Indexed OCR Text
Pages 81-100
٩٥١ أَمّا أَنا وفّزارة فلا! وقال عبّاس بن وِرْداس السُّلَمى: أَمّا أَنا وبنو سُلّيمٍ فلا! قالت بنو سُلَيم : ما كان لنا فهو لرسول الله ! فقال العباس: وَهَنْتُمونى(١) ! ثم قام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى الناس خطيباً فقال : إِنَّ هؤلاء القوم جاءوا مسلمين . وقد كنتُ استأنيتُ بهم فخَيَرْتُهم بين النساء والأبناء والأموال. فلم يعدِ!وا بالنساءِ والأبناء. فمَن كان عنده منهنَّ شىءٌ فطابت نفسه أن يردّه فليُرسِل. ومَن أَبِى منكم وتمسّك بِحَقِّه فَلْيَرُدَّ عليهم، ولْيَكُن فَرْضاً علينا ستَ فرائض من أوّل ما يُضِىُّ اللهُ به علينا! قالوا: يا رسول الله، رَضِينا وسَلَّمنا! قال : فَمُروا عُرَفاءكم أن يدفعوا ذلك إلينا حتى نَعلم. فكان زيد بن ثابت يطوف على الأَنصار يسألهم : هل سَلَّموا ورضوا؟ فخَبَّروه أنَّهم سَلَّموا ورغُوا . ولم يتخلَّف رجلٌ واحدٌ . وبعث عمر بن الخطّاب رضى الله عنه إلى المهاجرين بسألهم عن ذلك، فلم يتخلَّف منهم رجلٌ واحدٌ. وكان أبو رُهْم الغفارى يطوف على قبائل العرب. ثم جمعوا العُرَفاء، واجتمع الأمناء الذين أرسلهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فاتَّفقوا على قول واحد. تسليمهم ورضاهم، ودفْع ما كان فى أيديهم من السَّبِى. فكانت المرأة التى عند عبد الرحمن بن عَوْف قد خُيِّرَتْ تُقيم أو ترجع إلى قومها ، فاختارت قومها فَرُدَّت إليهم ، والتى عند عَلَىِّ وَعُمَّان وطّلْحة وصفوان بن أُميّة وابن عمر. رجعن إلى قومهنّ. وأَمّا التى عند سعد بن أبىٍ وَقَّاص فاختارت سعدًا ولها منه وَلَدٌ . وكان عُيّينة قد خيّروه فى السّبْى فأخذ رأساً منهم ، نظر إلى عجوزٍ كبيرةٍ فقال : هذه أُمّ الحىّ! لعلَّهم أن يَغْلوا بغدائها. فإنَّه عسى أن (١) فى الأصل: ((وهبتموفى)))، ووهنتوفى: أى أضعفتوف. (الصحاح . من ٢٢١٦). ٩٥٣ يكون لها فى الحىّ نَسَب! فجاءَ ابنها إلى عُيَينة فقال : هل لك فى مائةٍ من الإِبل ؟ قال : لا . فرجع عنه وتركه ساعةً ، فجعلت العجوز تقول لابنها : ما أَرَبُك(١) فى نَقْد مائة ناقة ؟ اتركه ، فما أسرع ما يتركنى بغير فداء! فلمّا سمعها عُيَينة قال: ما رأيت كاليوم خُدْعَة! واللهِ ما أَنا من هذه إلاَّ فى غُرورٍ ولا جَرَم، والّهِ لأُباعدنَّ أَثركٍ مِنِّى! قال : ثم مرّ به ابنها فقال : هل لك فى العجوز فيما دعوتنى إليه ؟ قال ابنها: لا أزيدك على خمسين . قال عُيَينة : لا أَفعل . قال: فلبث ساعةٌ فمرّ به مرّةً أُخرى وهو مُعرِضٌ عنه. قال عُيَينة: هل لك فى العجوز فى الذى بذلتَ لى؟ قال الفتى : لا أزيدك على خمس وعشرين ذَريضة (٢)، هذا الذى أَقوّى عليه . قال عُيّينة: واللهِ لا أفعل ، بعد مائة فريضة خمسة وعشرون ! فلمّا تخوّف عُيّينة أن يتفرَّق الناسُ ويرتحلون جاءَه عيينة فقال: هل لك إلى ما دعوتنى إليه ؟ قال الفتى : هل لك إلى عشر فرائض أُعطيكها ؟ قال عُيّينة : واللهِ لا أَفعل! فلمّا رحل الناس ناداه عُيّينة: هل لك إلى ما دعوتنى إليه إن شئتَ ؟ قال الفتى: أَرْسِلْها وأَحمِلُك. قال: لا واللهِ، ما لى بحَمْلك حاجة . قال : وأقبل عُيَينة على نفسه لائماً لها ، ويقول: ما رأيت كاليوم أمرًا. قال الفتى: أَنت صنعتَ هذا بنفسك، عمدت إلى عجوزٍ كبيرةٍ، واللهِ ماثَدْيِها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا فُوها (٣) ببارد ، ولا صاحبها بواجد(٤)، فأخذتها من بين مَن ترى. فقال عُيّينة : خذها لا بارك الله لك فيها ، ولا حاجةً لى فيها ! قال ، يقول الفتى : (١) فى الأصل: ((ما اريك)). والأرب: الحاجة. (الصحاح، ص ٩٧). (٢) الفريضة: البمير المأخوذ فى الزكاة ، سمى فريضة لأنه فرض واجب على رب المال ، ثم اتسع حتى سمى البعير فريضة فى غير الزكاة. ( النهاية، ج ٢، ص ١٩٤). (٣) فى الأسل: ((ولا فوقها))؛ والتصحيح من ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج٤، ص ١٣٣). (٤) أى لا يحزن زوجها عليها لأنها عجوز كبيرة. (شرح أى ذر، ص ٤١١). ٩٥٤ يا عُيّينة، إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد كسا السَّبِى فأخطأَها من بينهم بالكسوة ، فما أنت كاسيها ثوباً ؟ قال : لا والله ، ما ذلك لها عندى ! قال : لا تفعل ! فما فارقه حتى أخذ منه شمل ثوب ، ثم ولى الفتى وهو يقول: إِنَّك لَغير بصير بالفُرَص! وشكا عُيّينة إلى الأفرع ما لقى، فقال الأَّفرع: إِنَّك واللهِ ما أخذتَها بِكرًاً غَريرة(١)، ولا نّصفاً(٢) وَثيرة (٣)، ولا عجوزًا أَصيلة؛ عمدت إلى أَحوج شيخ فى هَوازِنٌ فسبيتَ امرأته . قال عُيّينة : هو ذاك . وتمسّكت بنو تميم مع الأُفْرَع بالسّبْى، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم الفِداء ستّ فرائض، ثلاث حِقاقٍ (٤) وثلاث جذاع (٥). وكان مُعاذ بن جَبّل يقول: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ : لو كان ثابتاً على أحدٍ من العرب ولاءٌ أَو رِقُّ لثبت اليوم، ولكن إنما هو إِسارٌ وفِدْيَةٌ . وكان أبو حُذَيْفة العَدْرِىّ على مَقاسم المَغْنَّم . وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم للوَفْد: ما فعل مالِك (٦)؟ قالوا: يارسول الله، هَرَب فلَحِق بحِصْن الطائف مع ثقيف. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: أَخيِروه أَنَّه إن كان يأْتِى مُسلماً رددتُ عليه أَهْلَه ومالُه وأعطيتُه مائةً من الإبل. وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم أمر (١) الغريزة: المتوسطة من النساء فى السن. (شرح أبى ذر، ص ٤١٢). (٢) النصف: المرأة بين الحدثة والمسنة. (الصحاح، ص ١٤٣٢). (٣) وثيرة: أى كثيرة اللحم. (الصحاح، ص ٨٤٤). (٤) الحقاق: جمع الحق، والحق من الإبل الداخلة فى السنة الرابعة. ( القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٢١) . (٥) الجذاع: جمع الجذع، وهو من الإبل ما دخل فى السنة الخامسة. (النهاية، ج ١، ص ١٥٠) . (٦) أى مالك بن عوف . ٩٥٥ بحَبْس أهلِ مالِك بمكّة عند عَمَّتهم أُمّ عبد الله بنت أبى أُمَيّة . فقال الوفد : يا رسول الله، أولئك سادتنا وأُحِبَّتنا إِلينا. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: إنما أُريد بهم الخير. فَوقَف مال مالِك فلم يجرِ فيه السَّهْم ، فلمّا بلغ مالِكَ بن عَوْف الخبر، وما صنع فى قومه، وما وعده رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ أهله وماله مَوقوف ، وقد خاف مالِكٌ ثَقيفاً على نفسه أن يعلموا أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال له ما قال فيحبسونه ، أمر براحلته فقُدُّمت حتى وُضِعت بدّحْنا (١)، وأمر بفرس له فأُتِى به ليلاً ، فخرج من الحِصْن فجلس على فَرَسه ليلًا فركضه حتى أَتِى دَحْنا ، فركب على بعيره فلَحِق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيُدرِكه قد ركب من الجعرّانة، فردّ عليه أهله وماله وأعطاه مائةً من الإِبل، وأسلم فحسُن إِسلامه . ويقال : لّحِقه بمكّة، واستعمله رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على من أسلم من قومه ومن تلك القبائل حول الطائف من هَوازِنَ وفَهْم ؛ فكان قد ضَوَى إِليه قومٌ مسلمون، وعَقّد له لِواء، فكان يُقاتل بهم مَن كان على الشِّرْك، ويُغير بهم على ثَقيف، يُقاتلهم بهم، ولا يخرج لثّقيفٍ سَرْحٌ إِلاَّ أَغار عليه . وقد رجع حين رجع وقد سَرَح الناسُ مَواشيّهم، وأَمِنوا فيما يرون حيث انصرف عنهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فكان لا يقدر على سَرْحٍ إِلاَّ أخذه، ولا على رجلٍ إِلاَّ قتله، فكان قد بعث إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالخُمُس ممّا يُغير به ، مرّةً مائةً بعيرٍ ومرّةً أَلف شاة ، ولقد أُغار على سَرْحٍ لأهل الطائف فاستاق لهم ألف شاة فى غداة واحدة . فقال فى ذلك أبو مِحْجّن بن حبيب بن عمرو بن عُمَير اللَّقَفىّ : أ تَهابُ الأعداءُ جانبَنا ثُمَّ تَغْزونا بنو سَلِمَةْ ( معجم البلدان، ج ٤ ص ٤٣) . (١) دينا : من مخاليف الطائف. ٩٥٦ وَأَتانا مالِكٌ بِهِمُ وَأَتَوْنا فى مَنازِلِنا ناقِضاً لِلْعَهْدِ والحُرُمَةْ ولقد كانوا أُولى نَقِمَةْ فقال مالك بن عَوْف : فى الناس كلِّهمُ بِثْلِ محمّدٍ ما إن رأَيتُ ولا سمعتُ بِمِثْلِهِ ومتى تشأُ يُخْبِرْكَ عمّا فى غَدٍ (٢) أَوْفِى وَأَعْطَى الجَزِيلِ(١) إِذا اجْتُدِى بالمَشْرَفىّ(٤) وضَرْبِ كُلِّ مُهَنَّدِ(٥) وإِذا الكتيبةُ عَرَّدَتْ(٣) أنيابُها وَسْطَ. الهَباءِةِ(٦) خَادِرٌ (٧) فى مُ رْصَدٍ فكأَنِه لَيثٌ على أشبالِهِ قالوا : لمّا أَعطى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى قُرَيش وفى قبائل العرب ولم يكن فى الأنصار منها شىء. وَجَد هذا الحىّ من الأنصار فى أنفسهم ، حتى كثرت القالة (٨) حتى قال قائلهم: اقى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قومه، أمّا حِينَ القتال فنحن أصحابه، وأما حِينَ القَسْمِ فقومه وعشيرته، ووَدِدْنا أَنَّا نعلم ممّن كان هذا ! إن كان هذا من الله (١) الجزيل: العطاء الكثير. واجندى: أى طلب منه الجدوى، وهو العملية. ( شرح أب ذر ، س ٤١٢). (٢) فى الأصل: ((عما يكون فى غد))، ولا يستقيم الوزن بها؛ وما أثبتناه عن ابن إجماق. ( السيرة النبوية، ج ٤، ص ١٣٤). (٣) عردت: أى عوجت. (شرح أب ذر، ص ٤١٢) . (٤) المشرفى: السيف. قال أبو عبيدة: نسبت السيوف المشرفية إلى مشارف ، وهى قرى من أرض العرب تدنو من الريف؛ يقال سيف مشرف ولا يقال مشارف، لأن الجمع لابنسب إليه إذا كان على هذا الوزن. (الصحاح ، ص ١٣٨٠). (٥) المهند: السيف المطبوع من حديد الهند. (الصحاح ، ص ٥٥٤). (٦) فى الأصل: ((المياة))؛ وما أثبتناه عن ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج١، ص ١٣٤). والهباءة: الغبرة. ( شرح أبى ذر، ص ٤١٢). (٧) الخادر: الداخل فى خدره، والخدر هنا غابة الأسد. ( شرح أب ذر، س ٤١٢). (٨) القالة: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس بما يحكى البعض عن البعض. (النهاية، ج ٢ ، ص ٢٨٤ ) . ٩٥٧ صَبَرنا، وإن كان هذا من رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم استعتبناه. فبلغ ذلك رسول الله صلِّى الله عليه وسلَّم فغضب من ذلك غضباً شديداً ، فدخل عليه سعد بن عُبادة ، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ما يقول فىّ قَومُك؟ قال: وما يقولون يا رسول الله ؟ قال: يقولون: أَمّا حين القتال فنحن أصحابه، وأَمّا حين القَسْم فقومه وعشيرته، ووَدِدنا أَنَّا نعلم من أين هذا! إن كان من قِبَل اللّه صَبّرنا، وإن كان من رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم استعتبناه. فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال سعد: يا رسول الله. ما أنا إلَّا كأحدهم، وإنَّا لنُحبّ أن نعلم مِن أَين هذا؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: فاجْمَعْ مَن كان هاهنا من الأَنصار فى هذه الحَظيرة. فجمع الأنصار فى تلك الحَظيرة ، فجاءَ رجالٌ من المهاجرين فتركهم فدخلوا. وجاء آخرون فردّهم ، فلمّا اجتمعوا له جاءه سعد بن عُبادة فقال : يا رسول الله، قد اجتمع لك هذا الحىّ من الأنصار . فأَناهم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم والغضب يُعرَف فى وجهه، فحمد الله وأثنى عليه بالذى هو أهله، ثم قال: يا معشرّ الأَنصار، مَقالةٌ بلغتْنِى عنكم ، وَجِدَةً(١) وَجَدتُموها فى أنفسكم؛ ألم آتِكم ضُأَالا فهداكم اللهِ، وعالَةً(٢) فأغناكم الله، وأعداء فأُلَّف الله بين قلوبكم ؟ قالوا : بلى، الله ورسوله أَمَنُّ وأفضلُ! قال: أَلا تُجيبونى يا معشر الأنصار؟ قالوا: وماذا نُحيبك يا رسول الله، ولِرسول الله المَنّ والفَضْل؟ قال : أَما والله لو شئتم قلتم فصدقتم: أَتيتنا مُكذَّباً فصدَّقناك، ومخذولاً(٣) فنصرناك، (١) الجدة والموجدة: الغضب. (الصحاح، ص ٥٤٤). (٢) الحالة: الفقراء. ( شرح أبى ذر، ص ٤١٤). (٣) المخذول: المتروك. (شرح أبى ذر، ص ٤١٤). ٩٥٨ وطريدًا فآويناك، وعائلاً فآسَيناك (١)! وجدتم فى أنفسكم يا معشرَ الأنصار فى شىءٍ من الدُّنْيا تأَلَّفتُ به قوماً ليُسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ؛ أَفلا تَرضَوْن يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجِعُوا برسول الله إلى رحالكم ؟ والذى نفس محمّدٍ بيده ، لولا الهجرةُ لكنت امرأً من الأنصار، وأو سلك الناس شِعْباً وسلكت الأنصار شِعْباً لسلكتُ شِعْبٌ الأنصار. أكتبُ لكم بالبّحْرَين كتاباً من بعدى تكون (٢) لكم خاصّةً دون الناس! فهو يومئذ أفضل ١٠ فتح الله عليه من الأنصار. فالوا بما حاجتُنا بالُّنْيا بعدك يا رسول الله ؟ قال: إمّا لا فستّرَوْن بعدى. أَذَرَةَ، فاصبِروا حتى تَلْقُوا الله ورسوله، فإنَّموعدكم الحَوْضْ، وهو كما بين صنعاء وعُمان، وَآنِيَتُه أكثر من عدد النُّجوم. اللَّهجّ ارْحَم الأنصارٌ وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ! قال : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رَضينا يا رسول الله حَظًّا بِقَشْماً. وانصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وتغرّقوا . وانتهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليالٍ خَذَون من ذى القعدة، فأقام بالجعرّانة ثلاث عشرة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج من الجِعِرّانة ليلة الأربعاء لاثنى عشرة بقيت من ذى القعدة ليلاً؛ فأَحرم من المسجد الأقصى الذى تحت (٣) الوادى (١) آسيناك: أى أعطيناك حتى جعلناك كأحدنا. (شرح أبى ذر، ص ٤١٥). (٢) فى الأصل: ((يكون)). (٣) فى الأصل: ((إلى خبر الوادى)). والمثبت من القسطلاف يروى عن الواقدى. ( شرح على المواهب اللدنية، ج ٣، ص ٤٨). ٩٥٩ بالْعُدْوَة القُصوى، وكان مُصلىّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا كان بالجِعِرَانة .. فأُمّا هذا المسجد الأَدنى، فبناه رجلٌ من قُرَيشٍ وانَّخذ ذلك الحائط. عنده .. ولم يَجُزْ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم الوادىّ إلاَّ مُحرماً، فلم يزل يُلِّى حتى استلم الرُّكْن. ويقال: لمّا نظر إلى البيت قطع التَّلْبِية، فلمّا أَنِى أَناخ راحلته على باب بنى شَيْبَة، ودخل وطاف ثلاثة أَشْواط (١) يَرفُل (٢) من الحجر إلى الحجر؛ ثم خرج فطاف بين الصَّفا والمَرْوَة على راحلته ، حتى إذا انتهى إلى المَرْوَة فى الطواف السابع حلق رأسه عند المَرْوَة، حلقه أَبو هند عبد بنى بياضة، ويقال حلقه خِراش بن أُمَيّة، ولم يَسُقْ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم منها هَذْياً. ثم انصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الجِعِرّانة من ليلته فكان كَبائِتٍ بها ، فلمّا رجع إلى الجِعِرّانة حرج يوم الخميس فسلك فى وادى الجِعِرّانة ، وساك معه حتى خرج على شَرِفٍ، ثم أخذ الطريق حتى انتهى إلى مَرّ الظَّهْران . و ستعمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَتَّاب بن أسيد على مكّة ، وخلَّف مُعاذ بن جَبّل وأبا موسى الأَشْعَرِىّ يُعلِّمان الناسَ القرآنَ والفِقْه فى الدين . وقال له : أتدرى على مَن أَستعملُك؟ قال: الله ورسوله أعلم ! قال : استعملتك على أهل الله، بَلِّغْ عنى أربعاً: لايَصلُح شَرْطان فى بَيْعٍ، ولا بَيْعٌ وَسَلَفٌ، ولا بَيْعُ ما لم يُضْمَن، ولا تأْكلْ رِبْحَ ما ليس عندك ! وأقام للناس الحجّ عَتَّابُ بن أسيد تلك السنة - وهى سنة ثمان - بغير تأمير من رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم على الحجّ، ولكنه أمير مكَّة، وحجّ (١) أشواط: جمع شوط، والمراد به المرة الواحدة من الطواف حول البيت وهو فى الأصل مسافة من الأرض يحدوها الفرس (النهاية، ج ٢، ص ٢٤٠) . (٢) رمل: أى أسرع فى المشى. (النهاية ، ج ٢، ص ١٠٤). ٩٦٠ ناس من المسلمين والمشركين على مُدَّتهم؛ ويقال: إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم استعمله على الحجّ . وقدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الجمعة لثلاث بقين من ذى القعدة . قدوم عروة بن مسعود قالوا : كان عُروة بن مسعود حين حاصر النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم أَهلَ الطائف بجُرَش، يتعلَّم عَمّل الدَّبّابات والمَنْجَنيق، ثم رجع إلى الطائف بعد أن ولّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فعمل الدَّبّابات والمَنْجَنِيقِ والعَرّادات (١) وأعدّ ذلك حتى قَذّف الله عزَّ وجلّ فى قلبه الإسلام. فقدم المدينة على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأسلم، ثم قال : يا رسول الله ايذن لى فآتى قوى فأَدعوهم إلى الإسلام، فوالله ما رأيت مثل هذا الدّين ذهب عنه ذاهب ، فأقدم على أصحابى وقومى بخيرٍ قادم ، إما قدم وافذٌ قَطُّ. على قومه إِلَّ مَن قدم بمثل ما قدمتُ به، وقد سبقتُ يارسول الله فى مواطن كثيرة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّهم إذّا قاتلوك ! قال : يا رسول الله، لَأَنا أَحبّ إليهم من أَبْكار أولادهم. ثم استأذنه الثانيةَ فأعاد عليه الكلام الأُوّل، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: إنَّهم إذًا قاتلوك. قال : يا رسول الله، لو وجدونى نائماً ما أيقظونى. واستأذنه الثالثة فقال : إن شئتَ فاخرجْ ! فخرج إلى الطائف فسار إليها خمساً ، فقدم على قومه عشاء فدخل منزله ، فأنكر قومه دخوله منزله قبل أن يأتى الرِّبة (٢): ثم قالوا: السفر قد حَصَره (٣). فجاءوا (١) العرادة: أصغر من المنجنيق. (الصحاح، ص ٥٠٥). (٢) يعنى : اللات. (٣) حصره: أى منعه عن مقصده. (النهاية، ج ١، ص ٢٣٣). ٩٦١ منزله فحيّوه تحيّة الشِّرْك، فكان أَوّل ما أَنكر عليهم تحيّة الشِّرْك، فقال: عليكم تحيّة أَهل الجنّة . ثم دعاهم إلى الإِسلام ، وقال : يا قوم، أَنتَّهموننى؟ ألستم تعلمون أنَّى أَوسطكم نَسَبًا، وأكثركم مالاً، وأَعزِّكم نَفَرًا؟ فما حملنى على الإِسلام إِلَّا أَنِّى رأيتُ أَمرًا لا يذهب عنه ذاهب ! فاقبلوا نُصْحى، ولا تَسْتَعْصونى. فوالهِ ما قدم وافدٌ على قومٍ بأفضل مما قدمتْ به عليكم! فاتَّهموه. واستخشُّره . وقالوا : قد واللَّتِ وقع فى أنفسنا حيثُ لم تَقْرُبِ الرَّبَّة ، ولم تَحلِق رأسك عندها أَنَّك قد صَبَوْتَ(١)! فآذَوْه، ونالوا منه، وحَلُم عليهم؛ فخرجوا من عنده يَأْتُمِرون كيف يصنعون به، حتى إذا طلع الفَجْرُ أَوْفَى على غرفةٍ له فأَذَّن بالصَّلاة. فرماه رجلٌ من رَهْطه من الأحلاف يقال له وَهْب بن جابر - ويقال : رماه أَوْس بن عُوْف من بنى مالِك، وهذا أَثبت عندنا - وكان عُروة رجلاً من الأحلاف، فأصاب أَكْحَلَه (٢) فلم يَرْقأُ دَمُه(٣). وحشد قومُه فى السلاح. وجمع الآخرون وتجايشوا ، فلمّا رأى عُروة ما يصنعون قال : لا تقتتلوا فىّ، فإنّ قد تصدّقْتُ بدى على صاحبه لِيُصلِح بذلك بينكم، فهى كرامةُ الله أكرمنى الله بها، الشهادة ساقها الله إِلىّ؛ أَشهد أنَّ محمّدًا رسول الله ، خبّرنى عنكم هذا أنَّكم تَقتُلونى! ثم قال لرَحْطه : ادفنونى مع الشهداء الذين قُتِلُوا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل أن يرتحل عنكم. قال : فدفنوه معهم. وبلغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قَتْلُه فقال: مَثَل عُروة مَثّل صاحب ياسين . دعا قومه إلى الله عزَّ وجلّ فقتلوه. ويقال : إنَّ عُروة لم يُقدّم المدينة، وإِنما لحِقٍ رسولَ اللّه صلَّى الله ( ١) انظر النهاية. (ج ٢، ص ٢٤٨). (٢) الأكحل: عرق فى اليد. ( الصحاح، ص ١٨٠٩ : . (٣) ف الأصل: «إير قدمه ... ورقأ الدم إذا سكن وانقطع. (النهاية، ج ٢، ص ٩٤). ٩٦٢ عليه وسلَّم بين مكَّة والمدينة فأسلم ثم انصرف ، والتقدول الأوّل أثبت عندنا. فلمّا قُتل عُروة، قال ابنه أبو مُلَيح بن عُروة بن مسعود . وابن أخيه قارب بن الأسود بن مسعود لأهل الطائف : لا تُجامعكم على شىء أبدًا، وقد قتلتم عُروة . ثم لحقا برسول الله صلّى الله عليه وسلم فأسلما، فقال لهما رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: تولّيا مَن شئتًا. قالا: نتبل الله ورسوله. قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: وخالكما أبو سفيان بن حَرْب ، حالِفاه. ففعلا، ونزلا على المُغيرة بن شُعْبَة، وأقاما بالمدينة حتى قدم وفد ثقيف فى رمضان سنة تسع . قالوا : وكان عمرو بن أُمَيّة أَحد بنى علاج. وكان مِن أدهى العرب، وأنكرهم(١)، وكان مُهاجِرًا لعبد ياليل بن عمرو، وتمثّى إلى عبد ياليل ظُهْرًا حتى دخل دارَه، ثم أرسل إليه: إنّ عمرًا يقول: اخرجْ إِلىّ! فلمّا جاء الرسول إلى عبد ياليل قال: وَيْحَك! عمرو أرسلك؟ قال: نعم، وهو واقفٌ فى الدار. وكان عبد ياليل يُحبّ صلحه ويكره أن يمشى إليه ، فقال عبد ياليل: إِنَّ هذا لشيءما كنت أظنُّه بعمرو، وما هو إلّا عن أمرٍ قد حدث وكان أمرًا سوءاً، ما لم يكن من ناحية محمد، فخرج إليه عبد ياليل ، فلمّا رَآه رحّب به، فقال عمرو: قد نزل بنا أمرٌ ليست معه هِجْرَة ، إِنَّه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت ، بقد أَسلمت العربُ كلّها وليست لكمنهم طاقةٌ؛ وإنما نحن فى حضْتنا هذا، ما بقاؤنا فيه وهذه أطرافنا تُصاب! ولا نأُمن من أحد منّا يخرج شبرًا واحدًا من حِصْننا هذا، فانظروا فى أمركم ! قال عبد بالبل: قد اللي رأيت (١ ) فى الأصل : ماذكره ، باتكيم : أو فيعام. ( الراية ، ج : . ص ١٧٥). ٩٦٣ ما رأيتَ، فما استطعتُ أَن أَتقدّم بالذى تقدّمتَ به، وإنَّ الحَرْم والرأى الذى فى يديك . قال : فالتمرت ثقيفٌ بينها ، وقال بعضهم لبعض : أَلا تَرَوْن أنّه لا يأْمن لكم سِرْب (١)، ولا يخرج منكم أحدٌ إِلاَّ اقْتُطِع ؟ فائتسروا بينهم ، فأرادوا أن يُرسلوا رسولاً إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كما خرج عروة بن مسعود إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. قال : فابعثوا رأُسكم عبد ياليل. فكلَّموا عبدٌ ياليل بن عمرو بن حُبَيب، وكان سِنّ (٢) عُروة، فأَبى أن يفعل، وخشِى إِن رجع إلى قومه مُسلماً أَن يُصنَع به إذا رجع من عند النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما صُنِع بعُروة حتى يبعثوا معه رجالاً . فأجمعوا على رجلين من الأَحْلاف وثلاثة من بنى مالِك ، فبعثوا مع عبد ياليل الحَكَم بن عمرو بن وَهْب بن مُعَقِّب، وثُرَحْبِيل بن غَيلان بن سَلَمْة بن مُعَنِّب، وهؤلاءِ الأَحلاف رَهْط. عُروة . وبعثوا فى بنى مالِك: عثمان بن أبي العاص، وأَوْس بن عَوْف، ونُمّير بن خَرَشَة، ستّة. ويقال: إِنَّ الوفد كانوا بضعة عشر رجلاً ، فيهم سُفيان بن عبد الله . قالوا : فخرج بهم عبد ياليل وهو رأسهم وصاحب أمرهم ، ولكنه أحبّ إن رجعوا أن يُسهّل كلّ رجل رَهْطَه، فلمّا كانوا بوادى قناة ممّا يلى دارٍ حُرُضِ (٣) نزاوا، فيجدون نَشَرًا(٤) من الإبل ، فقال قائلهم: لو سألنا صاحب الإِبل ليمن الإبل، وخبّرنا من خبر محمّد. فبعثوا عُثمان بن أَبِى العاص ، فإذا هو السُّغيرة بن شعبة يُرعَى فى ذَوْبَته ر كابَ أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، وكانت رِغْيَتُها نُوَباً على أصحاب رسول الله (١) السبب : الملك والتشويق. ( النهاية ، ج ٢، ص ١٥٥) . م»؛ ما الحاد عن ابن إسحاق، (السيرة النبوية، ج ٤، ص ١٨٣). الأصل :" (٢) . ٠ وخوفه؛ بالمنيت من السعهودى، قال: وهو باد من أودية قناة بالمدينة. ( ٢) ٠١٢٨٧:٠٥ ٢٠ ن. ( الصلح ٠٠. ١٨٢٨. (٤) أو ٩٦٤ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمّا رآهم سلّم عليهم وترك الرِّكاب عندهم، وخرج يشتدّ، يُبَشِّر النبيَّ صَلَّى الله عليه وسلَّم بقدومهم، حتى انتهى إلى باب المسجد فيلقى أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه فأخبره خبر قومه . فقال أبو بكر : أَقسمتُ بالله عليك لا تَسبقنى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بخبرهم حتى أكون أنا أُخبِره .. وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قد ذكرهم ببعض الذكر - فأُبشِّره بمقدمهم. فدخل أبو بكر رضى الله عنه على النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم فأخبره والمُغيرة على الباب. ثم خرج إلى المُغيرة فدخل المُغيرة على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو مسرور ، فقال: يا رسول الله، قد قدم قومى يُريدون الدخول فى الإسلام بأن تَشرُط لهم شروطاً، ويكتبون كتاباً على من وراءهم من قومهم وبلادهم. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : لا يسألون شرطاً ولا كتاباً أعطيتُه أحدًا من الناس إلاَّ أَعطيتهم، فَبَشِّرْهم! فخرج المُغيرة راجعاً فخبّرهم ما قال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم، وبشّرهم وعلّمهم كيف يُحيّون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فكلّ ما أمرهم المُغيرة فعلوا إِلَّ التحيّة، فإنّهم قالوا: أَنْعِمْ صباحاً ! ودخلوا المسجد فقال الناس: يا رسول الله. يدخلون المسجد وهم مُشركون؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: إِنَّ الأرض لا يُنَجِّسها شىءٌ! وقال المُغيرة بن شُعبة: يا رسول الله، أُنزِل قومى علىّ. وأكرِمهم ، فإنىّ حديث الجُرْم فيهم. فقال: لا آمنُك أَن تُكرِمٍ قومك. وكان جُرْم المُغيرة أنَّه خرج فى ثلاثة عشر رجلاً من بنى مالِك ، فقدموا على المُقَوْقَس فحيًا بنى مالِك وجَماه وهو من الأُخْلاف، وكان معه رجلان الشَّريد ودُّون؛ فلمّا كانوا بسباق (١) وضعوا شراباً لهم فسقاهم المُغيرة بيده، (١) سباق: واد بالدهناء، ويروى أيضا بكسر السين، (سجر البلدان، ج ٠٥ من ٢٦]. ٩٦٥ فجعل يُخفّف عن نفسه ويَنزِ ع (١) لبنى مالِك حتى ثّمِلوا وناموا، فلمّا ناموا وثب إليهم ليقتلهم ، فشرد الشَّريد منهم ليلتئذٍ ؛ وفَرِقٍ دَقُّون أَن يكون هذا سُكْرًا منه فتغيّب، فجعل يصيح : يا دَقُّون ! يا دَقُّون ! فلا دَدُّون، فجعل يبكى ، وخاف أن يكون قتله بعضُهم ، فطلع دَمُون فقال : أين كنت ؟ قال : تغيّبت حين رأيتك صنعت ببنى مالِك ما صنعت ، فخشيتُ أن يكون ذلك ذهاب عقل. قال : إنما صنعتُ ذلك بهم لما حيّاهم المُقَوْفَس وجفانى. ثم أقبل بأموالهم حتى أتى بها النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخبره الخبر، فقال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اخمس هذه الأموال . فقال رسول الله ، صلّى الله عليه وسلَّم: لسنا نَغِر، ولا ينبغى لنا الغَدْرِ! فأبى أن يُخْمُس أموالهم . وأنزل المُغيرةُ ثَقيفاً فى داره بالبقيع، وهى خِطَّة خطَّها النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم له ، فأمر النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بخَيْماتٍ ثلاثٍ من جريد فضْرِبت فى المسجد. فكانوا يسمعون القراءةَ باللَّيل وتَهجُّد أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وينظرون إلى الصُّفوف فى الصَّلاة المكتوبة، ويرجعون إلى منزل المُغيرة فيَطعّمون ويتوضَّأُون، ويكونون فيه ما أرادوا، وهم يختلفون إلى المسجد . وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُجرى لهم الضِّيافة فى دار المُغيرة، وكانوا (٢) يسمعون خُطْبَة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلا يسمعونه يذكر نّفْتَه، فقالوا: أَمرَنا بالتشهّد أنَّه رسول الله ولا يشهد به فى خُطْبَته! فلمّا بلغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قولُهم قال: أَنا أَوّل (١) أى يسقيهم. وأصل النزع الجذب والقطع. ( النهاية، ج؛، ص ١٣٧). (٢) فى الأصل: «وكان)). ٩٦٦ مَن شهد أَنِّى رسول الله ! ثم قام (١) فخَطَب وشَهِد أَنَّه. رسول الله فى خُطْبَته . فمكثوا على هذا أَيّاماً يَغدون على النبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كلّ يوم يُخلِّفون عُثمان بن أبى العاص على رِحالهم ، وكان أَصغرَهم ، فكان إِذا رجعوا إليه وناموا بالهاجرة خرج فعَمَد إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فسأله عن الدِّين واستقرأَه القرآنَ، وأَسلم سِرًّا من أصحابه ، فاختلف إِلى النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرارًا حتى فَقِه، وسمع القرآن، وقرأً من القرآن ◌ُوَرًا مِن فى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإِذا وجد رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم نائماً عَمَد إِلى أَبى بكر رضى الله عنه فسأله واستقرأه - ويقال : إِذا وجد النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم نائماً جاءَ إِلى أُبَىّ بن كعب فاستقرأه - فبايع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على الإِسلام قبل الوفد وقبل القَضِيَّة، وكتم ذلك عثمان من أَصحابه، وأُعجب رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم به، وأحبّه. فمكث الوفد أَيّاماً يختلفون إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم والنبىّ يدعوهم إلى الإِسلام ، فقال له عبد ياليل : هل أنت مُقاضينا حتى نرجع إلى أَهلنا وقومنا؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : نعم إن أَنتم أَقررتم بالإِسلام قاضيتُكم، وإِلاَّ فلا قَضِيَّةً ولا صُلْحَ بينى وبينكم ! قال عبد يالِيل: أرأيتَ الزِّنا؟ فإِنَّا قومٌ عُزَّب بغَرْبٍ (٢)). لا بُدَّ لنا منه، ولا يَصبِرِ أَحَدُنا على العُزْبَة. قال: هو ممّا حرّم الله على المسلمين ؛ يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ (٣). قال: أَرَأَيتَ الرِّبا؟ قال: الرِّبًا، حرامٌ ! قال : فإنَّ أَموالنا كلَّها رِباً . قال: (١) فى الأصل: ((قال)). (٢) فى الأصل: ((بعرب)) بالعين المهملة، وما أثبتناه أوفق للمعنى. والغرب: البعد . ( النهاية ج ٣ ، ص ١٥٣) . (٣) سورة ١٧ الإسراء ٣٢. ٩٦٧ لكم رءوس أموالكم؛ يقول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذّرُوا ما بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(١). قال: أَفرأَيتَ الخمر ؟ فإِنَّها عَصيرُ أَعنابنا، لابُدَّ لنا منها . قال : فإِنَّ الله قد حرّمها ! ثم تلا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الآية: ﴿إِنَّما الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ والأَنْصَابُ والأَزْلامُ .. ﴾ (٢) الآية. قال: فارتفع القوم، وخلا بعضُهم ببعضٍ، فقال عبد يالِيل: وَيْحكم ! نرجع إلى قومنا بتَحْرِيم هذه الخِصال الثلاث ! واللهِ ، لا تصبر ثَقيفُ عن الخمر أبدًا، ولا عن الزِّنا أبدًا. قال سفيان ابن عبد الله: أَيّها الرجل، إِن يُرِدِ اللهُ بها خيرًا تصبرْ عنها ! قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا ، فصبروا وتركوا ما كانوا عليه؛ مع أَنَّا نَخاف هذا الرجل ، قد أَوْطَأَ الأَرضَ غَلَبَةً ونحن فى حِصْنٍ فى ناحيةٍ من الأَرْض، والإِسلام حولَنا فاشٍ ، واللهِ لو قام على حصننا شهرًا لمتنا جوعاً ؛ وما أَرَى إِلَّ الإِسلام، وأنا أخاف يوماً مِثْلَ يومٍ مَّة ! وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى كتبوا الكتاب ، كان خالد هو الذى كتبه . وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُرسل إليهم بالطعام، فلا يأكلون منه شيئاً حتى يأكل منه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى أَسلموا . قالوا : أرأيت الرَّبَّة، ما تَرى فيها ؟ قال: هَدْمَها . قالوا: هَيْهات ! لو تعلم الرَّبَّةَ أَنَّا أَوضعنا فى هَدْمِها قتلتْ أَهلَنا. قال عمر بن الخطَّب رضى الله عنه: وَيْحك يا عبد يا لِيل! إِنَّ الرَّبَّة حجرٌ لا يدرى مَن عَبَدَه ممّن لا يَعْبُده. قال عبد ياليل: إِنَّا لم نأُتك يا عمر! فأَسلّموا، وكَمُل (١) سورة ٢ البقرة ٢٧٨ . (٢) سورة ٥ المائدة ٩٠ . ٩٦٨ الصُّلح، وكتب ذلك الكتابَ خالد بن سَعيد . فلمّا كَمُل الصُّلْحِ كلَّموا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدع الرَّبَّة ثلاث سنين لا يهدمها، فأَبى. قالوا : سنتين ! فأَبى . قالوا: سنةً! فأَبى. قالوا: شهرًا واحدًا! فأَبى أَنْ يُوقِّت لهم وقتاً . وإِنما يُريدون بتَرْكِ الرَّبَّة لِما يخافون من سفهائهم والنساء والصبيان، وكرهوا أَن يُروّعوا قومَهم بهَدْمِها ، فسألوا النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يُعفيهم من هَدْمِها. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: نعم ، أَنا أَبعث أَبا سُفيان بن حَرْب والمُغيرة بن شُعْبَة يهدمانها. واستعفوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يكسروا أَصنامهم بأيديهم. وقال: أَنا آمرُ أَصحابى أَن يكسروها. وسألوا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يُعفيَهم من الصلاة، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا خَيْرَ فى دينٍ لا صلاةً فيه . فقالوا: يا محمّد، أَمّا الصلاة فسنُصلّى، وأَمّا الصيام فسنصوم . وتعلَّموا فرائض الإِسلام وشرائعه، وأمرهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يصوموا ما بقى من الشهر ، وكان بِلال يأتيهم بِفِطْرِهم . ويُخَيَّل إليهم [أَنَّ] الشمس لم تغب فيقولون: ما هذا من رسول الله إِلاَّ استبارٌ لنا ، ينظر كيف إِسلامنا . فيقولون : يا بلال ، ما غابت الشمس بَعْدُ . فيقول بِلال : ما جئتكم حتى أَفطر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم . فكان الوفد يحفظون هذا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من تعجيل فِطْرِهِ. وكان بِلال يأتيهم بسَحورهم، قال: فأَسترُهم من الفجر (١)، فلمّا أرادوا الخروج قالوا : يا رسول الله، أَمِّرْ علينا رجلاً منَّا يؤمُّنا. فأَمْر عليهم عُثمان بن أبى العاص ، وهو أَصغرهم، لِما رأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من حِرصه على الإِسلام . قال عُثمان : وكان آخر عَهْدِ عَهِده (١) رغبة فى تأخير سحورهم؛ انظر ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٤، ص ١٨٥). ٩٦٩ إِلىّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن اتَّخِذْ مُؤَذِّناً لا يأخذ على أَذانه أجرًا، وإِذا أَممت قوما فاقدُّرهم بأَضعفهم، وإِذا صلَّتَ لنفسك فأَنت وذاك . ثم خرج الوفد عامدين إلى الطائف ، فلمّا دنَوْا من ثقيف قال عبد يالِيل : أَنا أَعلم الناسٍ بشَقيف فاكتموها القضيّة، وخَوِّفوهم بالحرب والقتال ، وأَخيِروهم أَنَّ محمّدًا سألنا أُمورًا عظَّمناها فأَبيناها عليه، يسألنا تحريم الزِّنا والخمر، وأَن نُبطل أموالنا فى الرِّبًا، وأن نهدم الرَّبَّة. وخرجت ثقيف حين دنا الوفد، فلمّا رآهم الوفد ساروا العَنَق (١) وقَطَروا الإِبل (٢). وتغشَّوْا بثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا، فلم يرجعوا بِخَيْرٍ. فلمّا رأت ثَقيف ما فى وجوه القوم حزنوا وكربوا، فقال بعضهم : ما جاء وفدكم بخير ! ودخل الوفد ، فكان أَوّل ما بدأوا به على اللَّات ، فقال القوم حين نزل الوفد إِليها (٣)، وكانوا كذلك يفعلون، فدخل القوم وهم مسلمون فنظروا فيما خرجوا يدرأون به عن أنفسهم ، وقالت ثقيف: كأَنّهم(٤) لم يكن لهم بها عهد ولا برؤيتها ! ثم رجع كلٌّ واحدٍ منهم إلى أهله ، وأتى رجالاً منهم جماعةٌ من ثَقيف فسأَلوهم (٥): ماذا رجعتم به ؟ وقد كان الوفد قد استأذنوا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَن ينالوا منه فرخِّص لهم ، فقالوا : جئناكم من عند رجلٍ فَظُّ. غليظ، يأخذ من أمره ما شاءً، قد ظهر بالسيف، وأَداخ(٦) العرب، ودانَ له الناس، ورُعِبت منه بنو الأصفر فى حُصونهم ، والناس فيه؛ إِمّا راغبٌ فى دينه، وإمّا خائفٌ من السيف، (١) العنق من السير: المنبسط. ( لسان العرب، ج ١٢، ص ١٤٩). (٢) قطر الإبل، يقطرها قطراً: قرب بعضها إلى بعض على نسق. ( لسان العرب، ج ٦، ص ٤١٧ ) . (٣) هكذا فى الأصل، ولا يظهر لنا مقول القول .. ولعل ((قال)) هنا من القيلولة. (٤) فى الأصل: ((فإنهم)). (٥) فى الأصل: ((وأتى رجل منهم حامقة من ثقيف فسألوهم))؛ ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات. (٦) أى أذلهم. (النهاية، ج. ٢، ص ٣٤). ٩٧٠ فعرض علينا أُموراً شديدةً أعظمناها ، فتركناها عليه ؛حرّم علينا الزِّنا، والخمر، والرِّبا، وأَن نهدم الرَّبَّة. فقالت ثقيف: لا نفعل هذا أبدًا. فقال الوفد: لَعَمْرِى قد كرهنا ذلك وأعظمناه، ورأينا أنَّه لم يُنصفنا؛ فأَصلِحوا سلاحكم ، ورُمّوا حِصْنِكم، وانصبوا العَرّادات عليه والمَنْجَنيق، وأَدخلوا طعام سنة أو سنتين فى حِصْنكم ، لا يُحاصركم أكثر من سنتين ، واحفروا خَنْدَقاً من وراء حِصْنكم، وعاجلوا ذلك فإِنَّ أَمره قد ظلَّ لا نأُمنه. فمكثوا بذلك يوماً أو يومين يريدون القتال ، ثم أدخل الله تبارك وتعالى فى قلوبهم الرُّعْب فقالوا : ما لنا به طاقةٌ ، قد أَداخ العرب كلّها ، فارجعوا إليه فأَعطوه ما سأَل وصالحوه ، واكتبوا بينكم وبينه كتاباً قبل أن يسير إِلينا ويبعث الجيوش . فلمّا رأى الوفد أن قد سلَّموا بالقضيّة، ورُعِبوا من النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ورَغِبوا فى الإِسلام، واختاروا الأَمْن على الخوف ، قال الوفد : فإِذَّا قد قاضيناه، وأَعطانا ما أحببناه ، وشرط لنا ما أردنا، ووجدناه أَتقى الناس، وأَبرَّ الناس، وأَوصلَ الناس، وأَوفى الناس، وأصدقَ الناس، وأَرحمَ الناس، وقد تَرَكَنا مِن هَدْمِ الرِّبَّة وأَبينا أَن نهدمها، وقال: ((أَبعثُ مَن يهدمها))، وهو يبعث من يهدمها . قال : يقول شيخٌ من ثَقيف قد بقى فى قلبه من الشِّرْكِ بَعْدُ بقيَّةٌ: فذاك واللهِ مِصْداق ما بيننا وبينه؛ إن قدَر على هَدْمها فهو مُحقٌّ ونحن مُبطلون ، وإِن امتنعتْ ففى النفس من هذا بَعْدُ شىءٌ! فقال عثمان بن العاص: منّتك نفسُك الباطلَ وغرّتك الغرور ! وما الرَّبَّة ؟ وما تدرِى الرَّبَّة مَن عبدها ومن لم يَعبُدها ؟ كما كانت العُزَّى ما تدرى مَن عبدها ومَن لم يَعْبُدها؛ جاءها خالد بن الوليد وحده فهدمها؛ وكذلك إِساف، ونائلة ، وهُبَل، ومَناة ، خرج إِليها رجلٌ واحدٌ فهدمها ؛ وسُواع، خرج إليه رجلٌ ٩٧١ واحدٌ فهدمه ! فهل امتنع شىءٌ منهم ؟ قال الثَّقَفىّ: إِنَّ الرَّبَّة لا تُشبه شيئاً ممّا ذكرتَ . قال عُثمان : سترى ! وأقام أَبو شُفيان والمُغيرة بن شُعْبَة يومين أو ثلاثة ، ثم خرجوا وقد تحگّم ابومُلیح بن عروة ، وقارِب بن الأسود ، وهما یریدان یسیران مع أبى سُفيان، والمُغيرة إِلى هَدْمِ الرَّبَّة، فقال أَبو مُلَيح: يا رسول الله، إِنَّ أَبِى قُتِل وعليه دَينٌ ، مائتا مثقال ذهب ، فإن رأيتَ أَن تقضيه من حُلّ الرَّبَّة فعلتَ . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : نعم . فقال قارب بن الأَسود : يا رسول الله ، وعن الأَسود بن مسعود أَبِى ، فإنه قد ترك ديناً مثل دَين عُروة . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ الأَسود مات وهو كافر . فقال قارب : تَصِل به قرابة، إنما الدَّين علىّ وأَنا مطلوبٌ به. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِذًا أَفعلُ. فقضى عن عُروة، والأسود ، دَينهما من مال الطاغية . وخرج أبو سُفيان والمُغيرة وأصحابهما لَهَدْم الرَّبَّة ، فلمّا دَنَوْا من الطائف قال لأَبِى سُفيان: تقدّمْ فادخلْ لأَمر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم . فقال أَبو سُفيان : بل تقدّمْ أَنت على قومك ! فتقدّم المُغيرة، وأَقام أَبو سُفيان بمالِهِ ذى الهَرْم(١)، ودخل المُغيرة فى بضعةً عشَرَ رجلاً يهدمون الرَّبَّة، فلمّا نزلوا بالطائف نزلوا عِشاءً فباتوا ، ثم غَدَوْا على الرَّبَّة يهدمونها . فقال المُغيرة لأَصحابه الذين قدموا معه : لأُضحكنَّكم اليومَ من ثَقيف. فأَخذ المِعْرَ! واستوى على رأس الرَّبَّة ومعه المِعْوَل، وقام وقام قومه بنو مُعَتِّب دونهدم السلاح مخافةً أَن يُصاب كما فُعِل بعمّه عُروة بن مسعود . وجاءَ أبو سفيان وهو على ذلك فقال: كلاً! زعمت تقدّمنى أَنت إلى الطاغية، تُرانى لو قمتُ أَهدمها كانت بنو مُعَتِّب تقوم (١) هو موضع بقرب الطائف، كما ذكر البكرى. (معجم ما استعجم، ص ٨٣٠).