Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٠٣٢ الله عليه وسلَّم بُرْدًا يُمْنَةِ (١)، وأَمر له بمنزِلٍ عند بِلال . وكتب رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأَهل جَرْباءَ وأَذْرُح هذا الكتاب: من محمّدٍ النبيِّ رسولِ الله لأَهل أَذْرُح؛ أَنَّهم آمنون بأَمان الله وأَمان محمّد، وأَنَّ عليهم مائة دينارٍ فى كلّ رجبٍ وافيةً طيّبة ، والله كفيلٌ عليهم . قال الواقدىّ: نسختُ كتاب أَذْرُح وإِذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمّدِ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأَهل أَذْرُح، أَنَّهم آمنون بأَمان الله وأمان محمّد ، وأَنَّ عليهم مائةَ دينارٍ فى كلّ رجبٍ وافيةً طيّبة ، والله كفيلٌ عليهم بالنُّصْح والإِحسان للمسلمين، ومَن لَجَأَ [إِليهم](٢) من المسلمين من المَخافة والتَّعزير إِذا خَشوا على المسلمين وهم آمنون، حتى يُحدث إليهم محمّدٌ قبل خروجه . قالوا: وكتب لأَهلِ مَقْنا (٣) أَنَّهم آمنون بأَمان الله وأمان محمّد، وأَنَّ عليهم رُبْعَ غُزولهم ورُبْعِ ثِمارهم . وكان عُبَيد بن ياسر بن نُمَير أَحد سعد الله (٤)، ورجلٌ من جُذامٍ أَحد بنى وائل، قدِما على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بتَبرك، فأَسلما وأعطاهما رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رُبْعَ مَقْنا ممّا يخرج من البحر ومن الثَّمر من نخلها، وَرُبْعِ الْمَغْزِل. وكان عُبَيد بن ياسر فارساً، وكان الجُذائىّ راجلاً، فأَعطى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فرسَ عُبَيد بن ياسر مائة ضَغيرة - والصَّغيرة : الحُلَّة - فلم يزل يُجرَى ذلك على بنى سعد، وبنى وائل إلى يوم الناس هذا. (١) اليمنة: بردة من برود اليمن. (الصحاح، ص ٢٢٢١). (٢) الزيادة من مجموعة الوثائق السياسية ( ص ٥٦). (٣) المقنا: قرب أيلة. (معجم البلدان، ج ٨، ص ١٢٨). (٤) فى الأصل: ((أحد سعا الله عز وجل). ١٠٣٣ ثم إِنَّ عُبَيد بن ياسر قدم مَقْنا وبها بهوديّة ، وكانت اليهوديّة تَقوم على فرسه ، فأَعطاها ستِّين ضّغيرةٍ من ضفائر فرسه ، فلم يزل يُجرَى على اليهوديّة حتى نُزِعت آخر زمان بنى أُمَيّة، فلم تُرَدّ إِليها ولا إلى ولد عُبَيد . وكان عُبَيد قد أَهدى النبيّ صلَّى اله عليه وسلَّم فرساً عَتيقاً يقال له مُراوِحٍ ، وقال : يا رسول الله، سابِقْ! فأَجرى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الخيلَ بتَبوك فسَبَق الفرسُ، فأَخذه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم منه ، فسأَله المِقْدادُ بن عمرو الفرس . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَين سَيْحَة ؟ فرس للمِقْداد قد شهد عليها بدرًا. قال: يا رسول الله عندى ، وقد كَبِرت وأَنا أَضِنّ بها للمواطن التى شهدتُ عليها ؛ وقد خلَّفتُها لُبُعد هذا السفر وشدّة الحرّ عليها ، فأردتُ أُحمّل هذا العرس المُعرِقِ عليها فتأُتيِى بِمُهْرِ . قال النبيّ صلَّىالله عليه وسلَّم: فذاك إِذًا! فقبضه المقْداد، فخَبِر منه صدقاً، ثم حمِّله على سَبْحَة فنتجت له مُهْرًا كان سابقاً يقال له الدَّيّال ، سبق فى عهد عمر وعُمان ، فابتاعه منه عُمان بثلاثين ألفاً . قالوا : ومرّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بتبوك يُريد حاجته ، فرأَى ناساً مجتمعين فقال : ما لهم ؟ قيل : يا رسول الله، بعيرٌ لِرافع بن مَكيث الجُهَنى، نحره فأَخذ منه حاجته، فخلّى بين الناس وبينه، فأَمْر رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم أن يردّ رافع ما أَخذ وما أَخذه الناس، ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: هذه نُهْبَةٌ لا تَحِلُّ ! قيل: يا رسول الله،، إِنَّ صاحبة أَذِن فى أَخْذه . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: وإن أذن فى أَخْذه ! قالوا : وجاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله، أَىّ الصدقة أفضل ؟ قال: ظِلُّ خباءٍ فى سبيل الله، أَو خِدْمَةُ خادمٍ فى سبيل الله ، أَو طَروقَة (١) فَحْلٍ فى سبيل الله. (١) طروقة: هى فعولة بمعنى مفعولة، أى مركوبة الفحل. (النهاية، ج ٣، ص ٣٦). ١٠٣٤ وكان جابر بن عبد الله يُحدّث يقول: كنَّا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى تَبوك فقال : اقطعوا قلائد الإِبل من الإِبل . قيل : يا رسول الله ، فالخيل ؟ قال: لا تُقلِّدوها(١) بالأَوتار. وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم استعمل على حَرَسه بتَبوك من يوم قدِمِ إِلى أَن رَحَل منها عَبّاد بن بِشر ، فكان عَبّاد بن بِشر يطوف على أصحابه فى العسكر ، فغداً على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً فقال : يا رسول الله، ما زلنا نسمع صوتَ تكبيرٍ مِن ورائنا حتى أصبحنا، فوَّيتَ أَحدنا يطوف على الحَرَس ؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ما فعلتُ، ولكن عسى أن يكون بعضُ المسلمين على خيلنا انتدب (٢) . فقال سِلْكان ابن سَلامة : يا رسول الله، خرجتُ فى عشرةٍ من المسلمين على خيلنا فكنًّا نَحْرُس الحَرَسَ. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: رحم الله حَرَسَ الحَرَسِ فى سبيل الله ! قال: فلكم قيراط من الأجر على كلّ مَن حَرَستم من الناس جميعاً أَو دابّةٍ . قالوا: وقدم نَفَرٌ من بنى سعد هُدَيم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا : يا رسول الله، إِنَّا قدمنا عليك وتركنا أَهلِنا على بئرٍ لنا، قليلٍ ماوُّها.، وهذا القَيْظ.، ونحن نخاف إِن تفرّقنا أَن نُقْتَطع؛ لأَن الإِسلام لم يَفْشُ حولَنا بعدُ، فادعُ الله لنا فى ماءِ بئرنا، وإِن روينا به فلا قومَ أَعُزُّ منَّا، لا يَعْبُر بنا أَحدٌ مُخالِفٌ لِدِيننا. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَبلغولى حَصَيات ! فتناولت ثلاثَ حَصَيات فدفعتُهنّ إِليه ، فَفَرَكَهنّ بيده (١) قال ابن الأثير : قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار، أى قلدوها طلب أعداء الدين والدفاع عن المسلمين، ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية وذحولها التى كانت بينكم . والأوتار: جمع وتر بالكسر، وهو الدم وطلب الثأر. (النهاية ، ج ٣ ، ص ٢٧٢) . (٢) انتدب: أى أجاب. (الصحاح، ص ٢٢٣). ١٠٣٥ ثم قال : اذهبوا بهذه الحَصَيات إلى بشركم فاطرحوها واحدةٌ واحدةٌ وسمّوا الله . فانصرفوا من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ففعلوا ذلك فجاشت بئرُهم بالرَّواءِ(١) ، ونَفَوا مَن قاربهم من المشركين ووَطِئوهم ، فما انصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة حتى أَوطأوا مَن حولهم عليه ودانُوا بالإِسلام . قالوا: وكان زيد بن ثابت يُحدّث يقول: غزونا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تَبوك، فكنًّا نشترى ونبيع، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يرانا ولا ينهانا . قال : وكان رافع بن خديج يُحدّث يقول: أَقمنا بتَبوك المَقام فأَرملنا من الزاد وقَرِمنا (٢) إلى اللحم ونحن لا نجده، فجئت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقلت: يا رسول الله، إِنَّ اللحم ها هنا، وقد سأَلتُ أَهلَ البلد عن الصيد فذكروا لى صيدًا قريباً - فأشاروا إلى ناحية المغرب- فأذهبُ فأَصيدُ فى نَفَرٍ من أصحابى؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِن ذهبت فاذهبْ فى عِدَّةٍ من أَصحابك، وكونوا على خيلٍ ، فإِنَّكم تتفرَّقون من العسكر. قال : فانطلقتُ فى عشرةٍ من الأَنصار فيهم أَبو قتادة - وكان صاحبَ طَرْدٍ بالرمح وكنت رامياً - فطلبنا الصيد فأدركنا صيدًا، فقتل أَبو قتادة خمسة ا أَحْمِرَة (٣) بالرمح على فرسه، ورميت قريباً من عشرين ظبياً ، وأخذ أصحابنا البْبِيْز والثلاثة والأربعة، وأخذنا نَعامة طردناها على خيلنا. ثم رجعنا إلى العسكر ، فجئناهم عِشاءً ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يسأل عنَّا: من (١) فى الأصل: ((بالروايا)). وماء رواء: أى عذب. (الصحاح، ص ٢٣٦٥) (٢) قرمت إلى اللحم: إذا اشتهيته. (الصحاح، ص ٢٠٠٩). (٣) فى الأصل: ((أحمر)). ١٠٣٦ جاءوا بعدُ ؟ فجئنا إليه فأَلقينا ذلك الصيد بين يديه فقال: فَرِّقوه فى أَصحابكم ! قلت : يا رسول الله، أَنت مُرْ به رجلاً ! قال : فأَمر رافع بن خديج . قال : فجعلت أُعطى القبيلة بأَسْرها الحمارَ والظبى، وأُفرّق ذلك حتى كان الذى صار لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ظىٌ واحدٌ مذبوح ، فأَمر به فطُبِخ، فلمّا نَضِج دعا به - وعنده أَضياف - فأَكلوا . ونهانا بعدُ أَن نعود وقال : لا آمن . أَو قال : أَخاف عليكم . حدّثنى ابن أَبى سَبْرَة ، عن موسى بن سَعيد ، عن عِرْباض بن سارية قال: كنت أَلْزَم بابَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى الحَضَر والسَّفَر، فرأيتنا (١) ليلةً ونحن بتبوك وذهبنا لحاجةٍ، فرجعنا إلى منزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وقد تَعشَّى ومَن عنده من أَضيافه، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُريد أن يدخل فى قُبَّته ومعه زوجته أُمّ سَلَمَة بنت أَبِى أُمَيّة، فلمّا طلعتُ عليه قال : أين كنت منذ الليلة ؟ فأخبرته، فطلع جِعال بن سُراقة ، وعبد الله بن مُغَفَّل المُزَنِىّ - فكنًّا ثلاثة، كلُّنا جائعٌ، إنما نعيش بباب النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم - فدخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم البيت فطلب شيئاً نأكله فلم يجده ، فخرج إلينا فنادى بلالاً : يا بلال ، هل من عَشاءٍ الهؤلاء النفر؟ قال: لا والذي بعثك بالحقّ، لقد نَفَضْنا جُرُبنا وحُمُتَنا (٢). قال : انظر ، عسى أن تجد شيئاً، فأَخذ الجُرُبِ يَنفُضها جِراباً جِراباً ، فَتَقَع النَّمرة والنَّمرتان، حتى رأيت بين يديه سبع تمرات، ثم دعا بصَحْفَةٍ فوضع فيها التمر ، ثم وضع يده على التمرات وسمّى الله وقال : كلوا بسم الله ! (١) فى الأصل: ((فرأينا ليلة)). (٢) الحمت: جمع حميت، وهو النحى والزق الذى يكون فيه السمن. (النهاية، ج ١ ، 1 ص: ٢٠٦) . ١٠٣٧ فَأَكلنا فأَحْصَيت أربعة وخمسين تمرةً أَكلتها ، أَعُدُّها وذَواها فى يدى الأُخرى، وصاحباى يصنعان ما أَصنع، وشَبِعنا وأَكل كلُّ واحدٍ منَّا خمسين تمرة ، ورفعنا أَيدينا فإذا التمرات السبع كما هى، فقال : يا بِلال ، ارفعْها فى ◌ِرابك، فإِنَّه لا يأكل منها أَحَدٌ إِلاَّ نَهِل ◌ِشِبَعاً. قال: فبينا نحن حول قُبَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فكان يتهجّد من الليل ، فقام تلك الليلة يُصلّى، فلمّا طلع الفجر ركع ركعتى الفجر، وأَذَّن بِلال وأقام فصلَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالناس، ثم انصرف إلى فِناءِ قُبَّته ، فجلس وجلسنا حوله فقراً من ((المؤمنين)) عشرًا(١) ، فقال : هل لكم فى الغَداء ؟ قال عِرْباض : فجعلت أَقول فى نفسى : أَىّ غداء ؟ فدعا بِلال بالتمر ، فوضع يده عليه فى الصَّحْفَة ثم قال : كلوا بسم الله ! فأَكلنا - والذى بعثه بالحقّ - حتى شَبِعنا وإنا لَعشرة ، ثم رفعوا أيديهم منها شبعاً وإذا التمرات كما هى. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لولا أَنَّى أَسْتَحيى من ربّى لأَكلنا من هذا التمر حتى نَرد المدينة عن آخرنا. وطلع غُلَيِّمٌ من أهل البلد، وأَخذ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم التمرات بيده فدفعها إليه ؛ فرِلَّ الغلام يَلوَكُهنَّ. فلمّا أَجمع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المسير من تَبوك أُرمل الناسُ إِرمالاً شديدًا ، فشَخَص على ذلك الحال حتى جاءَ الناس إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستأذنونه (٢) أَن يَنْحَروا رِكابهم فيأكلوها، فأُذِن لهم ؛ فلقيهم عمر بن الخطَّب رضى الله عنه وهم على نَحْرها، فأَمرهم أَن يُمسكوا عن نَحْرِها، ثم دخل على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى خيمةٍ له فقال: أَذِنْتَ للناس فى نحر حَمولتهم يأكلونها؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: شَكَوْا إِلىّ ما بلغ منهم الجوعُ فأَذنتُ لهم، يَنْحَرِ الرُّفْقَةُ البعير والبعيرَيْن، ويتعاقبون (١) فى الأصل: ((عشرة)). .(٢) فى الأصل: ((يستاذنوا)). ١٠٣٨ فيما فَضَل من ظَهْرهم ، وهم قافلون إلى أهليهم . فقال : يا رسول الله، لا تفعل! فإن يكن للناس فَضْلٌ من ظَهْرهم يكن خيرًا، فالظَّهْر اليوم رِقاق(١)، ولكن ادعُ بفَضْل أَزوادهم ثم اجمعْها فادعُ الله فيها بالبركة كما فعلتَ فى مُنصرَقنا من الحُدَيبية حيث أَرملنا، فإِنَّ الله عزَّ وجلّ يستجيب لك ! فنادى مُنْادى رسول الله: مَن كان عنده فَضْلٌ من زادٍ فَلْيأْتِ به ! وأَمر بالأَنطاع فُبُسِطت ، فجعل الرجل يأتى بالمُدّ الدَّقيق والسَّويقِ والتمر ، والقبضة من الدَّقيق والسَّبويق والتمر والكِسَر. فيُوضّع كلُّ صِنْفٍ من ذلك على حِدَة ، وكلّ ذلك قليل ، فكان جميعُ ما جاءوا به من الدَّقيقِ والسَّويق والتمر ثلاثة أَفراقٍ (٢) حَزْرًا. ثم قام فتوضَّأَ وصلَّى ركعتين، ثم دعا الله عزَّ وجلّ أَن يُبارك فيه . فكان أربعة من أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُحدّثون جميعاً حديثاً واحدًا، حضروا ذلك وعاينوه: أَبو هُرَيرة، وأَبو حُمَيد الساعدىّ، وأبو زُرْعَة الجُهَنِىّ مَعْبَد بن خالد، وسَهل بن سعد الساعديّ ، قالوا : ثم انصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ونادى مُناديه: هَلُمّوا إلى الطعام ، خذوا منه حاجتكم! وأقبل الناس، فجعل كلّ مَن جاءَ بوِعاءٍ مَلَأَّه. فقال بعضُهم: لقد طَرَحَتُ يومئذٍ كِسْرَةً من خبزٍ وقبضةً من تمر ، ولقد رأَيتُ الأَنطاع تَفيض، وجئتُ بجِرابَيْن فملأُتُ إحداهما سَويقاً والآخرَ خبزًا ، وأخذتُ فى ثوبى دقيقاً، ما كفانا إلى المدينة . فجعل الناس يتزوَّدون الزاد حتى ذَهِلوا عن آخرهم ، حتى كان آخر ذلك أَن أُخِذت الأَنطاع ونُشِر ما عليها . فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول وهو واقف: أشهد أن لا إله إلَّا (١) الرقاق: جمع رقيق، أى ضعيف. (لسان العرب ، ج ١١، ص ٤١٢). (٢) الأفراق: جمع فرق، وهو مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع، أو يسع ستة عشر رطلا ، أو أربعة أرباع. والحزر: التقدير والخرص. (القاموس المحيط ، ج ٣، ص٤٢٧٤ ج ٢، ص ٨). ١٠٣٩ الله، وأَنّى عبدُه ورسولُه، وأشهد أَنَّه لا يقولها أَحدٌ من حقيقة قلبه إِلَّ وَقاه الله حَرَّ النار . وأقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قافلاً حتى إذا كان بين تَبوكَ ووادٍ يقال له وادى الناقة - وكان فيه وَشَلُ (١) يخرج منه فى أسفله قَدْرُ ما یروی الراكبَيْن أَو الثلاثة - فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: منَ سَبَقنا إِلى ذلك الوَشَل فلا يَسْتَقِيَنَّ منه شيئاً حتى نأتى! فسَبَق إليه أربعةٌ من المنافقين: مُعَنِّب بن قُشَيرِ (٢) ، والحارث بن يزيد الطائىّ، حليفٌ فى بنى عمرو بن عَوف ، ووَديعة بن ثابت ، وزيد بن اللُّصَيت. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَلم أَنْهَكُم ؟ ولعنهم ودعا عليهم ، ثم نزل فوضع يده فى الوَثّل، ثم مسحه بإصبعه حتى اجتمع فى كفِّه منه ماءٌ قليل، ثم نَضَحه (٣) ، ثم مسحه بيده ، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، فانخرق (٤) الماءُ. قال مُعاذ ابن جَبَل : والذي نفسي بيده، لقد سمعت له شدّة فى انحرافه مثل الصَّواعق! فشرب الناس ما شاءوا ، وَسَقَوْا ما شاءوا، ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : لئن بقيتم - أَو بقى منكم - لتسمعنَّ بهذا الوادى وهو أُخضب ممّا بين يديه وممّا خلفه ! قال: واستقى الناس وشربوا. قال سَلَمَة بن سَلامة ابن وَقش : قلت لوديعة بن ثابت: وَيْلك، أَبَعْدَ ما تَرى شىءٍ ؟ أَما تعتبر ؟ قال : قد كان يُفعَل مثل هذا قبل هذا ! ثم سار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . (١) الوشل: حجر أو جبل يقطر منه الماء قليلا قليلا، والوشل أيضاً: القليل من الماء. (شرح أبى ذر ، ص ٤٢٥) . (٢) فى الأصل: ((معتب بن قيس))؛ والتصحيح عن البلاذرى. (أنساب الأشراف، ج ١، ص ٢٧٦). وعن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ١٧٤). (٣) نضحه: أى رشه. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٥٣). (٤) انخرق: اشتد واتسم. (لسان الغرب، ج ١١، ص ٣٦٠). ٠ ١٠٤٠ قال : حدّثنى عُبيد الله بن عبد العزيز، أَخو عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صَعْصَعَة المازنىّ، عن خَلَّد ابن سُوَيَد، عن أبى قتادة، قال: بينما نحن مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نسير فى الجيش ليلاً ، وهو قافلٌ وأَنا معه، إِذ خَفَق خَفْقَةٌ وهو على راحلته ، فمال على شِقِّه، فدنوتُ منه فَدَعَمْتُه (١) فانتبه، فقال : من هذا ؟ قلت: أبو قتادة يا رسول الله، خِفت أن تسقط. فدعمتُك. فقال: حَفِظك الله كما حفظتَ رسول الله ! ثم سار غير كثير ، ثم فعل مثلها ، فدعمته فانتبه فقال: يا أَبا قَتَادة ، هل لك فى التَّعريس (٢) ؟ فقلت: ما شئتَ يا رسول الله! فقال : انظرمَن خلفك! فنظرت فإذا رجلان أَوثلاثة، فقال: ادعُهم! فقلت : أَجيبوا رسولَ الله! فجاءوا فعرّسنا ونحن خمسةٌ برسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ، ومعى إِداوَة فيها ماءٌ وَرَكْوَةٍ (٣) إلى أَشرب فيها؛ فنمنا فما انتبهنا إِلَّ بحرّ الشمس، فقلنا: إنَّا لِلّه! فاتنا الصُّبْح ! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: لنغيظنَّ الشيطان كما أَغاظنا. فتوضّأَ من ماءِ الإِدارة ففضّل فضلة فقال : يا أَبا قتادة، احتفِظ. بما فى الإِدارة والرَّكْوَة فإِنَّ لها شأناً، ثم صلَّى بنا الفجر بعد طلوع الشمس فقراً بالمائدة ، فلما انصرف من الصلاة قال : أَما إنّهم لو أَطاعوا أبا بكرٍ وعمر دَرَشِدوا . وذلك أَنَّ أبا بكر وعمر أرادا أَن ينزلا بالجيش على الماء ، فأَّبَوًّا ذلك عليهما ، فنزلوا على غير ماءٍ بفَلاةٍ من الأرض. فركب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلحق الجيش عند زوال الشمس ونحن معه، وقد كادت تُقْطَع أعناقُ الرجال والخيل عَطَشاً ، فدعا رسول الله صلّى (١) دعمه: أى أسندته. (النهاية، ج ٢، ص ٢٣) (٢) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. (النهاية، ج ٣، ص ٨٠). (٣) الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء. (النهاية، ج ٢، ص ١٠١). ١٠٤١ الله عليه وسلَّم بالرَّكْوَة فأَفرغ ما فى الإِداوة فيها، فوضع أَصابعه عليها فنَبَع الماءُ من بين أصابعه. وأَقبل الناس فاستقَوْا، وفاض الماء حتى تَرَوَّوًا، وأُرَوَوْا خيلهم ورِ كابهم ، فإن كان فى العسكر اثنا عشر ألف بعير - ويقال: خمسة عشر ألف بعير - والناس ثلاثون ألفاً، والخيل عشرة آلاف . وذلك [قول النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأبى قتادة: احتفِظ. بالرَّحْوَة والإدارة! وكان فى تبوكَ أَربعةُ أَشياء: فبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يسير منحدِرًا إلى المدينة - وهو فى قَيظ. شديد - عَطِش العسكر بعد المرّتين الأُولَيَيْن عَطَشاً شديدًا حتى لا يوجد للشَّفَة ماء قليلٌ ولا كثير، فشكَوْا ذلك إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأرسل أُسَيد بن خُضَير، فى يومٍ صائفٍ وهو مُتَلَثُّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم : عسى أن تجد لنا ماء . فخرج - وهو فيما بين الحِجْر وتَبوك - فجعل يضرب فى كلّ وجه، فيجد راوِيَةً من ماءٍ مع امرأةٍ من بَلِيّ، وكلَّمها أُسَيد فخبّرها بخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالت: هذا الماء ، فانطلق به إلى رسول الله! وقد وضعت لهم الماء وبينهم وبين الطريق هُنَيَّة، فلمّا جاءَ أُسَيد بالماءِ دعا فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بالبركة ، ثم قال: هَلُمّوا أَسقيتكم ! فلم يبق معهم سِقاءُ إِلاَّ مَلَأُّوه ، ثم دعا برٍ كابهم وخيولهم فسقَوْها حتى نَّهِلت . ويقال: إنما أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بما جاءَ به أُسَيد وصبّه فى قَعْبٍ عظيمٍ من عِساس(١) أهل البادية ، فأَدخل رسول الله صلّى اللهعليه وسلّم فيه يده، وغسل وجهه ويديه ورجليه، ثم صلَّى ركعتين ، ثم رفع يديه مَدًّا، ثم انصرف وإِنَّ القَعْب لَيغور . فقال رسول (١) المساس: جمع العس بالضم، وهو القدح الكبير. (النهاية، ج ٣، ص ٩٥). ١٠٤٢ الله صلَّى الله عليه وسلَّم للناس: زَوِّدوا ! فاتَّسع الماء ، وانبسط الناس حتى يصفّ عليه المائة والمائتان، فأَروَوْا، وإِنَّ القَعْب ديجيش بالرَّواء، ثم راح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُبْرِدًا مُتَرَوِّياً من الماء .. قال : وحدّثنى أسامة بن زيد بن أسلم ، عن أبى سَهل ، عن عِكْرِمَة ، قال : خرجت الخيل فى كلّ وجهٍ يطلبون الماءَ، وكان أَوّل من طلع به وبخّبَره صاحبُ فرسٍ أَشقر ، ثم الثانى أشقر ، ثم الثالث أُشقر ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اللَّهمّ، بارك فى الشُّقْر ! قال : حدثنى عبد الله بن أَبى معُبَيدة وسعد بن راشد ، عن صالح بن كَيسان ، عن أبى مُرّة مولى عَقيل ، قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: خير الخيل الشُّقْرُ. قالوا : لمّا كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ببعض الطريق مَكَر به أُناسٌ من المُنافقين وائتمروا أَن يَطرحوه من عَقَبَةٍ فى الطريق. فلمّا بلغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تلك العَقّبَة أرادوا أن يسلكوها معه فأُخبِر رسولُ الله صلَى الله عليه وسلَّم خَبَرَهم، فقال للناس : اسلكوا بَطْنَ الوادى، فإِنَّه أَسهل لكم وأوسع ! فسلك الناس بَطْنَ الوادى وسلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم العَقَبَة، وأَمر عَمّار بن ياسر أَن يأُخذ بزِمام الناقة يقودها ، وأمر حُذيفة بن اليمان يسوق من خَلْفه. فبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يسير فى العَقَبَة إِذ سمع حِسّ القوم قد غَشوه ، فغضب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأمر حُذَيفة أن يردّهم، فرجع حُذيفة إليهم وقد رأَوا غَضَب رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم، فجعل يضرب وجوه رواحلهم بمِحْجَنٍ فى يده . وظنّ القوم أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أُطلِع على مَكْرهم، فانْحَطُوا من العَقَبَة مُسرعين حتى خالطوا الناس، وأقبل حُذَيفة حتى أَتى رسولَ الله -- ١٠٤٣ صلَّى الله عليه وسلَّم فساق به . فلمّا خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من العَقَبَة نزل الناس، فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا حُذيفة ، هل عرفتَ أَحدًا من الرَّكْب الذين رددتَهم ؟ قال : يا رسول الله ، عرفتُ راحلةَ فلان وفلان ، وكان القوم مُتَلَثِّمين فلم أُبصِرهم من أجل ظُلمة الليل. وكانوا قد أَنفروا بالنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فسقط بعض متاع رحله ، فكان حمزة بن عمرو الأَّسلمىّ يقول: فَنُوِّر لى فى أصابعى الخمس فأُضِئْنَ حتى كنا نجمع ما سقط. من السَّوط والحَبْل وأشباههما ، حتى ما بقى من المتاع شىءٌ إلَّا جمعناه. وكان لحق النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فى العَقَبَة. فلمّا أَصبح قال له أُسَيد بن الحُضَير : يا رسول الله ، ما منعك البارحة من سُلوك الوادى ، فقد كان أَسهل من العَقَبَة ؟ قال : يا أَبا يحيى ، أَندرى ما أَراد البارحة المُنافقون وما اهتمّوا به ؟ قالوا : نتبعه فى العَقَبَة ، فإِذا أَظلم الليل عليه قطعوا أَنْساع(١) راحلتى ونَخَسوها حتى يطرحونى من راحلتى. فقال أُسَيد : يا رسول الله، فقد اجتمع الناسُ ونزلوا، فمُرْ كلَّ بَطْنٍ أن يقتل الرجل الذى همّ بهذا ، فيكون الرجل من عشيرته هو الذى يقتله ، وإِن أحببتَ ، والذي بعثك بالحقّ ، فنبّئْنى بهم ، فلا تبرح حتى آتيكم برءوسهم، وإِن كانوا فى النَّبيت (٢) فكَفَيْتُكَهم، وأَمرتَ سيّدَ الخزرج فكفاك مَن فى ناحيته، فإِنَّ مِثل هؤلاء يُتْرَ كون يا رسول الله ؟ حتى متى نُداهتهم وقد صاروا اليومَ فى القِلَّة والدّلَّة، وضَرَب الإِسلام بجِرانه (٣) ! فما (١) الأنساع: جمع نسعة، وهى سير مضفور يجعل زماماً للبعير وغيره. (النهاية، ج ٤ . ص ١٤٠ ) . (٢) أى فى ولد النبيت، وهو عمرو بن مالك بن أوس. انظر البلاذرى. (أنساب الأشراف، ج ١، ص ٢٨٧) . (٣) أى قر قراره واستقام، كما أن البعير إذ برك واستراح مد عنقه على الأرض. (النهاية ج ١، ص ١٥٨) . ١٠٤٤ يُستَبقى من هؤلاء؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لِأُسَيد: إِنِّى أكره أن يقول الناسُ إِنَّ محمّدًا لمّا انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده فى قتل أصحابه ! فقال : يا رسول الله ، فهؤلاء ليسوا بأصحاب ! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَليس يُظهرون شهادة أن لا إله إلاَّ الله ؟ قال: بلى ، ولا شهادةَ لهم ! قال : أَليس يُظهرون أَنِّى رسول الله ؟ قال : بلى ، ولا شهادةَ لهم ! قال : فقد نُهِيتُ عن قَتْل أُولئك . قال: حدّثنى يعقوب بن محمّد، عن رُبَيح (١) بن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخُدْرِىّ، عن أبيه، عن جدّه ، قال: كان أَهلِ العَقّبَة الذين أَرادوا بالنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثةَ عشر رجلاً، قد سمّاهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحُذَيفة وعَمّار رحمهما الله . قال : حدّثنى ابن أبى حَبيبة ، عن داود بن الحُصَين ، عن عبد الرحمن ابن جابر بن عبد الله، عن أبيه، قال: تنازع عَمّار بن ياسر ورجلٌ من المسلمين فى شىءٍ فاستبًا ، فلمّا كاد الرجل يعلو عَمّارًا فى السّباب قال عَمّار : كم كان أصحاب العَقّبَة ؟ قال : الله أعلم . قال : أخبرني عن علمكم بهم! فسكت الرجل، فقال مَن حضر: بَيِّنْ لصاحبك ما سأَلك عنه! وإِنما يُريد عَمّار شيئاً قد خَفِى عليهم ، فكره الرجل أَن يُحدّثه ، وأَقبل القوم على الرجل فقال الرجل : كنا نتحدّث أنَّهم كانوا أربعة عشر رجلًا . قال عَمّار: فإنَّك إن كنت منهم فهم خمسةَ عشر رجلاً ! فقال الرجل : مهلاً، أَذكركِ الله أَن تَفضحنى! فقال عَمّار: واللهِ ما سمّيتُ أَحدًا ، ولكنى أَشهد أَنَّ الخمسة عشر رجلاً، اثنا (٢) عشر منهم حَرْبٌ لله ولرسوله ١ (١) فى الأصل: ((رشح))؛ وما أثبتناه مضى من قبل. (٢) فى الأصل: ((اثنى عشر)). ١٠٤٥ فى الحياة الدنيا؛ ويوم يقوم الأشهاد، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾(١) . قال: حدّثْنِى مَعْمَر بن راشد ، عن الزُّهرِىّ، قال : نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن راحلته، فأُوحى إليه وراحلته باركة ، فقامت راحلته تجرّ زمامها حتى لقيها حُذيفة بن اليَمَان فأَخذ بزِمامها فاقتادها حين رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً ، فأَناخها ثم جلس عندها حتى قام النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأَتاه فقال: من هذا؟ قال: أَنَا حُذَيفة. فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم: فإنى مُسِرٍّ إِليك أَمرًا فلا تَذكُرَنَّه، إنى نُهِيتُ أَن أُصِّى على فلان، وفلان، وفلان - رهطٌ. عدّة من المنافقين - ولا يُعلِم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذِكْرَهم لأَحدٍ غير حُذيفة. فلمّا تُوفِّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، كان عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فى خلافته إِذا مات رجلٌ ممَّن يظنُّ أَنَّه من أولئك الرهط. أَخذ بيد حُذيفة فقاده إلى الصلاة عليه فإِن مشى معه حُذَيفة صلَّى عليه عمر ، وإن انتزع يده وأبى أن يمشى انصرف معه . قال : حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن سُلَيمان بن سُحَيمٍ ، عن نافع بن جُبير ، قال: لم يُخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أحدًا إِلاَّ حُذيفة، وهم اثنا عشر رجلاً ليس فيهم قرشىّ. وهذا الأَمرِ المُجتمَع عليه عندنا . قال : حدّثنى عبد الحَميد بن جَعْفَر ، عن يزيد بن رُومان ، قال : أقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى نزل بذى أَوان (٢) ، وقد كان جاءَه أصحاب مسجد الضّرار ، جاءوا خمسة نَفَر منهم: مُعَتِّب بن قُشَير ، وثعلبة ابن حاطب ، وخِذام بن خالد ، وأَبو حَبيبة بن الأَزْعَر ، وعبد الله بن نَبْتَل (١) سورة ٤٠ غافر ٥٢ (٢) ذو أوان: موضع على ساعة من المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٥٠). ١٠٤٦ ابن الحارث . فقالوا : يا رسول الله، إِنَّا رُسُل مَن خَلْفَنا من أصحابنا ، إِنَّا قد بَنَينا مسجدًا لذى القِلَّة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشائيَّة، ونحن نُحِبّ أَن تأتينا فتُصَلَّ بنا فيه! ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يتجهَّز إلى تبوك. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنىّ على جَناح سَفَرٍ وحالٍ ◌ُغْل ، ولو قدمنا إن شاءَ الله أَتيناكم فصلَّينا بكم فيه . فلمّا نزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بذى أَوانٍ راجعاً من تَبوك أَتَاه خَبَرُهُ وَخَبَرُ أَهله من السماء، وكانوا إِنما بَنَوْه ؛ قالوا بينهم: يأتينا أَبو (١) عامرٍ فيتحدّث عندنا فيه ، فإِنَّه يقول: لا أستطيع آتى مسجدَ بنى عمرو بن عَوْف، إِنما أصحاب رسول الله يَلح وننا بأَبصارهم. يقول الله تعالى: ﴿وَإِرْصادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾(٢) يعنى أَبا عامر. فدعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عاصم بن عَدىّ العَجْلانىّ ، ومالك بن الدُّخْتُمِ السَّالِمِىّ ، فقال : انطلِقا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه فاهْدِماه ثم حَرِّقاه ! فخرجا سريعَيْن على أقدامهما حتى أَتيا مسجد بنى سالم ، فقال مالك بن الدُّخْتُم لعاصم بن عَدى : أَنْظِرْنى حين أَخرج إليك بنارٍ من أَهلى. فدخل إلى أهله فأخذ سَعَفاً من النَّخْل فأَشعل فيه النار. ثم خرجا سريعَيْن يعدُوَان حتى انتهيا إليه بين المغرب والعشاء وهم فيه ، وإِمامهم يومئذٍ مُجَمع بن جارية (٣)، فقال عاصم: ما أنسى تشرّفهم إلينا كأنَّ آذانهم آذان السرحان (٤). فأحرقناه حتى احترق ، وكان الذى ثبت فيه من بينهم زيد بن جارية بن عامر حتى احترقتْ أَلْيَتُه ، فَهَدَمناه حتى وضعناه بالأرض . وتفرّقوا . (١) أى أبو عامر الراهب الفاسق. (٢) سورة ٩ التوبة ١٠٧ (٣) فى الأصل: ((حارثة))؛ وما أثبتناه عن كل مراجع السيرة الأخرى. (٤) السرحان: الذئب. (الصحاح، ص ٣٧٤). ١٠٤٧٫ فلمّا قدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة عرض على عاصم بن عَدىّ المسجدَ يتَّخذه دارًا - وكان من دار وَديعة بن ثابت ودار أَبِى عامر إلى جنبهما فأَحرقوهما معه - فقال : ما كنت لأَنَّخذَ مسجدًا قد نزل فيه ما نزل دارًا ؛ وإِنَّ بى عنه لَغِىَ يا رسول الله! ولكن أَعطِه ثابتَ بن أَقرم فإنَّه لا منزلَ له. فأعطاه ثابتاً. وكان أَبو لُبابة بن عبد المُنذر قد أَعانهم فيه بِخَشَب ، وكان غيرَ مغموصٍ (١) عليه فى النِّفاق، ولكنه قد كان يفعل أُمورًا تُْرَه له. فلمّا هُدِم المسجد أَخذ أَبو لُبابة خَشَبه ذلك فبنى به منزلاً ، وكان بيته الذى بناه إِلى جنبه . قال: فلم يُولَد له فى ذلك البيت مولودٌ " قَطُ.، ولم يقف فيه حَمامٌ قَطُ، ولم تَحْضُن(٢) فيه دجاجةٌ قَطُّ .. وكان الذين بَذَوْا مسجد الضّرار خمسة عشر رجلاً: جارية (٣) بن عامر بن العَطَّاف .- وهو حِمار(٤) الدار - وابنه مُجمِّع بن جارية (٣) وهو إمامهم، وابنه زيد بن جارية (٣) - وهو الذى احترقت أَلْيَتُه فأَبِى أَن يخرج - وابنه يزيد بن جارية (٣)، ووَديعة بن ثابت، [ وخِذام بن خالد ] ومن داره أُخرج ، وعبد الله بن نَبْتَل، وبِجاد بن عُمان، وأَبو حَبيبة بن الأَزْعَر، ومُعَنِّب بن قُشَير ، وعَبّاد بن حُنَيف ، وثعلبة بن حاطب . . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : زمامٌ خير من خِذام، وسوطٌ. خير من بِجاد! وكان عبد الله بن نَبْتَل - وهو المُخبِّر بخَبَره - يأتى رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم فيسمع حديثَه ثم يأتى به المُنافقين ، فقال جبريل (١) أى غير مطعون فى دينه متهم بالنفاق. (النهاية، ج ٣، ص ١٧١). (٢) أى لم ترخم عليه للتفريخ. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢١٥). (٣) فى الأصل: ((حارثة))؛ وما أثبتناه عن كل مراجع السيرة الأخرى. (٤) وكان يعرف بحمار الدار كما ذكر السهيلى. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٣٢٢). ١٠٤٨ عليه السلام : يا محمّد ، إِنَّ رجلاً من المنافقين يأتيك فيسمع حديثك، ثم يذهب به إلى المُنافقين. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَيّهم هو ؟ قال: الرجل الأَسود ذو الشِّعَر الكثير ، الأحمر العينين كأنهما قِدْران من صُفْرِ(١) ، كَبِدُه كَبِد حِمارٍ فينظر بعين شيطان . وكان عاصم بن عَدِىّ يُخبر يقول: كنّا نتجهّز إِلى تَبوكَ مع النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم فرأَيت عبد الله بن نَبْتَل، وثعلبة بن حاطب قائمَيْن على مسجد الضّرار ، وهما يُصلحان ميزاباً قد فرغا منه ، فقالا : يا عاصم ، إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد وعدنا أَن يُصِّى فيه إِذا رجع . فقلت فى نفسى: واللهِ، ما بَنى هذا المسجدَ إِلَّا مُنافقٌ معروفٌ بالنِّفاق، أَسّسه، أَبو حَبيبة بن الأَزْعَر ، وأُخرج من دار خِذام بن خالد ، وَوَّديعةُ بن ثابت فى هؤلاء النفر - والمسجد الذى بنَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيده يُؤَسّسه جبريل عليه السلام يؤمّ به البيت - فواللهِ ما رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمّه، وذمّ أَهفه الذين جمعوا فى بنائه وأَعانوا فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا﴾(٢) إِلى قوله ﴿يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ). قالوا: كانوا يستنجون بالماء. ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى النَّقْوَى﴾(٣)؛ قال: يعنى". مسجد بنى عمرو بن عَوف بقُباء، ويقال: عَنَى مسجدَ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالمدينة. قال: وقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم": نِعَّمَ الرجلُ منهم عُوَيمُ بن ساعدة! وقيل لعاصم بن عَدىّ : ولِمَ أَرادوا بناءَه ؟ قال : كانوا يجتمعون فى مسجدنا، فإنما هم يَتناجَون فيما بينهم ويَلتفت بعضُهم إلى بعض، (١) الصفر بالضم: الذى تعمل منه الأوانى. (الصحاح، ص ٧١٤). (٢) سورة ٩ التوبة ١٠٧ (٣) سورة ٩. التوبة ١٠٨ ١٠٤٩ فيَلحَظهم المسلمون بأبصارهم ، فشقّ ذلك عليهم وأرادوا مسجدًا يكونون فيه لا يَغشاهم فيه إِلَّا مَنِ يُريدون ممّن هو على مثل رأيهم . فكان أبو عامر يقول: لا أقدر أَن أَدخلَ مِرْبَدَكم (١) هذا! وذاك أَنَّ أَصحاب محمّد يَلحَظونى وينالون منى ما أكره. [قالوا: ] نحن نبنى مسجدًا تتحدّث فيه عندنا . قالوا : قال كعب بن مالك : لمّا بلغنى أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم توجّه قافلاً من تَبوكَ حضرنى [بَِّى] (٢) فجعلت أَتذكَّرِ الكَذِب وأقول : بماذا أخرج من سَخّط. رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غدًا؟ وأستعين على ذلك كلِّ ذى رأىٍ من أَهلى ، حتى ربّما ذكرتُه للخادم رجاء أَن يأُتينى شىءٌ أَستريح إليه ، فلمّا قيل إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَظلّ قادماً ، زاح عنى الباطلُ، وعرفتُ أَنّ لا أَنجو منه إِلَّ بالصِّدق، فأَجمعت أَن أَصدُقه . وصبّح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة، وكان إِذا قدم من سَفَرٍ بدأً بالمسجد فركع فيه ركعتَيْن ثم جلس للناس ، فلمّا فعل ذلك جاءَه المُخلَّفون فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَلانيتهم وأيمانهم، ويكِل سَرائرهم إلى الله تعالى . ويقال من غير حديث كعب : إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لمّا نزل بذى أوانٍ خرج عامّةُ المُنافقين الذين كانوا تخلَّفوا عنه ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا تُكلِّموا أحدًا منهم تخلّف عنّا ولا تُجالسوه حتى آذنَ لكم . فلم يُكلِّموهم ، فلمّا قدم المدينة جاءه المُعَذِّرون يحلفون له، وأعرض عنهم، وأعرض المؤمنون عنهم حتى إِنَّ الرجل لَيُعْرض عن أبيه وأَخيه وعمّه. فجعلوا يأتون النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ويعتذرون إِليه بالحُمَّى (١) المربد: الموضع الذى تحبس فيه الإبل والغنم. (النهاية، ج ٢، ص ٥٨). (٢) الزيادة من ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ١، ص ١٧٧). ١٠٥٠ والأسقام ، فيرحمهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقبل منهم علانيتهم وأيمانهم ، وحلفوا فصدّقهم واستغفر لهم، ويَكِل سَرائرهم إلى الله عزَّ وجلّ. قالوا : وقال كعب بن مالك: فجئت النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم وهو جالس فى المسجد، فسَّمت عليه، فلمّا سلَّمت عليه تبسّم تبسُّمَ المُغْضَب ، ثم قال لى: تعال ! فجئت أمشى حتى جلست بين يديه فقال لى : ما خلَّفك؟ ألم تكن ابتعتَ ظَهْرَك؟ فقلت : يا رسول الله ، لو جلست عند غيرك من أَهل الدنيا لرأيتُ أَنِّى سأَخرج من سَخَطه بعُدْر، لقد أُعطِيتُ جَدَلاً ، ولكن واللهِ لقد علمت لئن جدّئْتُك اليومَ حديثاً كاذباً لِتَرْضى عنِّى لَيوشكنّ الله عزَّ وجلّ أَن يَسخط. علىّ، ولئن حدَّثتك اليوم حديثاً صادقاً تَجِد (١) علىّ فيه، إِنِّى لِأَرجو عُقْبَى الله فيه. ولا واللهِ ما كان لى عذر؛ واللهِ ما كنت أقوى ولا أَيسرَ منِّى حين تخلَّفتُ عنك ! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: أمّا أنت فقد صدقت، فقُمْ حتى يقضى اللهعزَّ وجلّ فيك ! فقمتُ وقام معى رجالٌ من بنى سَلِمَة ، فقالوا لى: واللهِ ما علمناك كنتَ أَذْنَبْتَ ذنباً قبل هذا! وقد عجزتَ أَلَّ تكون اعتذرتَ إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المُخلَّفون؛ قد كان كافيك ذَنْبَك استغفار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لك. فواللهِ ما زالوا بى ينوبوننى حتى أَردت أَن أَرجع إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأُكذّب نفسى . فلقيت مُعاذ بن جَبَل وأبا قتادة فقالا لى : لا تُطِعْ أَصحابك وأَقِمْ على الصِّدْق، فإنَّ الله سيجعل لك فرجاً ومَخْرَجاً إِن شاءَ اللّه! فأَمَّا هؤلاء المُعدِّرون ، فإن يكونوا صادقين فسيرضى الله ذلك ويُعلِمِه نبيَّه، وإِن كانوا على غير ذلك يَذُمِّهم أَقبحَ الذمّ ويُكذِّب حديثهم . فقلت لهم : هل لقى هذا غيرى ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثلَ مَقالتك ، 1 (١) تجد: أى تغضب. (النهاية، ج ٤، ص ١٩٦). ١٠٥١ وقيل لهما مثلُ ما قيل لك . قلت : مَن هما ؟ قالوا : مُرارةٍ بن الرّبيع ، وهِلال بن أُمَيّة الواقفىّ. فذكروا لى رجدَيْن صالحَيْن فيهما أُسْوَةٌ وَقُدْوَة ، ونَهَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن كلامنا أَيّها الثلاثة من بين مَن تخلَّف عنه، فاجتنبنا الناسُ وتغيّروا لنا، حتى تنكَّرتْ لى نفسى، والأَرِض فما هى الأرض التى كنت أعرف؛ فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأَمَّاصاحباى فاستكانا فقعدا فى بيوتهما ، وأَمّا أَنا فكنت أَشدّ القوم وأَجلدَهم ، وكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين وأَطوف بالأسواق ، فلا يُكلِّمنى أَحد ، حتى آتى رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو فى مجلسه بعد الصلاة ، فأُسلّم عليه فأَقول فى نفسى : هل حرّك شفتَيْه بردّ السلام علىّ أم لا ، ثم أُصلّى قريباً منه فأُسارقه النَّظَرِ، فإذا أَقبلتُ على صلانى نظر إلىّ، وإِذا التفتُ نحوَه أَعرض عنِّى، حتى إذا طال ذلك علىّ من جَفْوَة المسلمين مشيتُ حتى تسوّرت حائط. أَبِى قَتادة - وهو ابن عمّى وأَحبُّ الناس إلىّ - فسلّمت عليه ، فوالهِ ما ردّ علىّ السلام ، فقلت له : يا أَبا قتادة ، أَنشدُك الله ! هل تَعدَمنِى أُحبّ اللهَ ورسولَه ؟ فسكت، فعدتُ فقلت له : يا أَبا قَتادة، أَنشدك الله ! هل تعلمنى أُحبّ اللهَ ورسوله ؟ فسكت ، فعدت فنشدته الثالثةَ فقال: الله ورسوله أعلم ! ففاضت عيناى ، فوثبتُ فتسوّرت الجدار ، ثم غدوت إِلى السوق ، فبينا أَنا أَمشى بالسوق فإذا نَبَطَىّ من نَبَط الشام ممّن قَدِيمِ بالطعام يَبيعه بالسوق ، يسأل عنِّى يقول: من يدُلُّنى على كعب ابن مادده ؟ فجعل الناس يُشيرون له ، فدفع إلىّ كتاباً من الحارث بن أبى شَمِر ملك غسّان - أَو قال (١) من جَبَة بن الأَيْهَم - فى سَرَقَةٍ (٢) من حرير؛ (١) فى الأصل: ((وقال)). (٢) السرقة: الشقة من الحرير، وقال بعضهم: السرق أحسن الحرير وأجوده. ( شرح أبى ذر، ص ٤٢٦) .