Indexed OCR Text
Pages 201-220
١٠٧٢
لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ .. ﴾ (١) إلى آخر الآية. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿الأَعْرابُ أَشَدُّ
كُفْرًا وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ .. ﴾(٢) إِلى آخر
الآية. قال: يعنى الأَعراب. ﴿وَمِنَ الأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً﴾(٣)
إلى قوله ﴿ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾(٤) يعنى دعاءَ الرسول ﴿أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ
سيُدْخِلُهُمُ اللهُ فى رَحْمَتِهِ﴾. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَالسَّابِقِونَ الأَوَّلُونَ مِنَ
المُهَاجِرِينَ والأَنْصارِ﴾(٥) يعنى مَن صلَّى القِلتَيْن منهم؛ ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ
بِإِحْسانٍ .. ) إلى آخر الآية. يعنى مَن أَسلم قبل الفتح. وفى الفتح يقول
الله عزَّ وجلّ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرابِ مُنافِقُونَ﴾(٦) كان رجال من
العرب ، منهم عُيَينة بن حصن وقومه معه يُرضون أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
ويُرونهم أنهم معهم ويُرضون قوْمَهم الذين هم على الشرك، ﴿وَمِنْ أَهْلِ
المدينَةِ﴾ يعنى منافقى المدينة؛ ﴿مَرَدُوا عَلَىَ النِّفاقِ﴾ يقول مردوا فى النفاق ؛
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ثم أَعلمهم الله عزَّ وجلّ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم
بعدُ؛ {سَنُعَدِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) يعنى الأَعراب ، يقول: الجوع وعذاب القبر؛
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ يقول: إلى النار. ﴿وَآخَرونَ اعْتَرَفُوا بِذُنوِهِمْ .. ﴾(٧)
إلى آخر الآية، نزلت فى أَبِى لُبابة بن عبد المُنذر حين أشار إلى بنى قُرَيْظَة
أنَّه الذبح. {خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ
صَّلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾(٨)يعنى المسلمين، صدقات أموالهم يعنى تُزكّيهم ؛
(١) سورة ٩ التوبة ٩٦
(٢) سورة ٩ التوبة ٩٧
(٣) سورة ٩ التوبة ٩٨
( ٤) سورة ٩ التوبة ٩٩
(٥) سورة ٩ التوبة ١٠٠
(٦) سورة ٩ التوبة ١٠١
(٧) سورة ٩ التوبة ١٠٢
(٨) سورة ٩ التوبة ١٠٣
١٠٧٣
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ استغفر لهم. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ
اللّه هُوَ يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾(١) يقول : من أَقبل وتاب ،
ويقبل الصدقات، ما يُراد بها وجهُ الله. يقول الله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَّرَى
اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ .. ﴾(٢) إِلى آخر الآية. ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ
لِأَمْرِ اللهِ .. ﴾(٣) إلى آخر الآية، يعنى الثلاثة: كعب بن مالك ◌ُ وهِلال بن
أُمَيّة، ومُرارة بن الرَّبيع. ﴿وَالَّذِيَنِ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقاً
بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾(٤) يعنى أَبا عامر،
﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ يعنى أَن يُفرّقوا بين بنى عمرو بن عوف، ويُصلّى
بعضهم فيه، ﴿وَإِرْصادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ) يعنى أَبا عامر ، يقول:
يَقدَم علينا من الشام فيتحدّث عندنا فيه ! هو لا يدخل مسجد بنى عمرو
ابن عَوف. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّ الحُسْنَى .. ﴾ إِلى
آخر الآية. ﴿لاتَقُمْ فِيهِ أَبَدَّا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى النَّغْوِى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
أَحَقُّ أَنْ تَقُومَفِيهِ﴾ (٥) إلى قوله. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يقول:
لا تُصلّ فيه وصلٌّ فى مسجد بنى عمرو بن عَوف . قال: قال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: لقد أَسّسْته بيدى، وجبريل يؤمّ بنا البيت. وأَمّا
قوله عزَّ وجلّ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ كان رجال يستنجون بالماء ،
منهم عُوَيم بن ساعدة. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى
تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ
(١) سورة ٩ التوبة ١٠٤
(٢) سورة ٩ التوبة ١٠٥
(٣) سورة ٩ التوبة ١٠٦
( ٤) سورة ٩ التوبة ١٠٧
(٥) سورة ٩ التوبة ١٠٨
١٠٧٤
بِهِ فِى نَارٍ جَهَنَّمَ﴾(١). يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿لا يَزالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِى بَنَوْا رِيبَةً
فى قُلُوبِهِمْ﴾ (٢) يقول: شكٌّ فى قلوبهم؛ ﴿إِلاَّ أَنْ تَفَطَّعَ تُلُوبُهُمْ) يقول: إِلاّ أَن
يموتوا. قال: حدّثنا ابن أبى الزِّناد، عن شَيْبَة بن نِصاح ، عن الأَعرج،
قال : إنما عنى الرجلَيْن ولم يعْنِ المسجد ، أَى فى قوله ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَنْوالَهُمْ﴾(٣) إلى قوله: ﴿وذلك
هُوَ الفَوْزُ العَظيمُ﴾ يقول: اشترى من الذين يُجاهدون فى سبيله ويُنفقون أموالهم
فيه بأَنَّ لهم الجَنَّة. قوله عزَّ وجلّ: ﴿ما كانَ لِلنَِّىِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِ قُرْبَى﴾(٤) إلى قوله: ﴿أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾.
قال: لما مات أَبو طالب استغفر له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال :
لأَستغفرنَّ لك حتى أُنهَى ! فاستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين ، فنزلت
هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ يقول : ماتوا
على كفرهم فلا يتوبون . يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا كانَ اسْتِغْفارُ إِبراهيمَ
لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ﴾(٥) قال: وعده أَن يُسلم؛ ﴿فَلَمَّا تَبَّيَّنَ
لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ لما مات على كفره تبرأَ منه؛ ﴿ إِنَّ إِبْراهِيمَ
لَأَوّاهُ حَلِيمٌ﴾. قال: الأَوّه الدَّقَاء. قوله عزَّ وجلّ: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ
قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ .. ﴾ إِلى آخر الآية. يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿لَقَدْ تابَ
اللهُ عَلَى النَّبِىِّ وَالمُهاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فى ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾(٦) يعنى
غزوة العُسْرَة، وهى غزوة تبوك، وكانت فى زمنٍ شديد الحرّ ؛ ﴿مِنْ بَعْدِ ما
(١) سورة ٩ التوبة ١٠٩
(٢) . سورة ٩٠ التوبة ١١٠
(٣) سورة ٩ التوبة ١١١
( ٤) سورة ٩ التوبة ١١٣
(٥٠) سورة ٩ التوبة ١١٤
(٦) سورة ٩ التوبة ١١٧
١٠٧٥
كادَ يَزِيغُ قُلوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ يقول: أَبِى خَيْثَمَة وما حدّث نفسه بالتخلّف
عن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لشدّة الحرّ وبُعد الثُّقَّة (١)، ثم عزم له على
الخروج؛ ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ
الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾(٢) إلى قوله:
﴿الَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وهو كعب بن مالك، وهِلال بن أُمَيّة، ومُرارة بن الرَّبيع.
وأما قوله: ﴿الَّذِينَ خُلِّقُوا﴾ يعنى مَن تعذَّر إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ممّن
قُبِل منهم. قوله: ﴿ما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ﴾(٣)
يعنى غِفار، وأَسلم، وجُهَينة، ومُزينة، وأَشجع؛ ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ
اللهِ﴾ فى غزوة تبوك؛ ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذُلِكَ بِأَنَّهُمْ لا
يُصيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ يعنى عطش؛ ﴿وَلا نَصَبٌ﴾ يعنى تعب؛ ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ﴾
مَجاعة؛ ﴿ولا يَطَوُّنَ مَوْطِئاً﴾ بلاد الكفَّار؛ ﴿وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوِّ نَيْلاً إِلَّا
كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾. قوله عزَّ وجلّ: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً
وَلا كَبِيرَةً .. ﴾(٤) إِلى آخر الآية. قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ المُؤمِنُونَ
لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ .. ﴾ (٥) إلى آخر الآية، يقول: ما كان المؤمنون إِذا
خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى غزوةٍ أَن يَنْفِروا كلُّهم ويتركوا المدينة
خُلوفاً بها الذَّرارىّ، ولكن يَنْفِر من كلّ قبيلةٍ طائفةٌ . يقول: بعضهم لينظروا
كيف سير رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى المشركين ويَعُوا ما سمعوا منه ؛
﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ يعنى يخافون الله .
أ
(١) فى الأصل: ((المشقة)). والشقة: السفر البعيد. (لسان العرب، ج ١٢، ص ٥١).
(٢) سورة ٩ التوبة ١١٨
(٣) سورة ٩ التوبة ١٢٠
(٤) سورة ٩ التوبة ١٢١
(٥) سورة ٩ التوبة ١٢٢
١٠٧٦
يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ .. ﴾(١) إلى آخر
الآية. قوله عزَّ وجلّ: ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ
هذِهِ إِيماناً﴾(٢) يعنى يقيناً وتَسليماً؛ فيقول الذين آمنوا: زادتنا يقيناً وتَسليماً ؛
وأَمّا المنافقون فزادتهم شكًّا وريبةً إلى ما كانوا فيه . ويقال إِنَّها فى المشركين،
فزادتهم شكّاً وثباتاً على دينهم ، وماتوا وهم كافرون . يقول الله عزَّ وجلّ فيهم :
﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَغُونَ فى كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْزٍ﴾(٣) فَأَمَا مَن جعلها
فى المنافقين فيقول: يُكذِبون فى السنة مرّة أَو مرّتين، وأَمّا من زعم أنّها فى
المشركين يقول: يُبتَلون بالغزو فى السنة مرّة أَو مرّتين؛ ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾
يقول: لايُسلمون. ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ .. ﴾(٤)
إِلى آخر الآية. وكان عبد الله بن نَبْتَل يجلس عند النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
ومعه أصحابه المنافقون، فإذا خلا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خلا بعضهم
ببعض؛ ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ يعنُون المسلمين؛ يقول: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾
يعنى استهزأوا فكذَّبوا بالحقّ؛ (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) عنه. يقول الله عزَّ وجلّ
وهو يذكرنبيّه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٥) يقول : منكم؛
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِثُمْ﴾ يقول: ما أَخطأُتم ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَؤُّفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْسِىَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ العَظِيمٍ﴾(٦).
۔
حَجَّة أبى بكر رضى الله عنه سنة تسع
قال : حدّثْنى مَعْمَر، ومحمّد بن عبد الله. وابن أبى حبيبة، وابن أَبى
( ١) سورة ٩ التوبة ١٢٣
(٢) سورة ٩ التوبة ١٢٤
(٣) سورة ٩ التوبة ١٢٦
(٤) سورة ٩ التوبة ١٢٧
(٥ ) سورة ٩ التوبة ١٢٨
(٦) سورة ٩ التربة ١١٩
١٠٧٧
سَبْرَة، وأسامة بن زيد، وحارثة بن أبى عمران ، وعبد الحميد بن جعفر ؛
وكلُّ واحدٍ قد حدّثنى بطائفة من هذا الحديث، وغيرُهم، قالوا: كان قبل
أَن تنزل ((براءة))، قد عاهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ناساً من
المشركين عَهدًا؛ فاستعمل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبا بكر على الحجّ،
فخرج أبو بكر رضى الله عنه فى ثلاثمائة من المدينة، وبَعَث معه رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم بعشرين بَدَنَةٌ ، قلَّدها رسولُ الّهِ صلّى الله عليه وسلَّم النِّعالَ،
وَأَشعَرها بيده فى الجانب الأَيمن، واستعمل عليها ناجِيةَ بن جُنْدُب الأَسلمِىّ،
وساق أَبو بكر رضى الله عنه خمسَ بَدَنات. وحَجّ عبد الرحمن بن عَوف
فَأَمدى بُدْناً ، وقومٌ أَهل قُوّة ، وأَهلّ أَبو بكر رضى الله عنه من ذى الحُلَيْفَة ،
وسار حتى إذا كان بالعَرْج فى السََّر سمع رُغاءَ ناقة رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم القَصْواء ، فقال : هذه القَصْواء ! فنظر فإِذا عَلىّ بن أبى طالب عليه
السلام عليها ، فقال : استعملك رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الحجّ؟
قال: لا، ولكن بعثنى أقرأُ ((براءة)) على الناس، وأَنبِذُ إِلى كلّ ذى عَهْدٍ
عهدَه . وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَهِد إِلى أبى بكر أَن يُخالف
المشركين، فيَقِف يوم عَرَفَة بِعَرَفَة ولا يَقِف بجَمْعٍ (١)، ولا يدفع من عَرَفَة
حتى تَغْرُب الشمس ، ويدفع من جَمْعٍ قبل طلوع الشمس. فخرج أبو بكر
حتى قدم مكَّة وهو مُفْرِدٍ بالحجّ ، فخَطَب الناس قَبْلَ الثَّروية بيومٍ بعد
الظُّهر ، فلمّا كان يوم الثَّروية حين زاغت الشمس طاف بالبيت سبعاً ،
ثم ركب راحلتَه من باب بنى شَيْبَة، وصلَّى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء
والصبح بمِنَّى. ثم لم يركب حتى طلعت الشمس على ثَبِيرٍ ، فانتهى إلى
نَمِرَة (٢) ، فنزل فى قُبَّةٍ من شَعَرٍ فقال فيها، فلمّا زاغت الشمس ركب
راحلته فخَطَب ببَطْنِ عُرَنَة، ثم أَناخ فَصلَّى الظُّهر والعصر بأَذانٍ وإِقامتَيْن،
(١) جمع: هو المزدلفة. (معجم البلدان، ج ٣، ص ١٣٨).
(٢) نمرة: ناحية بعرفة معلوم. (معجم البلدان، ج ٨، ص ٣١٧).
١٠٧٨
ثم ركب راحلتّه ، فوقف بالهِضاب- الهضاب: عَرَفَة، والمُصلَّى من عَرَفَة -
فلمّا أَفطر الصائم دفع، فكلن يسير العَنَقَ (١) حتى انتهى إِلى جَمْعٍ،
فنزل قريباً من النار التى على قُزَح (٢). فلمّا طلع الفجر صلَّى الفجر ، ثم
وقف ، فلمّا أَسفر (٣) دفع، وجعل يقول فى وقُوفه: يا أَيّها الناس، أَسفِروا !
يا أَيّها الناس ، أَسفِروا ! ثم دفع قبل الشمس ، فكان يسير العَنَقَ حتى
انتهى إلى مُحَسِّر (٤) فأَوضع راحلته، فلمّا جاز وادى مُحَسِّر عاد إِلى مَسيره
الأَوّل، حتى رمى الجَمْرَة راكباً؛ سبع حَصَيَات، ثم رجع إلى المَنْحَرَ فَنَحَرَ ،
ثم حَلَقٍ . وقرأَ علىّ بن أبى طالب رضوان الله عليه يوم النحر عند الجَمْرَة
« براءة))، ونَبَذْ إِلى كلّ ذى عهدِ عهدَه. قال: إِنّ رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم قال: لا يَحُجّ بعد العام مُشرِكٌ ، ولا يطوف بالبيت عُرْيان .
وكان أَبو هُرَيرة يقول : حضرتُ ذلك اليوم - فكان يقول : هو يوم
الحجّ الأَكبر - فخَطَب أَبو بكر رضى الله عنه يوم النَّحْر بعد الظهر على
راحلته . فكان أبو بكر قد خَطَب فى حَجّته ثلاثةَ أَيّام لم يَزِدِ عليها ؛ قبل
التّروية بيومٍ بمكّة بعد الظهر، وبعَرَفَة قبل الظهر ، وبمِنَّى يومَ النَّحْر
بعد الظهر. وأقام أبو بكر رضى الله عنه يَرمى الجِمارَ ماشياً ، ذاهباً وجائياً،
فلمّا كان يوم الصَّدَر (٥) - قالوا: رمى ماشياً - فلمّا جاوز العَقَبَة رَكِب.
ويقال : رمى يومئذٍ راكباً ، فلمّا انتهى إِلى الأَبْطَحِ صلَّى به الظُّهر ، ودخل
مكَّةَ فصلَّى بها المغرب والعشاء ، ثم خرج من لَيْلَتِه قافلاً إلى المدينة .
(١) العنق: ضرب من سير الدابة والإبل، وهو سير مسبطر. (الصحاح، ص ١٥٣٣).
(٢) قزح: القرن الذى يقف الإمام عنده بالمزدلفة . ( معجم البلدان ، ج ٧ ، ص ٧٧) .
(٣) أسفر الصبح إذا انكشف وأضاء. والمعنى ها هنا: طول صلاة الفجر إلى الإسفار .
( الصحاح ، ص ٦٨٧ ) .
(٤) محسر: واد بجمع. (معجم ما استعجم، ص ٥٠٩).
(٥) الصدر: اليوم الرابع من أيام النحر. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٦٨).
١٠٧٩
سريّة على بن أبى طالب عليه السلام إِلى اليمن
قالوا : بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَلىّ بن أبى طالب عليه السلام
فى رمضان سنة عشر، فأَمره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يُعسكر بقُباء ،
فعسكر بها حتى تَتامَّ أَصحابُه، فعقد له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ
لِواءَ، أَخذ عِمامةً فلفَّها مَثْنِيَّةً مُرَبَّعَةً فجعلها فى رأس الرُّمْح، ثم دفعها إِليه(١)
وقال : هكذا اللّواءِ! وعمّمه عِمامةً ، ثلاثةَ أَكوار ، وجعل ذراعاً بين يدَيْه
وشِبْرًا من ورائه ، ثم قال : هكذا العِمَّة!
قال : فحدّثنى أسامة بن زيد ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن
أَبى رافع ، قال : لمّا وجّهه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : امضِ ولا
تَلَتْفِتْ! فقال عَلىُّ عليه السلام : يا رسول الله ، كيف أصنع ؟ قال : إِذا
نزلتَ بساحتهم فلا تُقاتِلْهم حتى يُقاتلزك ، فإِن قاتلوك فلا تُقاتِلْهم حتى
يَقتُلوا منكم قتيلاً، فإِن قتلوا منكم قتيلاً فلا تُقاتِلهم، تَدَوَّمْهُمْ تُرِهِمْ أَناةً (٢)،
ثم تقول لهم : هل لكم إلى أن تقولوا لا إله إلاّ اللّه؟ فإن قالوا نعم فقل :
هل لكم أَن تُصَلُّوا؟ فإن قالوا نعم فقل : هل لكم أَن تُخرجوا من أَموالكم
صَدَقَةً تَرُدُّونها على فقرائكم؟ فإن قالوا نعم ، فلا تَبْغِ منهم غيرَ ذلك . واللهِ،
لأَن يَهدِى الله على يدك رجلاً واحدًا خيرٌ (٣) لك ممّا طلعتْ عليه الشمس أَو غَرَبت!
قال : فخرج فى ثلاثمائة فارسٍ ، فكانت خيلهم أَوّل خيل دخلت تلك
البلاد ، فلمّا انتهى إلى أَدنى الناحية التى يُريد - وهى أَرض مَذْحِج - فرّق
(١) فى الأصل: ((إليهم)).
(٢) فى الأصل: ((بلومهم برمهم إياه)). والتلوم: الانتظار والتمكث. (الصحاح ،
(٣) فى الأصل: ((خيرا)).
: ص ٢٠٣٤) .
١٠٨٠
أَصحابَه، فأَتَوْا بِنَهْبٍ وغنائمَ وَسَبْىٍ ونساءٍ وأَطفالٍ ونَعَمٍ وشاءٍ وغير ذلك .
فجعل عَلىّ على الغنائم بُرَيدة بن الحُصَيب ، فجمع إليه ما أصابوا قبل أَن
يلقاهم جَمْعٌ ، ثم لفى جَمْعاً فدعاهم إلى الإِسلام وحرّض بهم ، فأَبَوْا ورَمَوْا
فى أصحابه ، ودفع لِواءه إلى مسعود بن سنان السّلَمىّ فتقدّم به، فبرز
رجلٌ من مَذْحِجٍ يدعو إلى البراز، فبرز إليه الأسود بن الخُزَاعِىّ السُّاَمِىّ،
فتجاولا ساعةً وهما فارسان ، فقتله الأَسود وأَخذ سَلَبَه . ثم حمل عليهم
عَلىَّ بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلاً، فتفرَّقوا وانهزموا وتركوا لِواءهم
قائماً ، فكفّ عن طلبهم ودعاهم إلى الإِسلام ، فسارعوا وأجابوا، وتقدّم
نَفَرٌ من روَّسائهم فبايعوه على الإِسلام ، وقالوا : نحن على مَن وراءنا من
قومنا ، وهذه صَدَقاتنا فخُذْ منها حقَّ الله !
قال : فحدّثنى عمر بن محمّد بن عمر بن عَلّ، عن أبيه ، قال :
وجَمَع عَلىّ عليه السلام ما أَصاب من تلك الغنائم فجَزَأَها خمسة أجزاءٍ ؛
فأَفرع عليها، فكتب فى سَهْمِ منها ((لِله))، فخرج أَوّلَ السهام سهمٌ
الخُمُس، ولم يُنفِّل أحدًا من الناس شيئاً . فكان مَن قبله يُعطُون أصحابهم
- الحاضر دون غيرهم - من الخُمُس. ثم يُخْبَر بذلك رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم فلا يردّه عليهم ، فطلبوا ذلك من عَلىّ عليه السلام فأَبى وقال :
الخمس أَحمِلُه إِلی رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فیری فیه رأیه ، وهذا رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُوافى المَوْسِم، ونَلقاه ويَصنَع فيها ما أَراه الله.
فانصرف راجعاً، وحمل الخُمُس وساق معه ما كان ساق، فلمّا كان بالفُتُق (١)
تعجّل . وخلَّف على أَصحابه والخُمُسِ أَبا رافع ، فكان فى الخُمُس ثيابٌ
(١) الفتق: قرية بالطائف. (معجم البلدان، ج ٦، ص ٣٣٨).
١٠٨١
من ثياب اليمن ، أَحمالٌ مَعكومة (١)، ونَعَمُ تُساق ممّا غَنِموا، ونَعَم من
صِّدَقَة أموالهم .
قال أبو سعيد الخُدْرِىّ - وكان معه فى تلك الغزوة - قال: وكان عَلَىّ
عليه السلام ينهانا أَن نركب على إِبل الصَّدَقَة ؛ فسأل أصحاب عَلِىّ
عليه السلام أَبا رافع أَن يَكسوَهمِ ثياباً فكساهم ثوبَيْن ثوبَيْن . فلمّا كانوا
بالسِّدْرَة داخلين مكَّة، خرج عَلىَّ عليه السلام يتلقَّاهم ليَقدَم بهم فيُنزلهم ،
فرأى على أصحابنا ثوبَيْن ثوبَيْن على كلّ رجل ، فعرف الثياب فقال لأبى
رافع : ما هذا ؟ قال : كلَّمونى فَفَرِقتُ من شِكايتهم ، وظننت أَنَّ هذا
يسهل عليك ، وقد كان مَن كان قبلك يفعل هذا بهم . فقال : رأيتَ
إبائى (٢) عليهم ذلك ! وقد أعطيتَهم، وقد أمرتُك أَن تحتفظ بما خلَّفتُ ،
فَتُعطيهم ! قال : فأَبى عَلىَّ عليه السلام أن يفعل ذلك حتى جَرّد
بعضهم من ثَوْبيه ، فلمّا قَدِموا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شَكَوْا ،
فدعا عَلَيًّا فقال: ما لأَصحابك يشكونك؟ فقال: ما أَشكيتُهم (٣) ؟
قسمتُ عليهم ما غَنِموا، وحبست الخُمُس حتى يقدَم عليك وترى رأيكَ
فيه، وقد كانت الأمراء يفعلون أُموراً، يُنفِّلون مَن أَرادوا من الخُمُس،
فرأيت أَن أَحمله إِليك لتَرى فيه رأيك . فسكت النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
قال : فحدّثنى سَالم مولى ثابت ، عن سالم مولى أبى جعفر ، قال :
لمّا (٤) ظهر عَلُّ عليه السلام على عدوّه ودخلوا فى الإِسلام، جمع ما غَنِم واستعمل
عليه بُرَيدة بن الحُصَيب، وأَقام بين أَظْهُرهم ، فكتب إلى رسول الله صلَّى
(١) عكمت الثياب إذا شددت بعضها على بعض. (النهاية، ج ٣، ص ١٢١).
(٢) فى الأصل: ((أثوابى)).
(٣) يقال: أشكيت الرجل إذا أزلت شكواه، وإذا حملته على الشكوى. (النهاية، ج ٢،
ص ٣٣٤) .
(٤) فى الأصل: ((إنما)).
١٠٨٢
الله عليه وسلَّم كتاباً مع عبد الله بن عمرو بن عَوف المُزَّ يُخبره أَنَّه لقى
جَمْعاً من زَبيدٍ وغيرهم ، وأَنَّه دعاهم إلى الإِسلام وأعلمهم أَنَّهم إِن أَسلموا
كفّ عنهم ، فأَبَوْا ذلك وقاتلهم . قال عَلىّ عليه السلام: فرزقنى اللهُ الظفر
عليهم حتى قُتِل منهم مَن قُتِل . ثم أجابوا إلى ما كان عُرض عليهم ، فدخلوا
فى الإِسلام وأَطاعوا بالصَّدَقَة، وأَتى بَشَرُ منهم لِلدِّين، وعلَّمهم قراءة القرآن .
فأَمره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُوافيه فى الموسم ، فانصرف عبد الله بن
عمرو بن عَوف إِلى عَلىّ عليه السلام بذلك .
قال : فحدَّثَنِى سَعيد بن عبد العَزيز التَّنُوخِىّ، عن يونس بن مَيْسَرَة
ابن حُلَيس ، قال : لمّا قدم عَلىّ بن أبى طالب عليه السلام اليمن خطب به ،
وبلغ كعبَ الأَحبار قيامُه بخُطْبَته ، فأَقبل على راحلته فى حُلَّةٍ ، معه حَبْرٌ من
أحبار اليهود ، حتى استمعا له فواقفاه، وهو يقول : إِنَّ مِن الناس مَن
يُبصر بالليل ولا يُبصر بالنهار. قال كعب : صدق ! فقال عَلىّ: وفيهم من
لا يُبصر بالليل ولا يُبصر بالنهار . فقال كعب : صدق ! فقال عَلىَّ عليه
السلام: ومَن يُعطِ. باليد القصيرة يُعطَ باليد الطويلة . فقال كعب : صدق!
فقال الحَبْر : وكيف تُصدِّقه ؟ قال: أَمّا قوله: ((من الناس مَن يُبصر بالليل
ولا يُبصر بالنهار)) فهو المؤمن بالكتاب الأَّل ولا يومن بالكتاب الآخر .
وأَمّا قوله: ((منهم من لا يُبصر بالليل ولا يُبصر بالنهار)) فهو الذى لا يؤمن
بالكتاب الأَوّل ولا الآخر. وأَمّا قوله: ((من يُعطِ. باليد القصيرة يُعطَ. باليد
الطويلة )) فهو ما يقبل الله من الصَّدَقات . قال: وهو مَثَلُ رأيتُه بيِّن!
قالوا : وجاءَ كعباً سائلٌ فأَعطاه حُلَّته، ومضى الحَبْرُ مُغضَباً ؟ ومثلت بين
يدى كعب ابرأَةٌ تقول : مَن يُبادل راحلةً براحلة ؟ فقال كعب : وزيادة
حُلَّة ؟ قالت : نعم ! فأَخذ كعب وأعطى ، وركب الراحلة وليس الحُلَّة ،
١٠٨٣
وأسرع السير حتى لحق الحَبْرَ وهو يقول: مَن يُعطِ. باليد القصيرة يُعطَ.
باليد الطويلة !
قال : فحدّثنى إسحاق بن عبد الله بن نِسْطاس ، عن عمرو بن عبد الله
العَبْسىّ، قال: قال كعب الأحبار : لمّا قدم عَلىّ عليه السلام اليمن ،
لقيته فقلت : أَخبرنى عن صفة محمّد . فجعل يُخبرنى عنه، وجعلت أَتبسّم
فقال : مِمَّ تتبسّم فقلت : ممّا يُوافق ما عندنا من صفته . فقال (١): ما
يُحلّ وما يُحرِّم ، فقلت : فهو عندنا كما وصفتَ ! وصدّقت برسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم وآمنت به . ودعوت مَن قِبَلنا مِن أَحبارنا، وأَخرجت
إليهم سِفْرًا فقلت : هذا كان أبى يختمه علىّ ويقول : لا تفتحه حتى تسمع
بنىٌّ يخرج بيَثْرِب. قال : فأَقمتُ باليمن على إِسلامى حتى تُوفّى رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وتُوقّى أَبو بكر رضى الله عنه، فقدمت فى خلافة
عمر بن الخطاب رضى الله عنه ؛ ويا ليتَ أَنِّى كنت تقدّمت فى الهجرة !
(١) فى الأصل: (( فقلت».
١٠٨٤
باب ما جاءَ فيما يُؤْخَذ من الصَّدَقات
أخبرنا ابن أَبِى حَيَّة قال: حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن شُجاع الثَّجِىّ،
قال: حدّثنا الواقديّ قال: حدّثنى سالم مولى ثابت، عن يحيى بن شِبْل ،
قال : قرأت كتاباً عند أبى جعفر فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أَمر
به محمّد رسول الله، أَن يُؤْخذ من صَدَقات المسلمين من سَوائم
مواشيهم من كلّ أَربعين شاةٍ شاةٌ إلى عشرين ومائة، فإِذا زادت (١)
ففيها شاةٌ إلى المائتين ، فإِذا زادت ففيها ثلاث إلى ثلاثمائة ، فإِذا
زادت شاةٌ ففى كلّ مائةٍ شاةٍ شاةٌ . وفى صَدَقة الإِبل ، فى أربع وعشرين
فما دونها الغنم فى كلّ خمسٍ شاةٌ، فإِذا بلغت خمساً وعشرين" ففيها
بنتُ مَخاض ، فإِن لم يُوجد بنت مَخاض فابنُ لَبون ذكرٌ إِلى أَن تبلغ
ستًّا وثلاثين ، فإذا بلغت سنَّةً وثلاثين ففيها بنتُ لَبون إِلى أَن تبلغ
سنًّا وأربعين، ففيها حِقّةٌ إِلى أَن تبلغ إحدى وستين ففيها جَذَعَة، إِلى
أن تبلغ سنًّا وسبعين ، ففيها ابنتا لَبون ، إِلى أَن تبلغ إِحدى وتسعين ،
ففيها حِقَّتان طَروقتا (٢) الفحل، ولا يُؤْخذ فى الصَّدَقَة هَرَمَةٌ ولا تَيْسُ،
ولا ذات عَوار (٣) ، إِلَّا أَن يشاء المُصدِّق، ولا يُفَرِّق بين مُجتمِع ولا يُجمَع
بين متفرّقين، وما كان من خليطَيْن فإنَّهما يتراجعان بينهما بالسَّويّة . فإِذا
زادت الإِبل على عشرين ومائة ، ففى كلّ خمسين حِقَّة ، وفى كلّ أربعين
بنتُ لَبون ، وليس فيما دون ثلاثين من البقر صَدَقَةٌ ، وفى كلّ ثلاثين جَدَعٌ
(١) فى الأصل: ((فإذا زاد فيها)).
(٢) طروقة الفحل: أى يعلو الفحل مثلها فى سنها. (النهاية، ج ٣، ص ٣٦).
(٣) فى الأصل: ((ذات عور)). والعوار: العيب. (النهاية، ج ٣، ص ١٣٨).
١٠٨٥
أَوْ جَذَّعَة ، وفى كلّ أَربعين مُسِنَّة. وفيما سَقَت السماء أَو سُقِى بالغَيْل(١)
العُشْر، وما سُقِى بالغَرْب (٢) نصفُ العُشر، ومَن كان على يهوديّة أَو نصرانيّة
لم يُقْتَن عنها، وأُخِذ منه دينارٌ على كلّ حالِمٍ ، أَو عِدْلُه من المَعَافِرِىّ (٣).
قال : حدّثنا إبراهيم بن أبى بكر بن المُكَيْدِر ، عن حُسَين بن أبى
بَشير المازنىّ، عن أبيه، عن أبى سعيد الخُدْرِىّ، قال : كنَّا مع عَلىٍّ عليه
السلام باليمن ، فرأيته يأُخذ الحَبّ من الحَبّ، والبعير من الإِبل ، والشاءَ
من الغنم، والبقرة من البقر، والرَّبيب من الزَّبيب، وكان لا يُكلِّف الناس
مَشقَّة ، وكان يأتيهم فى أَفْنِيتهم (٤) فيُصدّق مَواشِيَهم ويأمر من يَسقَب
بذلك ، وكان لا يُفرّق الماشية ، كان يقعد فما أُتِى به من شاةٍ فيها وفَاءٌ
له أَخذها ، ويأمر مَن يَسقَب بذلك ويُقْسَم على فقرائهم - يسقب :
يسعى عليهم - يأخذ الصَّدَقَة مِن ها هنا ومن هاهنا ؛ يعرفهم .
قال : حدّثنا الحارث بن محمّد الفِهْرىّ ، عن إسحاق بن عبد الله بن
أَبى ذَرْوَة، عن رَجاء بن حَيْوَة قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
بعث خالد بن سعيد بن العاص مع رُسُل حِمْيَر، وبعث عَليًّا عليه السلام؛
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِن اجتمعتما فى مَكيدةٍ فَعَلىّ على الناس،
وإن افترقتما فكلُّ على حِدة . قال رجاء : وكان قد قضى بها قضيَّةٌ ؛ دية
النفس مائةً من الإِبل على أَهل الإِبل ، وأَلْفَى شاة على أَهل الغنم ؛ مائتى
جَذَعَة - أَى ثم ضائع(٥) الشاة جَدَعَة، ثم ثنيّة - ومائتى بقرة نصفها تَبيع
ونصفها مَسانٌ . وعلى أَهل الخُلَلِ أَلْفَى ثوبٍ مَعَافِرِيّة .
(١) الغيل: الماء الجارى على وجه الأرض. (القاموس المحيط ، ج ٤، ص ٢٧).
(٢) الغرب: الدلو العظيمة. (الصحاح، ص ١٩٣).
(٣) هى برود اليمن منسوبة إلى معافر، فهى قبيلة باليمن. (النهاية، ج ٣، ص ١٠٩)
(٤) فى الأصل: ((أقبيتهم)).
(٥) هكذا فى الأصل. ولعله: ((صالغ)). انظر النهاية. (ج ٢، ص ٢٧٢).
١٠٨٦
قالوا : احتفر قومٌ باليمن بثرًا، فأصبحوا وقد سقط فيها أَسد ،
فأَصبح الناس ينظرون إليه ، فسقط. إنسان فى البئر، فتعلَّق بآخَر فتعلَّق
الآخَر بآخر حتى كانوا فى البئر أربعة؛ فحَرِب (١) الأَسد بهم فقتلهم ،
فأَهوى له رجلٌ برمحه فقتله . فقال الناس : الأَّل عليه ديتهم فهو قتلهم .
فَأَرادوا يُقبلون، فمرّ بهم علىَّ عليه السلام فقال : أَنا أَقضى بينكم بقضاءٍ ،
فمَن رضى فهو إلى قضائه ، ومَن تجاوز إلى غيره فلاحقَّ له حتى يكون النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم يقضى فيكم ؛ اجمعوا مَن حضر البئر من الناس !
فجمعوا كلّ مَن حضر البئر، ثم قال : ربع دية، وثلث دية ، ونصف دية،
ودية تامّة؛ فالأَسفل ربع دية ، من أجل أَنَّه هلك من فوقه ثلاثة ؛ والثانى ثلث
الدية، لأَنَّه هلك اثنان ، والثالث نصف الدية ، من أَنَّه هلك فوقه واحد ؛
وللأَعلى الدية كاملة . فإِن رضيتم فهو بينكم قضاء ، وإِن لم ترضوا فلا حقَّ
لكم حتى يأتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيقضى بينكم. فأَّنوا رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم فى حَجّته وهم عشرة نفر ، فجلسوا بين يديه وقصّوا عليه
خبرهم ، فقال : أَنا أَقضى بينكم إن شاءَ الله ! فقام أحد النفر فقال :
يا رسول الله، إِنّ عَلِيًّا قد قضى بيننا. فقال: فيم قضى بينكم ؟ فأخبروه
بما قضى به ، فقال : هو ما قضى به. فقام القوم فقالوا : هذا قضاءٌ من
رسول الله . فلزم المَفْضِىَّ عليهم وسألهم عن الأُسْد ، أَهى فى بلادهم .
فقالوا : يا رسول الله، إِنَّها لَكثيرة تُغير على ماشيتنا. فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم: أَلا أُخبِركم عن الأَسد ؟ قالوا: بلى يا رسول الله !
قال: فإنَّه غدا على ابنٍ لِحَوّاء فَأَكله ، فأَقبلت عليه حَوّاء فقالت :
ويلك ، أَكلت ابنى ! قال: وما يمنعنى أَن آ كل رزقاً ساقه اللّه إلىّ . فأقبل
(١) حرب: اشتد غضبه. (الصحاح، ص ١٠٨).
١٠٨٧
آدم فقال: ويلك، تُخاطبها وقد أَكلت ابنها ؟ اخْسَبأُ! فطأُطأَّ رأسه،
فلذلك لا يمشى إلاَّ مطأطئاً رأسَه. ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
إن شئتم وظَّفْتُ له وظيفةً لا يعدوها إلى غيرها ، وإن شئتم تركته يُجالسكم
وتحذرون منه. فخلا بعضهم ببعض فقالوا: وَظَّفْ(!) له وظيفة. فقال
بعضهم : نَخشى ألاَّ يحملها قومنا ولا يُطيعون بها ، فنكونَ قد قلنا لرسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم قولاً لا نَفِى به . فقالوا : يا رسول الله، دعه يُجالسنا
ونتحذَّر منه . فقال : فذاك! فيَّ القومُ راجعين إلى قومهم ، فلمّا قدموا على
قومهم أَخبروهم فقالوا: واللهِ ما هُدِيتم لرُشْدكم ، لو قبلتم ما وظَّف له رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَمِنتم منه. فهيّأوا رجلاً يبعثونه إلى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم فى ذلك ، فتُوفى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل أن يلقاه
الرسول .
قال : وحدّثنى أبو بكر بن عبد الله، وحاتم بن إسماعيل مولى لآل
الحارث بن كعب ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبدالله
قال: قدم عَلىّ عليه السلام من اليمن، فوجد فاطمةً ممّن حلّ ، ولبست
ثياباً صَبيغاً(٢) واكتحلت، فأَنكر ذلك عَلىَّ عليها فقالت : أَمرنى بهذا
أَبِى ! قال عَلىّ، وهو بالعراق: فذهبتُ إِلى رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم
مُحرِّشاً(٣) على فاطمة للذى صنعت، مُسْتَفْتِياً رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
للذى ذَكَرَتْ عنه، وأخبرتُه أَنِّى أَنكرت ذلك عليها فقالت ((أَبِى أَمرفى
بذلك)). فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : صدقتْ! ماذا قلتَ حين
فرضتَ الحجّ ؟ قال ، قلت : اللَّهمّ إِىّ أُهِلّ بما أَمَلَّ به رسولُك ! قال :
(١) فى الأصل: ((وظفها)).
(٢) أى مصبوغة غير بيض، وهو فعيل بمعنى مفعول. (النهاية، ج ٢، ص ٢٥١).
(٣) أراد بالتحريش ها هنا ذكر ما يوجب عتابه لها. ( النهاية، ج ١، ص ٢١٧).
١٠٨٨
فإِنَّ معى الهَدْى فلا تَحِلّ !فكانت جماعة الهَدْى الذى جاءَ به عَلىّ عليه
السلام والذى ساقه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم من المدينة مائة بَدَنَة، فحلّ
الناس وقصّ مَن لم يكن معه هُدْى، ثم نحر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
هَدْيه ، وأَشرك عليًّا عليه السلام فى هَدْيه .
حَجَّة الوَداع
قال : حدّثنى مَعْمَر بن راشد، وابن أَبِى سَبْرَة ، وأسامة بن زيد ، وموسى
ابن محمّد ، وابن أَبِ ذِئب ، وأَبو حمزة عبد الواحد بن مَيمون ، وحِزام
ابن هشام ، وابن جُرَيج ، وعبد اللهِ بن عامر ، فكلٌّ قد حدّثنى من هذا
الحديث بطائفة ، وبعضهم أَوعى له من بعض ، وغير من سمّيت قد حدّثنا
أيضاً ، قالوا : قدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة يوم الاثنين لاثنتى
عشرة ليلة خلت من ربيع الأَوّل، فأَقام يُضحّى بالمدينة كلّ عام ، لا يحلق
ولا يُقصّره ويغزو المغازى ، ولم يحجّ حتى كان فى ذى القعدة سنة عشر من
مُهاجَره ، فأَجمع الخروج وآذَن الناس بالحجّ، وقدم المدينة بَشَرٌ كثيرٌ كلّهم
يُريد أَن يأْتِمّ برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويعمل بعمله. وكان رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم قد اعتمر ثلاث عُمَر ، أَوّلها عمرة الحديبية، نحر ...
بالحُدَيبية وحلق فى ذى القعدة سنة ستّ، ثم عمرة القضيّة سنة سبع
فى ذى القعدة، وأُهدى ستّن بَدَنَة، ونحر عند المَرْوَة وحلق، واعتمر
عمرة الجِعِرَّانة فى ذى القعدة سنة ثمان .
قال: فحدّثنى ابنِ أَبِى سَبْرَة، عن الحارث بن الفُضَيل، قال: سأَلت
سعيد بن المُسَيِّب: كم حجّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من لدن نُبِّئَّ إلى
١٠٨٩
أَن تُوقِّى؟ قال: حَجّةٌ واحدةٌ من المدينة . قال الحارث: فسألت أبا هاشم
عبد الله بن محمّد بن الحنفيَّة، قال: حجّ حَجّةً بمكّة قبل الهجرة
وبعد النبوّة، وحَجّته من المدينة . وكان مُجاهد يقول: حَجْتَيْن، قبل
الهجرة . والأمر المعروف عندنا الذى اجتمع عليه أهل بلدنا، إنما حجّ
حَجّةٌ واحدةٌ من المدينة، وهى الحَجّة التى يقول الناس إنها حَجّة الوداع.
قال : فحدّثنى الثَّورِىّ ، عن ليث ، عن طاوس ، عن ابن عباس ،
قال : كُرِهِ أَن يقال حَجّة الوداع . فقيل: حَجّة الإِسلام ؟ قال : نعم .
قال : فحدّثنى ابن أبى سَبْرَة ، عن سَعيدين محمّد بن جُبير بن مُطعِم ،
عن أبيه قال : خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من المدينة يوم السبت
لخمس ليالٍ بقين من ذى القعدة، فصلَى الظُّهربذى الحُلَيفة ركعتَيْن، وأَحرم
عند صلاة الظُّهر من يومه ذلك ، وهذا الثبت عندنا . قال : فحدّثنا
عاصم بن عبد الله، عن عمر بن الحَكَم ، أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
انتهى إلى ذى الحُلَيفة عند الظُّهر، فبات لأَن يجتمع إليه أصحابه والهَدْى
حتى أَحرم عند الظُّهر من الغد.
.قال : فحدّثنى إِسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبَة، عن أبيه، عن كُرَيب ،
عن ابن عبّاس رضى الله عنه قال : خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من
بيته مُدَّهِناً مُترَجِّلاً (١) مُتجرِّدًا (٢) حتى أتى ذا الحُلَيفة.
قال : حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه، أَنَّ رسول
(١) الترجل والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه. (لسان العرب، ج ١٣، ص
٢٨٧) .
(٢) المتجرد: أى ما جرد عنه الثياب من جسده وكشف ؛ يريد أنه كان مشرق الجسد .
( النهاية، ج ١، ص ١٥٣).
١٠٩٠
الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَحرم فى ثوبَيْن صُحَارِيَّيْن (١)، إِزارٍ ورِداءٍ ،
وأَبدلهما بالنَّنْعِيمِ بثوبَيْن من جنْسهما .
قالوا : لمّا اجتمع إِليه نساوَّه - وكان حجّ بهِنّ جميعاً فى حَجّته فى
الهَواد ج - وانتهى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم اجتماعُ أصحابه والھَدْى،
دخل مسجد ذى الحُلَيفة بعد أَن صلَّى الظُّهر وصلَّى ركعتَيْن، ثم خرج
فدعا بالهَدْى فأَشعره فى الجانب الأيمن، وقلَّد نعلَين . ثم ركب ناقته ،
فلمّا استوى بالبَيْداءِ أَحرم .
فقال : فحدّثنى خالد بن إلياس ، عن يحيى بن عبد الرحمن ، عن أبى
سَلَمَة بن عبد الرحمن، عن أُمّ سَلَمَة قالت: انتهينا إلى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم بذى الحُليفة ليلاً ، ومعنا عبد الرحمن بن عَوف وعُمان بن عَفَّان ،
فبتنا بذى الحُلَيفة، فلمّا أَصبح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رأَيت الهَدْى
يُعرَض عليه، فلمّا صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الظّهر أشعر هَذْيَه
وقلَّده قبل أَن يُحرم . والقول الأَّل أَثبت عندنا أَنَّه لم يَبِت .
قال محمد بن نُعَيم المُجْمِر ، عن أبيه ، قال : سمعت رجلاً من أَصحاب
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: لمّا أَراد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن
يُشعر بُدْنَه أَنَى بِبَدَنَةٍ فَأَشعرها هو بنفسه وقلَّدها . وكان ابن عبّاس يقول :
أَشعرها ووجهُه إِلى القبلة؛ وساق مائةَ بَدنَة. ويقال: إِنَّ النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم أمر بأَن يُشعر ما (٢) فَضْل من البُدْن ناجيةُ بن جُنْدُب، فاستعمله
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على الهَدْى.
قال : فحدّثْنى الهَيْثَم بن واقد، عن عطاء بن أبى مَروان ، عن أبيه ،
(١) محار: قرية باليمن نسب الثوب إليها؛ وقيل: هو من الصحرة، وهى حمرة خفية كالغبرة.
(النهاية ، ج ٢، ص ٢٥٣) .
(٢) فى الأصل: ((بأن يشعرها)) ..
١٠٩١
عن ناجية بن جُنْدُب ، قال: كنت على هَدْى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فى حَجّته ، وكان معى فتْيانٌ مِن أسلم ، كنَّا نَسوقها سَوْقاً نبتغى بها
الرِّعْى، وعليها الجلال (١) ، فقلت: يا رسول الله، أَرأَيت ما عَطِب منها،
كيف أَصنع به؟ قال: تَنحره وتُلقى قلائدَه فى دمه، ثم تَضرب به صَفْحَتَه
الْيُمْنِى، ثم لا تأكل منها ولا أَحدٌ من أَهلِ رُفْقَتك .
قال : ثم قدمنا مكَّة بعد يوم ، ثم رحنا يوم الثَّروية إِلى عَرَفَة بالهَدْى،
ثم انحدرنا من عرَفَة حتى انتهينا إِلى جَمْعٍ ، ثم انتهينا من جَمْعٍ إلى منزل
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمِنَى حيث ضُربت قُبَّتُه، فأَرسل رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم ◌َن سُقِ الهَدْىَ إِلى المَنحر! فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
ينحر الهَدْى بيدَيْه وأَنا أُقدّمها إِليه تَعْتَب فى العَقْل (٢) .
قالوا: ومرّ (٣) النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم برجلٍ يسوق بَدَنَة فقال: اركبْها
ويلك ! قال : إِنَّها بَدَنَة ! قال : اركبْها! وكان رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم يأمر المُشاة أَن يركبوا على بُدْنه .
قالوا : وكانت عائشة رضى الله عنها تقول: طيّبتُ لرسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم إحرامه بيدى. وكانت تقول: أَحرمتُ مع رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم وتطيَّبتُ، فلمّا كنَّا بالقاحة (٤) سال من الصُّفْرَة على وجهى
فقال : ما أحسنَ لونَكِ الآن يا شُقَيْراء. وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يُصِّى بين مكَّة والمدينة ركعتَيْن، آمناً لا يخاف إِلاَّ الله تعالى، فلمّا قدم
(١) الجلال : جمع جل، وجل الدابة: الذى تلبسه لتصان به. (لسان العرب، ج ١٣ ،
ص ١٢٥ ) .
(٢) العتب: المشى على ثلاث قوائم. (النهاية، ج ٣، ص ٦٤). وعقل البعير: ثنى
وظيفه مع ذراعه وشدها جميعاً فى وسط الذراع. (لسان العرب، ج ١٣، ص ٤٨٦).
(٣) فى الأصل: ((وأمر)).
(٤) القاحة: موضع على ثلاث مراحل من المدينة قبل مكة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٧).