Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨٠ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان يعظُ زوجاته ويحثّهنَّ على الصدقةِ والإنفاق في الخير: فعنْ عائشةَ رَّهَا أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ قالَ لها: ((يا عائشةُ استتري منَ النّارِ ولوْ بشقِّ تمرةٍ، فإنّها تسدُّ منَ الجائعِ مسدّها منَ الشّبعانِ))(١). شقُّ التّمرة: نصفها وجانبها، والمعنى: ولوْ بشيءٍ يسيرٍ منها، أوْ منْ غيرها. فرسولُ الله ◌َّه يحثُّ عائشةَ على أن تجعلَ بينها، وبين النار ستراً منَ الصّدقِةِ، وعملٍ البرِّ، ولوْ بالشيء اليسيرِ، فاليسيرُ منَ الصّدقةِ يسترُ المتصدّق منَ النّارِ. وعنْ عائشة ◌َتها قالتْ: دخلَ عليَّ سائلٌ مرّةً، وعندي رسولُ الله ◌َّهِ، فأمرتُ لهُ بشيءٍ، ثمَّ دعوتُ بهِ، فنظرتُ إليهِ(٢)، فقالَ رسولُ الله ◌ََّ: ((أما تريدينَ أنْ لا يدخلَ بيتكِ شيءٌ، ولا يخرجَ إلّا بعلمكِ))، قلتُ: نعمْ، قالَ: ((مهلاً يا عائشةُ، لا تحصي؛ فيحصِيَ اللهُ عَلَّ عليكِ))(٣). ((والإحصاءُ: معرفةُ قدرِ الشّيءٍ وزناً أوْ عدداً، والمعنى: النّهي عنْ منع الصّدقة؛ خشية النّفادِ، فإنَّ ذلكَ أعظمُ الأسبابِ لقطع مادّةِ البركةِ؛ لأنَّ اللهَ يثيبُ على العطاءِ بغيرِ حساب، ومنْ لا يحاسبُ عندَ الجزاءِ؛ لا يحسبُ عليهِ عندَ العطاءِ، ومنْ علمَ أنَّ اللهَ يرزقهُ منْ حيثُ لا يحتسبُ فحقّهُ أنْ يعطيَ ولا يحسبَ))(٤). وعندما ذبحَ أهلُ النبيِّ ◌َّ شَاةً، سأل النّبيُّ ◌َّ: ((ما بقيَ منها؟))، قالت عائشة: يا رسولَ الله ما بقيَ إلّا كتفها، فقالَ بِّهِ: ((كلّها قدْ بقيَ، إلّا كتفها)»(٥). أيْ: ما تصدّقت بهِ فهوَ باقٍ، وما بقيَ عندك فهوَ غيرُ باقٍ، إشارةً إلى قولهِ تعالى: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنَفَذٍّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: (١) رواه أحمد [٢٣٩٨٠]. وحسنه ابن حجر في فتح الباري [٣٣٤/٣]، والألباني في صحيح الترغيب والترهيب [٨٦٥]. (٢) أي: نظرتُ في الشيء الذي تصدّقتْ منه؛ لتنظرَ كم نقص منه. (٣) رواه أبو داود [١٧٠٠]، والنسائي [٢٥٤٩] واللفظ له، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٣٢]. (٤) فتح الباري [٣/ ٣٠٠] لابن حجر. (٥) رواه الترمذي [٢٣٩٤]، وصححه الألباني في الصحيحة [٢٥٤٤]. (٦) تحفة الأحوذي [٧/ ١٤٢]. ٨١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله وبيّنَ لهنَّ أن أكثر هنَّ تصدّقاً أسرعهنَّ لحاقاً به: عِنْ عائشةَ رَتْهَا قالتْ: قالَ رسولُ اللهِوَّةِ: ((أسرعكنَّ لحاقاً بي أطولكنَّ يداً))، قالتْ: فكنَّ يتطاولنَ أيْتهنَّ أطولُ يداً، قالتْ: فكانتْ أطولنا يداً زينبُ؛ لأنّها كانتْ تعملُ بيدها، وتصدّقُ(١). ((ومعنى الحديث: أنّهنَّ ظننَّ أنَّ المرادَ بطولِ اليدِ طولُ اليد الحقيقيّةِ، وهيَ الجارحة، فكنَّ يذرعنَ أيديهنَّ بقصبةٍ، فكانتْ سودةُ أطولهنَّ جارحةً، وكانتْ زينبُ أطولهنَّ يداً في الصّدقةِ وفعل الخيرِ، فماتتْ زينبُ أوّلهنَّ، فعلموا أنَّ المرادَ طولُ اليدِ في الصّدقةِ والجودِ))(٢). فهذا الحديثَ تضمّنَ أنَّ الإيثارَ والاستكثارَ منَ الصّدقةِ في زمنِ القدرةِ على العملِ سببٌ للّحَاقِ بِالنّبِّ وَِّ، وذلكَ الغايةُ في الفضيلةِ(٣). وكان يربّيهنَّ على البرّ والصلة: فعن عائشةَ رَّعَنْها قالتْ: استأذنَ عليَّ أفلحُ أخو أبي القعيسِ بعدما أنزلَ الحجابُ، فقلتُ: لا آذنُ لهُ حتّى أستأذنَ فِيهِ النّبِيَّ ◌َّهِ، فإنَّ أخاهُ أبا القعيسِ ليسَ هوَ أرضعني، ولكنْ أرضعتني امرأةُ أبي القعيسِ، فدخلَ عليَّ النّبِيُّ ◌َّهِ، فقلتُ لهُ: يا رسولَ الله إنَّ أفلحَ أخا أبي القعيسِ استأذنَ، فأبيتُ أنْ آذنَ لهُ حتّى أستأذنكَ، فقالَ النّبِيُّ ◌َِّ: (( وما منعكِ أنْ تأذني لعمّكِ؟))، قلتُ: يا رسولَ الله إنَّ الرّجلَ ليسَ هوَ أرضعني، ولكنْ أرضعتني امرأةٌ أبي القعيسِ، فقالَ: ((ائذني لهُ؛ فإنّهُ عمّكِ، تربتْ يمينكِ)) (٤). وكان ينهى زوجاته عن الكلام بغير علم: كان من هديه ◌َّ تحذير هنَّ من القولِ على الله بغيرِ علمٍ، حتى لا تستعجلَ الزوجةُ في الفتوى، أو تتسرّعَ في الحکمِ. (١) رواه البخاري [١٤٢٠]، ومسلم [٢٤٥٢]. (٢) قاله النووي في شرح صحيح مسلم [٨/١٦]. (٣) فتح الباري [٢٨٦/٣]. (٤) رواه البخاري [٤٧٩٦]، ومسلم [١٤٤٥]. ٨٢ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعن عائشة ◌َّهَا قالت: دعيَ رسولُ الله ◌َّه إلى جنازةِ صبي منَ الأنصارِ، فقلتُ: یا رسولَ الله طوبى لهذا عصفورٌ منْ عصافيرِ الجنّةِ، لَمْ يعملِ السّوءَ، ولمْ يدركهُ، قالَ: ((أوَ غيرَ ذلكَ يا عائشةُ، إِنَّ اللهَ خلقَ للجنّةِ أهلاً، خلقهمْ لها وهمْ في أصلابِ آبائهمْ، وخلقَ للنّارِ أهلاً، خلقهمْ لها وهمْ في أصلابٍ آبائهمْ))(١). قال النووي: «أجمعَ منْ يعتدُّ بِهِ منْ علماءِ المسلمينَ على أنَّ منْ ماتَ منْ أطفال المسلمينَ فهوَ منْ أهل الجنّة؛ لأنّهُ ليسَ مكلّفاً. وأجابوا عن حديث عائشة هذا بأنّهُ نهاها عنْ المسارعة إلى القطع منْ غير أنْ يكون عندها دليل قاطع))(٢). وكان يأمر أهله بالتقوى ومكارم الأخلاق: عنْ عائشةَ رَّعَنْهَا قالت: قالَ لي النبيِِّ: ((يا عائشةُ عليكِ بتقوى الله عََّجَلَّ والرّفِقِ؛ فإنَّ الرّفَقَ لمْ يكُ في شيءٍ قطَّ إلّا زانهُ، ولمْ ينزعْ منْ شيءٍ قطُّ إلّا شانهُ))(٣). ((إلّا زانهُ)): أيْ زيّنْهُ وكمّلهُ ((إلّا شانهُ)): أيْ عَيّبُهُ ونقصهُ(٤). وكان يربّيهنَّ على الرفق والحلم والأناة: عَنْ عائشةَ رََّتِهَا أَنَّ رسولَ الله ◌َّ قالَ لها: ((يا عائشةُ، ارفقي؛ فإنَّ اللهَ إذا أرادَ بأهلِ بيتٍ خيراً؛ دهّمْ على بابِ الرّفقِ))(٥). وكان يربّيهنَّ على حسنِ القولِ، وينهاهنَّ عن الفحشِ في الكلام حتى مع غيرِ المسلمين: فعن عائشةَ رََّنهَا قالتْ: استأذنَ رهطٌ منَ اليهودِ على رسولِ اللهِوَّهَ، فقالوا: السّامُ (١) رواه مسلم [٢٦٦٢]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٦ / ٢٠٧]. (٣) رواه أحمد [٢٣٧٨٦]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٧٩٢٧]، وهو في مسلم [٢٥٩٤] مختصراً. (٤) عون المعبود [١١٣/١٣]. (٥) رواه أحمد [٢٣٩٠٦]، وصححه الألباني في الصحيحة برقم [٥٢٣]. ٨٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِوَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله عليكمْ(١)، فقالَ: ((وعليكمْ))، فقلت: السّامُ عليكمْ ولعنكمُ اللهُ وغضبَ عليكمْ، فقالَ رسولُ الله ◌َّ: «مهلاً يا عائشةُ، عليكِ بالرّفِقِ، وإيّاكِ والعنفَ، أوِ الفحشَ)»، قالت: أوَ لم تسمعْ ما قالوا؟ قال: ((أوَ لمْ تسمعي ما قلتُ؟ رددتُ علیھمْ، فيستجابُ لي فيھمْ، ولا يستجابُ لهمْ فيَّ))(٢). وفي رواية لمسلم قال: ((مهْ يا عائشة، فإنَّ الله لا يحبّ الفحش والتّفحّش))(٣). وكان النبي ◌َّ يعلّمُ زوجاتِهِ أمورَ العقيدة، ويربّيهن على الخوف من الله تعالى، فإذا ظهر سحاب في السماء، أو أقبلت ريح، دخل وخرج وتغير لونه. تقول عائشة رَّ عَنْهَا: «وكانَ إذا رأى غيماً أوْ ريحاً؛ عرفَ ذلكَ في وجههِ، فتقول له: يا رسولَ الله أرى النّاسَ إذا رأوا الغيمَ؛ فرحوا رجاءَ أنْ يكونَ فيهِ المطرُّ، وأراكَ إذا رأيتهُ عرفتُ في وجهكَ الكراهيةَ؟ فقالَ: ((يا عائشةُ، ما يؤمّنني أنْ يكونَ فيهِ عذابٌ، قدْ عذّبَ قومٌ بالرّيحِ، وقدْ رأى قومٌ العذابَ فقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا))(٤). العارض: السحاب المعترض في الأفق. وكان يبيّن لهنّ ما يقع فيه الناس من المنكرات العقائدية: عَنْ عائشةَ رَتها قالتْ: لّا اشتكى النّبِيُّ ◌َِّ ذكرتْ بعضُ نسائِهِ كنيسةً رأينها بأرضِ الحبشةِ يقالُ لها ماريةُ، وكانتْ أمُّ سلمةَ وأُّ حبيبةَ رَعَنْهَا أتتا أرضَ الحبشةِ، فذكرتا منْ حسنها وتصاويرَ فيها، فرفعَ رأسهُ، فقالَ: ((أولئكِ إذا ماتَ منهمُ الرّجلُ الصّالحُ؛ بنوا على قبرهِ مسجداً، ثمَّ صوّروا فيهِ تلكَ الصّورةَ، أولئكِ شرارُ الخلقِ عندَ الله))(٥). وفي هذا: عنايته بالتنبيهِ على الأخطاءِ العقديّة، وتحذيرٍ أهله منها. (١) السّامِّ: الموتُ. (٢) رواه البخاري [٢٩٣٥]، ومسلم [٢١٦٥]. (٣) ((مهْ): كلمة زجرِ عنِ الشّيّءٍ، والفحشُ هوَ القبيح منَ القولِ والفعلِ. (٤) رواه البخاري [٤٨٢٩]، ومسلم [٨٩٩]. (٥) رواه البخاري [٤٢٧]، ومسلم [٥٢٨]. ٨٤ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانَ ◌ّ﴾ لا یسکتُ عن منكرِ یراه في بیته، بل یسارعُ إلى إزالته: فحمايةُ الأهلِ من المنكراتِ من الواجباتِ العظيمةِ على كلِّ زوجٍ، وهو داخلٌ في قوله تعالى: ﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْنَارًا﴾ [التحريم: ٦]. عنْ عائشةَ رَّلَعَنْهَا قالتْ: دخَلَ عليَّ النّبِيُّ وَّهِ، وفي البيتِ قرامٌ فيهِ صورٌ [القرام هو الستر] فتلوّنَ وجههُ، ثمَّ تناولَ السّترَ، فهتكهُ، وقالَ: ((إنَّ منْ أشدِّ النّاسِ عذاباً يومَ القيامةِ الّذِينَ يصوّرونَ هذهِ الصّورَ))(١). فأنكرَ عليها بالفعلِ والقولِ. وكان ينكرُ ما قد يصدر منهنَّ من قول فيه تحقير للناس: قالتْ عائشة: وحكيتُ لهُ إنساناً(٢)، فقالَ: ((ما أحبُّ أنيّ حكيتُ إنساناً وأنَّ لي كذا وكذا))(٣). أيْ: ما يسرّني بأنْ أفعل مثل فعله أوْ أقول مثل قوله على وجه التّنقيص، ولوْ أعطيت كذا وكذا منْ الدّنيا، أيْ: شيئاً كثيراً على ذلكَ (٤). قالَ النّوِيُّ رَحمَةُاللَّهُ: ((ومنَ الغيبةِ المحرّمةِ المحاكاةُ، بأنْ يمشيَ متعارجاً، أوْ مطأطئَ رأسِهِ، أوْ غيرِ ذلكَ منَ الهيئاتِ))(٥). وكان ◌َ لّه يحذّرُ أزواجه من صغائر الذنوب فضلاً عن كبائرها: عنْ عائشةَ رَّلََّنها قالتْ: قَالَ لِي رسولُ الله ◌َّهِ: ((يا عائشةُ إيّاكِ ومحقّراتِ الأعمالِ [وفي رواية: إياك ومحقّرات الذنوب]؛ فإنَّ لها منَ الله طالباً)) (٦). (١) رواه البخاري [٦١٠٩]. (٢) أيْ: فعلت مثل فعله. (٣) رواه أبو داود [٤٨٧٥]، والترمذي [٢٥٠٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥٥١٥]. (٤) عون المعبود [١٥١/١٣]. (٥) تحفة الأحوذي [١٧٦/٧]. (٦) رواه ابن ماجة [٤٢٤٣]، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة [٣٤٢١]. ٨٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مع أهله وأقاربه ومن حوله ((محقّرات الأعمال)): هي الذنوب التي يحتقرها فاعلها، ولا يبالي بها. ((طالباً)) أيْ: مكلّفاً، فعرضَ عليهِ أنْ يطلبها، فيكتبها فهيَ عند الله تعالى عظيمة حيثُ خصَّ لأجلها ملكاً (١). وكان نساءُ النبيِّ وَّ يراجعنه في بعض المسائل المشكلة: فعن ابن أبي مليكةَ أنَّ عائشةَ كانتْ لا تسمعُ شيئاً لا تعرفهُ إلّ راجعتْ فيهِ حتّى تعرفهُ، وأنَّ النّبِيَّ وَّ قالَ: ((منْ حوسبَ عذّبَ))، قالتْ عائشةُ: فقلتُ: أوليسَ يقولُ اللهُ تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]، فقالَ: ((إنّما ذلكِ العرضُ، ولكنْ منْ نوقشَ الحسابَ يهلكْ))(٢). و کان ێ یغارُ على نسائه: عنْ عائشةَ رَعَنْهَا قالتْ: كانَ يدخلُ على أزواجِ النّبِّ ◌َِّ مخنّثُ(٣)، فكانوا يعدّونهُ منْ غيرِ أولي الإربةِ، فدخلَ النّبِيُّ ◌َّ يوماً وهوَ عندَ بعضِ نسائِهِ، وهوَ ينعتُ امرأةً قال: إذا أقبلتْ أقبلتْ بأربع، وإذا أدبرتْ أدبرتْ بثمانٍ(٤)، فقالَ النّبِيُّ ◌َّ: ((ألا أرى هذا يعرفُ ما هاهنا، لا يدخلنَّ عليكنَّ))، قالتْ: فحجبوهُ(٥). ودخول هذا المخنّثِ أوّلاً على أمّهاتِ المؤمنينَ كان سببه أنّهمْ كانوا يعتقدونهُ منْ غير أولي الإربة، وأنّهُ مباحٌ دخولهُ عليهنَّ، فلما سمعَ منهُ هذا الكلامَ؛ علمَ أنّهُ منْ أولي الإربة، فمنعهُ مَّ﴾ من الدّخولِ. وإنّما حجبهُ عنِ الدّخول إلى النّساءِ لَّا سمعهُ يصف المرأة بهذهِ الصّفة الّتي تهيّج قلوبَ الرّجالِ، فمنعهُ؛ لئلّا يصفَ الأزواجَ للنّاسِ؛ فيسقطَ معنى الحجاب. (١) حاشية السندي على سنن ابن ماجة [٥٩/٨]. (٢) رواه البخاري [١٠٣]، ومسلم [٢٨٧٦]. (٣) المخنّث: وهوَ الّذي يشبه النّساء في أخلاقه وكلامه وحركاته، وتارة يكون هذا خلقه منَ الأصل، وتارة بتكلّفٍ. (٤) ومعناهُ أنَّ لها أربع عكن تقبل بهنَّ، منْ كلّ ناحية ثنتانِ، ولكلِّ واحدة طرفانٍ، فإذا أدبرتْ صارتْ الأطراف ثمانية. (٥) رواه البخاري [٤٣٢٤]، ومسلم [٢١٨١]. ٨٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويستفاد منهُ حجبُ النّساءِ عمّنْ يفطنُ لمحاسنهنَّ، وهذا الحديثُ أصلٌّ في إبعادٍ منْ يسترابُ بهِ في أمر منَ الأمور(١). هكذا كانَ النبيُّ ◌َِّ يغارُ على نسائه، بخلافٍ ما يحاولُ بعضُ المتحلّلين فعله اليومَ في مجتمعاتنا من إضعافِ الغيرةِ، ومحوها من النفوسِ، فتجدُ الرجلَ منهم لا يكترثُ إن جالستْ زوجته، أو أخته، أو ابنته رجلاً أجنبيّاً عنها. ومن منهجه ◌َّ- إحسانُ الظَّنِّ بهنٍّ وعدم تخوينهن: عنْ أنسِ رَهُ قالَ: كانَ النّبِيُّ ◌ٍَّ لا يطرقُ أهلهُ، كانَ لا يدخلُ إلّا غدوةً أَوْ عشيّةً(٢). (لا يطرق أهله)) أيْ: لا يدخل عليهمْ ليلاً إذا قدمَ منْ سفر، والطّروق هوَ الإتيان في اللّيل، وكلّ آتٍ في اللّيل فهوَ طارق(٣). بل ونهى الرجال عن ذلك: فعنْ جابرِ بن عبد الله رَّعَنْهَ قالَ: نهى رسولُ اللهِوَّهِ أَنْ يطرقَ الرّجلُ أهلهُ ليلاً، يتخوّنهمْ أوْ يلتمسُ عثراتهمْ(٤). ومعنى (يتخوّنهمْ)): يظنّ خيانتهمْ، ويكشفُ أستارهمْ، ويكشفُ هل خانوا أمْ لا؟ فيكره لمنْ طالَ سفره أنْ يقدم على امرأته ليلاً بغتةً، فأمّا منْ كانَ سفره قريباً تتوقّع امرأته إتیانه ليلاً فلا بأس. قال ابن حجر رَحِمَةُ اللّهُ: ((وفي الحديث: الحثُّ على التّوادِّ والتّحابِّ خصوصاً بينَ الزّوجينِ؛ لأَنَّ الشّارعَ راعى ذلكَ بين الزوجينِ معَ اطّلاع كلٍّ منهما على ما جرتِ العادةُ بسترهِ حتّى إِنَّ كلّ واحدٍ منهما لا يخفى عنهُ منْ عيوب الآخِرِ شيءٌ في الغالبِ، ومعَ ذلكَ فنهى عنِ الطّروق؛ لئلّا يطّلعَ على ما تنفرُ نفسه عنهُ؛ فيكونُ مراعاةُ ذلكَ في غيرِ الزّوجينِ بطريقِ الأولى)» (٥). (١) فتح الباري [٩/ ٣٣٦]. (٢) رواه البخاري [١٨٠٠]، ومسلم [١٩٢٨]. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم [١٣/ ٧١]. (٤) رواه البخاري [١٨٠١]، ومسلم [٧١٥]. (٥) فتح الباري [٩/ ٣٤١]. ٨٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله ومن حكم عدمٍ طرقِ الأهلِ ليلاً، أو فجأةً: أن تستعدَّ المرأةُ لقدوم زوجها. عنْ جابرِ بن عبد الله رَعَنْهَا قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ََّ: «إذا قدمَ أحدكمْ ليلاً، فلا يأتينَّ أهلهُ طروقاً؛ حتّى تستحدَّ المغيبةُ، وتمتشطَ الشّعثةُ))(١). (المغيبة)): الّتي غابَ زوجها، (تستحدَّ)): أيْ: تزيل شعر عانتها. وهذا الحكمُ خاصٌّ بمن يكون في سفرٍ، ويطيلُ الغيبةَ كما جاء في لفظ آخر: ((إذا أطالَ أحدكمْ الغيبة، فلا يطرق أهله ليلاً)). ((فالتّقييد فيهِ بطولِ الغيبة يشيرُ إلى أنَّ علّةَ النّهي إنّما توجدُ حينئذٍ، فالحكمُ يدورُ معَ علّته وجوداً وعدماً. فلمّا كانَ الّذي يخرج لحاجتِهِ مثلاً نهاراً ويرجع ليلاً لا يتأتّى لهُ ما يحذر منْ الّذي يطيل الغيبة كانَ طول الغيبة مظنّة الأمن منْ الهجوم، فيقع الّذي يهجم بعد طول الغيبة غالباً ما يكره، إمّا أنْ يجد أهله على غير أهبة منْ التّنظّف والتّزيّن المطلوب منْ المرأة فيكون ذلكَ سبب النّفرة بينهما))(٢). وأما منْ أعلم أهله بوصولهِ وأنّهُ يقدم في وقت كذا مثلاً فلا يتناولهُ هذا النّهي. و کان پ ﴾ حكيماً في تعامله مع غيرة نسائه: فإن غيرةَ المرأةِ على زوجها هي طبيعةٌ من طبائعِ الأنوثةِ التي فطرتْ عليها. وفي بعضِ الآثارِ: ((إنَّ الله كتبَ الغيرة على النّساء)(٣). فالغيرةُ جزءٌ من طبيعةِ المرأةِ وخلقتها، وكان نساءُ النبيِّ وَِّيغرنَ عليه. عن عائشةَ رَّ عَنْهَا: أنَّ رسولَ الله ◌َّه خرِجَ منْ عندها ليلاً، قالتْ: فغرتُ عليهِ [أي: (١) رواه البخاري [٥٢٤٦]، ومسلم [٧١٥]. (٢) فتح الباري [٩/ ٣٤٠]. (٣) وقد رواه الطبراني [١٠٠٤٠]، وغيره عن ابن مسعود مرفوعاً، ولكنه ضعيف، ضعّفه الألباني في ضعيف الجامع [١٦٢٦]. ٨٨ تعاملات النبيّ صَلَ للَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ اضطربت أفعالي وتغيرت أحوالي]، فجاءَ فرأى ما أصنعُ، فقالَ: «ما لكِ يا عائشةُ، أغرتٍ؟»، فقلتُ: وما لي لا يغارُ مثلي على مثلكَ؟ فقالَ رسولُ الله ◌َّ: ((أقدْ جاءكِ شيطانكِ؟))(١)، قالتْ: يا رسولَ الله أوَ معيَ شيطانٌ؟ قالَ: ((نعمْ))، قلتُ: ومعَ كلِّ إنسانٍ؟ قالَ: ((نعمْ))، قلتُ: ومعكَ يا رسولَ الله؟ قالَ: ((نعمْ، ولكنْ ربّ أعانني عليهِ حتّى أسلمَ(٢))(٣). وفي قصةٍ أخرى نرى أن الغيرة تدفع أم المؤمنين عائشةَ إلى أن تمشي وراءَ النبيِّ ◌َّ؟ لترى أين يذهبُ، فعن عائشة رََّعَنْهَا قالتْ: لَّا كانتْ ليلتي الّتي كانَ النّبِيُّ وَّل فيها عندي، انقلبَ فوضعَ رداءهُ، وخلعَ نعليهِ، فوضعهما عندَ رجليهِ، وبسطَ طرفَ إزارهِ على فراشهِ فاضطجعَ، فلمْ يلبثْ إلّا ريثما ظنَّ أنْ قدْ رقدتُ، فأخذَ رداءهُ رويداً، وانتعلَ رويداً، وفتحَ البابَ فخرجَ، ثمَّ أجافهُ رويداً(٤)، فجعلتُ درعي في رأسي، واختمرتُ، وتقنّعتُ إزاري، ثُمَّ انطلقتُ على إثرهِ، حتّى جاءَ البقيعَ، فقامَ فأطالَ القيامَ، ثمَّ رفعَ یدیهِ ثلاثَ مرّاتٍ، ثمَّ انحرفَ فانحرفتُ، فأسرعَ فأسرعتُ، فهرولَ فهرولتُ، فأحضرَ فأحضرتُ [الإحضار: العدوُ]، فسبقتهُ، فدخلتُ، فليسَ إلّا أنْ اضطجعتُ، فدخلَ فقالَ: «ما لكِ يا عائشُ حشيا رابيةً؟))(٥)، قلتُ: لا شيءَ، قالَ: ((لتخبريني، أوْ ليخبرنيّ اللّطيفُ الخبير))، قلتُ: يا رسولَ الله بأبي أنتَ وأمّي، فأخبرتهُ، قالَ: ((فأنتِ السّوادُ الّذي رأيتُ أمامي؟»، قلتُ: نعمْ، فلهدني في صدري لهدةً أوجعتني(٦)، ثمّ قالَ: ((أظننتِ أنْ يحيفَ اللهُ عليكِ ورسولهُ؟))(٧)، فإنَّ جبريلَ أتاني حينَ رأيتِ، فناداني، فأجبتهُ، ولمْ يكنْ يدخلُ عليكِ، وقدْ وضعتِ ثيابكِ، وظننتُ أنْ قدْ رقدتٍ، فكرهتُ أنْ أوقظكِ، وخشيتُ أنْ تستوحشي، فقالَ: إِنَّ ربّكَ يأمركَ أنْ تأتيَ (١) أي: فأوقعَ عليك أنيّ قدْ ذهبت إلى بعض أزواجي فأنتِ لذلكَ متحيرّة متفتّشة عنّي. (٢) ((فأسلمَ)) على صيغة الماضي أي: فصارَ مسلمًا، فلا يدلّني على سوءٍ، أوْ على صيغة المضارع أيْ: فأنا سالٌ منْ شَرِهِ. حاشية السندي على النسائي [٧/ ٧٣]. (٣) رواه مسلم [٢٨١٥]. (٤) أيْ: قليلًا لطيفاً لئلاّ ينبّهها، وإنّما فعلَ ذلكَ وَلَه في خفية؛ لئلاّ يوقظها ويخرج عنها، فربّما لحقها وحشة في انفرادها في ظلمة الليل. (٥) حشيا: أيْ مرتفعة النّفس متواترته كما يحصل للمسرع في المشي، رابية: أيْ مرتفعة البطن. (٦) اللهد: هوَ الدّفع الشّديد في الصّدر، وهذا كانَ تأديباً لها منْ سوءِ الظَّنِّ. (٧) منَ الحيفِ بمعنى الجورِ بأنْ يدخل الرّسولُ في نوبتك على غيرك. ٨٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عَيْهِوَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله أهلَ البقيعِ فتستغفرَ لهُمْ، قلتُ: كيفَ أقولُ لهمْ يا رسولَ الله؟ قالَ: ((قولي: السّلامُ على أهلِ الدّيارِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ، ويرحمُ اللهُ المستقدمينَ منّا والمستأخرينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللهُ بِكمْ للاحقونَ))(١). فأم المؤمنين عائشة رَضُّعَنْهَا بالرغم مما كانت تعرفه من مكانتها من قلب رسول الله وَله کانت تغارُ علیه من سائر زوجاته، بل كانتْ تغارُ ممن ماتت من نسائه، فكانت تقول: «ما غرتُ على امرأةٍ ما غرتُ على خديجةَ))(٢). وكان النبيُّ ◌َّ حكيماً في معاملته مع نسائه إذا لاحظ عليهن الغيرة، ولم يكن يفعلُ ما يفعله بعض الناسِ اليومَ، فمن الناسِ من إذا لاحظَ على زوجته غیرةً نهرها، وزجرها، ونهاها أن تسألَ عما يفعلُ؛ فتكبر بذلك المشكلةُ، وتزدادُ غيرةُ الزوجةِ، ويزدادُ شكّها؛ وذلك نتيجة سوءٍ تصرّفِ الزوجِ في مثلِ هذه المواقفِ، وفقدانه للحكمة التي ينبغي أن يتعلّمها من رسول الله وع الطله. 3 فكان رسولُ اللهِ عَلَه يقابلُ هذه الغيرةَ تارةً بابتسامة، وتارة بتوجيه لين، وتارةً بعتاب إذا مسَّ الأمرُ غيره. عنْ أنس بن مالكٍ رَّ ◌َنهُ قالَ: كَانَ النّبِيُّ ◌َِّ عندَ بعضِ نسائه(٣)، فأرسلتْ إحدى أمّهاتِ المؤمنينَ(٤) بصحفةٍ فيها طعامٌ، فضربتِ الّتي النّبيُّ وَّل في بيتها يدَ الخادمِ؛ فسقطتْ الصّحفةُ، فانفلقتْ، فجمعَ النّبيُّ ◌ََّ فِلقَ الصّحفةِ، ثمَّ جعلَ يجمعُ فيها الطّعامَ الّذي كانَ في الصّحفةِ، ويقولُ: ((غَارتْ أُمُّكُمْ))، ثمَّ حبسَ الخادمَ حتّى أتيَ بصحفةٍ منْ عنِدِ الّتي هوَ في بيتها، فدفعَ الصّحفةَ الصّحيحَةَ إلى الّتي كسرتْ صحفتها، وأمسكَ المكسورةَ في بيتِ الّتي كسرتْ(٥). (١) رواه مسلم [٩٧٤]. (٢) رواه البخاري [٣٨١٦]، ومسلم [٢٤٣٥]. (٣) وهي عائشة رَُّعَنْهَا. (٤) زينب بنت جحش رَ عَنْهَا، وقيل: أم سلمة رَُّعَنْهَا. (٥) رواه البخاري [٥٢٣٥]. ٩٠ تعاملات النبيّ صَلَّاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففي هذه القصةِ دلالةٌ على رِفقه ◌َّ بأهله، فلم يَنهرِ التي كسرت القصعةَ، ولم يغضبْ منها، ولم يقل لها كلمةً، بل التمسَ لها العذرَ، وفي نفس الوقت لم يبخسْ حقَّ التي كسرت قصعتها، وإنما ضمنَ لها مثلها. قال ابن حجر رَحِمَةُاللَّهُ: «فيهِ إشارةٌ إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها؛ لأنّها في تلكَ الحالة يكون عقلها محجوباً بشدّةِ الغضب الّذي أثارتهُ الغيرة))(١). وينكرُ عليها ما قد يقع منها من لفظ غيرٍ مستساغٍ في حقِّ ضرّتها: عَنْ عائشةَ رََّها قالتْ: قلتُ للنّبِيِّ ◌َّ: حسبكَ منْ صفيّةَ كذا وكذا - تعني: قصيرً- فقالَ وَّ: ((لقدْ قلتِ كلمةً لوْ مزجتْ بماءِ البحرِ؛ لمزجتهُ))(٢). أيْ: غلبتهُ، وغيِّرتهُ، وأفسدتهُ. والمعنى: أنَّ هذهِ الغيبةَ لوْ كانتْ ممّا يمزجُ بالبحرِ؛ لغيّرتهُ عنْ حالِهِ، معَ كثرتِهِ وغزارتِهِ، فكيفَ بأعمالٍ نزرةٍ خلطتْ بها؟(٣). وكان يتر کھنَّ؛ ليقتصصنَ من بعضهنَّ: عنْ عائشةَ رَوَّ ◌َتهَا: أنَّ نساءَ رسولِ الله ◌ََّ كنَّ حزبينِ: فحزبٌ فيهِ عائشةُ، وحفصةُ، وصفيّةُ، وسودةُ، والحزبُ الآخرُ أمُّ سلمةَ، وسائرُ نساءِ رسولِ الله وَّةِ، وكانَ المسلمونَ قدْ علموا حبَّ رسولِ الله ◌ِ ◌ِّ عائشةَ، فإذا كانتْ عندَ أحدهمْ هديّةٌ يريدُ أنْ يهديها إلى رسولِ اللهِ وَّ؛ أخّرها حتّى إذا كانَ رسولُ الله ◌َّه في بيتِ عائشةَ بعثَ صاحبُ الهديّةِ بها إلى رسولِ الله ◌َّه في بيتِ عائشةَ، فكلّمَ حزبُ أمِّ سلمةَ، فقلنَ لها: كلّمي رسولَ الله ◌َل يكلّمُ النّاسَ فيقولُ: منْ أرادَ أنْ يهديَ إلى رسولِ اللهِوَ﴿ هديّةَ؛ فليهدِهِ إليهِ حيثُ كانَ منْ بيوتِ نسائِهِ، فكلّمتهُ أمُّ سلمةَ بما قلنَ، فلمْ يقل لها شيئاً، فسألنها، فقالتْ: ما قالَ لي شيئاً، فقلنَ لها: فكلّميهِ، قالتْ: فكلّمتهُ حينَ دارَ إليها أيضاً، فلمْ يقل لها شيئاً، فسألنها فقالتْ: ما قالَ لي شيئاً، فقلنَ لها: كلّميهِ حتّى يكلّمكِ، فدارَ إليها فكلّمتُهُ، فقالَ لها: ((لا تؤذيني في (١) فتح الباري [٣٢٥/٩]. (٢) رواه أبو داود [٤٨٧٥]، والترمذي [٢٥٠٢]، وصححه الألباني في صحيح الجامع [٥١٤٠]. (٣) تحفة الأحوذي [٧/ ١٧٧]. ٩١ الباب الثاني: تعامل النبي صَلَّلَهُ عَلَيْهِ وَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومن حوله عائشةَ؛ فإنَّ الوحيَ لمْ يأتني وأنا في ثوبٍ امرأةٍ إلّ عائشة))، فقالتْ: أتوبُ إلى الله منْ أذاكَ يا رسولَ الله، ثمّ إنّهنَّ دعونَ فاطمةَ بنتَ رسولِ الله ◌َّ﴾، فاستأذنتْ عليهِ وهوَ مضطجع معي في مرطي(١)، فقالتْ: يا رسول الله إنَّ أزواجك أرسلني يسألنك العدل في بنت ابن أبي قحافة، وأنا ساكتةٌ(٢)، فقالَ: ((يا بنيّةُ ألا تحبّيَن ما أحبُّ؟))، قالتْ: بلى، قالَ: ((فأحبّي هذهِ)، فقامتْ فاطمة حين سمعت ذلكَ، فرجعتْ إلى أزواج النّبيِّ وَّ فأخبرتهنَّ بالّذي قالتْ، وبالّذي قالَ لها رسولُ اللهِوَّةِ، فقلنَ لها: ما نراكِ أغنيتِ عنّا منْ شيءٍ؛ فارجعي إلى رسولِ اللهِ وَ﴾، فقالتْ فاطمةُ: والله لا أكلّمهُ فيها أبداً، فأرسلنَ زينبَ بنتَ جحشٍ، وهيَ الّتي كانتْ تساميني منهنَّ في المنزلةِ عندَ رسولِ الله ◌َّه، ولم أرَ امرأةً قطُّ خيراً في الدّينِ منْ زينبَ، وأتقى لله، وأصدقَ حديثاً، وأوصلَ للرّحمِ، وأعظمَ صدقةً، وأشدَّ ابتذالاً لنفسها في العملِ الّذي تصدّقُّ بِهِ، وتقرّبُ بهِ إلى الله تعالى، ما عدا سورةً منْ حدّةٍ كانتْ فيها تسرعُ منها الفيئةَ(٣)، فذهبتْ زينبُ حتّى استأذنتْ، ورسول اللهوَ ◌ّ معَ عائشة في مرطها على الحال الّتي دخلتْ فاطمة وهوَ بها، فقالتْ: يا رسولَ الله إنَّ أزواجكَ أرسلني إليكَ يسألنكَ العدلَ في ابنةِ أبي قحافةَ، قالتْ: ثمَّ وقعتْ بي؛ فاستطالتْ عليَّ، قالت عائشة: وأنا أرقبُ رسول الله ◌َّه، وأرقبُ طرفه هل يأذنُ لي فيها، قالتْ: فلمْ تبرح زينب حتّى عرفت أنَّ رسول الله وَّه لا يكرهُ أنْ أنتصر، قالَ: فتكلّمتْ عائشةُ تردُّ على زينبَ حتّى أسكتتها، قالتْ عائشة: فلّا وقعتُ بها لمْ أنشبها حتّى أنحيتُ عليها(٤)، فنظرَ النّبِيُّ ◌َّه إلى عائشةَ وتبسّمَ وقالَ: ((إنّها بنتُ أبي بكرٍ))(٥). إشارة إلى كمالٍ فهمها، ومتانة عقلها حيثُ صبرتْ إلى أنْ ثبتَ أنَّ التّعدّيَ منْ جانب الخصم، ثمَّ أجابتْ بجوابٍ إلزام. (١) ((المرط)): كساء من خزّ أو صوف أو كتّان. لسان العرب [٣٩٩/٧] (٢) المراد: أنهن يطلبن العدل والمساواة في قضية الهدايا، بحيث لا تكون مخصوصةً بيوم عائشة، والنبي معذور في هذا الأمر؛ لأن إرسال الهدايا ليس من فعله، وإنما هو من فعل الناس، ومن غير اللائق أن يحدّدَ للناس وقت إرسال هداياهم، وإطلاق مثل هذه العبارة في حق النبي فيه نوع تجوّز، ولكنهن معذورات بهذا القول لأن الحامل عليها هو الغيرة. (٣) ومعنى الكلام: أنها كاملةُ الأوصافِ إلاّ أنَّ فيها شدّة خلق وسرعة غضب تسرعُ منها الفيئة أيْ الرّجوع. شرح النووي [٢٠٦/١٥]. (٤) أيْ: بالغت في جوابها وأفحمتها. (٥) رواه البخاري [٢٥٨١]، ومسلم [٢٤٤٢]. ٩٢ تعاملات النبيّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ابن حجر رَحِمَةُ اللّهُ: ((وفيهِ: تنافسُ الضّرائرِ وتغايرهنَّ على الرّجلِ، وأنَّ الرّجل يسعهُ السّكوت إذا تقاولنَ، ولا يميلُ معَ بعضٍ على بعضٍ))(١). الجانب الثالث: حلول المشكلات في البيت النبوي: لقد عاش رسول الله وَّ مع زوجاته الطاهراتِ حياةً سعيدةً طيّبةً، تمثّلُ تطبيقاً عمليّاً لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: ١٩]. ولكن لا بدَّ أن تثورَ بعضُ المشكلاتِ في هذا البيتِ الكريمِ، فلا يخلو بيتٌ من مشكلاتٍ حتی بیت النبوّةِ. فالرسولُ الزوجُ وَّه يعتبرُ قدوةً لكلِّ زوجٍ؛ لذلك لا بدَّ من حدوث بعض المشكلاتِ في بيتِ النبوّةِ؛ حتى يعلّمنا الله من خلالها هديَ نبيّهَ وَّه في التعامل معها. وهذه المسألةُ مهمّةٌ جدّاً لكل زوجٍ، فليس حدوثُ المشكلاتِ في البيتِ هو الخطر؛ لأنه لا يخلو بيتٌ من مشكلاتٍ، ولكن الخطورةَ ألا تعالجَ هذه المشكلاتُ بالحكمةِ والإنصافِ؛ فتتفاقم، ويحدثُ الهجرُ، والطلاقُ. كيفَ كانَ رسولُ اللهِوَّ يتعامل، ويعالج هذه المشكلاتِ؟ لقد مرّتْ ببيتِ النبوةٌ مشكلاتٌ عصيبةٌ، كحادثة الإفكِ، وقصةِ المطالبةِ بالنفقةِ، وقصة ماريةَ وتحريمِ النبيِّ ◌َّ لها. وسنذكرُ بعضَ هذه الحوادثِ، وننظرُ كيفَ تعامل النبيُّ ◌َّ معها. أما قصةُ الإفكِ: فهي تلك المحنةُ العظيمةُ التي عرضتَ لأمِّ المؤمنينَ رَ عَنْهَا، وحدثَ فيها من البلاءِ ما حدثَ، حتى برّأها الله من فوق سبعِ سماواتٍ. تروي أمُّ المؤمنين عائشة هذه القصة لنا، فتقول: كانَ رسولُ الله ◌َّه إذا أرادَ أنْ يخرجَ سفراً أقرعَ بينَ نسائِهِ، فأَيْتهنَّ خرجَ سهمها خرجَ بها رسولُ اللهِوَّ معهُ، فأقرعَ بيننا في غزوةٍ (١) فتح الباري [٢٠٨/٥]. ٩٣ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومَن حوله غزاها، فخرجَ فيها سهمي، فخرجتُّ معَ رسولِ الله وَّةِ، وذلكَ بعدَ ما أنزلَ الحجابُ، فأنا أحملُ في هودجي، وأنزلُ فيهِ مسيرنا، حتّى إذا فرغَ رسولُ الله ◌َّ مِنْ غزوهِ، وقفلَ، ودنونا منَ المدينةِ؛ آذنَ ليلةً بالرّحيلِ، فقمتُ حينَ آذنوا بالرّحيلِ، فمشيتُ حتّى جاوزتُ الجيشَ، فلّا قضيتُ منْ شأني أقبلتُ إلى الرّحلِ، فلمستُ صدري، فإذا عقدي منْ جزعِ ظفارٍ قدِ انقطعَ، فرجعتُ فالتمستُ عقدي، فحبسني ابتغاؤهُ(١)، وأقبلَ الرّهطُ الّذينَ كانوا يرحلونَ لي، فحملوا هودجي، فرحلوهُ على بعيريَ الّذي كنتُ أركبُ، وهمْ يحسبونَ أنّ فيهِ، قالتْ: وكانتْ النّساءُ إِذْ ذاكَ خفافاً لمْ يهبّلنَ (٢)، ولم يغشهنَّ اللّحمُ، إنّما يأكلنَ العلقةَ مِنَ الطّعام، فلمْ يستنكرِ القومُ ثقلَ الهودجِ حينَ رحلوهُ ورفعوهُ، وكنتُ جاريةً حديثةَ السّنِّ، فبعثوا الجملَ وساروا، ووجدتُ عقدي بعدَ ما استمرَّ الجيشُ، فجئتُ منازلهمْ، وليسَ بها داعٍ ولا مجيبٌ، فتيمّمتُ منزلي الّذي كنتُ فيهِ، وظننتُ أنَّ القومَ سيفقدوني، فيرجعونَ إليَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني، فنمتُ، وكانَ صفوانُ بنُ المعطّلِ السّلميُّ قدْ عرّسَ منْ وراءِ الجيشِ فادّلجَ(٣)، فأصبحَ عندَ منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقدْ كانَ يراني قبلَ أنْ يضربَ الحجابُ عليَّ، فاستيقظتُّ باسترجاعِهِ حينَ عرفني، فخمّرتُ وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلّمني كلمةً، ولا سمعتُ منهُ كلمةً غيرَ استرجاعِهِ، حتّى أناخَ راحلتهُ، فوطئَ على يدها، فركبتها، فانطلقَ يقودُ بيَ الرّاحلةَ حتّى أتينا الجيشَ، بعدَ ما نزلوا موغرينَ في نحرِ الظّهيرةِ، فهلكَ منْ هلكَ في شأني، وكانَ الّذي تولّى كبرهُ عبدُ الله بنُ أبيِّ ابنُ سلولَ، فقدمنا المدينةَ، فاشتكيتُ حينَ قدمنا المدينةَ شهراً، والنّاسُ يفيضونَ في قولِ أهلِ الإفكِ، ولا أشعرُ بشيءٍ منْ ذلكَ، وهوَ يريبني في وجعي أنّي لا أعرفُ منْ رسولِ الله ◌َّ اللّطفَ الّذي كنتُ أرى منهُ حينَ أشتكي، إنّما يدخلُ رسولُ الله ◌َّه فِيسلّمُ، ثمَّ يقولُ: ((كيفَ تیکمْ؟»، فذاكَ يريبني، ولا أشعرُ بالشّرِّ، حتّى خرجتُ بعدَ ما نقهتُ، وخرجتْ معي أمُّ مسطحٍ، قبلَ المناصعِ(٤)، فعثرتْ أمُّ مسطحِ في مرطها، فقالتْ: تعسَ مسطحٌ، فقلتُ لها: بئسَ ما قلتِ، (١) ((الجزع)): هوَ خرز يمانّي، و((ظفار)): قرية في اليمن. (٢) (لم يهبّلنَ)) أيْ لَم يثقلنَ باللّحمِ والشّحم. (٣) (التّعريس)): النّزول آخر اللّيل في السّفر لنومٍ أوْ استراحة، ((ادّلجَ)): أي مشى آخر الليل بعد أن نزل للاستراحة. (٤) هيَ مواضع خارج المدينة كانوا يتبّزونَ فيها. ٩٤ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتسبّينَ رجلاً قدْ شهدَ بدراً، قالتْ: أيْ: هنتاهْ، أَوْ لمْ تسمعي ما قالَ، قلتُ: وماذا قالَ؟ قالتْ: فأخبرتني بقولِ أهلِ الإفكِ، فازددتُ مرضاً إلى مرضي، فلمّا رجعتُ إلى بيتي، فدخلَ عليَّ رسولُ الله ◌َّ فسلّمَ، ثمَّ قالَ: ((كيفَ تيكمْ؟))، قلتُ: أتأذنُ لي أنْ آتيَ أبويَّ، قالتْ: وأنا حينئذٍ أريدُ أنْ أتيقّنَ الخبرَ منْ قبلهما، فأذنَ لي رسولُ الله ◌َّهِ، فجئتُ أبويَّ، فقلتُ لأمّي: يا أمّتاهْ، ما يتحدّثُ النّاسُ؟ فقالت: يا بنيّةُ، هوّني عليكِ، فوالله لقلّما كانتِ امرأةٌ قطُّ وضيئةٌ عندَ رجلٍ يحبّها، ولها ضرائرُ إلّا كثّرنَ عليها، قالتْ: قلتُ: سبحانَ الله، وقدْ تحدّثَ النّاسُ بهذا؟! فبكيتُ تلكَ اللّيلةَ حتّى أصبحتُ لا يرقأُ(١) لي دمعٌ، ولا أكتحلُ بنومِ، ثمَّ أصبحتُ أبكي، ودعا رسولُ اللهِوََّ عليّ بن أبي طالبٍ، وأسامةَ بنَ زيدٍ حينَ استلبثُ الوحيُ يستشير هما في فراقِ أهلِهِ، قالتْ: فأمّا أسامةُ بنُ زيدٍ فأشارَ على رسولِ الله ◌َ ﴾ بالّذي يعلمُ منْ براءةِ أهلِهِ، وبالّذي يعلمُ في نفسِهِ لهمْ منَ الودِّ، فقالَ: يا رسولَ الله همْ أهلكَ، ولا نعلمُ إلّا خيراً، وأمّا عليٌّ بنُ أبي طالبٍ فقالَ: لمْ يضيّقِ اللهُ عليكَ، والنّساءُ سواها كثيرٌ، وإنْ تسألِ الجاريةَ تصدقكَ(٢)، قالتْ: فدعا رسولُ اللهِوَلَه بريرةَ، فقالَ: ((أيْ بريرةُ، هل رأيتِ منْ شيءٍ يريبكِ منْ عائشةَ؟))، قالتْ لهُ بريرةُ: والّذي بعثكَ بالحقِّ، إنْ رأيتُ عليها أمراً قطُّ أغمصهُ(٣) عليها أكثرَ منْ أنّا جاريةٌ حديثةُ السّنِّ، تنامُ عنْ عجيِن أهلها، فتأتي الدّاجنُ فتأكلهُ(٤)، قالتْ عائشةُ: وكانَ رسولُ الله ◌َلّه سألَ زينبَ بنتَ جحشِ زوجَ النّبِّ ◌َّهُ عِنْ أمري ما علمتِ أوْ ما رأيتِ، قالتْ: يا رسولَ الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ إلّا خيراً، قالتْ عائشةٌ: وهيَ الّتي كانتْ تساميني منْ أزواجِ النّبِّ ◌َّ، فعصمها اللهُ بالورع، فقامَ رسولُ اللهِوََّ على المنبرِ، فاستعذَرَ منْ عبدِ الله بنِ أبيِّ ابن سلولَ، فقالَ رسولُ الله ◌َّ وهوَ على المنبرِ: ((يا معشرَ المسلمينَ، منْ يعذرني(٥) منْ رجلٍ قدْ بلغَ أذاهُ في أهلٍ بيتي؟ فوالله (١) أي: لا ينقطع. (٢) هذا الّذي قالهُ علّي إنما هو بناء على ما رآه من انزعاج النّبيّ نَّه بهذا الأمر وتقلّقهُ، فأرادَ راحة خاطره، وكانَ ذلكَ أهمَّ منْ غیره. (٣) أيْ: أعيبه. (٤) هي الشّاة الّتي تألف البيت، ولا تخرج للمرعى، ومعنى هذا الكلام: أنّهُ ليسَ فيها شيء مما تسألونَ عنهُ أصلاً، ولا فيها شيء منْ غيره إلّا نومها عنْ العجين. (٥) أي: منْ يقوم بعذري إنّ كافأته على قبيح فعاله ولا يلومني، وقيل: معناهُ منْ ينصرني، والعذير النّاصر. ٩٥ الباب الثاني: تعامل النبي صَّلَهُعَيْهِوَسَلَّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله ما علمتُ على أهلي إلّا خيراً، ولقدْ ذكروا رجلاً ما علمتُ عليهِ إلّا خيراً، وما كانَ يدخلُ على أهلي إلّا معي)». فقامَ سعدُ بنُ معاذِ الأنصاريُّ، فقالَ: أنا أعذركَ منهُ يا رسولَ الله، إنْ كانَ منَ الأوسِ ضربنا عنقهُ، وإنْ كانَ منْ إخواننا الخزرجِ أمرتنا ففعلنا أمركَ. فتنازع عند ذلك الأوسُ والخزرجُ فيما بينهم، فلمْ يزل رسولُ الله ◌َّهِ يخفّضهمْ حتّى سكتوا وسكتَ. قالتْ عائشة: وبكيتُ يومي ذلكَ لا يرقأُ لي دمعٌ، ولا أكتحلُ بنومٍ، ثمَّ بكيتُ ليلتي المقبلةَ لا يرقأُ لي دمعٌ، ولا أكتحلُ بنومِ، وأبوايَ يظنّانِ أنَّ البكاءَ فالقُّ كبدي. فبينما هما جالسانِ عندي وأنا أبكي، استأذنتْ عليَّ امرأةٌ منَ الأنصارِ، فأذنتُ لها، فجلستْ تبكي. قالتْ: فبينا نحنُ على ذلكَ دخلَ علينا رسولُ الله ◌َّه فسلّمَ ثمَّ جلسَ، قالتْ: ولمْ يجلسْ عندي منذُ قيلَ لي ما قيلَ، وقدْ لبثَ شهراً لا يوحى إليهِ في شأني بشيءٍ. قالتْ: فتشهّدَ رسولُ الله ◌َِّ حِينَ جلسَ، ثمَّ قالَ: ((أمّا بعدُ يا عائشةُ، فإنّهُ قَدْ بلغني عنكِ كذا وكذا، فإنْ كنتِ بريئةً فسيبرّئِكِ اللهُ، وإنْ كنتِ ألممتِ بذنبٍ؛ فاستغفري اللهَ وتوبي إليهِ؛ فإنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبٍ، ثمَّ تابَ تابَ اللهُ عليهِ)). قالتْ: فلما قضى رسولُ الله ◌َّه مقالتهُ، قلصَ دمعي حتّى ما أحسُّ منهُ قطرةً. فقلتُ لأبي: أجبْ عنّي رسولَ الله ◌َّه فيما قالَ. فقالَ: والله ما أدري ما أقولُ الرسولِ اللهِوَّه. فقلتُ لأمّي: أجيبي عنّي رسولَ الله وَّهِ. فقالتْ: والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِوَّهِ. فقلتُ وأنا جاريةٌ حديثةُ السّنِّ لا أقرأُ كثيراً منَ القرآنِ: إنّ والله، لقدْ عرفتُ أنّكمْ قَدْ سمعتمْ بهذا حتّى استقرَّ في نفوسكمْ وصدّقتمْ بِهِ، فإنْ قلتُ لكمْ إنّي بريتةٌ - واللهُ يعلمُ أنّي بريئةٌ-؛ لا تصدّقوني بذلكَ، ولئنِ اعترفتُ لكمْ بأمرٍ - واللهُ يعلمُ أنّ بريئةٌ-؛ التصدّقونني، وإنّ والله ما أجدُ لي ولكمْ مثلاً إلّا كما قالَ أبو يوسفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ اُلْمُسْتَعَانُ عَلَى مَاتَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. قالتْ: ثمَّ تحوّلتُ، فاضطجعتُ على فراشي. قالتْ: وأنا والله حينئذٍ أعلمُ أنّي بريئةٌ، وأنَّ اللهَ مبرّئي ببراءتي، ولكنْ والله ما كنتُ أظنُّ أَنْ ينزلَ في شأني وحيٌّ يتلى، ولشأني كانَ أحقرَ في نفسي منْ أنْ يتكلّمَ اللهُ عَلَ فيَّ بأمرٍ يتلى، ولكنّي كنتُ أرجو أنْ يرى رسولُ اللهَوَّه في النّومِ رؤيا يبرّني اللهُ بها. قالتْ: فوالله ما رامَ رسولُ الله ◌َّ مجلسهُ(١)، ولا خرجَ منْ أهلِ البيتِ أحدٌ حتّى أنزلَ اللهُ عَّوَجَلَّ على نبيّهِ وَلِّ، فأخذهُ ما كانَ (١) أيْ: ما فارقهُ ٩٦ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأخذهُ منَ البرحاءِ (١) عندَ الوحي، حتّى إنّهُ ليتحدّرُ منهُ مثلُ الجمانِ منَ العرقِ (٢) في اليومِ الشّاتِ منْ ثقلِ القولِ الّذي أنزلَ عليهِ. قالتْ: فلمّا سرّيَ عنْ رسولِ الله ◌ٍَّ وهوَ يضحكُ، فكانَ أوّلَ كلمةٍ تكلّمَ بها أنْ قالَ: أبشري يا عائشةُ، أمّا اللهُ فقدْ برّأكِ. فقالتْ لي أمّي: قومي إليهِ(٣). فقلتُ: والله لا أقومُ إليهِ، ولا أحمدُ إلاّ اللهَ هوَ الّذي أنزلَ براءتي(٤). قالتْ: فأنزلَ اللهُ عَجَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُ و بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنَكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرَّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِ آَمْرٍِ مِّنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ, عَذَابٌ عَظِيمٌ ) لَوْلَا إِذْسَمِعْتُمُوهُ ظَنَّالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ ◌ِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَآ إِنْكٌ مُّبِينٌ ... ﴾ [النور: ١١- ٢٠] عشرَ آيَاتٍ، فأنزلَ اللهُ عَوَجَلَ هؤلاءِ الآياتِ براءتي(٥). في حديث الإفك فوائدُ عدّةٌ في منهجه ◌َّ في التعامل مع زوجته منها: ١. أسلوبُ التروّي: إن النبي ◌َّ اتَخَذَ أسلوبَ التروّي والتثبّتِ والتحقّقِ من هذه الشائعةِ قبلَ إصدارٍ أيِّ حكم فيها، فتروّى وَّة، ولم يتعجل؛ ليكون قراره في ذلك عادلاً. فقد مضى على حادثةِ الإفكِ شهرٌ كاملٌ، وهو لم يفاتح عائشةَ في الموضوع، بل یتروّى، ويسألُ، ويتحقّقُ من الأمرِ. ٢. تغيير المعاملة: ومما يؤخذُ من هذه القصة أيضاً: أن النبي ◌َّ قد غيّر أسلوبه في التعامل مع زوجته، فلم يعد يجلسْ عندها، ولم تعدْ ترى منه اللطفَ الذي كانت تراه منه قبل ذلك في حالة المرض. (١) أي: الشّدّة (٢) الجمان: الدّرّ، شبّهتْ قطرات عرقهمَّله بحبّاتِ اللّؤلؤ في الصّفاء والحسن. (٣) أي قومي فاحمديهِ، وقبّلي رأسه، واشكريهِ لنعمةِ الله تعالى الّتي بشرّك. (٤) قالتْ عائشة ما قالتْ إدلالًا عليهِ وعتباً (٥) رواه البخاري [٢٦٦١]، ومسلم [٢٧٧٠]. ٩٧ الباب الثاني: تعامل النبي صَّلَهُعَلَّهِ وَسَلََّ مع أهله وأقاربه ومَن حوله تقول عائشة: ((ويريبني في وجعي: أنّي لا أعرفُ منْ رسولِ اللهِوَّ اللّطفَ الّذي كنتُ أرى منهُ حينَ أشتكي)). وهذا الموقف من النبي وَ لا يدلّ على حكمة بليغة في تعامله مع الحادث، فهو لم يعتزلها اعتز الاً كلّاً؛ لأن الاعتزالَ يكون عقوبةً على مخالفةٍ أو معصيةٍ، ولم يثبتْ في حقها شيءٌ حتى الآنَ تستحقُّ عليه العقوبة، بل كان يتفقّدُ أحوالها، ويسأل عنها بقوله: ((كيفَ تیکمْ؟)). وهو بالمقابل لم يعاملها بالطريقةِ التي كان يعاملها بها قبل شيوع حادثِ الإفك؛ ليشعرها بأن شيئاً قد حدث، ويحتاج إلى تحقيقٍ؛ لمعرفة الحقيقةِ. قال الحافظ ابن حجر: ((وفيه من الفوائد: ملاطفة الزّوجة وحسنُ معاشرتها، والتّقصير منْ ذلكَ عندَ إشاعة ما يقتضي النّقص وإنْ لمْ يتحقّق، وفائدة ذلكَ أنْ تتفطّنَ لتغييرِ الحال؛ فتعتذر أوْ تعترف))(١). قال النووي: ((واعلمْ أنَّ في حديث الإفك فوائد كثيرة [فذكر منها]: أنّهُ إذا عرضَ عارض بأنْ سمعَ عنها شيئاً، أوْ نحو ذلكَ يقلّل منَ اللّطف ونحوه؛ لتفطن هيَ أنَّ ذلكَ العارضٍ، فتسأل عنْ سببه فتزيلهُ))(٢). ٣. جمع الآراء والاستشارة: أخذَ رسولُ اللهِوَلَه يتحرّى حول هذه الشائعةِ، ويسألُ بسرّيّةٍ تامّةٍ عن أخلاقِ عائشةَ، وسلوكها، وهل رئيَ منها شيءٌ؟ فسأل أسامةَ بنَ زيدٍ، وعليّ بن أبي طالبٍ، وخادمتها بریرةَ، وزینبَ. واختيارُ الرسول وَلّ﴿ هؤلاءَ الأربعةَ؛ لاستشارتهم لم يكن عن عبث: فعليُّ بن أبي طالب قريبٌ له ومن داخل الأسرة، وأسامةُ من المقرّبين من الأسرة النبوية المحافظين على السّية التامّةِ. (١) فتح الباري [٤٧٩/٢]. (٢) شرح النووي على صحيح مسلم [١٧ / ١١٧]. ٩٨ تعاملات النبيّ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ابن حجر: ((والعلّة في اختصاص عليّ وأسامة بالمشاورةِ أنَّ عليّاً كانَ عندهُ كالولدِ؛ لأنّهُ ربّاهُ منْ حال صغره ثمَّ لمْ يفارقهُ، بل وازدادَ اتّصاله بتزويج فاطمة فلذلكَ كانَ مخصوصاً بالمشاورةِ فيما يتعلّق بأهلِهِ لمزيدِ اطّلاعه على أحواله أكثر منْ غيره؛ وكانَ أهل مشورته فيما يتعلّق بالأمورِ العامّة أكابر الصّحابة کأبي بكر وعمر. وأمّا أسامة فهوَ كعليٍّ في طول الملازمة، ومزيد الاختصاص والمحبّة؛ ولذلكَ كانوا يطلقونَ عليهِ أنّهُ حبُّ رسول الله وَّ؛ وخصّهُ دونَ أبيهِ وأمّه؛ لكونِهِ كانَ شابّاً كعليٍّ، وإِنْ كانَ عليّ أسنَّ منهُ. وذلكَ أنَّ للشّابِّ منْ صفاء الذّهن ما ليسَ لغيرهِ، ولأنّهُ أكثرُ جرأة على الجواب بما يظهرُ لهُ منَ المسنّ، لأنَّ المسنَّ غالباً يحسبُ العاقبةَ، فربّما أخفى بعض ما يظهرُ لهُ؛ رعايةً للقائلِ تارةً والمسئول عنهُ أخرى))(١). واختار من النساء اثنتين: الأولى: من داخل الأسرة النبوية، وهي زوجته ابنةُ عمّته. والثانية: الجاريةُ؛ لكونها قريبةً منها، ومطّلعة على أمورها وشئونها. ولا شكَّ أن هذا الاختيارَ يدلُّ على حكمةِ النبيِّ ێ، و کمال فطنته في تعامله مع القضايا التي تمسُّ الأعراضَ. وبعد أن أجرى النبيُّ ◌َّ هذا التحقيقَ السّرّيَّ الهادئَ أشار إلى النتائج، فصعد على المنبرِ، وبيّنَ أن الذي يقفُ وراءَ هذهِ الفتنةِ هو رأسُ المنافقينَ عبدُ الله بنُ أبيٌّ، فقال: ((يا معشرَ المسلمينَ، منْ يعذرني منْ رجلٍ قَدْ بلغَ أذاهُ في أهلِ بيتي، فوالله ما علمتُ على أهلي إلّا خيراً، ولقدْ ذكروا رجلاً ما علمتُ عليهِ إلّا خيراً، وما كانَ يدخلُ على أهلي إلّا معي)). وفي هذا دفاعه عن زوجته أمامَ الناس على المنبر: ((فوالله ما علمتُ على أهلي إلّا خيراً)). ومع توصّل النبيِّ ◌َ﴿ إلى براءةِ عائشةَ إلا أنه بقيَ ينتظرُ نزولَ الوحي؛ ليكون قراره قاطعاً. (١) فتح الباري [٨/ ٤٦٩]. ٩٩ الباب الثاني: تعامل النبي صَ لَّهُ عليْهِوَسَلَّمَ مع أهله وأقاربه ومن حوله وفي تأخّر نزولِ الوحي حكمٌ بالغةٌ من أهمّها أن الله أراد أن يعلّمُ الأمةَ من خلالِ هذه الحادثةِ كيفَ يتعاملونَ مع مثلِ هذه الحوادثِ الحسّاسةِ حفاظاً على الأسرةِ المسلمةِ من التصدّعِ. ٤. ثم بعد ذلك استخدمَ طريقةَ المواجهةِ مع عائشةَ رََّنْهَا: فصارحها في الموضوع بكل شفافيةٍ ووضوحٍ؛ من أجلِ الوصولِ إلى حلِّ لهذه المشكلةِ، ولتنكشف الحقائقُ، وتطيبَ النفوسُ. فقال لعائشةَ رََّتْهَ بأسلوب النّصحِ والوعظِ: «يا عائشةُ، فإنّهُ بلغني عنكِ كذا وكذا، فإنْ كنتِ بريئةً؛ فسيبرّئكِ اللهُ، وإنْ كنتِ ألممتِ بذنبٍ؛ فاستغفري اللهَ، وتوبي إليهِ؛ فإنَّ العبدَ إذا اعترف بذنبهِ، ثُمَّ تابَ تابَ اللهُ عليهِ)). ٥. وبعد ظهور براءتها احتملَ ما قد يصدر منها على سبيل الغضب: وذلك في قولها: «فقالتْ لي أمّي: قومي إلى رسولِ الله ◌َّهَ. فقلتُ: لا والله لا أقومُ إليهِ، ولا أحمدُ إلّا الله)). قال النووي: ((براءة عائشة رضيَ الله عنها منَ الإفك هيَ براءة قطعيّة بنصِّ القرآن العزيز، فلوْ تشكّكَ فيها إنسان - والعياذ بالله - صارَ كافراً مرتدّاً بإجماعٍ))(١). ومن الحوادث والمشكلات التي تعرّض لها بيت النبوة ما حصل من نسائه من المطالبة بزيادة النفقة: وهذه القصةُ تبيّنُ كيفَ كانَ تعامل النبيُّ وَّ مع المشكلاتِ الاقتصاديّةِ التي تنشأ داخلَ الأسرة بسبب المطالبة بزيادة النفقات. يروي هذه القصةَ جابر بن عبد الله فيقولُ: دخلَ أبو بكرٍ يستأذنُ على رسولِ الله فوجدَ النّاسَ جلوساً ببابهِ لمْ يؤذنْ لأحدٍ منهمْ. فأذنَ لأبي بكرٍ فدخلَ، ثمَّ أقبلَ عمرُ، فاستأذنَ، فأذنَ لهُ. (١) شرح النووي على صحيح مسلم [١٧ /١١٧].