Indexed OCR Text

Pages 241-260

١١١٢
ابن عمّى ، أَجزرُ منها شاة ؟ قال: وعرفنى فقال: إِن لقيتَها نَعْجَةً (١)
تَحمِلُ شَفْرَةً(٢) وزِنادًا(٣) بخَبْت الجَميش(٤) - الجميش وادٍ قد عرفه
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالساحل كثيرُ الحطب، وهو وادٍ لبنى ضَمْرَة :
وهو منزل عمرو بن يَثْرِبِىّ(٥)، ويقال: خَبْت الجميش موضع صحراء، يقال
جنب كَداء - فلاتَهِجْها ! ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا أَيّها الناس
﴿إنّمَا الَّسِىءُ زِيادةٌ فى الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ
عاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾(٦). أَلا وإِنَّ الزمان قد استدار كهَيْئَتِه يومَ
خَلَق الله السمواتِ والأَرْضَ ، وإِنَّ عِدة الشهور اثنا عشر شهرًا فى كتاب الله ،
منها أربعةٌ حُرُمٌ ، ثلاثةٌ متواليةٌ : ذو القعدة ، وذو الحِجَّة ،والمحرّم ، ورجب
الذى يُدعَى شهرَ مُضَر، الذى بين جمادى الآخرة وشعبان ؛ والشهر تسعة
وعشرون يوماً ، وثلاثون، أَلا هل بلَّغتُ ؟ فقال الناس: نعم ! فقال : اللّهم
اشهدْ! ثم قال : أَيّها الناس، إِنَّ للنساءِ عليكم حقًّا، وإِنَّ لكم عليهنَّ
حقًّا ، فعليهنَّ أَلَّ يُوطِئِن فُرُشَكم أَحدًا ، ولا يُدخِلن بيوتكم أَحدًا تَكْرَهونه
إلَّا بإذنكم ، فإن فعلن فإِنَّ اللّه قد أَذِن لكم أَن تهجروهُنَّ فى المَضاجع،
وَأَن تضربوهنَّ ضرباً غيرَ مُبرِّحٍ، فإن انتهين وأَطعْنكم فَلُهُنّ رِزْقُهنَّ
وكِسْوَتُهنَّ بالمعروف؛ وإنما النساء عندكم عَوانٍ(٧) لا يَمْلِكْنَ لأَنفسهنَّ
شيئاً، وإنما أخذتموهنّ بأَمانةِ الله، واستحللتم فروجَهنَّ بكلمةِ اللّه ، فاتَّقوا
(١) النعجة: الأنثى من الضأن. (لسان العرب، ج ٣، ص ٢٠٣).
(٢) فى الأصل: ((شعرة))؛ وما أثبتناه من مراجع السيرة الأخرى. والشفرة: السكين العريضة.
(النهاية ، ج ٢، ص ٢٢٧) .
(٣) فى الأصل: ((الزباد)). والزناد : كالزند.
(٤) فى الأصل: ((بجنب الحميش)). وما أثبتناه من ياقوت. (معجم البلدان، ج ٣،
ص ٣٩٦ ) .
(٥) فى الأصل: ((عمرو بن بيزى)).
(٦) سورة ٩ التوبة ٣٧ .
(٧) عوان: هو جمع عالية، وهى الأسيرة. (شرح أبى ذر، ص ٤٤٩).

١١١٣
الله فى النساء واسْتوصُوا بهنَّ خيرًا، أَلا هل بلَّغتُ ؟ قال الناس : نعم ! .
قال: اللَّهمّ ، اشهدْ ! أيَّها الناس، إِنَّ الشيطان قد يئس أَن يُعبَد بأَرضكم
هذه ، ولكنه قد رضى أَن يُطاع فيما سوى ذلك ممّا تَحقِرونه، فقد رضى به.
إِنَّ كلّ مسلم أخو المسلم، وإِنما المسلمون إِخْوَة ، ولا يَحِلّ لامرئٍ مسلمٍ دَمُ
أَخيه ولا مالهُ ، إِلَّا بطِيب نفس منه، وإنما أُمِرْتُ أَن أُقاتل الناس حتى
يقولوا لا إله إلّ اللهُ، فإِذا قالوها عَصَموا دماءهم وأموالهم، وحِسابُهم على
الله. ولا تَظلموا أنفسكم، ولا ترجعوا بَعْدِى كُفَّارًا ، يضرب بعضكم رِقَاب
بعض . إنى قد تركتُ فيكم ما لا تَضلّون به ، كتابَ الله ، أَلا هل بلَّغت ؟
قال الناس : نعم ! قال : اللَّهمَّ ، اشهدْ ! ثم انصرف إلى منزله .
عن ابن جُرَيج قال: سُئِل عَطاء: ما الضرب غيرُ المُبرِّح؟ قال :
بالسِّواك وبالنَّعْل. قال عَطاء: وسُئِل ابن عبّاس عن قوله عزَّ وجلّ :
﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَايِظاً﴾(١) قال: كلمة النِّكاح. قال: ونهى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يَبيتَ أَحدٌ ليالَِ مِنَّى بِسِوى مِىِّ.
قال : حدّثنى سُلَيمان بن بِلال، عن عمروبن أبى عمرو، عن عِكْرِمَة ، عن
ابن عبّاس، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى الظُّهر والعصريوم الصَّدَر(٢) بالأَبطح.
قال : حدّثنى سفيان بن عُيَيْنَة، عن صالح بن كَيسان ، عن سُليمان بن
يَسار ، عن أبى رافع قال: ما أَمرنى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن أَنزل
منزلاً؛ جئت الأَبطح فضربت قُبّته. فجاءَ فنزل . قال : وكانت عائشة
رضى الله عنها تقول: إِنما نزل (٣) بالمُحَصَّب (٤) لأَنه كان أَسمِحَ لِخُروجه.
( ١) سورة ٤ النساء ٢١ .
(٢) يوم الصدر: اليوم الذى يقضى فيه نسكه. (النهاية، ج ٢، ص ٢٥٥) ..
(٣) فى الأصل: ((نزلت)).
: (٤) فى الأصل: ((بالمهضب)). والمحصب: الشعب الذى مخرجه إلى الأبطح بين مكة ومنى.
. (النهاية، ج ١، ص ٢٣٢) .

١١١٤
قال : حدّثنى ابن أَفلح بن حُمَيد ، عن القاسم ، عن عائشة رضى الله
عنها أنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذكر صَفيّة بنت حُيَىّ ، فقيل له : قد
حاضت ! قال: أَحابِسَتُنا هى؟ فقيل : يا رسول الله ، إِنها قد أَفاضت .
قال: فلا إِذَا ! فلمّا جاءَت عائشة رضى الله عنها من النَّنعيم وقَضَتْ عُمْرَتها،
أَمر بالرَّحيل؛ ومرَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالبيت فطاف فيه قَبْلَ الصُّبح،
ثم انصرف راجعاً إلى المدينة .
قالوا : وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : إنما هى ثلاثٌ يُقيم بها
المهاجر بعد الصَّدَر . وكان سائلٌ سأله أَن يُقيم بمكَّة، فلم يُرخّص له أَن
يُقيم إلاَّ ثلاثة أَيّام، قال: إنها ليست بدارٍ مُكْثٍ ولا إقامة !
قال : فحدّثنى خالد بن إلياس ، عن سعيد بن أبى سعيد ، عن عُبَيد
ابن جُرَيج، أَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمّا وَدَّع البيت فكان فى الشَّوْط (١)
السابع خَلْفَ البيت يُمنَى الباب . وكان عبد الله بن عمرو بن العاص
يقول : تعوَّذ بين الرُّكْن الأَّسود والباب، وألصق بطنه وجبهته بالبيت .
قالوا: وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمْ إِذا قفل من حَجِّ أَو عُمرةٍ أَو
غَزْوةٍ، فوافى على ثَنِيّةٍ أَو فَدْفَدِ (٢). كبّر ثلاثاً ثم قال: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ
وحده، لا شريكَ له ، له المُلْك، وله الحَمْد ، يُحيى ويُميت وهو حىّ.
لا يموت، بيده الخير ، وهو على كلّ شيءٍ قديـ : آيبون ، تائبون ،
ساجدون. عابدون. لربِّنا حامدون! صدق الله وعده، ونصر عبده ، وهزم
الأَحزاب وحدَه! اللَّهمّ، إِنَّا نعود بك من وَعْثاء السَّفَر، وكآبة المُنقَلَب،
(١) الشوط: الجرى مرة إلى غاية؛ والمعنى هنا الطواف بالبيت. (القاموس المحيط، ج ٢،
ص ٢٦٩ ) .
(٢) الفدفد: الموضع الذى فيه غلظ وارتفاع. (النهاية، ج ٣، ص ١٨٨).

١١١٥
وسوء المَنظر فى الأَهل والمال ! اللَّهمّ ، بلِّغنا بلاغاً صالحاً نبلغ إِلى خير مَغْفِرَةٍ
منك ورِضوانٍ(١) !
قالوا : ولمّا نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المُعَرَّس(٢) نهى أصحابه
أَن يَطرُقوا النساءَ ليلاً، فطرق رجلان أَهلَهما، فكلاهما وجد ما يكره . وأَناخ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالبطحاء، وكان إِذا خرج إلى الحجّ سلك
على الشَّجَرَةِ(٣)، وإذا رجع من مكَّة دخل المدينة من مُعرَّس الأَبطح . فكان
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى مُعَرَّسه فى بطن الوادى ، فكان فيه عامّةً
الليل ، فقيل له: إنك ببطحاءَ مُبارَكة ! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
لنسائه : هذه الحجّة، ثم ظُهور الحُصْر(٤)! وكن يَحْجُجْنَ إِلَّ زينبَ
بنت جَحْش، وسودةَ بنت زمعة، قالتا : لا تُحرّكنا دابَّةٌ بعدَ النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم .
عيادة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لسعد بن
أَبِى وَقَّاص بعد حَجَّة الوداع
قال: حدثّنى مَعْمَر ، ومحمد بن عبد الله ، ومالك ، عن الزُّهرى، عن
عامر بن سعد، عن أبيه ، قال: جاءنى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعودنى
عامَ حَجَّة الوداع من وَجَعٍ أَصابنى ، فقلت : يا رسول الله ، قد بلغ بى ما
ترَى من الوَجَعَ ، وأَنا ذو مالٍ ولا يرثنى إِلَّا ابنةٌ لِى، فأَتصدَّق بِثُلُثَىْ مالى؟
قال : لا ! قلت: فالشَّطْر ؟ قال : لا ! ثم قال: الثُّلُث، والذُّلُث كثير!
ـك أن تتركَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أَن تتركهم عالً يتكفَّفون ، وإِنك لن
i
(١) فى الأصل: ((ورضوانا)).
(٢) المعرس: مسجد ذى الحليفة على ستة أميال من المدينة. ( معجم البلدان، ج ٨، ص ٩٤)
(٣) أى مسجد الشجرة بذى الخليفة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ١٦٢).
( ٤) أى أنكن لا تعدن تخرجن من بيوتكن، وتلزمن الحصر ، وهى جمع الحصير الذى يبسط
فى البيوت . ( النهاية، ج ١، ص ٢٣٣).

١١١٦
تُنفِقِ نفقةً تَبْتَغِى بها وجهَ اللّه إِلَّا أُجِرتَ بها ، حتى ما تجعل فى فى امرأتك!
فقلت : يا رسول الله، أُخَلَّف بعد أَصحابى ؟ فقال : إِنك إِن تُخلَّفْ فتعمل
صالحاً تَزْدَدْ خِيرًا ورِفْعَة، ولعلَّك أَن تُخَلَّف حتى يَنْتَفِع بك أَقوامٌ أَو يُضَرّ
بك آخرون. اللهّمّ، أَمْضِ لأَصحابى هِجْرَتَهم ، ولا تردَّهم على أعقابهم!
لكن البائس سعد بن خوْلَة - يرثى له أَن مات بمكّة (١) .
قال : فحدّثنى سفيان بن عُيَيْنَة ، عن إسماعيل بن محمّد بن الأعرج ،
قال : خلَّف رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم على سعد رجلاً وقال : إِن مات
سعد بمگَّة فلاتَدْفِنْه بها .
قال : فحدّثنى سفيان ، عن محمّد بن قيس ، عن أبى بُرْدَة بن أبى
موسى ، قال : قال سعد بن أَبِى وَقَّاص للنبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَيُكْرَه
أن يموت الرجل فى الأرض التى هاجر منها (٢) ؟ قال : نعم !
قال : حدّثنى سفيان بن عُيَيْنَة، عن ابن أبى نُجَيح ، عن مُجاهد ، عن
سعد، قال: مرضتُ فأَتانى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعودنى ، فوضع
يده بين ثَدْيَىَّ فوجدتُ بَرْدَها على فؤادى ، ثم قال : إِنك رجلٌ مفوود -
المفؤود وَجِعُ (٢) الفوَّاد - فائتِ الحارث بن كَلَدة أَخا ثَقيف، إنه رجل
يُطبِّب؛ فَمُرْهُ فليأخذ سبع تَمَرات من عَجْوَة المدينة فليَجأهُنّ بنَواهنَّ
- أَى(٤) يدقّهنَّ - ثم ليُدلِّكك (٥) بهنَّ.
(١) يقصد أن النبى صلى الله عليه وسلم يرثى لسعد. انظر شرح النووي على صحيح مسلم. (ج ٣،
ص ١٢٥١ ) .
(٢) فى الأصل: ((التى حرمتها))؛ وما أثبتناه من مسلم. (الصحيح، ج ٣، ص ١٢٥٢).
(٣) فى الأصل: ((وضع)).
(٤) فى الأصل: ((أن يدقهن)).
(٥) فى الأصل: ((ليدلك)).

١١١٧
غزوة أُسامة بن زيد مُؤْتَة
قالوا : لم يزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يذكر مقتل زيد بن حارثة
وجعفر وأصحابه، ووَجَد عليهم وَجْدًا شديدًا ؛ فلما كان يوم الاثنين لأَربع
ليالٍ بقين من صَفَر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
الناس بالنَّهيُّوءِ لغزو الروم، وأمرهم بالانكماش(١) فى غزوهم. فتفرّق
المسلمون من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهم مُجِدّون فى الجهاد ،
فلما أصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم من الغد ، يوم الثلاثاء لثلاث
٠
بقين من صَفَر ، دعا أسامة بن زيد فقال: يا أُسامة ، سِرْ على اسم الله
وبركته حتى تَنتهى إلى مَقتل أبيك ، فأَوْطِئْهم الخيل، فقد ولَيتُك على هذا
الجيش ، فأَغِرْ صباحاً على أَهل أُبْنَى وحَرِّقْ عليهم، وأَسْرِعِ السّير
تسبق الخبرَ ، فإِن أَظفرك الله فأَقْلِل اللبْث فيهم، وخُذْ معك الأَدِلاَّءِ،
وقَدِّم العُيون أَمامَك والطَّلائع. فلما كان يوم الأربعاء لليلَيْن بقيتا من صفَر،
بُدِهِ، برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فصُدِّع وحُمَّ. فلمّا أَصبح يوم الخميس
لليلة بقيت من صُّفَر عَقَد له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيده ليواءً ، ثم
قال : يا أسامة، اغْزُ بسم الله فى سبيل الله، فقاتِلوا مَن كَفر بالله؛ اغُْوا
ولا تَغْدِروا ، ولا تقتلوا وَليدًا ولا امرأة، ولا تَمَنَّوا لقاءَ العدوّ ، فإِنكم لا
تدرون لعلَّكم تُبْتَلَوْن بهم ، ولكن قولوا : اللّهمّ، اكفِناهم ، واكْفُف بأُسهم
عنَّا! فإِن لَقُوكم قد أَجْلَبُوا وَصَيَّحوا، فعليكم بالسَّكينة والصَّمْت .. ولا
تَنَازَعوا ولا تَفْشَلوا فتذهب (٢) ريحُكم. وقولوا: اللَّهم، نحن عِبادك وهم
(١) الانكماش: الإسراع. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٨٧).
(٢) فى الأصل: ((فيذهب)). وانظر سورة ٨ الأنفال ٤٦.

١١١٨
عِبادك ، نَواصينا ونَواصيهم بيدك ، وإِنما تغلبهم أَنت ! واعلموا أَنَّ الجَنَّة
تحت البارِقة
قال : حدّثنى يحيى بن هِشام بن عاصم الأَّسلمىّ ، عن المُنذر بن
جَهم، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يا أسامة، شُنّ(١) الغارة
على أَهل أُبْنَى !
قال : فحدّثنى عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن أَزهر بن عَوف ،
عن الزُّهرِىّ، عن عروة ، عن أسامة بن زيد ، أَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
أَمره أَن يُغير على أُبْنَى صباحاً وأَن يُحرق .
قالوا : ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأسامة : امضِ على اسم الله !
فخرج بلوائه معقودًا فدفعه إلى بريدة بن الحُصَيب الأَسلمىّ، فخرج به
إلى بيت أسامة، وأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أسامة فعسكر بالجُرْف،
وضرب عسكرَه فى سِقاية سليمان اليوم. وجعل الناس يُجِدُّون(٢) بالخروج
إلى العسكر، فيخرج مَن فَرَغ من حاجته إِلى مُعَسْكَره، ومَن لم يقضِ
حاجته فهو على فراغ، ولم يبق أَحدٌ من المهاجرين الأَوّلينَ إِلاَّ انْتَدب فى تلك
الغزوة: عمر بن الخطَّب، وَأَبو عُبَيدة بن الجَرّاح، وسعد بن أَبِى وَقَّاص،
وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بنَ نُفَيل ؛ فى رجالٍ من المهاجرين
والأَنصار عِدة : قتادة بن النعمان، وسَلَمَة بن أسلم بن حَريش . فقال
رجالٌ من المهاجرين ، وكان أَشدّهم فى ذلك قولاً عَيّاش بن أبى ربيعة:
يستعمل(٣) هذا الغلام على المهاجرين الأَوّلين ؟ فكثرت القالة فى ذلك ،
فسمع عمر بن الخطّب رضى الله عنه بعضَ ذلك القول ، فردّه على مَن
(١) شن الغارة عليهم: فرقها عليهم من جميع جهاتهم. (النهاية، ج ٢، ص ٢٣٩).
(٢) فى الأصل: ((يوجدون)).
(٣) فى الأصل: ((تستعمل)).

١١١٩
تكلّم به ، وجاءَ إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره بقول مَن قال ،
فغضب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غَضَباً شديداً، فخرج وقد عَصَب على
رأسه عِصابةً وعليه قَطيفَةٌ، ثم صَعِد المِنْبَر فحَمِد الله وأثنى عليه ، ثم
قال : أَمّا بعدُ، يا أَيّها الناس، فما مَقالةٌ بلغتْنى عن بعضكم فى تأميرى
أسامة بن زيد؟ واللهِ، لئن طَعَنتم فى إِمارتى أُسامةً لقد طعنتم فى إِمارتى أَباه
من قبله ؛ وايمُ اللهِ، إِن كان للإِمارة لَخَليقً(١) وإِنَّ ابنه من بعده لَخليقٌ
للإِمارة، وإن كان لَمِنْ أَحبّ الناس إِلىَّ، وإِنَّ هذا لمن أَحبّ الناس إِلىّ،
وإِنهما لَمُخِيلان(٢) لكلّ خير، فاستوصوا به خيرًا فإنه من خياركم ! ثم
نزل صلَّى الله عليه وسلَّم فدخل بيته ، وذلك يوم السبت لعشْر ليالٍ خلوْن
من ربيع الأَوّل . وجاءً المسلمون الذين يخرجون مع أُسامة يُودعون رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم، فيهم عمر بن الخطّب رضى الله عنه، ورسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسامة! ودخلتْ أُمّ أَيْمَن(٣)، فقالت:
أَىْ رسولَ الله، لو تركتَ أُسامةَ يُقيم فى مُعَسْكَره حتى تَتماثل ، فإنَّ أُسامة
إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه . فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : أَنْفِذوا بعثَ أسامة ! فمضى الناس إلى المُعَسْكَر فباتوا ليلة الأحد ،
ونزل أُسامة يوم الأحد ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثَقيلٌ مغمورٌ، وهو
اليوم الذى لَدُّوه(٤) فيه، فدخل على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعيناه
تَهْمُلان ، وعنده العباس والنساء حولَه ، فطأطأ عليه أُسامة فقبّله ، ورسول
(١) فى الأصل: ((لخليق)).
(٢) فلان مخيل للخير: أى خليق له. ( الصحاح، ص ١٦٩٢).
(٣) وهى أم أسامة، كما ذكر السهيلى. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٣٥٢).
(٤) فى الأصل: ((الذى ولدوه فيه)). والمعنى هنا أعطوه الدواء؛ واللدود ما يصب بالمسعط من
الدواء فى أحد شتى الفم. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٣٥).

١١٢٠
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم لا يتكلّم ، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يَصُبُّها (١)
على أسامة . قال : فأَعرف أنه كان يدعو لى . قال أسامة : فرجعت إلى
مُعَسْكَرى. فلما أصبح يوم الاثنين غدا من مُعَشْكَرَه وأصبح رسول الله
صلّى الله عليه وسلَّم مُفيقاً، فجاءه أسامة فقال: اغْدُ على بَرَكَة الله! فردّعه
أسامةُ، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُفيقٌ مُريحٌ(٢)، وجعل نساءه
يتماشطْنَ سُرورًا براحته . فدخل أبو بكر رضى الله عنه ، فقال : يا رسول
الله، أَصبحتَ مُفيقاً بحمد الله ، واليوم يوم ابنة خارجة فائذن لى ! فأَذِن
له فذهب إلى السُّنْحِ(٣)، وركب أسامة إِلى مُعَسْكَره، وصاح فى الناس
أصحابه باللُّحوق بالعسكر، فانتهى إلى مُعَسْكَره ونزل ، وأمر الناس بالرَّحيل
وقد مَتَعَ(٤) النهار. فبينا أسامة يُريد أن يركب من الجُرْف أَتاه رسول أُمّ أَيْمَن
- وهى أُمّه - تُخبره أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يموت ، فأقبل أسامة إلى
المدينة معه عمر وأبو عُبَيدة بن الجَراح ، فانتهَوْا إِلى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم يموت ، فتُوقِّى رسول الله حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتَىْ عشرة
خلتْ من ربيع الأوّل. ودخَل المسلمون الذين عسكروا بالجُرْفِ المدينة ، ودخل
بُرَيدة بن الحُصَيب بلواء أسامة مَعقودًا حتى أَتى به باب رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم ، فغَرَزَه عنده، فلما بويع لأَبى بكررضى الله عنه أَمر بُرَيدةَ أَن يذهب
باللواء إلى بيت أسامة وأَلاَّ يَحُلَّه أَبدًا حتى يغزوَهم أسامة . قال بُرَيدة:
فخرجت باللواء حتى انتهيت به إلى بيت أسامة ، ثم خرجت به إلى الشام
معقودًا مع أسامة ، ثم رجعت به إلى بيت أسامة ، فما زال فى بيت أسامة
(١) فى الأصل: ((يصيبها)). ويصبها: أى يميلها. (لسان العرب، ج ٢، ص ٥).
(٢) يقال: أراح الرجل إذا رجعت نفسه إليه بعد الإعياء. (النهاية، ج ٢، ص ١٠٩).
(٣) السنح: موضع بعوالى المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٢٥).
(٤) متع النهار إذا طال وامتد وتعالى. (النهاية، ج٤، ص ٧٦) .

١١٢١
حتى تُوقِّى أُسامة . فلمّا بلغ العربَ وفاةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وارتدّ
من ارتدّ عن الإِسلام، قال أبو بكر رضى الله عنه لأُسامة رحمة الله عليه :
انْفُذْ فى وجهك الذى وجَّهك فيه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم . وأخذ الناس
بالخروج وعسكروا فى موضعهم الأَوّل، وخرج بُرَيدة باللٌّاءِ حتى انتهى.
إِلى معَشْكَرهم الأَوّل، فشقّ على كبار المهاجرين الأَوّلين ، ودخل على أَبى
بكر عمرُ، وعثمان، وسعد بن أَبِى وَقَّاص، وأَبو عُبَيدة بن الجَرّاح ، وسَعيد
ابن زيد ، فقالوا: يا خليفةَ رسول الله ، إِنَّ العرب قد انتقضت عليك من
كلّ جانبٍ، وإِنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئاً ، اجعلْهم
عُدَّةٌ لأَهل الرَِّّة، تربى بهم فى نحورهم ! وأُخرى، لا نأُمن على أهل المدينة
أَن يُغار عليها وفيها الدَّراريّ والنساء، فلو استأُنيت لغزو الروم حتى يضرب الإِسلامُ
بِجِرانه (١) ، وتعود الرِّدَّة إلى ماخرجوا منه أَو يُفْنِيهم السَّيفُ؛ ثم تبعث
أسامة حينئذٍ فنحن نأُمن الرومَ أَن تزحف إلينا! فلمّا استوعب أبو بكر
رضى الله عنه منهم كلامهم قال : هل منكم أحدٌ يُريد أن يقول شيئاً ؟
قالوا : لا ، قد سمعتَ مقالتنا . فقال : والذي نفسي بيده ، لو ظننت
أَنَّ السباع تأكلنى بالمدينة لأَنفذتُ هذا البعْث، ولا بدأتُ بأَوَّلَ
منه ؛ ورسول الله ينزل عليه الوَحْىُ من السماءِ يقول: أَنْفِذْوا جيشَ
أسامة ! ولكن خَصْلَة ؛ أُكلّم أُسامة فى عمر يُخلّفّه يُقيم عندنا، فإنه
لا غناءَ بنا عنه. واللهِ، ما أدرى يفعل أُسامة أَم لا، واللهِ إِن رأَى
لا أُكرهه! فعرف القوم أَنَّ أَبا بكر قد عزم على إنفاذ بعْث أُسامة . ومشى
أبو بكر رضى الله عنه إلى أسامة فى بيته، وكلَّمه أن يترك عمر ، ففعل
.(١) الجران: باطن عنق البعير؛ أى حتى يقر قراره ويستقيم، كما أن البعير إذا برك واستراح
مد عنقه على الأرض. (النهاية، ج ١، ص ١٥٨) .

١١٢٢
أسامة ، وجعل يقول له : أَذِنتَ ونفسك طيّبة ؟ فقال أُسامة : نعم ! وخرج
(أَمر ◌ُنادِهِ يُنادى : عَزْمَةٌ مِنِّى أَلاَّ يتخلَّفَ عن أُسامة من بَعْثِهِ مَن كان
انتدب معه فى حياة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنى لن أُوتَى بأَحدٍ
أبطأً عن الخروج معه إِلاَّ أَلحقتُه به ماشياً . وأرسل إلى النفر من المهاجرين
الذين كانوا تكلّموا فى إِمارة أسامة ، فغلَّظ عليهم وأخذهم بالخروج ، فلم
يتخلَّف عن البعث إنسانٌ واحدٌ .
يخرج أبو بكر رضى الله عنه يُشيّع أسامة والمسلمين ، فلمّا ركب أسامة
من الجُرْف فى أصحابه - وهم ثلاثة آلاف رجل وفيهم ألف فرس - فسار
أبو بكر رضي الله عنه إلى جنب أسامة ساعةً ، ثم قال : أَستودع الله دينَك
وأمانتَك وخواتيم عَمَلك؛ إِنَّى سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُوصيك،
فانْفُذْ لِأَمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإِنِى لست آمُرُكَ ولا أَنهاكَ عنه،
وإِنما أَنا مُنفذٌ لِأَمر أمر به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فخرج سريعاً
فوطِىءَ بلادًا هادئةً لم يرجعوا عن الإِسلام - جُهَينة وغيرها من قُضاعة -
فلمّا نزل وادى القُرى قدّم عَيْناً له من بنى عُذْرَة يقال له حُرَيثُ ، فخرج
على صَدْر راحلته أَمامَه مُغِذًّا(١) حتى انتهى إلى أُبْنَى؛ فنظر إلى ما هناك
وارتاد الطريق، ثم رجع سريعاً حتى لقى أسامة على مسيرة ليلتَيْن من أُبْنَى،
فأَخبره أنَّ الناس غارّون ولا جُموعَ لهم ، وأَمره أَن يُسرع السير قبل أن
تجتمع (٢) الجُموع ، وأَن يَشُنَّها غارةٍ .
قال: فحدّثنى مِشام بن عاصم ، عن المُنذِرِ بن جَهم قال : قال بُرَيدة
لأسامة : يا أَبا محمّد، إِنَى شهدت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُوصى
(١) فى الأصل: ((معدا)).
(٢) فى الأصل: ((يجتمع)).

١١٢٣
أَباك أن يدعوَهم إلى الإِسلام، فإن أَطاعوه خيّرهم، وإِن أَحبّوا أَن يُقيموا فى
دارهم ويكونوا كأَعراب المسلمين ، ولا شىء لهم فى القىء ولا الغنيمة إِلاَّ
أن يُجاهدوا مع المسلمين؛ وإِن تحوّلوا إلى دار الإِسلام كان لهم ما للمهاجرين
وعليهم ما على المهاجرين . قال أسامة : هكذا وصيّة رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم لأَبى ، ولكنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَمرنى، وهو آخر عهده
إلى ، أَن أُسرِعِ السير وأَسْبِقِ الأخبار، وأَن أَشُنَّ الغارةَ عليهم بغير دُعاءٍ ،
فأُحرّق وأُخرّب. فقال بُرَيدة: سمعاً وطاعةً لأَمر رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم .
فلمّا انتهى إلى أُبْنَى فنظر إليها منظرَ العين عبَّأَ أصحابَه وقال : اجعلوها
غارةً ولا تُمْعِنوا فى الطلب ولا تفترقوا، واجْتَمِعوا واخفوا الصوت، واذكروا
الله فى أنفسكم، وجَرِّدوا سُيوفَكم وضَعُوها فيمن أشرف لكم . ثم دفع عليهم
الغارة ، فما نَبَح كلبٌ ولا تحرّك أَحدٌ ، وما شعروا إلاَّ بالقوم قد شنّا عليهم
الغارةَ يُنادون بشعارهم: يا مَنصور أَمِتْ !. فقتل من أشرف له، وسَبَى مَن
قَدَر عليه، وحَرق فى طوائفهم(١) بالنار، وحرّق منازلَهم وحَرْثَهم (٢)
ونَخْلَهم ، فصارت أعاصير من الدَّخَّاخِينِ (٣). وأجال الخيلَ فى عَرَصاتهم ،
ولم يُمعِنوا فى الطلب ؛ أَصابوا ما قَرُب منهم وأقاموا يومهم ذلك فى تعبئةٍ
ما أصابوا من الغنائم. وكان أُسَامة خرج على فرس أبيه التى قُتِل عليها أَبوه
يومَ مُؤْتَة كانت تُدْعَى سَبْحَة ؛ وقتل قاتلَ أَبيه فى الغارة ، خبّره به بعض
(١) فى الأصل: ((طرافقهم))؛ وما أثبتناه عن ابن سيد الناس. (عيون الأثر، ج ٢،
ص ٢٨٢ ) .
(٢) فى الأصل: ((وخربوهم))؛ وما أثبتناه عن ابن سيد الناس. (عيون الأثر، ج ٢،
ص ٢٨٢ ) .
(٣) فى الأصل: ((آعاصى من الدخاخين وأبال)). والتصحيح عن ابن سيد الناس. (عيون
الأثر ، ج٢، ص ٢٨٢) .

١١٢٤
من سَبَى ؛ وأَسهم للفرس سهمَيْن ولصاحبه سهماً ، وأخذ لنفسه مثل ذلك .
فلمّا أَمْسَوْا أَمر الناس بالرَّحيل، ومضى الدليل أَمامَه، حُرَيث الْعُذْرِىّ،
فأَخذوا الطريق التى جاءً منها ، ودانَوْا ليلتَهم حتى انتهَوْا بأَرضٍ بعيدة ،
ثم طَوَى البلادَ حتى انتهى إلى وادى القُرَى فى تسع ليال، ثم قصد بعدُ فى
السير فسار(١) إِلى المدينة، وما أُصيب من المسلمين أحد. فبلغ ذلك هِرَقْل
وهو بحِمْص ، فدعا بَطارِقته فقال: هذا الذى حذَّرتكم ، فأَبيتم أن تقبلوه منى.
قد صارت العرب تأْنى مسيرةَ شهرٍ تُغير عليكم ، ثم تخرج من ساعتها
ولم تُكْلَم . قال أَخْوه : سأَقَوم(٢) فأَبعثُ رابطة (٣) تكون بالبَلْقاءِ(٤)
فبعث رابطةً واستعمل عليهم رجلاً من أَصحابه ، فلم يزل مُقيماً حتى قدمت
البعوثُ إلى الشام فى خلافة أبى بكر وعمر رضى الله عنهما .
قالوا: واعترض لأُسامة فى مُنصَرَفه قومٌ من أَهل تَنْكَث - قرية هناك -
قد كانوا اعترضوا لأبيه فى بدأته فأصابوا من أطرافه، فناهضهم أسامة بمن
معه ، وظَفِر بهم وحرّق عليهم ، وساق نَعَماً من نَعَمهم ، وأَسر منهم أَسيرَيْن
فأَوثقهما ، وهرب مَن بقى ، فقدم بهما المدينة فضرب أَعناقهما.
قال : فحدّثنى أَبو بكر بن يحيى بن النَّضْر، عن أبيه، أَنَّ أُسامة بن
زيد بعث بَشيرَه من وادى القُرَى بسلامة المسلمين ، وأنهم قد أَغاروا على
العدوّ فأَصابوهم ، فلمّا سمع المسلمون بقدومهم خرج أبو بكر رضى الله
عنه فى المهاجرين ، وخرج أَهل المدينة حتى العَواتق سُرورًا بسلامة أسامة
(١) جملة غامضة شكلها فى الأصل: ((بعذ اعديه السير إلى المدينة)). وما أثبتتاه من ابن.
سيد الناس. (عيون الأثر ، ج ٢، ص ٢٨٢) .
(٢) فى الأصل: ((ساق)).
(٣) الرابطة: أى الخيل. (لسان العرب، ج ٩، ص ١٧٣).
(٤) البلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادى القرى قبتها عمان. (معجم البلدان ،
ج ٢، ص ٢٧٦) .

١١٢٥
ومَن معه من المسلمين ، ودخل يومئذٍ على فَرَسه سَبْحَة كأَنما خرجتْ من
ذى خُشُب؛ عليه الدِّرْعِ، واللّاءُ أمامه يحمله بُرَيدة، حتى انتهى به إلى
المسجد ، فدخل فصلى ركعتَيْن وانصرف إلى بيته معه اللواء. وكان مخرجه
من الجُرْف لهلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة، فغاب خمسة وثلاثين
يوماً، عشرون فى بدأته، وخمسةَ عشر فى رَجْعَته .
قال : فحدّثنى محمّد بن الحسن بن أسامة بن زيد، عن أهله ، قال:
تُوفّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأسامة ابن تسعَ عشرةَ سنة ، وكان رسول .
الله صلَّى الله عليه وسلَّم زوجه وهو ابن خمس عشرة سنة امرأةٌ من طيىء،
ففارتها وزوّجه أُخرى. ووُلِد له فى عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وأَوْلم
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم على بِنائه بأَهله .
قال : فحدّثنى أَبو الحُرّ عبد الرحمن بن الحُرّ الواقعىّ، من ولد السائب،
عن يزيد بن حُصَيفة ، أَنَّ ابناً لأسامة بن زيد بن حارثة رحمه الله دخل
به على رسول الله صَّى الله عليه وسلَّم فى بيت أُمّ سَلَمَةٍ، وهو أَسود، فقالت
أُمّ سَلَمَة: يا رسول الله، لو كان هذا جاريةٌ ما نَفَقَتْ. فقال لها رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: بلى، إِن شاءَ الله يُجعَل لها مَسَكان منِ وَرِقٍ،وَقُرْطان(١)،
ويُجعل على المسلمين حُلوقٌ ، فكأنه ذَهَب .
قال : حدّثنى محمّد بن حَوْط، عن صفوان بن سُلَيم ، عن عطاء بن.
يَسار، قال : كان أسامة بن زيد قد أَصابه الجُدَرِىّ أَوّلَ ما قدم المدينة
وهو غلامٌ، مُخاطه يسيل على فيه ، فتَقْذَر به عائشة رضى الله عنها ، فدخل
(١) فى الأصل: ((مسكين من ورق وقرطين)). والمسك: الأسورة من الذبل: القرون والعاج.
والقرط: نوع من حلى الأذن. ( لسان العرب، ج ١٢ س ٣٧٥ ٤ ج ٩، ص ٢٥١).

١١٢٦
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فطَفِقٍ يغسل وجهه ويُقبّله . قالت عائشة:
أَما واللهِ، بعد هذا فلا أقصيه أبدًا.
عن محمّد بن الحَسنِ، عن حُسَين بن أَبِى حُسَين المازنىّ ، عن ابن
قُسَيط. ، عن محمّد بن زيد ، قال : سقط. أُسامة فأَصاب وجهَه شَجَّة ،
فكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يمصُّ الدم ويَبصُّقه .
عن ابن جُرَيَج، وسفيان بن عُيَيْنَة ، عن عمرو بن دينار ، عن يحيى
ابن جَعْدَة ،. أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قال لفاطمة وهى تمسح عن
وجه أسامة شيئاً، فكأنها تأَذَّتْ به ؛ فاجْتَذَبه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
وانْتَهَرها ، فقالت : لا أَتأَذَّى به أبدًا .
قال : حدّثنى مَعْمَر، عن الزّهرِىّ، عن عُروة، عن عائشة رضى الله
عنها، أَنَّ مُجَزِّز المُدْلِجِىّ نظر إلى زيد وأُسامة، وعليهما قطيفةٌ وهما مضطجعان،
فد خمّرا رؤوسهما وأرجلهما فقال: إنَّ هذه الأَّقدام بعضها من بعض .
فسُرّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لشبه أسامةَ زيد بن حارثة.
عَن محمّد ، عن الزُّهرىّ، عن مُروة ، عن عائشة رضى الله عنها ،
قالت : ما رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عُرياناً قَطُّ. إِلَّا مَرَّةً واحدةً،
جاء زيد بن حارثة من غزوة يستفتح ، فسمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
صوتَه فقام عُرياناً يجرّ ثوبَه فقبّله .
قال: حدّثنى موسى بن يعقوب، عن أَبى الحُوَيْرِث، ومَخْرَمَة بن
بُكَير، عن أبيه ، عن عُروة بن الزُّبَير، قالا: إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم قال الأُمّ كُلثوم بنت عُقبة : تَزوَّجى زيد بن حارثة فإنه خيرٌ لك .

١١٢٧
فكرهتْ ذلك، فأنزل الله عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا كان لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا
قَضَى اللهُ ورَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾(١) . صدق الله العظيم.
تمّ كتاب المغازى بحمد الله ومنه
(١) سورة ٣٣ الأحزاب ٣٦

فهرست موضوعات
الجزء الثالث
صفحة
شأن هدم العُزّى .
٨٧٣
باب ذكر من قتل من المسلمين يوم الفتح
٨٧٥
غزوة بنى جذيمة
٨٧٥
غزوة حنين
٨٨٥
تسمية من استشهد بحنين
٩٢٢
شأن غزوة الطائف
٩٢٢
٩٣٨
تسمية من استشهد بالطائف
شأن مسير النبى صلى الله عليه وسلم إنى الجعر انة.
٩٣٩
ذ کر وفد هوازن .
٩٤٩
.
قدوم عروة بن مسعود .
٩٨٠
بعثة الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق
٩٨١
سرية بنى كلاب أميرها الضحاك بن سفيان الكلابی.
٩٨٢
شأن سرية أميرها علقمة بن مجزّز المدالحى .
٩٨٣
سرية على بن أبى طالب إلى الفُلْس .
٩٨٤
٩٨٩
غزوة تبوك
ذكر ما نزل من القرآن فى غزوة تبوك
١١٢٩
١٠٢٢
بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدّقين
٩٦٠
٩٧٣
باب شأن سرية قطبة بن عامر إلى خثعم

١١٣٠
صفحة
١٠٢٥
غزوة أكيدربن عبد الملك ، بدُومة الجندل
ذكرما نزل من القرآن فى غزوة تبوك
١٠٦٠
٠
حجة أبى بكر رضى الله عنه .
١٠٧٦
سرية على بن أبى طالب عليه السلام إلى اليمن
باب ما جاء فيما يؤخذ من الصدقات
١٠٨٤
.
حجة الوداع
. ١٠٧٩
٠
١٠٨٨
خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة قبل الصلاة
١١٠٣
.
١١٠٨
.
حلق شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم
١١١٠
خطبة النبى صلى الله عليه وسلم يوم النحر .
١١١٥
.
عيادة النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبى وقاص بعد حجة الوداع
غزوة أسامة بن زيد مؤتة
١١١٧
٠
ھ

الفهارس العامة
للكتاب
ص
١ - فهرست الأعلام
.
١١٣٣
" -
٢
القبائل والأمم
الأصنام
٣
١٢٧١
الأماكن
A
٤
١٢٧٣
0
الأيام والغزوات
A
١٣٠١
٦
-
الشعراء
-
القوافى .
٧
١٣١٣
-
٨
المستدرك
٠
١٣١٩
٠
٠
١٢٥٢
٠
٠
٠
١٣٠٩
٠
١١٣١