Indexed OCR Text

Pages 181-200

٥٩٤
فوعَى بُدَيلٌ مقالتَه وركب ، ثم ركبوا إِلى قُرَيش، وكان فى الرَّكْب عمرو
ابن سالم ، فجعل يقول : والهِ لا تُنصرون على مَن يعرض هذا أبدًا،
حتى هبطوا على كُفَّار قُرَيش. فقال ناسٌّ منهم : هذا بُدَيل وأصحابُه،
إنما جاءُوا يُريدون أن يستخبروكم، فلا تسألوهم عن حرفٍ واحدٍ ! فلمّا
رأَى بُدَيل وأصحابُه أنَّهم لا يستخبرونهم قال بُدَيل: إِنَّا جئنا من عند
محمّد، أَتُحِبُّون أَن نُخبركم ؟ قال عِكْرِمَة بن أبى جَهل والحَكّم بن
العاص : لا واللهِ، ما لنا حاجةٌ بأن تُخبرنا عنه! ولكن أَخيِروه عنَّا أَنه
لا يدخلها علينا عامَه هذا أبدًا حتى لا يبقى منَّا رجلٌ . فقال عُروة بن
مَسعود: واللهِ ما رأَيتُ كاليوم رأياً أَعجبَ ! وما تكرهون أن تسمعوا مِن
بُدَيل وأصحابه ؟ فإن أَعجبكم أمرٌ قبلتموه ، وإن كرهتم شيئاً تركتموه ؛
لا يُفلح قومٌ فعلوا هذا أبدًا ! وقال رجالٌ مِن ذوى رأيهم وأَشرافهِم ، صَفوانٌ
ابن أُمَيّة والحارثُ بن هِشام : أَخيِرونا بالذى رأيتم والذى سمعتم . فأخبروهم
بمقالة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم التى قال ، وما عرض على قُرَيْشٍ من المُدَّة،
فقال عُرْوة : يا معشر قُرَيش تتهموننى؟ أَلستم الوالدَ وأَنا الولد ؟ وقد
استنفرتُ أَهلَ عُكاظٍ لِنَصْركم، فلما بَلَّحوا(١) علىّ نفرتُ إليكم بنَفسِى
، وولدى ومَن أَطامنى! فقالوا: قد فعلتَ ! فقال: وإِى ناصحٌ لكم شفِيقٌ
عليكم، لا أَدخرُ عنكم نُصحاً ، وإِنَّ بُدَيلاً قد جاءَكم بخُطَّةِ رُشْدٍ لا يَردُّها
أحد أَبدًا إِلَّا أَخذَ شَرًّا منها ، فاقبلوها منه وابعثونى حتى آتيَكُم بمِصْداقها
مِن عنده، وأنظر إلى من معه وأكون لكم عَيْناً آتيكم بخبره. فبعثَتْهُ قُرَيشٌ
إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وأَقبل عُروة بن مسعود حتى أَناخ راحلته
(١) فى الأصل: ((تلحوا))؛ وما أثبتناه من الزرقانى. وبلحوا: أى امتنعوا من الإجابة.
( شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٢٢٧) .

٥٩٥
عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم أقبل حتى جاءَة ، ثم قال :
يا محمّد، إِنى تركتُ قومَك، كَعبَ بنِ لُوَّىّ وعامر بن ذُوَّىّ على أَعداد(١)
مياه الحُدَيبية معهم العوذُ المطافيل ، قد استنفروا لك أَحابِيشَهم ومَن
أَطاعهم ، وهم يُقسمون بالله لا يُخَلُّون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم.
وإِنما أنت مِن قتالهم بين أَحدٍ أَمرين ، أَن تجتاح قومك ، ولم نسمع
برجلٍ اجتاح أَصلَه قبْلَك؛ أَو بين أَن يَخذُلك مَن نَرى معك، فإنى لا
أَرَى معك إِلَّا أَوباشاً (٢) من الناس، لا أعرفُ وجوهَهم ولا أَنسابَهم .
فغضب أبو بكر الصدِّيق رضى الله عنه وقال: امْصَصْ بَظْرَ اللَّات! أَنحن
نخذله ؟ فقال عُروة : أَما واللهِ لولا يَدُ لك عندى لم أَجْزِك بها بعدُ لأَجبتُك!
وكان عُروة بن مسعود قد استعان فى حَمْل ◌ِيَّةٍ ، فأَعانه الرجل بالفريضتَيْن
والثلاث وأعانَه أَبو بكر بعَشْرٍ فرائض ، فكانت هذه يد أبى بكر عند
عُروة بن مَسْعود . فَطفِقَ مُروةُ وهو يُكلِّم رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يمسُّ لِحْيتَه - والمُغيرةُ قائمٌ على رأس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالسيف،
على وجهه المِغْفر - فَطَفِقِ المغيرةُ كلَّما مسّ لِحِيةَ رسولِ الله صلّى الله عليه
وسلَّم قَرَعِ يدَه ويقول : اكفُفْ يدَك عن مسّ لحيةِ رسول الله قبل ألَّ تصلَ
إليك ! فلمّا أكثر عليه غضب عروةُ فقال : ليت شِعْرِي مَن أَنتِ يا محمد
مِن هذا الذى أَرَى مِن بين أصحابِك؟ فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
هذا ابنُ أَخيك المغيرةُ بن شُعبة . قال: وأنت بذلك يا غُدَر ؟ والهِ ما
غسلتُ عنك عَذِرَتَك إِلَّ بِعُلابِط. (١) أَمس! لقد أَورثتنا العداوةَ مِن ثَقيف
(١) الأعداد: جمع العد بالكسر، وهو الماء الذى له مادة لا تنقطع، كماء العين والبئر.
( الصحاح ، ص ٥٠٣) .
(٢) الأوباش من الناس: الأخلاط مثل الأوشاب، ويقال: هو جمع مقلوب من البوش .
( الصحاح ، ص ١٠٢٤ ) .

٥٩٦
إِلى آخر الدهر ! يا محمّد، أَتدرى كيف صنع هذا ؟ إنه خرج فى رَكْبٍ
من قومه ، فلما كانوا بيننا وناموا فَطَرقهم فتَتَلَهم وأخذ حرائبهم وفَرٌ منهم .
وكان المُغيرة خرج مع نفرٍ من بنى مالك بن حُطَيط بن جُشَم بن قَسِىّ
- والمُغيرة أَحدَ الأحلام(١) - ومع المُغيرة حليفان له يقال لأحدهما دَُّون - رجل
من كِندة - والآخر الشَّريد ، وإنما كان اسمه عمرو، فلمّا صنع المُغيرةُ
بأَصحابه ما صنع شَرّده فسُمّى الشَّريد. وخرجوا إِلى المُقَوْقَس صاحب
الإِسكندرية ، فجاءَ بنى مالك وآثرَهم على المُغيرة فأَقبلوا راجعين ، حتى
إِذا كانوا ببَيْسان(٢) شربوا خمرًا، فكفّ المغيرة عن بعض الشراب وأمسك
نفسه ، وشربتْ بنو مالك حتى سكروا ، فوثب عليهم المُغيرة فقتلهم ،
وكانوا ثلاثةَ عشرَ رجلاً. فلمّا قتلهم ونظر إليهم دَمُّون تَغَيَّب عنهم ، وظنّ
أَنَّ المُغيرة إِما حمله على قَتْلهم السُّكْرُ ، فجعل المُغيرةُ يطلب دمُّونَ ويصبح
به فلم يأتِ ، ويُقلِّب القتلى فلا يراه فبكى ، فلما رأى ذلك دَمُّون خرج
إليه فقال المغيرة : ما غَيّبك ؟ قال : خشيتُ أَن تقتلى كما قتلت القوم .
قال المُغيرة : إِنما قتلتُ بنى مالك بما صنع بهم المقَوقَس . قال: وأخذ
المُغيرةُ أَمتعتَهم وأموالهم ولحق بالنبى صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقال النبى
صلَّى الله عليه وسلَّم: لا أُخمّسُه، هذا غَدْر! وذلك حين أُخبر النبيُّ صلَى الله
عليه وسلَّم خبرَهم . وأَسلم المغيرةُ ، وأَقبل الشَّريدُ فقدم مكَّة فأخبر أبا سفيان
ابن حَرَب بما صنع المُغيرةُ ببنى مالك ، فبعث أَبو سُفيان مُعاويةً بن أبى
= فى الأصل: ((بعلاط))؛ ولعل ما أثبتناه أقرب الاحتمالات . والعلابط: القطيع من الغنم.
(القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣٧٤). وقد حمل عروة الدية عن الثقفيين الذين قتلهم
[ انظر السطر الأخير من الصفحة السابقة ٥٩٥ ]
المغيرة قبل إسلامه .
(١) الأحلام: ذوو الألباب والعقول. (النهاية ج ١، ص ٢٥٥).
(٢) بيسان: موضع بين خيبر والمدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٦٨).

٥٩٧
سُفيان إلى عُروة بن مسعود يُخبره الخبر - وهو المُغيرة بن شعبة بن أبى عامر
ابن مَسعود بن مُعَتِّب - فقال معاوية : خرجتُ حتى إِذا كنت بنَعْمان (١)
قلتُ فى نفسى : أَين أَسلكُ ؟ [إِن سلكتُ] ذا غِفار فهى أَبعدُ وأَسهل ،
وإِن سلكتُ ذا العَلَقَ(٢) فهى أَغلظُ. وَأَقرب . فسلكتُ ذا غِفار فطرقتُ عُروةً بن
مَسعود بن عمرو المالكىّ ، فواللهِ ما كلَّمتُه منذ عشر سنين والليلةَ أُكلِّمُه .
قال : فخرجنا إِلى مَسعود فناداه ◌ُروةُ فقال : مَن هذا ؟ فقال: عُروة .
فأَقبل مَسعودٌ إِلينا وهو يقول: أَطرقتَ [عراهية] (٣) أَم طرقتَ بِداهية ؟
بل طرقتَ بِداهية ! أَقَتَلَ ركِبُهم رَكْبَنا أَم قتل رَكْبُنَا رَكِبَهم ؟ لو قَتل
ركبُنا ركبَهم ما طَرَقنى عروةُ بن مَسعود! فقال عُروةٍ: أَصبتَ ، قَتَل (٤)
رَكْبِى رَكْبَك يا مسعود ، انظرْ ما أَنت فاعل ! فقال مَسعود : إنى عالم
بحِدة بنى مالك وسُرعتهم إلى الحرب، فَهَبْنِى صَمْتاً . قال : فانصرفنا عنه ،
فلمّا أَصبح غدا مسعود فقال : بنى مالك ، إنه قد كان من أَمر المُغيرة بن
شُعبة أَنه قَتلَ إِخوانَكم بنى مالك فأَطيعونى وخُذُوا الدِّيَة ، اقبلُوها مِن بنى
عمِّكم وقومكم . قالوا : لا يكون ذلك أبدًا، واللهِ لا تُقِرّك الأَحلافُ أبدًا
حين تَقبلُها . قال : أَطيعونى واقبلوا ما قلتُ لكم ، فواللهِ لكأَنى بكِنانةً بن
عبد يالِيل قد أَقبل تضرب دِرعُه رَوْحَتَى (٥) رِجْلَيه، لا يُعانِق رجلاً إِلَّا
(١) نِعمان: واد لهذيل على ليلتين من عرفات. وقال الأصمعى: واد يسكنه بنوعمرو بن الحارث
ابن تميم بن سعد بن هذيل، بين أدناه ومكة نصف ليلة، به جبل يقال له المدراء . ( معجم
البلدان ، ج ٨، ص ٣٠٠) .
(٢) ذو علق: جبل معروف فى أعلاه هضبة سوداء. ( معجم البلدان ، ج ٦، ص ٢١٠).
(٣) كلمة غامضة فى الأصل. وما أثبتناه من النهاية لابن الأثير (ج ٣، ص ٨٩)، وعنه نقل
صاحب اللسان (ج ١٩، ص ١٨٠)، والزّبيدى فى تاج العروس (ج ٩، ص ٣٩٨).
(٤) فى الأصل: ((قتلى ركبى)).
(٥) لأنه كان أروح. والأروح: هو الذى تتدافى عقباه ويتباعد صدرا قدمیه. ( الهاية
ج ٢، ص ١١٠).

٥٩٨
صَرَعه ؛ واللهِ لكأَنى بجُنْدُب بن عمرو وقد أَقبلَ كالسّيد عاضًّا على سَهْمٍ
مُفَوَّقٍ بآخر ، لا يسير إلى أَحدٍ بسهمه إِلَّا وضعه حيث يُريد ! فلما غلبوه
أَعدَّ للقتال واصطفّوا، أَقبل كِنانةُ بن عبد ياليل يضرب دِرعُهُ رَوْحَتَى
رِجْلَيْه يقول: مَن مُصارِعٍ؟ ثم أَقبلَ جُنْدُب بن عمرو عاضًّا سهماً مُفَوَّقاً
بآخَر . قال مسعود: يا بنى مالكٌ أَطِيعُونى! قالوا: الأَمرُ إِليك! قال:
فبرز مَسعود بن عمرو فقال : يا عُروة بن مسعود اخرجْ إِلىّ ! فخرج إليه
فلمّا التقيا بين الصَّفَّين قال : عليك ثلاث عشرة دِيةً ، فإِنَّ المُغيرة قد
قتل ثلاثةَ عشر رجلًا فاحمِلْ بدياتهم . قال عُروة : حملتُ بها، هى علىّ !
قال : فاصطلح الناسُ . قال الأعشى أَخو بنى بكر بن وائل :
تَحمّلَ عُرْوَةُ الأَحلافِ(١) لمَّا رأَى أَمرًا تَضيقُ به الصُّدورُ
ثلاثَ مِئِينَ عاديةً وأَلفاً كذلكَ يَفعلُ الجَلْدُ الصَّبورُ
قال الواقدىّ : فلما فرغ عروة بن مسعودٍ مِن كلام رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم ورد عليه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما قال لبُدَيل بن ورقاء
وأصحابِهِ و كما عرض عليهم من المدّة، ركب عُروةُ بن مسعود حتى
أَنِى قُرَيشاً فقال: يا قوم ، إنى قد وفدت على الملوك ، على كِسرى وهِرَفْل
والنَّجاشىّ، وإنىّ واللهِ ما رأيتُ ملِكأَ قَطُّ أَطوعَ فيمن هو بينَ ظَهْرانَيْه من
محمد فى أَصحابه ؛ واللهِ ما يُشِدّون إليه النظر ، وما يرفعون عنده الصوت ،
وما يكفيه إِلَّا أَن يُشير إلى أَمرٍ فيُفعل، وما يتنخَّم وما يَبصُق إِلَّ وقعت
فى يَدَىْ رجلٍ منهم يمسح بها جِلْدَه، وما يتوضّأُ إِلَّ ازدحموا عليه أَيُّهم يظفر
منه بشىءٍ ؛ وقد حزرتُ القوم ، واعلموا أنَّكم إن أردتْ السيفَ بذَلُوه لكم ؛
وقد رأيتُ قوماً ما يُبالون ما يُصنَع بهم إذا منعوا صاحِبهم ؛ واللهِ لقد رأيتُ
(١) فى الأصل: ((الأخلاف)).

٥٩٩
ذُسَيَّاتٍ معه إِنْ كُنَّ لَيُسلمنه أبدًا على حال ؛ فروا رأيكم، وإِيَّكم
وإضجاعَ الرأى (١). وقد عرض عليكم خُطَّةً فمادُّوه ! يا قوم ، اقبلوا ما
عرض فإنّى لكم ناصح، مع أَنّى أَخافُ أَلَّا تُنصَروا عليه ! رجلٌ أَتى هذا
البيتَ مُعظِّماً له ، معه الهَدْى ينحره وينصرف! فقالت ذُرَيش : لا تكلّمْ
بهذا يا أَبا يعْفور (٢)! لو غَيْرُك تكلَّم بهذا لَلُمْناه، ولكن نردّه عن البيت
فى عامِنا هذا ويرجع إلى قابِلٍ .
قالوا : ثم جاءَ مِكْرز بن حَقص بن الأَخيف ، فلما طلع ورآه رسولُ
الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : إِنَّ هذا رجلٌ غادر ! فلما انتهى إلى النبى
صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّمه بنحوٍ ممّ كلَّمه أصحابُه، فلمّا انتهى إلى قُريشٍ
أَخبرهم بما رد عليه . فبعثوا الحُلَيس بن عَلْقَمَة - وهو يومئذٍ سيّدُ الأحابيش-
فلما طلع الحُلَيس قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هذا مِن قوم يعظِّمون
الهَدى ويتأَلَّهون(٣)، ابعثوا الهَدْى فى وجهه حتى يَرَاه. فبعثوا الهَدْى،
فلمّا نظر إلى الهَدْى يَسيل (٤) فى الوادى عليه القلائد، قد أَكلَ أَوْبَارَه (٥)
يُرجِّع الحنين. واستقبله القومُ فى وجهه يُلَبُّون ، قد أَقَاموا نِصْف شهر قد
تَفِلوا(٦) وشَعِثُوا، رجع ولم يَصِلْ إِلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِعظاماً لما
رأَى ، حتى رجَعَ إلى قُرَيْشٍ فقال: إِلَى قد رأيت ما لا يَحِلُّ صَدُّه، رأيتُ
الهدْىَ فى قلائدِه قد أَكل أَوبارَه، مَعَكُوفاً عن مَحِلِّه، والرجال قد تفِلُوا
وقَوِلوا أَن يطُوفوا بهذا البيت! أَما واللهِ ما على هذا حالفناكم ، ولا عاقدناكم
(١) أى الوهن فى الرأى. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٥٥).
(٢) فى الأصل: ((أبا يعقوب))؛ وما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ح ٧ . ص ٣٦٩).
(٣) التأله: التعبد والتنسك. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢٨٠).
(٤) يسيل: أى يسرع. ( شرح أبى ذر ، ص ٢٤١).
(٥) أى من طوا الحبس. انظر ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٧٠).
(٦) السل : ترك استعمال الطيب. (النهاية ، ج ١، ص ١١٦)

٦٠٠
على أَن تَصدُوا عن بيت الله مَن جاءَ مُعظِّماً لِحُرْمتِهِ مُؤَّدِّيًا لِحقِّه ، وساق
الهَدْىَ معكُوفاً أَن يبلغ محِلَّه؛ والذى نفسى بيده لَتُخَذُّنَّ بينَه وبين ما جاءَ
به . أَوِ لأَنْفِرَنَّ بالأَحابيش نفرةَ رجلٍ واحدٍ! فالوا : إِنما كلُّ ما رأَيتَ مكيدةٌ
من محمّدٍ وأَصحابه ، فاكفُفْ عدَّا حتى فأُخذَ لأَنفسنا بعضَ ما نرضى به .
وكان أَوّ مَن بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى قُرَيِشِ خِراش بن أُمَيَّةً
الكعبىّ على جملٍ لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُقال له الثَّعلب، لِيُبلِّغ
أَشرافَهم عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما جاءً له ، ويقول : إِنما جئنا
مُعتوِرين ، معنا الهَدْى مَعْكُوفاً، فنطوف بالبيت ونُحِلٌ وننصرف . فعقروا
جمالَ النبى صلَّى الله عليه وسلَّم، والذى ولِىَ عَقْرَه عِكْرِمَةُ بن أبى جهل
وأراد قَتْلَه. فمنعه مَن هناك مِن قومه حتى خَدُّوا سبيل خِراش ، فرجع إلى
النبى صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يكد (١)، فأخبر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم
بما لقى فقال : يا رسول الله ابعثْ رجلاً أَمنَع متِّى! فدَعا رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم عمرَ بن الخطّاب ليبعثَه إِلى قُرَيشٍ ، فقال: يا رسول الله، إِنى
أَخافُ قُرَيشاً على نفسى٠، قد عرفت قُريشٌ عداوتى لها ، وليس بها مِن بنى
عَدَىٌّ مَن يَمنعُنِى، وإِن أَحببتَ يا رسول الله دخلتُ عليهم. فلم يقل رسولُ
الله صلَّى الله عليه وسلَّم شيئاً. قال عمر : ولكن أَدلُّك يا رسول الله على رجلٍ
أَعَزَّ بمكَّةٍ مِنِّى، وأكثر عشيرةً وأَمنع، عُثمان بن عَمَّان. فدعا رسولُ الله صلَّى
الله عليه وسلَّم عُمانَ رضى الله عنه فقال: اذهَبْ إِلى قُرَيش فخَبِّرْهم أَنَّا
لم نأت لقتال أَحد، وإنما جئنا زُوّارًا لهذا البيت، مُعظِّمين لِحُرمته ،
معنا الهَدْى ننحره وننصرف. فخرج عُثمان حتى أَنى بَلْدَح، فيجدُ قُرَيشاً
هنالك فقالوا : أَين تُريد ؟ قال : بعثنى رسولُ الله إليكم . يدعوكم إلى الله
(١) أى ما كاد يرجع إلا بشق النفس

٦٠١
وإِلى الإِسلام ، تدخلون فى الدين كافَّةً، فإِنَّ الله مُظهرُ دينِهِ ومُعزُّ نبِيّه !
وأُخرى تكُّون ، ويَلى هذا منه غيرُكم ، فإن ظفروا بمحمّدٍ فذلك ما أَردتم ،
وإِن ظفر محمّدٌ كنتم بالخيار . أَن تدخلوا فيما دخل فيه الناس أَو تُقاتلوا
وأَنتم وافرون جاءّون؛ إِنَّ الحرب قد نهكتكم وأَذهبتْ بالأَّماثِل منكم ! وأُخرى،
إِنَّ رسولَ الله يُخبركم أنه لم يأت لقتال أَحد، إنما جاءَ مُعتمِرًا، معه الهَدْى
عليه القلائد ينحره وينصرف . فجعل عُمانُ رضى الله عنه يُكلّمهم فيأتيهم
بما لا يُريدون، ويقولون : قد سمعنا ما تقول ولا كان هذا أبدًا ، ولا دخلها
علينا عَذْوةً ، فارجعْ إِلى صاحبك فأخبره أنه لا يصل إلينا . فقام إليه أَبان
ابن سعيد بن العاص، فرحَّبَ به وأجازَه وقال : لا تَقْصِرْ عن حاجتك !
ثم نزل عن فرسٍ كان عليه فحمَلَ عُثْمانَ على السَّرْجِ ورَدَفه وراءَه ،
فدخل عُثمانُ مكَّة ، فأَتَى أَشرافَهم رجلاً رجلاً، أَبا سُفيان بن حرب ، وصّفوانَ
ابن أُمَيّة وغيرَهم ، منهم مَن لقى ببَلدَح ومنهم مَن لقى بمكّة ، فجعلوا يردّون
عليه : إِنَّ محمّدًا لا يدخلها علينا أبدًا ! قال عُثَانُ رضى الله عنه: ثم كنت
أَدخل على قوم مؤمنين مِن رجالٍ ونساءٍ مُستضعَفين فَأَقُولُ : إِنَّ رسولَ اللهِ
يبشِّرُكم بالفَتْح ويقول: ((أُظلُكم حتى لا يستخفى بمكَّةُ الإِيمان))(١). فقد
كنتُ أَرى الرجل منهم والمرأة تنتحب حتى أَظنَّ أَنه يموت فرحاً بما خبَّرتُه،
فيسأل عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيُخفِى المسألة، ويشتدّ ذلك
[على] أنفسهم، ويقولون: اقْرَأْ على رسول الله منَّا السلام؛ إِنَّ الذى
أَنزله بالحُدَيبية لقادرٌ أَن يُدخله بَطْنَ مَّة! وقال المسلمون : يا رسول الله ،
وصل عُمانُ إِلى البيت فطاف! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
ما أَظنُّ عُمَّانَ يطوفُ بالبيت ونحن محصورون. قالوا : يا رسول الله ،
(١) فى الأصل: ((بالإيمان)).

٦٠٣
وما يمنعه وقد وصَل إلى البيت ؟ فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ظنِّى به
أَلَا يطوفَ حتى نَطوف، فلمّا رجع عُثمان رضى الله عنه إلى النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم قالوا : اشتفيتَ مِن البيت يا عبد الله! قال عُثمان: بِئْسَ ما ظننتم بى!
لو كنتُ بها سنةٌ والنبِىُّ مقيمٌ بالحُدَيبية ما طفتُ ، ولقد دعتنى قُريشُ إِلى
أَن أَطوفَ فأَبيتُ ذلك عليها . فقال المسلمون: لَرسول الله كان أَعلمَنا
باللهِ تعالى وأَحسنَنَا ظنًّا .
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأمر أصحابَه بالحُدَيبية يتحارسون
الليل ، وكان الرجل من أصحابه يبيت على الحرس حتى يُصبح يُطيف
بالعسكر ، فكان ثلاثةٌ من أصحابه يتناوبون الحراسة : أَوس بن حَوْلىّ،
وعَّاد بن بِشر، ومحمّد بن مَسْلَمَة. فكان محمّد بن مَسْلَمَة على فرس
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليلةً من تلك الليالى وعُمان بِمَّة بعدُ ، وقد كانت
قُرَيْشٌ بعثت ليلًا خمسين رجلاً، عليهم مِكْرَز بن حَفص ، وأمروهم
أَن يُطيفوا بالنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم رجاءَ أَن يُصيبوا منهم أحدًا أَو يُصيبوا
منهم غِرَّة، فأَخذهم محمّد بن مَسْلَمَة وأصحابُه ، فجاءَ بهم إلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان عُثمان بمكّة قد أَقام بها ثلاثاً يدعو قُرَيشاً، وكان
رجال من المسلمين قد دخلوا مكَّة بإذن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على
أهليهم ؛ فبلغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّ عُمان وأصحابَه قد قُتِّلوا،
فذلك حين دعا إلى البيعة. وبلغ قُرَيشاً حَبْسُ أَصحابهم ، فجاءٌ جَمْعٌ
من قُرَيِشِ إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلّ وأصحابِه حتى تَرامَوا بالنبل والحجارة،
وأسروا أيضاً مِن المشركين حينئذٍ أَسْرَى، ثم إنَّ قُريشاً بعثوا سُهَيل بن
عمرو وحُويْطِب بن عبد العُزَّى ومِكْرَز بن حَفص، فأَقْبل رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم يومئذ يَوْم منازِلَ بنى مازن بن النَّجار ، وقد نزلتْ فى ناحية من

٦٠٣
الحُديبية جميعاً. قالت أُمُّ عُمارة: والرُّسُلُ تختلف بين رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم وبين قُرَيش، فمرَّ بنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً
فى منزلنا . قالت : فظننتُ أَنه يُريد حاجةً فإذا هو قد بلغه أَنَّ عُثمان بن
عَذَّان رضى الله عنه قد قُتل، فجلس فى رِحالنا ثم قال : إِنَّ الله أمرنى
بالبيعة . قالت : فأَقْبل الناسُ يُبايعونه فى رِحالنا حتى تدارك الناس ،
فما بقى لنا مَتَاعٌ إِلَّا وُطِىءَ! وزوجُها غَزَبةُ بن عمرو . وقالت : فبايع رسولَ
الله صلَّى الله عليه وسلَّم الناسُ يومئذٍ . قالت : فكأَنى أنظرُ إلى المسلمين
قد تَلبّسوا السّلاح، وهو معنا قليلٌ؛ إنما خرجنا عُمارًا، فأَنا أَنظرُ إلى غَزَيّة
ابن عمرو وقد توضّح بالسيف ، فقمتُ إلى عمودٍ كنَّا نستظل به فأخذتُه
فى يدى، ومعى سِكِّين قد شددتُه فى وسطى ، فقلت: إِنْ دنا منى أَحدُ
رجوتُ أَن أَقتله . فكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ يبايع الناس ،
وعمر بن الخطّاب رضى الله عنه آخِذٌ بيده، فبايعهم على أَلَّا يَفِرُّوا. وقال
قائل : بايَعهم على الموت . ويُقال : أَوَّلُ الناس بايع سِنانُ بن أبى سِنان
ابن مِحصن ، فقال : يا رسول الله ، أبايعك على ما فى نفسك . فكان
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُبايع الناس على بيعة سنان بن أبى سِنان،
وكان المسلمون الذين دخلوا على أهليهم عشرةً من المهاجرين ؛ كُرز بن
جابر الفِهْرِىّ، وعبدُ الله بن سُهَيل بن عمرو ، وعَياش بن أبى ربيعة ،
وهِشام بن العاص بن وائل ، وحاطب بن أَبى بَلْتَعَة ، وأَبو حاطب بن
عمرو بن عبد الشّمْس، وعبد الله بن حُذافة، وأَبو الرُّوم بن عُمَير ،
وعُمَير بن وهب الجُمحىّ ، وعبد الله بن أَبِى أُمَية بن وهب حليف سُهَيل
فى بنى أَسد بن عبد العُزَّي .
فلما جاءَ سُهَيل بن عمرو قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم : سهُلَ أَمرُهم!

٦٠٤
قال : من قاتَلَك لم يكن مِن رأَى ذَوِى رأينا ولا ذوى الأحلام منَّا ؛ بل
كثَّا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به ، وكان مِن سفهائنا ! فابعث إلينا
بأَصحابنا الذين أَسرتَ أَوّلَ مرة والذين أَسرتَ آخرَ مرّة ! فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنِّى غيرُ مُرسِلهم حتى تُرسل أَصحابى . قال سُهَيل:
أَنصفتَنا! فبعث سُهَيلُ بن عمرو وحُوَيْطِبُ بن عبد العُزَّى ومكرَّزُ بن حَفص
إلى قُرَيَشِ الشُّتَيْمَ بن عبد مَناف النَّيمىّ : إِنكم حبستم رجالاً مِن أَصحاب
محمدٍ بينكم وبينهم أَرحام ، لم تقتلوهم وقد كدًّا لذلك كارهين ! وقد أَبِى
محمّدٍ أَن يُرسل مَن أَسر مِن أصحابكم حتى تُرسلوا أصحابَه، وقد أَنصفَنا ،
وقد عرفتم أَنَّ محمّدا يُطلق لكم أصحابَكم . فبعثوا إِليه بمَن كان عندهم ،
وكانوا أَحدَ عشرَ رجلاً، وأَرسل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أصحابَهم
الذين أُسِروا أَولَ مرَّةً وَآخر مرَّة، فكان فيمن أُسِر أَوّل مرَّة عمرو بن أَبِى
سُفيان. وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُبايع الناس يومئذٍ تحتَ
شجرةٍ خضراءَ، وقد كان ممّا صنع اللهُ للمسلمين أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم أَمر مناديه فنادى: إِنَّ رُوحَ القُدُسِ قد نزل على الرسول وأمر بالبيعة،
فاخْرُجوا على اسم الله فبايِعُوا . قال ابن عمر : فخرجتُ مع أَبى وهو يُنادى
للبيعة ، فلمّا فرغ من النداء أرسلنى أَبى إلى النبى صلَّى الله عليه وسلَّم
أُخبِرُه أَنِّى قد أَذَنتُ الناس. قال عبد الله: فأَرجِعُ فَأَجِدُ رسولَ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم يُبايع الناس ، فبايعتُه الثانيةَ. قال عبدُ الله لعمر أَن يرجعَ إِلى
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأذن له فرجع؛ وكان يُمسكُ بيد النبى صلَّى
الله عليه وسلَّم وهو يُبايع . فلمّا نظرتْ قُريْش - سُهَيل بن عمرو، وحُوَيْطِب
ابن عبد العُزَّى ومن كان معه ، وعيون قُرَيش - إِلى ما رأَت من سرعة الناس
إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب ، اشتدَّ رعبُهم وخوفهُم وأسرعوا إلى القضيّة.

٦٠٥
فلما رجع عُثمانُ رضى الله عنه أَتَى به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى الشجرة
فبايعه ؛ وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال : إِنَّ عُثمان ذهب فى حاجة
الله وحاجة رسوله ، فأَنا أُبايع له ! فضرب يمينه على شِماله .
قال الواقدىّ: حدّثْنى جابر بن سُلَيم ، عن صفوان بن عُثمان ، قال:
فكانت قُرَيش قد أرسلت إلى عبد الله بن أُبَىّ: إِن أَحببتَ أَن تدخل فتطوف
بالبيت فافعلْ. وابنُه جالس عنده فقال له ابنُه: يا أَبتِ ، أُذكِّرك الله
أَن تَفْضَحنا فى كلّ موطن ؛ تَطوف بالبيت ولم يَطُفْ رسولُ الله ؟ فأَبَى
ابنُ أُبَىّ وقال : لا أَطوفُ حتى يطوف رسول الله. فبلغ رسولَالله صلَى الله عليه
وسلَّم كلامُه ذلك فسُر به. ورجع حُوَيْطِب بن عبد العُزَّى وسُهَيل بن عمرو
ومِكْرَز بن حَفص إلى قُرَيش ، فأخبروهم بما رأوا مِنْ سرعة أصحاب رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم إلى البيعة ، وما جعلوا له ، فقال أَهلُ الرأى منهم :
ليس خيرٌ مِن أَن نُصالح محمّدًا على أن ينصرف عنَّا عامَه هذا ويرجعَ قابل،
فيقيم ثلاثاً وينحر هَدْيَه وينصرف ، ويُقيم ببلدنا ولا يدخل علينا . فأَجمعوا
[على] ذلك، فلمّا أَجمعتْ قُرَيشٌ على الصُّلْحِ والموادعة بعثوا سُهَيل بن
عمرو ومعه حُوَيْطِب بن عبد العُزَّى ومِكْرَز بن حَقص وقالوا : انتِ محمّدًا
فصالِحْه، وليكنْ فى صُلْحك لا يدخل فى عامِه هذا، فواللهِ لا يتحدّثُ
العربُ أَنَّك دخلتَ علينا عَنْوَةٌ . فَتَى سُهَيل للنبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلما
رآه النبى صلَّى الله عليه وسلَّم حين طلع قال: أَراد القومُ الصَّلْح. فكلَّم
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأَطال الكلام ، وتراجعوا ، وترافعت الأصوات
وانخفضت .
فحدّثنى يعقوب بن محمّد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ، عن الحارث
ابن عبد الله بن كعب ، قال : سمعتُ أُمَّ عُمارة تقول: إنى لأَنْظرُ إلى

٦٠٦
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً يومئذٍ مُتْرَبِّعاً، وإِنَّ عبّادَ بن بِشر
وسَلَمة بن أسلم بن حَريش مُقَنَّعان بالحديد، قائمان (١) على رأس النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم، إِذ رَفَع سُهَيل بن عمرو صوتَه قالا: اخفِضْ من
صوتك عند رسول الله! وسُهَيل بارِكٌ على رُكبتَيْه، رافعٌ صوتَه كأَّى أَنظُر
إلى عَلَمْ (٢) فى شفته وإِلى أَنيابه، وإِنَّ المسلمين لَحَوْلَ رسولِ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم جُلوس .
قالوا : فلما اصطلحوا فلم يبق إلَّ الكتاب، وثب عمر إلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، ألسنا بالمُسلمين ؟ قال رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم : بَلَى! قال: فعَلام نُعطِى الدَّنيّة فى ديننا ؟ فقال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: أَنا عبدُ الله ورسولُه، ولن أُخالف أَمرَه،
ولن يُضيِّعنى. فذهب عمر إِلى أبى بكر رضى الله عنه فقال : يا أبا بكر ،
ألسنا بالمسلمين ؟ فقال : بلىَ! فقال عمر : فلِمَ نُعطى الدَّنيَّة فى ديننا ؟
فقال أبو بكر: الزمْ غَرْزَه (٣)! فإنى أَشهدُ أَنَّه رسولُ الله، وأَنَّ الحقّ ما
أُمِر به، ولن نُخالف أمر الله ولن يُضيّعَه اللهُ! ولقى عمر مِن القضية أمرًا
كبيرًا، وجعل يردّ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الكلام ويقول :
علامَ نُعطى الدَّنيَّة فى ديننا؟ فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول :
أَنا رسولُ الله ولن يُضيِّعَنى! قال : فجعل يردّ على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
الكلام . قال : يقول أَبو عُبَيدة بن الجَرّاح: أَلا تسمع يا ابن الخطَّب
رسول الله يقول ما يقول ؟ تعوّذْ بالله من الشيطان واتَّهِمْ رأيك ! قال عمر
رضى الله عنه : فجعلت أَتعوّذُ بالله من الشيطان الرجيم حياءً، فما أصابنى
(١) فى الأصل: ((قائمين)).
(٢) العلم: الشق فى الشفة العليا. (الصحاح ، ص ١٩٩٠).
(٣) أى الزم أمره. والغرز الرحل بمنزلة الركاب السرج. (شرح أبى ذر، ص ٣٤١).

٦٠٧
قطُّ. شىءٌ مثل ذلك اليوم ، ما زلتُ أَصوم وأَتصدّق مِن الذى صنعت مخافةً كلامى
الذى تكلَّمت يومئذٍ . فكان ابنُ عبّاس رضى الله عنه يقول : قال لى عمر
فى خلافته ، وذكر القضيّة: ارتبتُ ارتياباً لم أَرتبْه منذُ أَسلمتُ إلاَّ
يومئذٍ ، ولو وجدت ذلك اليوم شيعةً تخرج عنهم رغبةً عن القضية لَخرجتُ .
ثم جعل الله تبارك وتعالى عاقِيتَها خيرًا ورشدًا، وكان رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم أَعلمَ .
قال أبو سَعيد الخُدرىّ : جلستُ عند عمر بن الخطَّب رضى الله عنه
يوماً ، فذكر القضيّة فقال : لقد دخلنى يومئذٍ مِن الشكِّ، وراجعتُ النبىَّ
صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ مراجعةً ما راجعتُه مثلها قَطُّ.، ولقد عَتقتُ فيما
دخلنى يومئذٍ رِقاباً، وصمتُ دهرًا، وإنى لأَذكرُ ما صنعتُ خالياً فيكون
أكبر همّى ، ثم جعل الله عاقبة القضيّة خيرًا، فينبغى للعباد أَن يَتَّهموا
الرأى؛ واللهِ لقد دخلنى يومئذٍ من الشكِّ حتى قلتُ فى نفسى: لو كنَّ مائةً
رجلٍ على مِثْل رأى ما دخلنا فيه أبداً! فلمّا وقَعت القضيّة أَسلمَ فى الهدنة
أكثرُ ممّن كان أَسلم من يوم دعا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى يوم
الحُدَيبية ، وما كان فى الإِسلام فتحٌ أَعظم من الحُدَيبية . وقد كان أصحابُ
رسول الله صلَى الله عليه وسلَّم يكرهون الصُّلْحِ، لأنهم خرجوا لا يشكُّون فى
الفتح لِرُويا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَنه حلق رأسه، وأنه دخل البيت،
فِأَخذ مفتاح الكعبة ، وعرف مع المُعرِّفِين! فلمّا رأوا الصُّلْحَ دخل
الناسَ من ذلك أمرٌ عظيمٌ حتى كادوا يهلكون . فبينا الناس على ذلك قد
اصطلحوا والكتاب لم يُكتبْ، أَقبل أبو جنْدَل بن سُهَيل، قد أَفلت يَرَسفُ
: فى القيد مُتُوشِّح السيفِ خَلا له أَسفلُ مكَّة ؛ فخرج من أسفلها حتى أَنى
ا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يُكاتب سُهَيلاً، فرفع سُهَيْلٌ رأسَه فإذا

٦٠٨
بابنه أَبِى جَنْدَل ، فقام إليه سهيل فضرب وجهه بغُصْنِ شوكِ وأَخذ
بلَبَّته وصاح أَبو جَنْدَل بأعلى صوته : يا معشرَ المسلمين، أُرَدّ إِلى المشركين
يفتِنوننى فى دينى ؟ فزاد المسلمين ذلك شرًّا إلى ما بهم، وجعلوا يبكون لكلام
أَبِى جَنْدَل. قال: يقول حُويْطِب بن عبد العُزَّى لمِكْرَز بن حَقص : ما
رأيتُ قوماً قَطُ. أَشدَّ حُبًّا لمن دخل معهم مِن أصحاب محمّدٍ لمحمّد وبعضِهم
لبعض ! أَما إِنى أَقولُ لك لا تأخذ مِن محمّدٍ نَصَفاً أبدًا بعد هذا اليوم ،
حتى يدخلها عَنْوةً! فقال مِكْرَز: أَنا أَرى ذلك . وقال سُهَيل: هذا أَول
ما قاضيتُك عليه، رُدُّوه! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّا لم نقضِ
الكتابَ بعدُ. فقال سُهَيل : واللهِ لا أُكاتبك على شىءٍ حتى تردَّه إِلىّ.
فردّ ه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فكلَّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سُهَيلاً
أن يتركه فأَبى سُهَيل، فقال مِكْرَز بن حَفص وحُوَيْطِب : يا محمّد ،
نحن نُجيره لك. فأَدخلاه فُسطاطً فأَجاراه ، وكف أَبوه عنه . ثم رفع
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم صوته فقال: يا أبا جَندَل، اصبرْ واحتسبْ،
فإِنَّ اللّه جاعِلٌ لك ولمَنْ معك فرجاً ومَخَرَجاً! إِنَّا قد عقدنا بيننا وبين القوم
صُلْحاً، وأعطيناهم وأَعطونا على ذلك عَهْدًا، وإِنَّا لا نَغْدُر! وعاد عمر إلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، ألستَ برسولِ الله ؟ قال: بَلَى.
قال : أَلسنا على الحقّ ؟ قال: بَلَى. قال: أَليس عدوّنا على الباطل ؟ قال :
بَلَى. قال : فلِمَ نُعطِى الدَّنية فى ديننا ؟ قال رسول الله : إِنى رسولُ الله ،
ولن أَعصِيَه ولن يُضيِّعنى . فانطلق عمر حتى جاءً إلى أبى بكر فقال له مثلَ
ما قال للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال أبو بكر: إِنه رسول الله ولن
يَعْصِيه ولن يُضيِّعه، ودَعْ عنك ما تَرَى يا عمر ! قال عمر : فوثبت إِلى أَبِى
جَنْدَل أَمشى إلى جنبه. وسُهيل بن عمرو يدفعه ، وعمر يقول : اصبرْ

٦٠٩
يا أَبا جَنْدَل، فإنما هم المشركون، وإنما دَمُ أَحدِهٍِ دَمُ كلب ، وإِنما هو
رجل وأنت رجل ومعك السيف! فرجوتُ أَن يأُخذَ السيفَ ويضرب أَباه ،
فضَنَّ الرجلُ بأَبيه . فقال عمر : يا أَبا جَنْدَل ، إِنَّ الرجل يقتل أَباه فى
الله، واللهِ لو أدركنا آباءنا لقتلناهم فى الله، فرجلٌ بِرجلٍ ! قال : وأَقبل
أَبو جَنْدَل على عمر فقال : مالك لا تقتله أَنت ؟ قال عمر : نهانى رسولُ
الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن قَتْلِهِ وقَتْلِ غيرِه . قال أَبو جَنْدَل: ما أَنت بأَحقَّ
بطاعةٍ رسول الله منِّى ! وقال عمر ورجالٌ معه مِن أَصحاب النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم : يا رسول الله ، ألم تكن حدثتَنا أَنك ستدخل المسجد الحرام ،
وتأخذُ مفتاحَ الكعبة وتُعرّف مع المُعرِّفِين؟ وهَدْيُنا لم يَصِلْ إِلى البيت ولا
نحن ! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : قلتُ لكم فى سفركم هذا ؟
قال عمر: لا . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَما إنكم ستدخلونه ،
وآخذُ مفتاح الكعبة ، وأَحلقُ رأسى ورؤُوسَكم ببطن مكَّة، وأُعرّف مع
المُعرِّفِين! ثم أقبل على عمر فقال: أَنسيتم يومَ أُحُدٍ إِذْ تُصِعِدون ولا تَلْوُون
على أحدٍ وأَنا أَدعوكم فى أُخراكم ؟ أَنسيتم يوم الأَحْزاب إِذْ جاءوكم مِن
فوقكم ومن أَسفلَ منكم ، وإِذ زاغت الأبصارُ وبلغت القلوب الحناجر ؟
أَنسيتم يوم كذا ؟ وجعل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُذكِّرهم أُمورًا -
أنسيتم يوم كذا ؟ فقال المسلمون : صدق اللهُ ورسولُه یا نچیّ الله ، ما فگَّنا
فيما فكّرتَ فيه، لأَنت أَعلم باللهِ وبأَمرِهِ منَّا! فلمّا دخل رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم عامَ القضيّة وحلق رأسَه قال : هذا الذى وعدتُكم . فلمّا
كان يومُ الفتح أَخذ المفتاح فقال : ادعوا لى عمرَ بن الخطَّب ! فقال :
هذا الذى قلتُ لكم . فلمّا كان فى حَجّة الوداع بعَرَفَة فقال : أَى عمر ،
هذا الذى قلتُ لكم ! قال : أَى رسولَ الله، ما كان فَتْحٌ فى الإِسلام أَعظم

٦١٠
مِن صُلْحِ الحُدَيبية ! وكان أبو بكر الصدِّيق رضى الله عنه يقول : ما كان
فتحٌ فى الإِسلام أَعظم مِن فتح الحُدَيبية ، ولكنّ الناس يومئذٍ قَصُر رأيُهم
عما كان بين محمّدٍ وربِّه؛ والعِبادُ يَعْجَلون، والله تبارك وتعالى لا يَعْجُل
كعجلةِ العِباد حتى تبلغ الأُمورُ ما أراد الله . لقد نظرتُ إلى سُهَيل بن عمرو
فى حَجّه قائماً عند المَنْحَر يُقَرِّب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بُدْنَه،
ورسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ينحرها بيده، ودعا الحَلَّقَ فحلق رأسَه ،
وأنظرُ إلى سُهَيلٍ يَلَقُطُ مِن شعره، وأَراه يضعه على عينَيْه، وأَذكرُ إِباءَه
أَن يُقِرّ يومَ الحُديبية بأَن يُكتبَ بسم الله الرحمن الرحيم ، ويأَبِى أَن يُكتَب
أَنَّ محمّدًا رسولُ الله ، فحمدت اللهَ الذى هداه للإِسلام؛ وصلواتُ الله
وبركاتُه على نبيِّ الرّحمةِ الذى هدانا به وأنقذنا به مِنِ الهَلَكَة !
فلمّا حضرت الدَّواةُ والصَّحيفةُ بعدطُول الكلام والمراجعة فيما بين رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم وسُهَيل بن عمرو ، ولمّا التأَّمَ الأَمرُ وتقارب، دعا رسول الله صلى الله
عليه وسلَّم رجلاً يكتب الكتاب بينهم ، ودعا أَسَ بن خَوْلىّ يكتب ، فقال
سُهَيل : لا يكتب إِلَّا أَحدُ الرجلَيْن، ابنُ عمِّك عَلىُّ أَو عُمان بن عَفَّان!
فَأَمر النبى صلَّى الله عليه وسلَّم عَليًّا يكتب، فقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : اكتبْ بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سُهَيل: لا أَعرفُ الرحمن ،
اكتبْ كما نكتب باسمِكَ اللَّهمّ . فضاق المسلمون من ذلك وقالوا :
هو الرحمن . وقالوا : لا تكتب إلَّا الرحمن. قال سُهَيل: إذًا لا أُقَاضِيه على
شىءٍ. فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم : اكتبْ باسمك اللَّهمّ ! هذا
ما اصطلح عليه رسولُ الله . فقال سُهَيل: لو أَعلمُ أَنَّك رسولُ اللهِ ما
خالفتُك، واتَّبعتُك، أَفترغب عن اسمك واسمٍ أَبيك محمّد بن عبد الله ؟ .
فضجَّ المسلمون منها ضَجَّةٌ هى أَشدّ مِن الأُولى حتى ارتفعت الأصوات :

٦١١
وقام رجالٌ مِن أَصحابِ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلَّم يقولون: لا نكتب إلَّا
محمّدٌ رسولُ الله !
فحدّثَنِى ابن أَبِى سَبْرَة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أَبِى فَرْوَة ،
عن واقد بن عمرو ، قال : حدّثنى مَن نظر إلى أُسَيد بن حُضَير وسعد بن
عُبادة أَخذا بيد الكاتب فأَمسكاها وقالا (١): لا تكتبْ إِلَّ محمّدٌ رسولُ الله ،
وإِلَّا فالسيفُ بيننا ! علامَ نعُطِى هذه الدَّنّة فى ديننا؟ فجعل رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يُخفِّضهم ويُومى بيدِه إليهم : اسكتوا ! وجعل حُوَيْطِب
يتعجّب ممّا يصنعون، ويُقبل على مِكْرَز بن حَفص ويقول : ما رأيتُ
قوماً أَحوطَ لِدِينهم مِن هؤلاء القوم ! فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
اكتبْ باسمك اللَّهمّ . فنزلت هذه الآية فى سُهَيْل حين أَبى أَن يُقِرّ بالرحمن:
﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمُنَ أَيَّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْماءُ الحُسْنَى﴾ (٢).
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَنا محمّد بن عبد الله، فاكتب ! فكتب:
باسمك اللهمّ ، هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسُهَيل بن عمرو ،
ا« مطلحا على وَضْع الحرب عشرَ سنين، يَأْمَن فيها الناسُ ويكُفّ بعضُهم
عن بعض ، على أنه لا إِسلالَ ولا إِغلال (٣)، وأَنَّ بيننا عَيْبةٌ مَكْفوفة (٤)؛
وأَنَّه من أحبّ أن يدخل فى عهد محمّدٍ وعقدِهِ فعل، وأنه مَن أُحبّ أَن
يدخل فى عهد قُرَيْشٍ وعفدها فعل ؛ وأنه مَنْ أَنى محمّدًا منهم بغير إذن
وَلِيّه ردّه إليه، وأَنه مَن أَنى قريشاً مِن أَصحاب محمَّدٍ لم ترده ؛ وأَنَّ محمّدًا
(١) فى الأصل: ((فأمسكها وقال)).
(٢) سورة ١٧ الإسراء ١١٠
(٣) الإسلال: السرقة الخفية. والإغلال: الخيانة. (شرح أبى ذر، ص ٣٤١).
(٤) عيبة مكفوفة: هى استعارة، وإنما يريد تكف عنا ونكف عنك. ( شرح أبى ذر،
ص ٣٤١) .

٦١٢
يرجع عنَّا عامه هذا بأصحابِهِ ، ويدخل علينا قابِلَ فى أصحابه فيُقيم ثلاثاً،
لا يدخل علينا بسلاح إِلَّ سلاح المُسافر ، السيوف فى القُرُب . شهد
أَبو بكر بن أبى قُحافة ، وعمر بن الخطّب ، وعبد الرحمن بن عَوف ،
وسعد بن أَبِى وَقَّاص، وعُثمان بن عَمَّان، وأَبو عُبَيدة بن الجراح ، ومحمد
ابن مَسْلَمَة، وحُوَيْطِب بن عبد العُزَّى، ومِكْرَز بن حفص بن الأَخيف ؛
وكُتب ذلك على صَدْر هذا الكتاب ، فلمّا كُتب الكتابُ قال سُهَيل :
يكون عندى ! رقان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: بلْ عندى ! فاختلفا
فكتب له نسخةً، فأَخذَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الكتاب الأول
وأَخذ سُهَيل نسختَه ، وكان عنده . ووثبت من هناك خُزاعة فقالوا :
نحن ندخل فى عهد محمّدٍ وعَقْدِهِ ، ونحن على من وراءمنا من قومنا . ووثبت
بنو بكر فقالوا : نحن ندخل مع قُرَيْشٍ فى عَهْدِها وَعَقْدِها ، ونحن على مَن
وراءنا مِن قومنا. فقال حُوَيْطِب لسُهَيل : بادأَنا أَخوالُكَ بالعداوة وقد كانوا
يستترون منَّا، قد دخلوا فى عهد محمدٍ وعقدِهِ ! قال سُهَيل : ما هم إلَّا
كغيرهم ، هولاءٍ أَقَارِبُنَا وَلَحْمُنا قد دخلوا مع محمّد ، قومٌ اختاروا لأنفسهم
أَمَرًا فما نَصنعُ بهم ؟ قال حُوَيْطِب : نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءَنا
بنى بكر . قال سُهَيل : إِيّاك أَن تسمع هذا منك بنو بكر ! فإنهم أهلُ
شؤم ، فيقعوا بخُزراعة فيغضب محمّدٌ لِحُلفائه ، فينقض العهد بيننا
وبينه . قال حُوَيْطِب : حظوتَ واللهِ أَخوالك بكلٌ وجه ! فقال سُهَيل : ترى
أَخوالى أَعَزَّ علىّ مِن بنى بكر؟ ولكن واللهِ لا تفعل قُرَيش شيئاً إِلَّ فعلتُه،
فإِذا أَعانتْ بنى بكر على خُزاعة فإنما أنا رجلٌ مِن قُرَيش ، وبنو بكر أَقربُ
إِلىّ فى قدَم النسب ، وإن كان لِهؤلاء لَخُؤُولة ، وبنو بكر مَن قد عرفتَ،.
لنا منهم مَواطِنُ كلُّها ليست بحْسَنةٍ ، منها يوم ◌ُكاظ . .
٠٠

٦١٣
قالوا : فلما فرغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِن الكتاب وانطلق
سُهَيل بن عمرو وأصحابُه ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه :
قُوموا فانحروا واحلِقُوا ! فلم يُجِبْه منهم رجلٌ إلى ذلك ، فقالها رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثَ مرّات كلّ ذلك يأْمُرُهم، فلم يفعل واحدٌ منهم
ذلك . فانصرف رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى دخل على أُمّ سَلَمَة زوجته
مُغْضَباً شديدَ الغَضَب ، وكانت معه فى سَفَرَه ذلك ، فاضطجع فقالت :
مالك يا رسول الله ؟ مِرارًا لا تُجينى(١). ثم قال: عجباً يا أُمّ سَلَمَة !
إِنى قلتُ للناس انحروا واحْلِقوا وحِلُّوا مرارًا، فلم يُجبنى أَحدٌ مِن الناس
إلى ذلك وهم يسمعون كلامى وينظرون فى وجهى ! قالت ، فقلتُ : يا رسول
الله ، انْطِلِقْ أَنتَ إِلى هَدْكِ فانحَرْه، فإِنَّهم سَيَقتدُون بك. قالت :
فاضْطَبِعِ(٣) رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بثوبه ، ثم خرج وأَخذ الحَرْبَة يَنْهِم (٣)
هَدْيَه . قالت أُمّ سَلَمَة : فكأَنِى أَنظرُ إِليه حين يهوِى بالحَرْبَة إِلى الْبَدَنَة
رافعاً صوته: بسم اللهِ واللهُ أكبر! قالت: فما هذا إِلَّا أَن رأَوْه نَحَر ، فتواثبوا
إِلى الهَدْى ، فازدحموا عليه حتى خشيتُ أَن يَغُمّ بعضُهم بعضاً .
فحدّثنى يعقوب بن محمّد ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ، عن الحارث
ابن عبد الله بن كَعب ، عن أُمّ عُمارة ، قالت: فكأَّى أَنظرُ إِلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم مُضطِعاً بثوبه والحَرْبة فى يدَيْه يَنْحُرُ بها .
حدّثنى مالك بن أَنَس، عن أَبى الزُّبَير ، عن جابر ، قال : وأشرك
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بين أَصحابه فى الهَدْى، فنحر البَدَنَةَ عن
(١) هكذا فى الأصل.
(٢) أى أخذ ثوبه فجعل وسطه تحت إبطه الأيمن وألقى طرفيه على كنفه الأيسر من جهتى صدره.
( النهاية، ج ٣ ، ص ١٢) .
(٣) نهم الرجل ناقته إذا زجرها. (الصحاح، ص ٢٠٤٧).