِ، أعوذُ بكَ مِنْ شرِّ كلِّ شيءٍ أَنتَ آخذٌّ بناصيتِهِ، اللهمَّ أنتَ الأوّلُ فليسَ قبلكَ شيءٌ، وأنتَ الآخرُ فليسَ بعدكَ شيءٌ، وأنتَ الظّاهرُ فليسَ فوقكَ شيءٌ، وأنتَ الباطنُ فليسَ دونكَ شيءٌ، اقضٍ عنّا الدّينَ، وأغننا منْ الفقرِ))(٢). وكان يدعوها إلى تحمل المسئولية: فقال ◌َّ: (يا فاطمةُ أنقذي نفسكِ منْ النّارِ، فإنّي لا أملكُ لكمْ منَ الله شيئاً)(٣). ولفظ البخاري: ((يا فاطمةُ بنتَ محمّدٍ سليني ما شئتِ منْ مالٍ؛ لا أغني عنكِ منَ الله شيئاً)). ومعناهُ: لا تتكلي على قرابتي؛ فإنّ لا أقدر على دفع مكروه يريدهُ الله تعالى بكِ (٤). ويحثّها على قيام الليل: عنْ علي بن أبي طالبٍ رَعَّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َّهِ طرقهُ وفاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ وَّه ليلةً. فقالَ لهما: ((ألا تصلّيانٍ؟)). قالَ عليٌّ: فقلتُ: يا رسولَ الله إنّما أنفسنا بيدِ الله، فإذا شاءَ أنْ يبعثنا بعثنا. فانصرفَ رسولُ الله ◌َِّ حِينَ قلتُ ذلكَ، ولمْ يرجعْ إليَّ شيئاً. (١) فتح الباري [١١ / ١٢٤]. (٢) رواه مسلم [٢٧١٣]. (٣) رواه البخاري [٢٧٥٣]، ومسلم [٢٠٤] عن أبي هريرة رَضَلَّهُ عَنْهُ. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم [٨٠/٣]. ١٢١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله ثُمَّ سمعتهُ وهوَ مدبرٌ يضربُ فخذهُ، ويقولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا [الكهف: ٥٤](١). قالَ ابن بطّال: ((فيهِ فضيلة صلاة اللّيل، وإنباه النّائمينَ منَ الأهل والقرابة. قال الطبري: وذلك أن الرسول وَل﴾ أيقظ لها عليّاً وبنته مرتين؛ حثّاً لهما على ذلك، في وقت جعله الله لخلقه سكناً، لمَّا علم عظيم ثواب الله عليها، وشرفت عنده منازل أصحابها: اختار لهما إحراز فضلها على السكون والدَّعة)) (٢). (ثُمَّ سمعتهُ وهوَ مدبرٌ يضربُ فخذه)) ضربَ فخذه تعجّباً منْ سرعة جوابه، وعدمِ موافقته لهُ علی الاعتذار بما اعتذرَ بهِ. نعمْ التّكليفُ هاهنا ندبيٌّ لا وجوبٌّ؛ فلذلكَ انصرفَ عنهمْ وقالَ ذلكَ، ولوْ كانَ وجوبيّاً لما تركهمْ على حالهمْ. والله تعالى أعلمُ(٣). مراعاته ټۍ مشاعر بناته، وغضبه لغضبهن: عن المسور بنَ مخرمةَ رََّهُ أَنَّ عليّ بن أبي طالبٍ خطبَ بنتَ أبي جهلٍ؛ وعندهُ فاطمةٌ بنتُ رسولِ الله ێ﴾. فلّا سمعتْ بذلكَ فاطمةُ؛ أتتْ النّبيّ وَلِّ. فقالتْ لهُ: إِنَّ قومكَ يتحدّثونَ أنّكَ لا تغضبُ لبناتكَ، وهذا عليٌّ ناكحاً ابنَ أبي جهلٍ. قالَ المسورُ: فقامَ النّبِيُّ ◌َلِّ؛ فسمعتهُ حينَ تشهّدَ؛ ثمَّ قالَ: ((أمَّا بعدُ؛ فإنّ أنكحتُ أبا العاصِ بِنَ الرّبيعِ، فحدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإنّما فاطمةٌ بضعةٌ منّي يؤذيني ما آذاها، وإنّها والله لا تجتمعُ بنتُ رسولِ الله وبنتُ عدوِّ الله عندَ رجلٍ واحدٍ أبداً)). فتركَ عليٌّ الخطبةَ (٤). (١) رواه البخاري [١١٢٧]، ومسلم [٧٧٥]. (٢) شرح صحيح البخاري - لابن بطال [١١٥/٣]. (٣) شرح ابن بطال على صحيح البخاري [١١٥/٣]، حاشية السندي على النسائي [٣ / ٢٠٥]. (٤) . رواه البخاري [٣١١٠]، ومسلم [٢٤٤٩] واللفظ له. ١٢٢ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد ذكر العلماءُ جملةً من الأسباب التي من أجلها منعَ النبيُّ ◌َّه عليّ بن أبي طالب من هذا الزواج، وهذه الأسباب ترجع في مجملها إلى أربعةِ أمورٍ. الأول: أن في هذا الزواج إيذاءً لفاطمة، وإيذاؤها إيذاءٌ للنبيِّ وَّةِ، وإيذاءُ النبي ◌ِّ من كبائرِ الذنوبِ، وقد بيّن ذلك،وَ لَه بقوله: ((وإنّما فاطمةُ بضعةٌ منّي، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها)). وهذا لا ينطبقُ على غير بنات النبي ◌َّ. الثاني: خشيةَ الفتنة على فاطمة في دينها، كما جاء في رواية البخاري [٣١١٠]: ((وأنا أتخوّفُ أنْ تفتنَ في دينها». فإن الغيرةَ من الأمورِ التي جبلتْ عليها المرأةُ، فخشيَ النبيُّ ◌َّ أن تدفعها الغيرةُ لفعل ما لا يليقُ بحالها ومنزلتها، وهي سيدةُ نساء العالمين. خاصة وأنها فقدت أمّها، ثم أخواتها واحدً بعد واحدةٍ، فلم يبق ها من تستأنسُ به ممن يخفّفُ عليها الأمرَ ممن تفضي إليه بسرّها إذا حصلتْ لها الغيرةُ. قال الحافظ ابن حجر: ((وكانتْ هذهِ الواقعة بعدَ فتح مكّة، ولمْ يكنْ حينئذٍ تأخّرَ منْ بنات النّبِيّ ◌َّ غيرها. وكانتْ أصيبتْ بعد أمّها إخوتها فكانَ إدخال الغيرة عليها ممّا يزيد حزنها))(١). الثالث: استنكار أن تجتمع بنتُ رسول الله وبنتُ عدوِّ الله في عصمة رجل واحد، كما قال ◌َله: ((وإنّها والله لا تجتمعُ بنتُ رسولِ الله، وبنتُ عدوِ الله عندَ رجلٍ واحدٍ أبداً)). الرابع: تعظيماً لحق فاطمة وبياناً لمكانتها ومنزلتها. فهذه الأسبابُ مجتمعةً أو متفرّقةً هي التي من أجلها منعَ النبيُّ ◌َّ عليّ بن أبي طالب من هذا الزواجِ. وليس في القصة أدنى مستمسكٍ لمن يحاول التشبّثَ بها، للحدِّ من تعدّد الزوجات، وقد دفع النبي ◌َّ هذا اللبس والوهم بقوله في نفس القصة: ((وإنّ لستُ أحرّمُ حلالاً، ولا أحلُّ حراماً)). (١) فتح الباري [٨٦/٧]. ١٢٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومن حوله وكان من هديه ◌ِّ مع بناته؛ الحرصُ على إدخال السرور عليهنَّ. فعنْ عائشةَ رََّها قالتْ: أقبلتْ فاطمةُ تمشي؛ كأنَّ مشيتها مشيُ النّبِيِّ وَّ. فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: «مرحباً بابنتي))، ثمَّ أجلسها عنْ يمينِهِ أوْ عنْ شمالِهِ. ثمَّ أسَّ إليها حديثاً، فبكتْ. فقلتُ لها: (لمَ تبكينَ). ثمَّ أسَّ إليها حديثاً، فضحكتْ. فقلتُ: ما رأيتُ كاليومٍ فرحاً أقربَ منْ حزنٍ، فسألتها عمّا قالَ. فقالتْ: ما كنتُ لأفشيَ سَرَّ رسولِ الله ◌َله حتّى قبضَ النّبِيُّ ◌َّ فسألتها. فقالتْ: إنه أسرَّ إليَّ فقال: ((إنَّ جبريلَ كانَ يعارضني القرآنَ كلَّ سنةٍ مرّةً، وإنّهُ عارضني العامَ مرّتينٍ، ولا أراهُ إلّا حضرَ أجلي، وإنّكِ أوّلُ أهلِ بيتي لحاقاً بي)»، فبكيتُ. فقالَ: ((أما ترضينَ أنْ تكوني سيّدةَ نساءِ أهلِ الجنّةِ، أوْ نساء المؤمنينَ، فضحكتُ لذلكَ))(١). وكان يحثّها على الذكر والدعاء: فعن أنس بن مالك رَضِ لُّ عَنْهُ قال: قال رسول الله وَلَّه لفاطمة رَضَ عَنْهَا: «يا فاطمة ما يمنعك أنْ تسمعي ما أوصيكِ بهِ؛ أنْ تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حيُّ يا قيّوم برحمتك أستغيثُ، أصلح لي شأني كلّه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين))(٢). ((ولا تكلني إلى نفسي)) أي: لا تسلمني إليها، وتترکني هملاً. (طرفة عين)) أي: غمضتها(٣). (١) رواه البخاري [٢٦٢٤]. (٢) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة [٤٦]، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع [٥٨٢٠]. (٣) فيض القدير [٢/ ١٤٧]. ١٢٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان يصلها بالهبات والأعطيات: فعن عليٍّ بن أبي طالبٍ رَّهُ أنه قال: كساني رسولُ اللهِوَلَه حلّةً مِنْ سيراءَ(١)، فخرجتُ فیها. فقالَ: ((يا عليٌّ، إنّي لمْ أكسكها؛ لتلبسها، اجعلها خمراً بينَ الفواطمِ)) (٢). ((اجعلها خمراً)) جمع خمار، وهو غطاء الرّأس. (بين الفواطم)) المراد بالفواطم: فاطمة بنت النّبيّ وَّةِ، وفاطمة بنت أسد والدة عليّ، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطّلب(٣). وكان يواسي بناته، ويصبّرهنَّ عند المصيبة: فعن أسامةُ بنُّ زِيدٍ رَنَةً، قالَ: أرسلتْ ابنةُ النّبِّوَلَه إليهِ إِنَّ ابناً لي قبضَ فأتنا. فأرسلَ يقرئُ السّلامَ، ويقولُ: ((إنَّ لله ما أخذَ، ولهُ ما أعطى، وكلّ عندهُ بأجلِ مسمَّى فلتصبرْ ولتحتسب)). فأرسلتْ إليهِ تقسمُ عليهِ ليأتينّها؛ فقامَ، ومعهُ سعدُ بنُ عبادةَ، ومعاذُ بنُ جبلٍ، وأبُّ بنُ كعبٍ، وزيدُ ابنُ ثابتٍ، ورجالٌ، فرفعَ إلى رسولِ الله ◌ِِّ الصّبيُّ؛ ونفسهُ تتقعقعُ كأنّها شنٌّ(٤). ففاضتْ عيناهُ. فقالَ سعدٌ: يا رسولَ الله! ما هذا؟ فقالَ: ((هذهِ رحمةٌ جعلها الله في قلوبٍ عبادِهِ، إنّما يرحمُ الله منْ عبادِهِ الرّحماءَ)) (٥). وقوله: ((إنَّلله ما أخذَ، ولهُ ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجلٍ مسمّى)) معناهُ: الحثَّ على الصّبر، والتّسليمِ لقضاءِ الله. (١) الحلّة: إزار ورداء، والسّيراء: منْ أنواع الحرير. (٢) رواه البخاري [٢٦١٤]، ومسلم [٢٠٧١]، وأحمد [٧١٢]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٤ / ٥١]. (٤) معناهُ: لها صوت، وحشرجة كصوتِ الماء إذا ألقي في القربة البالية. (٥) رواه البخاري [١٢٣٨]، ومسلم [٩٢٣]. ١٢٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَّلَهُعَّهِ وَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله وتقديره: إنَّ هذا الّذي أخذَ منكمْ كانَ لهُ لا لكمْ، فلمْ يأخذ إلّا ما هوَ لهُ؛ فينبغي ألّا تجزعوا كما لا يجزع منْ استردّتْ منهُ وديعة؛ أوْ عارية. ((ولهُ ما أعطى)) معناه: أنَّ ما وهبهُ لكمْ ليسَ خارجاً عنْ ملكه؛ بلْ هوَ سُبْحَانَهُ وَعَالَى يفعل فیهِ ما يشاء. (ففاضتْ عيناهُ فقالَ لهُ سعد: ما هذا يا رسول الله) معناهُ: أنَّ سعداً ظنَّ أنَّ جميع أنواع البكاء حرامٌ، وأنَّ دمع العين حرامٌ، وظنَّ أنَّ النّبِيّ ◌َّه نسيَ فذكّرُهُ، فأعلمهُ النّبِيّ ◌َّ أَنَّ مجرّدَ البكاءِ والدمعِ بالعين ليسَ بحرامٍ، ولا مكروهٍ، بلْ هوَ رحمة وفضيلة؛ وإنّما المحرّمُ النّوحُ، والنّدبُ، والبكاءُ المقرون بهما؛ أوْ بأحدهما (١). وكان يحزن لوفاة أحد من أبنائه أو بناته: ليعلمْ من ابتليَ بفقدِ أولاده أن الرسولَ وَّه قد فقدَ جميعَ ذرّيته من الذكورِ والإناثِ، ولم يبق بعدَ وفاته إلاَّ فاطمةُ رَّعَنْهَا. وكان هديه ◌َّه في وفاةٍ أحد من أولاده رَ عَنهُ، أنه كان يحزنُ لوفاته، وتذرفُ عيناهُ الدمعَ على فراقه، ولا يقول إلا ما يحبّ الله ويرضى. يقول أنس بن مالك رََّنهُ في نبأ وفاةٍ أم كلثومِ رََّنْهَا: شهدنا بنتَ رسولِ اللهِوَِّ، ورسولُ الله ◌َّه جالسٌ على القبرِ؛ فرأيتُ عينيهِ تدمعانٍ(٢). وهذه ليست دموع جزعٍ، وسخطٍ من قضاءِ الله، وقدره؛ إنما هي دموعُ رحمةٍ وشفقةٍ تذرفُ من عيونِ الرّحماءِ. وعنْ أنسِ بنِ مالكِ رَهُ قالَ: دخلنا معَ رسولِ اللهِوََّ على أبي سيفِ القينِ(٣) وكانَ ظهراً لإبراهيمَ عَيْهِالسَّلامُ(٤). (١) شرح النووي على صحيح مسلم [٢٢٥/٦]. (٢) رواه البخاري [١٢٨٥]. (٣) هوَ الحدّاد، ويطلق على كلّ صانع. (٤) أيْ مرضعاً، وأطلقَ عليهِ ذلكَ لأَنّهُ كانَ زوج المرضعة، ولأنّهُ يشاركها في تربيته غالباً ١٢٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخذَ رسولُ اللهِوَّه إبراهيمَ، فقبّلُهُ وشمّهُ، ثمَّ دخلنا عليهِ بعدَ ذلكَ، وإبراهيمُ يجودُ بنفسِهِ(١). فجعلتْ عينا رسولِ الله ◌َ﴾ تذرفانِ. فقالَ لهُ عبدُ الرّحمنِ بنُ عوفٍ رَّ ◌َنهُ: وأنتَ يا رسولَ الله؟! قالَ: ((يا ابنَ عوفٍ، إنّها رحمةٌ)). ثمَّ أتبعها بأخرى(٢). فقالَ بَّهِ: ((إنَّ العينَ تدمعُ، والقلبَ يحزنُ، ولا نقولُ إلّا ما يرضى ربّنا، وإنّا بفراقكَ يا إبراهيمٌ لمحزونونَ))(٣). وعن أنس بن مالك رَ عَنْهُ قال: ما رأيتُ أحداً كانَ أرحمَ بالعيالِ منْ رسولِ اللهِ وَّ . قالَ: وكانَ إبراهيمُ مسترضعاً لهُ في عوالي المدينةِ، فكانَ ينطلقُ، ونحنُ معهُ فيدخلُ البيتَ وإنّهُ ليدّخنُ. [وفي رواية وقدْ امتلأَ البيت دخاناً، فأسرعت المشي بين يديْ رسول الله وَّه فقلت: يا أبا سيف أمسكْ جاءَ رسول الله وَالام]. وكانَ ظٹرهُ قيناً، فيأخذُ فيقبّلهُ ثمَّ یرجعُ. فلّا توفَّ إِبراهيمُ قالَ رسولُ اللهِّهِ: ((إنَّ إبراهيمَ ابني، وإنّهُ ماتَ في الثّدي [أي: في سن الرضاع]، وإنَّ لهُ لظئرينِ تكمّلانِ رضاعهُ في الجنّةِ)). (٤) أيْ: أنه ماتَ وهوَ في سنّ رضاع الثّدي، أوْ في حال تغذّيه بلبنِ الثّدي، فهما تتّانِهِ سنتينٍ، فإنّهُ توقَّ ولهُ ستّة عشر شهراً، أوْ سبعة عشر، فترضعانِهِ بقيّة السّنتينِ، فإنّهُ تمام الرّضاعة بنصِّ القرآن. (١) أيْ: يخرجها، ويدفعها. (٢) أي أتبعَ الدّمعة الأولى بدمعةٍ أخرى. (٣) رواه البخاري [١٣٠٣]، ومسلم [٢٣١٥]. (٤) رواه مسلم [٢٣١٦]. ١٢٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله وفيهِ: بيان كريم خلقه وَّه ورحمته للعيالِ والضّعفاء. وفيهِ: فضيلةُ رحمةِ العيال والأطفال وتقبيلهمْ.(١) ومن هديه ◌َّل في وفاة بناته رََّ عَنْهُنَ أنه كان يشرفُ على تغسيلهن وتکفینهنَّ، ويصلى عليهنَّ، ويدفنهنَّ، ويقف على قبورهن ويدعو الله لهن. عنْ أمِّ عطيّةَ الأنصاريّةِ رََّّعنها قالتْ: (دخَلَ علينا رسولُ اللهِ وَلَه حينَ توفّيتْ ابنتهُ [أم كلثوم]. فقالَ: ((اغسلنها ثلاثاً، أوْ خمساً، أوْ أكثرَ منْ ذلكَ، إِنْ رأيتنَّ ذلكَ بماءٍ، وسدٍ، واجعلنَ في الآخرةِ كافوراً؛ أوْ شيئاً منْ كافورٍ، فإذا فرغتنَّ فآذنّني)) (٢). فلّا فرغنا آذَنّاهُ؛ فأعطانا حقوهُ - تعني إزارهُ-؛ فقالَ: ((أشعرنها إيّاهُ) (٣). أيْ: اجعلنهُ شعارها أي: الثّوب الّذي يلي جسدها. قيلَ الحكمة في تأخير الإزار معهُ إلى أنْ يفرغنَ منَ الغسل، ولمْ يناولهنَّ إيّاهُ أوّلاً؛ ليكونَ قریب العهد من جسده الکریم حتّی لا یکون بین انتقاله من جسده إلى جسدها فاصلٌ. فهذه جملةٌ من أحواله مع أولاده ◌ِّهِ؛ وما كان عليه من حسن الرعاية والصيانةِ ٩ (١) شرح النووي على صحيح مسلم [٧٦/١٥]. (٢) أي: أعلمنني. (٣) رواه البخاري [١١٧٥]، ومسلم [٩٣٩]. ١٢٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولادنا أكبادنا تمشي بالحبِّ والإحسانِ ننشئهمْ أعمارنا بذلتْ لهمْ كرماً نفسي لخيرِ المرسلينَ فدى نعمَ الأَبُّ الحاني لمنْ ولدا لبناتهِ يختارُ محترماً المهرَ والتّجهيزَ يسّرهُ موصٍ لها بالزّوجِ تكرمهُ ليستْ تكلّفُ مَا يثقّلهُ يغضي إذا ما كانَ بينهما كفّاهُ نحوَ بناتهِ جرتا وإذا دها حدثٌ يصبّرها ما زالَ يرعاها برحمتهِ فبكى لأجلِ فراقها أسفاً في الأرضِ، تحتَ السّمعِ والبصرِ حتّى يكونوا قادةَ البشرِ يبقى العطاءُ لآخرِ العمرِ انظرْ لهُ بشراً منَ البشرِ لينُ النّسيمِ يهِبُّ في السّحِرِ رغباتهنَّ مراعيَ الصّغرِ وحلاوةُ التّزويجِ في اليسِ منْ غيرِ تنغيصٍ ولا كدرٍ والصّبرُ خيرُ عَطاً لمصطيِرِ شيءٌ، فتلكَ طبيعةُ البشِ بالجودِ مثلَ تدفّقِ النّهرِ وعظاً لها بتحتّمِ القدرِ وحنانهِ لنهايةِ العمرِ بالله إنّكَ أرحمُ البشرِ ١٢٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله تعامل النبي لة مع أحفاده كان للنبي وَّ سبعة من الأحفاد، كما كان له سبعة من الأولاد، وأحفاده هم: ١. الحسن بن علي: وكان أشبهَ الناس برسول الله وَّه، وهو الابنُ البكرُ لعلي بن أبي طالبٍ، وفاطمةَ، ولدَ في السنة الثالثة من الهجرة، وتوفّيَ سنة (٤٩) من الهجرة، وكان سنّه عند وفاة الرسول ◌ِّ نحوَ سبعِ سنواتٍ. ٢. الحسين بن علي: الابنُّ الثاني لعلي وفاطمةَ، ولدَ في السنة الرابعةِ من الهجرة، وتوقَّ سنة (٦١) من الهجرةِ. ٣. أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب: ولدتْ قبل وفاةِ رسول الله وَّةِ، تزوّجها عمرُ بنُ الخطاب، فولدتْ له زيدَ بن عمر، ورقيةَ. وتوفّيتْ أمُّ كلثوم وابنها زيد عام (٧٥) من الهجرة. ٤. زينب بنت علي بن أبي طالب: ولدتْ في حياةِ النبيِّ وََّ، وتزوّجها ابنُ عمّها عبدُ الله بنُ جعفرٍ، فماتتْ عنده، وقد ولدتْ له، وأولادُ وذرّية زينبَ من عبد الله بن جعفر موجودون بكثرةٍ. ٥. عبد الله بن عثمان بن عفان: ابنُ رقية بنتِ الرسولِ مََّ، ولدَ بأرض الحبشة، وعاش ست سنین. ٦. أمامة بنت أبي العاص: وهي من زينبَ بنتِ رسولِ الله ◌َِّ، تزوّجها عليُّ ابنُ أبي طالب بعدَ فاطمةَ، فلم تلدْ، وماتَ عنها، فتزوّجها المغيرةُ بنُ نوفلٍ، فماتتْ عنده، ولم تلد له. ١٣٠ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ٧. علي بن أبي العاص: وهو أخو أمامةَ بنتِ زينبَ، توفّيَ وقد ناهز الحلمَ في حياة رسول الله گالالم وهكذا لم يكنْ للنبيِوَّل عقبٌ إلا من ابنته فاطمةَ، فانتشر نسله الشريفُ من جهة السّبطينِ: الحسن والحسين فقط، ويقال للمنسوب للحسنِ: حسنيٌّ، وللمنسوب للحسين: حسینيٌّ (١). ولقد كانتْ معاملته بَلّ مع أحفاده مليئةً بالعطفِ، والشفقةِ، والرحمةِ، فقد كان النبي نموذجاً فريداً للأبوّةِ الكريمةِ. صَلى له وسلم وقد حفل تعامله مع أحفاده بالعديد من المظاهرِ الإنسانيّةِ الكريمةِ الرحيمةِ، فيرعاهم ويحوطهم بالعنايةِ الفائقةِ. فكان إذا ولد له مولودٌ أذّنَ في أذنه اليمنى؛ ليكونَ أولَ ما يطرقُ سمعهُ في الدنيا تمجيدُ الله وتعظيمه. فعنْ أبي رافعٍ قالَ: رأيتُ رسولَ الله وََّ أَذّنَ في أذنِ الحسنِ بنِ عليٍّ، حينَ ولدتهُ فاطمةُ، بالصّلاةِ (٢). ولهذا استحب الكثير من العلماء إذا ولد المولود؛ أول ما يولدُ، أن يؤذّنَ في أذنه حتى يطردَ الشيطانُ عنه، ويكون أولَ ما يسمعُ ذكرُ الله عَلَّ. (١) أما ما رواه البخاري في الأدب المفرد [٨٢٣] وابن حبان [٦٩٨٥] وأحمد [٧٦٩] عن علي قال: لما وُلد الحسن سميته حرباً فجاء رسول الله وَ ل﴿ فقال: ((أروني ابني، ما سميتموه؟)) قال: قلت: حرباً، قال: ((بل هو حسن)). فلما ولد الحسين سميته حرباً فجاء رسول الله وَ له فقال: ((أروني ابني، ما سميتموه؟)) قال: قلت: حرباً. قال: ((بل هو حسين)). فلما ولد الثالث سميته حرباً، فجاء النبي ◌َّ فقال: ((أروني ابني، ما سميتموه؟)) قلت: حرباً. قال: ((بل هو محسن)). ثم قال: ((سميتهم بأسماء ولد هارون شَبّر وشَبير ومُشَبَّر)) فهذا حديث ضعيف؛ لجهالة هانئ ابن هانئ، راويه عن عليّ رَضّ ◌َلَهُ عَنهُ. انظر: الضعيفة (١٨٢/٨). (٢) هذا إذا صح الحديث، وقد رواه أبو داود [٥١٠٥] والترمذي [١٥١٤] وصححه الترمذي، والنووي، وابن الملقن، وضعفه ابن حبان، وحسنه الألباني في الإرواء [١١٧٣] ثم تراجع وضعّفه في الضعيفة [٦١٢١]. ينظر: المجروحين [٢/ ١١٠]، المجموع شرح المهذب [٤٣٤/٨]، البدر المنير [٣٤٨/٩]، الكلم الطيب [٢١١]. ١٣١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومن حوله قال ابن القيم: ((وسرُّ التأذين والله أعلم؛ أن يكون أول ما يقرعُ سمعَ الإنسانِ كلماته المتضمّنةُ لكبرياءِ الربِّ وعظمته، والشهادةُ التي أول ما يدخلُ بها في الإسلام، فكان ذلكَ كالتلقينِ له شعارَ الإسلامِ عند دخوله إلى الدنيا، کما یلقّنُ کلمةَ التوحیدِ عند خروجه منها. وغير مستنكرٍ وصولُ أثر التأذين إلى قلبه، وتأثّره به وإن لم يشعرْ، مع ما في ذلك من فائدةٍ أخرى، وهي هروبُ الشيطانِ من كلماتِ الأذانِ، .. فيسمع شيطانه ما يضعفهُ، ويغيظه أوّلَ أوقاتِ تعلّقه بِ))(١). ثم كان ێ يحنكهم بعد ذلك: عنْ عائشةَ زوج النّبِيِّ وَّ؛ أنَّ رسولَ الله ◌َّه كانَ يؤتى بالصّبیانِ، فیبرّكُ علیھمْ، ويحنّکھمْ(٢). والتّحنيك: أنْ يمضغَ التّمر، أوْ نحوه، ثمَّ يدلّكَ بِهِ حنكُ الصّغير، ولوْ حنّك بغير التمرِ؛ حصلَ التّحنيك، ولكنَّ التّمر أفضل(٣). وحلاوة التمر من أنسب شيء للمولود. وقد أكد الدكتور محمد على البار عضو هيئة الإعجاز العلمي أن العلم الحديث أثبت الفوائد الصحية للتحنيك على جسد الطفل الوليد ونموه، وقدّم له تفسيراً علمياً مقنعاً. فقال: إن الأحاديث الواردة في التحنيك تدل على أن يكون التمر أو الطعام الحلو أول ما يدخل جوف الطفل. وقد اكتشف العلم الحديث الحكمة من هذا التحنيك بعد أربعة عشر قرناً من الزمان، فقد تبين حديثاً أن الأطفال حديثي الولادة والرضع معرّضون للموت إن حدث لهم أحد أمرين: نقص السكر في الدم، أو انخفاض درجة حرارة الجسم عند التعرض للجو البارد المحيط به. (١) تحفة المودود [ص ٣١]. (٢) رواه مسلم [٢٨٦]. (٣) شرح النووي على مسلم [١٤ / ١٢٤]. ١٣٢ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمستوى السكر (الجلوكوز) في الدم بالنسبة للموالید یکون منخفضاً، وقد یؤدّی إلی أعراض خطيرة منها: - أن يرفض المولود الرضاعة. - ارتخاء العضلات. - توقّف متكرّر في عمليّة التنفس. - حصول زرقة في الجسم. وغير ذلك. كما قد يؤدّي إلى مضاعفات خطيرة مثل تأخر النمو، والتخلف العقلي. والعلاج سهل، وهو إعطاء السكر الجلوكوز مذاباً في الماء، إما بالفم أو بواسطة الوريد، وهذا هو ما يقوم به التحنيك. كما أكّدت الدراسات العلمية أن في التحنيك تقوية لعضلات الفم بحركة اللسان مع الحنك والفكّين حتى يتهيأ المولود للقمِ الثدي(١). ومن ناحية أخرى فالعجوة مباركة حيث نزل أصلها من الجنة. عن أبي هريرة ◌َّعَّهُ أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: «العجوةُ منَ الجنّةِ، وهيَ شفاءٌ منَ السّمِّ)» (٢). لكنها حينما تنزل إلى الدنيا تتغير بلا شكِّ، فالتمر في الدنيا غير التمر في الجنة. وكان ◌َّه يعقُّ عنهم: فَعنِ ابنِ عبّاسٍ رَ عَنْهَا قالَ: عَّ رسولُ اللهِوَّهَعنِ الحسنِ، والحسينِ رَّعَنْهَ، بكبشينِ، کبشینِ(٣). العقيقة: هي الذبيحةُ التي تذبحُ للمولودِ بعد ولادته: عن الغلامِ شاتان، وعن الجاريةِ شاءٌ . (١) موقع (إسلام ويب) باختصار وتصرف. http://www.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=143055 (٢) رواه الترمذي [٢٠٦٦]، وابن ماجة [٣٤٥٥]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٤١٢٦]. (٣) رواه النسائي [٤٢١٩]، وصححه الألباني في الإرواء [٣٧٩/٤]. ١٣٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله والعقيقة لها فوائدُ كثيرةٌ، فهي قربانٌ إلى الله تعالى، وفيها كرمٌ، وهي تفكُّ ارتهانَ المولود. وغيرُ مستبعدٍ أن تكون سبباً لحسنِ إنباتِ الولدِ، ودوامٍ سلامته، وحفظه من ضرر الشيطان(١). وكان يؤخّرُ العقيقة إلى اليوم السابع: عن عائشةَ رَّعنها قالتْ: عَّ رسولُ اللهِّه عنْ حسنٍ وحسينٍ يومَ السّابعِ، وسمّاهما(٢). فيسنُّ أن تذبحَ في اليومِ السابعِ، فإذا ولدَ يومَ السبتِ؛ فتذبحُ يومَ الجمعةِ، يعني : قبل يوم الولادة بيومٍ، هذه هي القاعدةُ. وإذا ولدَ يومَ الخميسِ؛ فهي يومَ الأربعاءِ، وهلمَّ جرّاً(٣). ومع قوله ◌َّ: ((الغلامُ مرتهنٌ بعقيقتِهِ، يذبحُ عنهُ يومَ السّابعِ ويسمّى))(٤) فكان ◌َِّ يسمّي مولوده في يوم ولادته أيضاً؛ كما قال: ((ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم ... )) (٥). وأمر بحلقِ رأس الصبيِّ والتصدّق بزنة شعره فضة: عنْ أبي رافعٍ مولى رسولِ الله وَّهِ؛ أنَّ الحسنَ بنَ عليٍّ لَّا ولدَ أرادتْ أمّهُ فاطمةُ أنْ تعقَّ عنهُ بكبشينٍ. فقالَ: ((لا تعقّي عنهُ، ولكنِ احلقي شعرَ رأسِهِ، ثُمَّ تصدّقي بوزنِهِ منَ الورقِ [أي: الفضة] في سبيلِ الله)). ثمَّ ولدَ حسينٌ بعدَ ذلكَ فصنعتْ مثلَ ذلكَ(٦). وقوله لها: ((لا تعقّي عنهُ))؛ لأنه أرادَ أن يتولّى العقيقةَ عنه بنفسه. (١) تحفة المودود بأحكام المولود [ص٦٩]. (٢) رواه ابن حبان [٥٣١١] وصححه الحافظ ابن حجر في فتح الباري [٥٨٩/٩]. (٣) الشرح الممتع [٧/ ٤٩٣]. (٤) رواه أبو داود [٢٨٣٨] والترمذي [١٥٢٢] وصححه، من حديث سمرة بن جندب رضياللهعنه، وصححه الألباني. (٥) رواه مسلم [٣١٢٦]. (٦) رواه أحمد [٢٦٦٥٥] وحسنه الألباني في الإرواء [٤ / ٤٠٣]. ١٣٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أنسِ بنِ مالكِ رَهُ أَن رسولَ الله ◌َّ أَمَرَ برأسِ الحسنِ والحسينِ يومَ سابعهما أنْ يحلقَ، ويتصدّقَ بوزنِهِ فضّةً(١). وحلقُ رأسِ الصبيِّ المولودِ مفيدٌ جدّاً؛ حيثُ أثبتَ الطّبُّ الحديثُ أن حلقَ رأسِ الطفلِ يفتحُ مسامَّ فروةِ الرأسِ؛ ويساعدُ على إنباتِ الشّعرِ. ومسح رأس الولد بعد حلاقته بالزعفران سنة مهجورة قلَّ من الناس من يفعلها. فعن عائشة رَّعَنْهَا قالت: كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي وَّ: ((اجعلوا مكان الدم خلوقا))(٢). وكان يختارُ لهم الأسماءَ الحسنة: وتلك كانت عادته ◌َ ◌ّل في كل من يسميه، بل كان يغيّر الاسم القبيح إلى الحسن. وإنّ من حقِّ الولد على والده، أن يختار له اسماً طيّباً. فيبتعد عن الأسماء الأجنبية والرخوة، ويبتعد عن الأسماء القبيحة والمستنكرة(٣). (١) رواه البزار [٦١٩٩]، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد [٨٩/٤]. (٢) رواه ابن حبان في صحيحه [٥٣٠٨] وصححه الألباني في الصحيحة [٤٦٣] والخلوق: طيبٌ معروف مركب يتّخذ من الزّعفران وغيره من أنواع الطّيب وتغلب عليه الحمرة والصّفرة النهاية [٢ /١٤٤]. (٣) ومن الطرائف في موضوع الأسماء: أن موظف المطار قال لامرأة عجوز مسافرة: أعطني اسمك. قالت: الصلاة على النبي. قال الموظف: عليه الصلاة والسلام. أعطني اسمك. قالت: الصلاة على النبي. قال الموظف مرة أخرى: عليه الصلاة والسلام، أعطني اسمك. ثم يكتشف أن اسمها: ((الصلاة على النبي)) !. وقيل لرجل: أنت أبو من؟ فقالَ: أبو عبد الملك الكريم الّذي يمسك السّماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنهِ. فقالَ: مرحباً بك يا نصف القرآن، ارتفع. ١٣٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَّالَّهُ عَيْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله وبالَ أحد أحفاده في حجره فلم يغضب: عنْ لبابةَ بنتِ الحارثِ، قالتْ: كانَ الحسينُ بنُ عليٍّ رَتهُ في حجرِ رسولِ الله ◌َِّ، فبالَ علیه. فقلتُ: البسْ ثوباً، وأعطني إزاركَ حتّى أغسلهُ. قالَ: ((إنّما يغسلُ منْ بولِ الأنثى؛ وينضحُ منْ بولِ الذّكرِ))(١). وقال أبو السّمحِ: كنتُ أخدمُ النّبِيّ ◌َِّ، فكانَ إذا أرادَ أنْ يغتسلَ قالَ: ((ولّني قفاكَ))؛ فأولّیهِ قفايَ؛ فأسترهُ بهِ. فأتيَ بحسنٍ؛ أوْ حسينٍ رَعَنْهَا، فبالَ على صدرهِ. فجئتُ أغسلهُ فقالَ: ((يغسلُ منْ بولِ الجاريةِ، ويرشُّ منْ بولِ الغلامِ)) (٢). وعنْ أبي ليلى، قالَ: كنتُ عندَ رسولِ الله ◌ِّهِ، وعلى صدرهِ؛ أَوْ بطنِهِ الحسنُ؛ أوْ الحسينُ. قالَ: فرأيتُ بولهُ أساريعَ، فقمنا إليه. فقالَ: ((دعوا ابني، لا تفزعوهُ حتّى يقضيَ بولهُ)). ثمّ أتبعهُ الماءَ(٣). (فرأيت بوله أساريع)(٤). وهذه الأحاديث تبين مدى سماحة النبي وَّة، وحبّه لأحفاده، وحسنٍ رعايته لهم. (١) رواه أبو داود [٣٧٥]، وابن ماجة [٥٢٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٢٣٨٣]. وفي هذا الحديث الصّحيح دليل صريحٌ على التّفرقةِ بين بولِ الصّبيِّ، والصّبيّةِ، وأنَّ بول الصّبيِّ يكفيه النّضحُ بالماءِ، ولا حاجةَ فيهِ للغسلِ، وأنَّ بول الصّبيّة لا بدَّ لهُ منْ الغسل، ولا يكفيه النّضحُ. (٢) رواه أبو داود [٣٧٦]، والنسائي [٣٠٤]، وابن ماجة [٥٢٦]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٨١١٧]. (٣) رواه أحمد [١٨٥٨٠]، وقال الهيثمي في المجمع [١/ ٦٣١]: رجاله ثقات، وصححه شعيب الأرناؤوط. (٤) أي طرائق، الواحد أسروع، سمي لاطّراده، من السرعة، وهي أن تطّرد الحركات؛ من غير أن يتخللها سكون وتوقّف. الفائق في غريب الحديث [٢/ ١٧١]. ١٣٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان ◌َلّه يعوّذ أحفاده: عنِ ابنِ عبّاسٍ رَعَنْهَا قَالَ: كَانَ النّبِيُّ ◌َه يعوّذُ الحسن والحسينَ، يقولُ: ((أعيذكما بكلماتِ الله الّامّةِ؛ منْ كلِّ شيطانٍ، وهامّةٍ، ومنْ كلِّ عينٍ لامّةٍ))، ويقولُ: ((هكذا كانَ إبراهيمُ يعوّذُ إسحاقَ، وإسماعيلَ عليهمُ السّلام))(١). ((بكلماتِ الله)): قيلَ: هيَ القرآنُ، وقيلَ أسماؤهُ، وصفاتهُ. ((التّامّةِ)): إنّما وصفَ كلامَ الله بالتّمامِ لأَنّهُ لا يجوزُ أنْ يكونَ في شيءٍ منْ كلامِهِ نقصٌ، أوْ عيبٌ كما يكونُ في کلاِمِ النّاسِ. وقيلَ: معنى التّامِ هاهنا أنّها تنفعُ المتعوّذَ بها، وتحفظُهُ منَ الآفاتِ، وتكفیهِ. ((منْ كلّ شيطان)): يدخل تحتهُ شياطينُ الإنس والجنِّ. ((وهامّة)): الهامّةُ: كلُّ ذاتِ سمِّ يقتلُ، والجمعُ: الهوامُّ، فأمّا ما يسمُّ ولا يقتلُ، فهوَ السّامّةُ کالعقربِ والزّنبورِ. ((ومنْ كلّ عين لامة)): أيْ: منْ عينٍ تصيبُ بسوءٍ (٢). قال الخطابي: ((المرادُ به: كلُّ داءٍ وآفة تلمُّ بالإنسانِ من جنونٍ وخبلٍ))(٣). وكان يعلمهم بعض الأدعية التي يدعون بها: قالَ الحسنُ بنُّ عليٍّ ◌َعَنْهَ: علّمني رسولُ الله ◌ََّ كلماتٍ أقولهنَّ في الوترِ: ((اللهمَّ اهدني فيمنْ هديتَ، وعافني فيمنْ عافيتَ، وتولّني فيمنْ تولّيتَ، وبارك لي فيما أعطيتَ، وقني شرَّ ما قضيتَ، فإنّكَ تقضي، ولا يقضى عليكَ، وإِنّهُ لا يذلُّ منْ واليتَ، تبار كتَ ربّنا وتعاليتَ))(٤). (١) رواه البخاري [٣٣٧١]، والترمذي [٢٠٦٠]، واللفظ له. (٢) تحفة الأحوذي [٦ / ١٨٤]. (٣) فتح الباري [٤١٠/٦]. (٤) رواه الترمذي [٤٦٤]، وصححه الألباني في الإرواء [٤٢٩]. ١٣٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله وكان يأخذهم معه إلى المسجد: قال أبو بكرةَ: رأيتُ رسولَ الله ◌َ ◌ّه على المنيرِ، والحسنُ بنُ عليٍّ إلى جنبهِ، وهوَ يقبلُ على النّاسِ مرّةً، وعليهِ أخرى، ويقولُ: ((إنَّ ابني هذا سيّدٌ، ولعلَّ الله أنْ يصلحَ بِهِ بينَ فئتينِ عظيمتينٍ منَ المسلمينَ))(١). وعن بريدة بن الحصيب قالَ: خطبنا رسولُ اللهِ وَلَه، فأقبلَ الحسنُ والحسينُ رَ عَنْهَ، عليهما قميصانِ أحمرانِ، يعثرانِ ويقومانِ. فنزلَ، فأخذهما، فصعدَ بهما المنبرَ، ثمَّ قالَ: ((صدقَ اللهُ: ﴿إِنَّمَا أَمَوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [التغابن: ١٥]، رأيتُ هذينٍ فلمْ أصبرْ)) ثمَّ أخذَ في الخطبةِ(٢). (يعثرانٍ)) أيْ: يمشيانِ مشيَ صغير؛ يميلُ في مشيه تارةً إلى هنا، وتارةً إلى هنا؛ لضعفهِ في المشي، فحملهما؛ وهو منْ كمالِ ما وضعَ الله تعالى فيهِ صلّى الله تعالى عليهِ وسلّمَ منْ الرّحمة(٣). وقول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْفِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] أيْ: تشغل البال عنِ القيام بالطّاعةِ، وظاهرُ الحديث أنَّ قطع الخطبة والنّزول لهما فتنةٌ، دعا إليها محبّةُ الولد، على أنَّ الفتنةَ بالولدِ مراتبُ، وهذا منْ أدناها، وقدْ يجرُّ إلى ما فوقه فيحذر (٤). وفي هذا الحديث: بيانُ رحمته ◌َِّ، وحبّه لأحفاده. ومن ذلك أنه كان يحمل بعضهم أثناء الصلاة: عنْ أبي قتادةَ الأنصاريِّ قالَ: رأيتُ النّبِيّ ◌َّه يؤمُّ النّاسَ، وأمامةُ بنتُ أبي العاصِ، وهيَ ابنةُ زينبَ بنتِ النّبِّ وَِّ على عاتقهِ، فإذا ركعَ وضعها، وإذا رفعَ منَ السّجودِ أعادها(٥). (١) رواه البخاري [٢٧١٤]. (٢) رواه أبو داود [١١٠٩]، والترمذي [٣٧٧٤]، والنسائي [١٤١٣]، وابن ماجة [٣٦٠٠]، وصححه الألباني في صحيح أبي داود [١٠١٦]. (٣) حاشية السندي على النسائي [٣ / ١٠٨]. (٤) فتح الباري [١١ / ٢٥٤] مختصراً. (٥) رواه البخاري [٥١٦]، ومسلم [٥٤٣]، واللفظ له. ١٣٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويحتملُ ما قد يصدر منهم أثناء الصلاة: عنْ شدّادٍ بن الهاد رَّعَنْهُ قالَ: خرجَ علينا رسولُ الله ◌َّ في إحدى صلاتي العشاءِ، وهوَ حاملٌ حسناً؛ أوْ حسيناً. فتقدّمَ رسولُ الله ◌َّ فوضعهُ، ثمَّ كبّرَ للصّلاةِ، فصلّى. فسجدَ بينَ ظهرانيْ صلاتِهِ سجدةً أطالها. قالَ شدّاد: فرفعتُ رأسي(١)، وإذا الصّبيُّ على ظهرِ رسولِ الله وََّ، وهوَ ساجدٌ، فرجعتُ إلى سجودي. فلّا قضى رسولُ الله ◌َّ الصّلاةَ، قالَ النّاسُ: يا رسولَ الله إنّكَ سجدتَ بينَ ظهراني صلاتكَ سجدةً أطلتها؛ حتّى ظنّا أنّهُ قدْ حدثَ أمرٌ (٢)، أوْ أنّهُ يوحى إليكَ. قالَ: ((كلُّ ذلكَ لمْيكنْ، ولكنَّ ابني ارتحلني (٣)، فكرهتُ أنْ أعجّلهُ حتّى يقضي حاجتهُ))(٤). ویثبُ الحسنُ والحسین على ظهره فلا يغضبُ: عنْ أبي هريرةَ رَّهُ قالَ: كنّا نصلّي معَ رسولِ اللهِ وَّهِ العشاءَ، فإذا سجدَ وثبَ الحسنُ والحسينُ على ظهرهِ، فإذا رفعَ رأسهُ أخذهما بيدهِ منْ خلفهِ أخذاً رفيقاً، ويضعهما على الأرضِ، فإذا عادَ عادا، حتّى إذا قضى صلاتهُ أقعدهما على فخذيهِ. قالَ: فقمتُ إليهِ، فقلتُ: يا رسولَ الله أردّهما. فبرقتْ برقةٌ(٥) فقالَ لهما: (الحقا بأمّكما)). (١) فلو أن مصلیا ظن أن الإمام قد حدث له شيء فرفع رأسه لیطمئن علیه، ثم رجع إلى سجوده فصلاته صحيحة. وكذلك لو رفع رأسه يظن أن الإمام كبّر، فلما رأى أن الإمام ما زال ساجداً عاد إلى سجوده، فصلاته صحيحة. (٢) كناية عنِ الموت أوْ المرض. (٣) اتخّذني راحلة لهُ بالرّكوبِ على ظهري. (٤) رواه النسائي [١١٤١]، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي [١١٤١]. (٥) أي: لمع برق في السماء. ١٣٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَّالَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله قالَ: فمكثَ ضوءها حتّى دخلا على أمّهما(١). وقال أبو بكرَةَ رَّعَّهُ: إِنَّ رسولَ اللهِ وََّ كانَ يصلّي، فإذا سجدَ وثبَ الحسنُ على ظهرهِ وعلى عنقهِ، فيرفعُ رسولُ اللهِ وَلِّ رفعاً رفيقاً؛ لئلّا يصرعَ. قالَ: فعلَ ذلكَ غيرَ مرّةٍ. فلّا قضى صلاتهُ قالوا: يا رسولَ الله رأيناكَ صنعتَ بالحسنِ شيئاً ما رأيناكَ صنعتهُ. قالَ: ((إنّهُ ريحانتي منَ الدّنيا، وإنَّ ابني هذا سيّدٌ، وعسى الله تباركَ وتعالى أنْ يصلحَ بِهِ بينَ فئتينٍ منَ المسلمينَ))(٢). والحديثُ فيه: دليلٌ على جوازِ إدخالِ الصبيانِ المساجدِ؛ وأما حديث: ((جنّوا مساجدكمْ صبيانكمْ، ومجانينكمْ)) فهو ضعيف، رواه ابن ماجة (٧٥٠) عن واثلة بن الأسقع، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٦٣٦). فتعامله وَّ مع أحفاده كان مبنيّاً على الرأفةِ، والرحمةِ؛ فالطفلُ الصغيرُ يحتاج إلى الحبِّ، والعطفِ، والحنانِ من والديه؛ كما يحتاجُ إلى الطعامِ، والشرابِ، فالغذاءُ العاطفيُّ ضروريٌّ جدّاً لبناء شخصيّةٍ سويّةٍ غيرِ مضطربةٍ. ولقد كان النبي ◌َّ شديد الحبِّ لهم: عنْ أبي هريرةَ رَّهُ قالَ: خرجتُ معَ رسولِ اللهِوَّه في طائفةٍ منَ النّهارِ لا يكلّمني، ولا أكلّمهُ؛ حتّى جاءَ سوقَ بني قينقاعَ، ثمَّ انصرفَ؛ حتّى أتى خباءَ فاطمةَ. فقالَ: ((أثمَّ لكعُ، أَثُمَّ لكعُ؛ يعني حسنا)(٣). (١) رواه أحمد [١٠٢٨١] وصححه الألباني في الصحيحة [٣٣٢٥]. (٢) رواه أحمد [١٩٩٩٤]، وصححه الألباني في الثمر المستطاب [١ / ٧٥٧]. (٣) اللّكعُ يطلق على معنيين أحدهما الصّغيرُ، والآخر اللّئيمُ، والمراد هنا الأوّل.