Indexed OCR Text

Pages 101-120

٥١٤
بلى واللهِ، ما لمتُ نفسى فى عداوتِك، ولقد التمستُ العِزَّ فى مكانه(١)،
وَأَبِى الله إِلَّا أَن يُمكِّنك مِنِّى، ولقد قلقلتُ كلَّ مُقَلقَل (٢)، ولكنه مَن يخذُل
اللهُ يُخذَل . ثم أقبل على الناس فقال : يا أَيّها الناس ، لا بأس بأمرٍ
اللهِ! قَدَرٌ وَكِتَابٌ، مَلْحَمَةٌ كُتِيت على بنى إسرائيل ! ثم أمر به فضُرب
عنقه ، ثم أُنى بغَزَّال بن سَمَوْأَل فقال: أَلم يُمكِّن اللهُ منك ؟ قال : بلى
يا أبا القاسم. فأَمر به النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فضُربت عنقه. ثم أُنى
بنَبّاش بن قيس ، وقد جابذ (٣) الذى جاءَ به حتى قاتله فَدقّ الذى جاء به
أَنفَه فأَرْعَفَه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم للذى جاءَ به : لِمَ صنعتَ
به هذا ؟ أَما كان فى السيف كفاية ؟ فقال: يا رسول الله، جابذنى لأَن
يهُرُب. فقال: كذب والتوراةٍ يا أبا القاسم، ولو خلاَّنى ما تأَخَّرَت عن
موطنٍ قُتل فيه قومى حتى أكون كأحدهم. قال، ثم قال رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم : أحسِنوا إِسارَهم ، وقَيِّلوهم، وأسقوهم حتى يُبردوا فتقتلوا من
بقى ، لا تَجمعوا عليهم حَرَّ الشمس وحَرَّ السلاح - وكان يوماً صائفاً .
فقيّلوهم وأسقَوهم وأطعموهم، فلمّا أَبردوا راح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقتل
مَن بقى، ونظر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى سَلْمَى بنت قيس، وكانت
إحدى خالاته، وكانت قد صَلَّت القِبْلَتين وبايَعَته، وكان رِفاعة بن سمَوْأَل
له انقطاع إليها وإلى أخيها سليط. بن قيس وأَهل الدار ، وكان حين حُبس
أرسل إليها أَن كَلِّمى محمّدًا فى تَركى، فإِنَّ لى بكم حُرْمةٌ ، وأَنتِ إِحدى
أُمّهاته ، فتكون لكم عندى يدًا إلى يوم القيامة . فقال رسول الله صلَّى الله
(١) فى ب: ((فى مظانه)).
(٢) أى ذهبت فى كل وجه فى البلاد. ( أساس البلاغة، ص ٧٨٨).
(٣) جابذ : مقلوب جاذب.

٥١٥
عليه وسلَّم : ما لكِ يا أُمّ المُنْذِر ؟ قالت : يا رسول الله ، رِفاعة بن
سَمَوْأَل كان يَغْشانا وله بنا حُرمةٌ فَهَبْهُ لى. وقد رآه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يُلُوذ بها ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: نعم ، هو لكِ . ثم قالت:
يا رسول الله، إنه سيُصلِّى ويأكل لحم الجمل. فتبسّم النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم، ثم قال: إن يُصلِّ فهو خيرٌ له ، وإن يثبت على دينه فهو شَرِّ له .
قالت : فأَسلم ، فكان يقال له مولى أُمّ المُنْذِر ، فشقّ ذلك عليه واجتذب
الدار ، حتى بلغ أُمَّ المُنْذِر ذلك فأرسلت إليه : إنى واللهِ ما أَنا لك بمولاة ،
ولكِنِّى كلَّمت رسولَ الله فوهبك لى ، فحقنت دَمَك وأنت على نَسبك.
فكان بعدُ يَغشاها ، وعاد إلى الدار .
وجاء سعد بن عُبادة، والحُباب بن المُنْذِر فقالا : يا رسول الله ، إِنَّ
الأُوْس كرهت قتلَ بنى قُرَيْظَة لِمكان حِلفهم . فقال سعد بن معاذ :
يا رسول الله، ما كرهه من الأَوْس مَن فيه (١) خير، فَمن كرهه من الأَوْس لا
أرضاه اللهُ! فقام أُسَيد بن حُفَير فقال: يا رسول الله، لا تُبقينَّ دارًا
من دور الأُّوْس إلَّا فرَّقَتَهم فيها ، فمَن سَخِط ذلك فلا يُرغم اللهُ إلَّا أَنفَه ،
فَابعثْ إلى دارى أَوّل دُورِهِم. فبعث إلى بنى عبد الأَشْهَل باثنين ، فضرب
أسيد بن حُضَير رقبة أَحدهما ، وضرب أَبو نائلة الآخر . وبعث إلى بنى
حارثة باثنين ، فضرب أبو بُرْدَة بن النِّيار رقبة أَحدهما، وذَفَّف (٢) عليه
مُحَيِّصةُ، وضرب الآخرَ أَبو عَّبس بن جّبر، ذَفَّف عليه ظُهَير بن رافع .
وبعث إلى بنى ظَفَر بأَسيرين .
فحدّثنى يعقوب بن محمّد ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، قال :
(١) فى ب: ((أحد فيه خير)).
(٢) ذفف عليه: أجهزه. ( القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٤٢).

٥١٦
قتل أَحدَهما قتادة بن النُّعمان، وقتل الآخرَ نَضْر بن الحارث . قال عاصم :
وحدّثنى أَيّوب بن بشير المُعاوىّ قال: أرسل إلينا - بنى مُعاوية - بأَسيرين ،
فَقَتل أَحدَهما جَبر بنِ عَتيك ، وقتل الآخرَ نُعمان بن عَصر ؛ حليفٌ لهم
من بَلِىّ. قالوا : وأرسل إلى بنى عمرو بن عَوف بأَسيرين، عُقبة بن زيد
وَأَخِيه وَهب بن زيد، فقتل أحدَهما عُوَيم بن ساعِدَة، والآخرَ سالم بن
عُمَير. وأرسل إلى بنى أُميّة بن زيد. وأُتِى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بكعب
ابن أَسد مجموعةً يداه إِلى عُنُقِهِ، وكان حَسَن الوجه، فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم : كعب بن أَسَد ؟ قال كعب : نعم يا أَبا القاسم.
قال: وما انتفعتم بنصح ابن خِراش (١) وكان مُصدّقًا بى، أَما أَمَركم باتِّباعى
وإن رأيتمولى تُقرِئونى منه السَّلام ؟ قال : بلى والثَّوراةِ يا أبا القاسم ، ولولا
أَن تُعيّنِى اليهودُ بالجَزَع من السيف لاتَّبعتُك، ولكنّى على دين اليهود .
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: قَدِّمْه فاضرب عنقه. فقدّمه فضرب عنقه .
فحدّثنى عُتبة بن جَبيرة ، عن الحُصَين بن عبد الرحمن بن عمرو
ابن سعد بن معاذ ، قال: لمّا قتل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حُيَىّ بن
أَخْطَب، ونبّاش بن قَيس، وغَزَّال بن سَمَوْأَل ، وكعب بن أَسَد وقام ،
قال لسعد بن معاذ: عليك بمَن بقى. فكان سعد يُخرجهم رَسْلاً رَسْلاً يقتلهم.
قالوا : وكانت امرأةٌ من بنى النَّضير يقال لها نُباتَة، وكانت تحت
رجلٍ من بنى قُرَيْظَةٍ فكان يُحبّها وتُحبّه، فلمّا اشتدّ عليهم الحِصار بكت
إليه وقالت : إِنّك لمُفارقى . فقال : هو والثَّورةِ ما تَرَين، وأَنتِ امرأةٌ
فدَلِّ عليهم هذه الرَّحَى، فإِنَّا لم نقتل منهم أحدًا بعدُ ، وأَنتِ امرأةٌ ، وإِن
(١) فى الأصل: ((جواس))، وفى ب: ((جواش)). وما أثبتناه من ث، ومن السيرة الحلبية.
( ج ٢، ص ١٢٠) .

٥١٧
يظهر محمّدٌ علينا لا يقتل النساءَ. وإِنما كان يكره أَن تُسبَى، فأَحبّ أن
تُقتَل بجُرمها . وكانت فى حِصن الزَّبِير بن باطا . فدلَّت رَحِىٌ فوق الحِصن ،
وكان المسلمون ربّما جلسوا تحت الحِصن يستظلُّون فى فَيْنِهِ ، فأَطلعت
الرَّحَى، فلمّا رَآها القوم انفضّوا، وتُدرك خلّد بن سُوَيد فتَشدَخِ رَأْسَه،
فحَذِير المسلمون أصل الحِصن . فلمّا كان اليوم الذى أمر رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم أَن يُقتَلوا ، دخلت على عائِشة فجعلت تضحك ظَهْرًا لِبَطْنٍ
وهى تقول : سَرةُ بنى قُرَيْظَة يُقتَلون ! إِذ سمعت صوت قائل يقول :
يا نُباتَة قالت: أَنا واللهِ التى أُدْعى. قالت عائشة: ولِمَ ؟ قالت:
قَتَلِى زَوجى - وكانت جاريةٌ حلوة الكلام . فقالت عائشة : وكيف قتلكٍ
زوجُكِ ؟ قالت : كنت فى حِعن الزَّبِير بن باطا ، فأَمرنى فدلَّيت رَحِىَّ
على أصحاب محمّد فشدخت رأس رجلٍ منهم فمات وأَنا أُقتل به . فأمر
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم بها فقُتلت بخَلاَّد بن سُوَيد . قالت عائشة :
لا أنسى طِيب نّفس نُباتَة وكثرةَ ضَحكِها، وقد عرفتْ أنها تُقتَل . فكانت
عائشة تقول: قُتلت بنو قُرَيْظَة يومَهم حتى قُتلوا بالليل على شُعَل السَّعَف .
حّثنى إبراهيم بن ثُمامة ، عن المِسْوَر بن رِفاعة عن محمّد بن كعب
القُرَظِىّ، قال: قُتلوا إِلى أَن غاب الشَّفَقِ، ثم رُدّ عليهم الترابُ فى
الخَنْدَق. وكان مَن ◌ُلَّك فيه منهم أن يكون بلغ نُظر إلى مُؤْتزّره ، إن كان
أَنبت قُتل، وإن كان لم يُنبِت طُرح فى السَّبْى.
فحدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن عبد الله بن أبى بكر بن
حَزْم ، قال : كانوا ستمائة إِلَّ عمرو بن السُّعْدى وُجدت رِمَّتُه (١) ونَجا.
قال ابن واقد : خروجه من الحِصن أَثبتُ .
(١) انظر ابن إسحق. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ٢٤٩).

٥١٨
وحدثنى موسى بن عُبَيدة(١)، عن محمّد بن المُنْكَدِر ، قال : كانوا
ما بين ستمائة إلى سبعمائة. وكان ابن عباس رحمه الله يقول : كانوا سبعمائة
وخمسين .
قالوا : وكان نساءُ بنى قُرَيْظَة حين تحوّلوا فى دار رَمْلَة بنت الحارث
وفى دار أُسامة يَقلن : عسى محمّدٌ أَن يَمنَّ على رجالنا أَو يقبل منهم فِدْية .
فلما أصبحن وعلمن بقتل رجالهنّ صِحن وشققن الجُيوب، ونشرن الشُّعور ،
وضربن الخُدود على رجالهنّ ، فملأُّن المدينة . قال ، يقول الزَّبِير بن باطا :
اسكتن؛ فأَنتنَّ أَوّلُ من سُبى من نساءِ بنى إسرائيل منذ كانت الدنيا ؟
ولا يُرفع السَّبْى عنهم حتى نلتقى نحن وأَنتنّ (٢)، وإن كان فى رجالكنَّ (٣)
خيرٌ فَدَوكنّ(٤)، فالزمْنَ (٥) دينَ اليهود فعليه نَموت وعليه نَحِى .
فحدّثنى عبد الحَميد بن جعفر ، عن محمّد بن يحيى بن حِبّان،
وحدثنى ابن أبى حَبيبة ، عن داود بن الحُصَين ، وكلُّ قد حدّثنى من هذا
الحديث بطائفة، قالا : كان الزَّبِير بن باطا مَنَّ على ثابت بن قيس
يومَ بُعاث، فأَنِى ثابت الزَّبِيرَ فقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل تعرفنى ؟
قال : وهل يجهل مِثلى مِثلَك ؟ قال ثابت: إِنَّ لك عندى يدًا،
وقد أردتُ أن أَجزيك بها. قال الزَّبير: إِنَّ الكريم يجزى الكريم، وأحوج
ما كنت إليه اليوم. فأَتى ثابت رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول
(١) هكذا فى الأصل، وفى ابن حجر. (تهذيب التهذيب، ج ١، ص ٣٥٦).
وفى ب: (( موسى بن عبيد)) .
(٢) فى كل النسخ: ((أنتم)).
(٣) فى كل النسخ: ((رجالكم))
(٤) فى الأصل: ((فدوكم))؛ وما أثبتناه من نسخة ب.
(٥) فى ب: ((فلزمتن)).

٥١٩
الله إِنه كان للزَّبير عندى يد ، جزَّ ناصِيَتَى يومَ بُعاث فقال: اذْكُرْ
هذه النعمةَ عندك. وقد أحببتُ أَن أَجزيه بها فَهَبْه لى. فقال رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم : فهو لك. فأَتاه فقال: إِنَّ رسول الله قد وهبك لى. قال
الَّبِير: شيخٌ كبير . لا أَهلَ ولا وَلَدَ ولا مالَ بِيَثْرِب . ما يصنع بالحياة ؟
فأَنى ثابت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، أُعطِى ولده.
فأَعطاه ولده فقال: يا رسول الله، أَعطِنى مالَه وأَهلَه. فأعطاه رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم مالَه ووَلَده وأَهلَه، فرجع إلى الزَّبِير فقال: إِنَّ رسول الله
قد أَعطانى ولدَك وأَهلَك ومالَك. فقال الزَّبِير: يا ثابت، أَمّا أَنت فقد
كافأُنى وقضيتَ بالذى عليك . يا ثابت، ما فعل الذى كأَن وجهه
مِرآةٌ صينيّةٌ تتراءَى عَذارى الحىّ فى وجهه - كعب بن أَسَد ؟ قال : قُتل.
قال : فما فعل سيّد الحاضر والبادى؛ سيّد الحَيَّيْن كليهما ، يحملهم
فى الحرب ويُطعمهم فى المَحْل - حُيِىّ بن أَخْطَب؟ قال: قُتل . قال:
فما فعل أول غادية اليهود إذا حملوا، وحاميتهم إذا وَلَّوا - غَزَّال بن سَمَوْأَل ؟
قال : قُتل. قال : فما فعل الحُوَّل القُلَّب الذى لا يؤمّ جماعةً إِلَّ فضَّها
ولا عُقْدَةً إِلّ حَلَّها - نَبّاش بن قيس؟ قال: قُتل. [قال :] فما فعل
لِواءُ اليهود فى الزَّحْف - وهب بن زيد ؟ قال: قُتل . قال : فما فعل والى
رٍفادة اليهود وأبو الأَيتام والأرامل من اليهود - عُقبة بن زيد؟ قال: قُتل.
قال : فما فعل العمران اللَّذان كانا يلتقيان بدراسة التوراة ؟ قال : قُتلا .
قال : يا ثابت ، فما خيرٌ فى العيش بعد هؤلاء! أَأَرجعُ إلى دار كانوا فيها
حُلُولاً فأَخلد فيها بعدَهم ؟ لا حاجة لى فى ذلك، فإنى أَسأَلُك بيدى عندك
إلاَّ قدمتَنِى إِلى هذا القتَّل الذى يقتل سراة بنى قُرَيْظَة ثم يُقدّمنى إلى
مَصارع قومى، وخُذْ سيفى فإِنه صارم فَاضْرِبنى به ضربةً وأَجْهِزْ ، وارفع يدك

٥٢٠
عن الطعام، وأَلصقْ بالرُّس واخفضْ عن الدِّماغ، فإنه أَحسنُ للجسد أَن
يبقى فيه العنق. يا ثابت، لا أَصبرُ إِفراغَ دَلْوٍ مِن نَضح حتى أَلِى الأَحبّة.
قال أبو بكر ، وهو يسمع قوله : ويحك يا ابن باطا ، إِنه ليس إِفراغ
دلو، ولكنه عذابٌ أَبَدىّ . قال : يا ثابت ، قَدِّمنى فاقتلْنِى ! قال ثابت :
ما كنت لأَّقْتلَك. قال الزَّبير : ما كنت أبالى مَن قتلنى ! ولكن يا ثابت ،
انظرْ إِلى امرأتى وولدى فإنهم جزِعوا من الموت ، فاطلبْ إِلى صاحبك أَن
يُطلقهم وأن يردّ إليهم أموالهم. وأَدناه إِلى الزُّبير بن العَّام، فقدمه فضرب
عنقه. وطلب ثابت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أهله وماله وولده،
فردّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّ ما كان من ذلك على ولده ، وترك
امرأته من السِّبا، وردّ عليهم الأموال من النخل والإِبل والرَِّّة إِلاَّ الحَلْقَة،
فإِنه لم يردها عليهم . فكانوا مع آل ثابت بن قيس بن شَمّاس .
قالوا : وكانت رَيْحانَة بنت زيدٍ من بنى النَّصير متزوّجةً فى بنى قُريْظَة ،
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَخذها لنفسه صَفيًّا، وكانت
جميلة ، فعرض عليها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن تُسلم، فأَبت إلّ
اليهوديّة . فَعَزلها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ووَجَد فى نفسه، فأَرسل
إلى ابن سَعِيَّة فذكر له ذلك، فقال ابن سَعِيَّة: فداك أَبى وأُمّ ، هى
تُسلم ! فخرج حتى جاءَها ، فجعل يقول لها : لا تتبعى قومَك ، فقد رأيتٍ
ما أُدخل عليهم حُبَىّ بن أَخْطَب، فأَسلِمِى يصطفيكِ رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم لنفسه . فبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أَصحابه إِذ سمع وقع
نَعْلَين فقال : إِنَّ هاتين لَنعلا ابن سعِيَّة يبشّرنى بإِسلام رَيْحانة. فجاءه
فقال : يا رسول الله ، قد أَسلمت رَيْحانة ! فسرٌ بذلك.
فحدّثنى عبد الملك بن سُلَيمان ، عن أَيّوب بن عبد الرحمن بن أبى

٥٢١
صَعْصَعَةٍ، عن أَيّوب بن بَشير المُعاوِىّ، قال: أرسل بها رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم إِلى بيت سَلْمى بنت قيس أُمّ المُنْذِر ، وكانت عندها حتى
حاضت حَيْضَةً، ثم طهُرت من حيضها ، فجاءَت أُمّ المُنْذِر فأَخبرت النبيَّ
صلَّى الله عليه وسلَّم، فجاءها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى منزل أُم
المُنْذِر ، فقال لها رسول الله: إِن أحببتِ أُعتقكِ وأَتزوّجكِ فعلتُ، وإِن
أَحببتِ أَن تكونى فى مِلكى أَطؤكِ بالمِلْك فعلتُ . فقالت : يا رسول الله ،
إنه أَخفّ عليك وعلىّ أَن أَكون فى مِلْكك. فكانت فى مِلْك النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم يطؤها حتى ماتت عنده .
فحدّثنى ابن أَبى ذِئب قال : سألتُ الزُّهرىّ عن رَيْحانة فقال : كانت
أَمة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأَعتقها وتزوّجها ، وكانت تحتجب فى أهلها
وتقول : لا يرانى أَحدٌ بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فهذا أَثبت
الحديثَيْن عندنا. وكان زوج رَيْحانة قبل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم الحَكَم .
ذكر قَسْم المغنم وبيعه
قالوا : لما اجتمعت المغانم أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالمَتَاع
فِيع فيمن يُريد ، وبِيع السَّبْى فيمن يُريد ، وقُسمت النخل . فكان بشو
عبد الأَشهَل، وظَفَر، وحارثة، وبنو مُعاوية، وهؤلاء النَّبيت(١)، لهم
سهم . وكان بنو عمرو بن عَوف ومَن بَقى من الأوس سهماً . وكانت بشو
النَّجّار، ومازِن، ومالك، وذُبْيان، وعَدىّ ، سهماً . وكانت سَلِمة .
وزُرَيق ، وبَلْحارث بن الخزرج ، سهماً . وكانت الخيل ستةٌ وثلاثين
فرساً ؛ فكانت أَوّلَ ما أُعلِمت سُهمانُ الخيل يوم المُرَيْسِيع ، ثم فى بنى
(١) أى من ولد النبيت، وهو عمروبن مالك بن الأوس. (جمهرة أنساب العرب، ص ٣٣٢).

٥٢٢
قُرَيْظَة أَيضاً عُمل فيها ما عُمل فى المُرَيْسِيع . أُسهِم للفرس سهمان ولصاحبه
سهمٌ، وللراجل سهمٌ . وأسهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لخَلَّاد بن
سُوَيَد، قُتل تحتَ الحِصن، وأَسهم لأَبى ◌ِنان بن مِحْصَن ، مات ورسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم مخاصرهم، وكان يُقاتل مع المسلمين . وكان
المسلمون ثلاثة آلاف ، والخيل ستّةً وثلاثين فرساً ، فكانت السُّهمان على
ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهماً ، للفرس سهمان ولصاحبه سهم .
وحدّثنى إبراهيم بن جعفر ، عن أَبيه ، قال : كانت الخيل فى بنى
قُرَيْظَة سنًّا وثلاثين فرساً ، وقاد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثة أَفراس ،
فلم يضرب إِلَّ سهماً واحدًا، وكانت السُّهمان ثلاثة آلاف واثنين وسبعين
سهماً، وأُسهم يومئذٍ على الأَموال، فجُزِّئَت خمسةَ أَجزاء، وكُتب فى
سهمٍ منها (الله))، وكانت السُّهمان يومئذٍ بَواء (١)، فخرجت السُّهمان،
وكذلك الرَّثَّة والإِبل والغنم والسَّبْى. ثم فَضَّ أربعة أسهم على الناس،
وأَحذى (٢) النساءَ يومئذٍ اللّى حضرن القتال، وضرب لرجلَيْن- واحد (٣) قُتل
وآخر مات. وأُحذى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم نساءٌ شهدن بنى قُرَيْظَة
ولم يُسهم لهنَّ- صفيّة بنت عبد المطلب، وأُمّ عُمارة، وأُمّ سَليط.، وأُمّ العَلاء،
والسميراء بنت قيس ، وأُمّ سعد بن معاذ .
فحدّثنى محمّد بن عبد الله بن مالك بن محمّد بن إِبراهيم بن أَسْلَم بن
نَجْرَة الساعدىّ، عن جده ، قال : حضرتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يبيع سَبْىَ بنى قُرَيْظَة، فاشترى أَبو الشَّحْم اليهودىّ امرّتين ، مع كلّ
(١) بواء: أى سواء. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٩).
(٢) هكذا فى الأصل. وفى ب: ((وأخذ)). وأحذى الغنيمة: أى أعطى منها. ( الصحاح ،
ص ٢٣١١) .
(٣) فى الأصل: ((واحداً)).

٥٢٣
واحدة منهما ثلاثة أطفالٍ غِلمانٍ ، وجَوارٍ بخمسين ومائة دينار ، وجعل
يقول : ألستم على دين اليهود ؟ فتقول المرأتان : لا نُفارق دين قومنا حتى
نموت عليه ! وهنّ يبكين .
فحدّثْنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن يعقوب بن زيد بن طلحة ، عن أبيه ،
قال : لمّا سُبِ بنو قُرَيْظَة - النساءُ والذُّرّة - باع رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم منهم من عُثمان بن عَفَّان وعبد الرحمن بن عوف طائفةً ، وبعث طائفةٌ
إلى نجد ، وبعث طائفةً إلى الشام مع سعد بن عبادة ، يبيعهم ويشترى
بهم سلاحاً وخيلاً، ويقال باعهم بيعاً من عُثمان بن عَفَّان وعبد الرحمن بن
عَوف، فاقتسما فسَهَمه عُثمان بمالٍ كثير ، وجَعَل عُثمانُ على كلّ مَن جاءَ
من سَبْيهم شيئاً مُوفياً (١)، فكان يوجَد عند العجائز المالُ ولا يُوجد عند
الشَّوابّ، فربح عثمانُ مالاً كثيرًا - وسهم عبد الرحمن - وذلك أَنَّ عُمان
صار فى سهمه العجائز . ويقال : لمّا قسم جعل الشَّوابٌ على حِدةٍ والعجائز
على حِدة ، ثم خيّر عبدُ الرحمن عُمان ، فأَخذ عُثمان العجائز .
حدّثنى عبد الحَميد بن جَعْفر، عن أبيه، قال: كان السَّبْى ألفاً من
النّساء والصبيان، فأُخرج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خُمُسَه قبل بيع
المَغْم، جزّأَ السَّبْى خمسةٌ أَجزاء ؛ فأَخذ خُمُساً ، فكان يُعِقِ منه ويهب
منه ، ويُخدم منه مَن أَراد . وكذلك صنع بما أصاب من رِئَّتِهِم، قُسِمت
قبلَ أَن تُباعِ ؛ وكذلك النخلُ ، عُزل خُمُسِه . وكلّ ذلك يُسهم عليه
صلَّى الله عليه وسلَّم خمسةَ أَجزاء، ويُكتب فى سهمٍ مِنها (لله)) ثم يخرج
السهم، فحَيثُ صار(٢) سهمُه أَخذَه ولم يتخيّر. وصار الخُمُس إِلى مَحمية
(١) فى ب: ((موقنا)). وموفيا: أى زيادة على الثمن الذى دفعه. ( أساس البلاغة، ص ١٠٢٤)
(٢) فى ب: ((فحيث طار)).

٥٢٤
ابن جَزْء الزُّبَيدىّ ، وهو الذى قَسَم المَغنم بين المسلمين .
حدّثنى عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر ، أَنَّ رسولَ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُسهم ولا يتخيّر .
حدّثنى عبد الحميد بن جعفر، عن أَبيه، قال: نهى رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يفرّق بين سبْى بنى قُرَيْظَة فى القَسْمِ والبيع والنساء
والذُّرّيّة .
وحدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن إسحاق بن عبد الله، أَنَّ رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم قال يومئذٍ : لا يُفرَّق بين الأُمّ وولدِها حتى يبلغوا. فقيل :
يا رسول الله، وما بُلوغهم؟ قال : تحيض الجاريةُ ويحتلم الغلامُ .
وحدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن يعقوب بن زيد ، عن أبيه ، قال : كان
يومئذٍ يُفرَّق بين الأُختين إِذا بلغتا ، وبين الأُمّ وابنتها إذا بلغت ، وكانت
الأُمّ تُباع ، وولدها الصِّغار، من المشركين من العرب ، ومن يهود المدينة
وتَيْماءِ وخَيْبر يخرجون بهم ، فإِذا كان الوليد صغيرًا ليس معه أُمَّ لم يُبَع
من المشركين ولا من اليهود ، إِلاَّ من المسلمين .
فحدّثنى عُتبة بن جَبيرة ، عن جعفر بن محمود ، قال : قال محمّد
ابن مَسْلَمَة : ابتعتُ يومئذٍ من السَّبْى ثلاثة ، امرأةً معها ابناها ، بخمسة
وأربعين دينارًا، وكان ذلك حقِّى وحقَّ فرسى من السَّبْىِ والأَرض والرِّئَّة،
وغيرى كهَشتى. وكان أَسهم للفارس ثلاثةَ أَسْهُم ، له سهم ولفرسه سهمان .
وحدّثنى المُغيرة بن عبد الرحمن الحِزامىّ - وكان يُلَقَّب قُصَيًّا - عن
جَعفر بن خارجة قال : قال الزُّبَير بن العَوّامِ : شهدتُ بنى قُرَيْظَة فارساً ،
فضُرب لى سهمٌ ، ولفرسى سهم .

٥٢٥
وحدّثنى عبد الملك بن يحيى ، عن عيسى بن مَعْمَر ، قال : كان مع
الُّبير يومئذٍ فرسان، فأَسهم له النبيُّ صلّى الله عليه وسلَّم خمسة أَسْهُم .
ذكر سعد بن معاذ
قالوا: لمّا حكم سعدُ بن معاذ فى بنى قُرَيْظَة رجع إلى خيمة كُعَيبة
بنت سعد الأَسْلميّة، وكان رماه حِبّان بن العَرِقَة - ويقال أَبو أُسامة
الجُشَمِىّ - فقطع أَكحَلَه، فكواه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالنار ،
وانتفخت يده فتركه فسال الدم ، فحسمه أُخرى فانتفخت يده ، فلما
رأَى ذلك قال : اللَّهمّ ، ربَّ السمواتِ السَّبْعِ والأَّرَضِين السَّبْعِ، فإنه لم
يكن فى الناس قومٌ أَحبُّ إِلىّ أَن أُقاتل من قومٍ كذَّبوا رسولَك، وأخرجوه
من قُرَيش ! وإنى أَظنّ أَن قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ، وإِن كان بقى
بيننا وبينهم فأَبقِى أُقاتلهم فيك! وإن كنتَ قد وضعت الحرب ، فَافْجُرْ
هذا الكَلْم واجعَلْ مونى فيه، فقد أَقررت عينى من بنى قُرَيْظَة ، لعداوتهم
لك ولنبيّك ولأوليائك! ففجَره الله، وإنه لراقِدٌ بين ظهرَى الليل وما يدرى
به . ودخل عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعوده، فأَناه وهو يسوق فى
نفر من أصحابه، فوجدوه قد سُجِّى بمُلاءَةٍ بيضاء ، وكان سعد رجلاً أبيض
طويلاً، فجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند رأسه وجعل رأْسَه فى حِجْرِهِ
ثم قال : اللَّهمّ إِنَّ سعدًا قد جاهد فى سبيلك، وصدّق رسولَك ، وقضى
الذى عليه ، فاقبضْ روحَه بخير ما تقبض فيه أرواح الخَلْق . ففتح سعد
عينيه حين سمع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : السلام عليك يا رسول
الله، أَشهد أَنّك قد بلَّغتَ رسالته. ووضع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم

٥٢٦
رأس سعد من حِجْرِه ثم قام وانصرف، ولم يمت بعدُ ورجع إلى منزله، فمكث
ساعةً من نهارٍ أَو أكثر من ساعةٍ ومات خِلافَه . ونزل جبريل عليه السلام
حين مات سعد على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، مُعتجرًا بعمامة من
إِسْتَبْرَق ، فقال : يا محمّد ، مَن هذا الرجل الصالح الذى مات فيكم ؟
فتحت له أبوابُ السماء، واهتزَّ له عرش الرحمن . فقال رسول الله صلّى
الله عليه وسلَّم لجبريل عليه السلام : عهدى بسعد بن معاذ وهو يموت !
ثم خرج فَزِعاً إلى خيمة كُعَيبة يجرّ ثوبَه مُسرعاً ، فوجد سعدًا قد مات .
وأقبلت رجال بنى عبد الأَشْهَل، فاحتملوه إلى منزله . قال : فخرج رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أثره، فينقطع نَعل أَحدهم فلم يُعرّج عليها ،
ويسقط. رِداؤهُ فلم يَلْوِ عليه، وما يعرّجَ أَحدٌ على أحد حتى دخلوا على سعد.
قال أبو عبد الله : وقد سمعنا أنَّ النبيّ حضره حين تُوقِّى .
وأخبرنى مُعاذ بن محمّد ، عن عطاء بن أبى مُسلم ، عن عِكْرِمَة ، عن
ابن عبّاس، قال: لمّا انفجرت يد سعد بالدم قام إليه رسولُ الله صلَّى
الله عليه وسلَّم فاعتنقه، والدم يَنفَح فى وجه رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم
ولِحْيَتِهِ ، لا يُريد أَحدٌ أَن يقى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الدم إِلَّا ازداد
منه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قُربًا، حتى قَضَى.
وحدّثْنى سُلَيمان بن داود، عن الحُصَين ، عن أبيه ، عن أبى سُفيان ،
عن سَلَمَة بن خرَيش ، قال: رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، ونحن
على الباب نُريد أن ندخل على أثره ، فدخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
وها فى البيت أَحدٌ إِلَّا سعد مُسجَّى. قال: فرأيتُه يتخطَّى، فلمّا رأيته
يتخطَّى وقفتُ، وأَوماًّ إِلىّ: قِفْ! فوقفتُ ، ورددت من ورائى، وجلس
ساعةً ثم خرج فقلت : يا رسول الله ، ما رأيتُ أَحدًا وقد رأيتُك تتخطَّى!

٥٢٧
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ما قدرت على مجلس حتى قبض لى
ملَكٌ من الملائكة أَحد جَناحَيه ، فجلستُ . ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يقول : هَنيئاً لك أَبا عمرو ! هَنيئاً لك أبا عمرو ! .
حدّثنى محمّد بن صالح ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عامر بن سعد ،
عن أبيه ، قال: فانتهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأُمُّ سعد تبكى
وتقول :
وَيْلُ أَمِّ سَعْدِ سَعْدًا جَلادَةً وَحَدَّا (١).
فقال عمر بن الخطّاب رضى الله عنه: مهلاً يا أُمّ سعد ، لا تذكرى
سعدًا. فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: دَعْها يا عمر، فكلُّ باكيةٍ مُكثرةٌ
إلاَّ أُمّ سعد ، ما قالت مِن خيرٍ فلم تكذب. وأُمّ سعد؛ كَبْشَة بنت عُبِيد بن
مُعاوية بن عُبَيد بن الأَبْجَر بن عَوف بن الحارث بن الخَزْرَج، وأُختُها؛
الفارِعة بنت عُبَيد بن معاوية بن عُبَيد ، وهى أُمّ سعد بن زُرارَة .
قالوا: ثم أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن يُغسّل، فغسّله الحارثُ
ابن أَوس بن مُعاذ، وأُسَيد بن حُضَير، وسَلَمَة بن سلامة بن وَقَش يصبٌ
الماء، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حاضر. فغُسّل بالماءِ الأُولى، والثانية
بالماءِ والسّدْر، والثالثة بالماء والكافور، ثم كُفِّن فى ثلاثة أَثوابٍ صُحاريّة (٢)
وأُدرِج فيها إِدراجاً ، وأُنى بسريرٍ كان عند آل سَبْط.، يُحمّل عليه الموتى ،
فوُضن على السرير، فُرُئِى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يحمله بين عمودى
سريره حين رُفع من دارهٍ إِلى أَن خرج .
وحدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن عبد الله بن أبى بكر بن
(١) فى الأصل: ((جلاد موحداً))؛ وما أثبتناه من ب.
(٢) نسبة إلى صحار، قرية باليمن. (النهاية، ج ٢، ص ٢٥٣).

٥٢٨
حَزم ، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن عَمرة ، عن عائشة ،
قالت : رأَيتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يمثى أَمام جِنازة سعد بن مُعاذ.
وحدثنى سَعيد بن أبى زيد، عن رُبَيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد
الخُدرىّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: كنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
حين بلغه موت سعد بن معاذ ، فخرج بالناس ، فلمّا برز إِلى البقيع قال :
خُذُوا فى جهاز صاحبكم ! قال أبو سَعيد : وكنت أَنا ممّن حَفَر له قبره ،
وكان يفوح علينا المسك كلَّما حفرنا قبره من تراب، حتَّى انتهينا إلى
اللَّحد . قال رُبَيح : ولقد أَخبرنى محمّد بن المُنْكَدِر ، عن محمّد بن شُرحبيل
ابن حَسَنَة ، قال : أَخذ إنسانٌ قَبضةً من قبر سعد بن مُعاذ فذهب بها ،
ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هى مِسك .
قالوا: ثم احْتُمِل، فقيل : يا رسول الله، إن كنتَ لتَقطعُنا فى ذهابك
إلى سعد! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: خَشِينا أَن تسبقنا الملائكةُ
إليه كما سبقتنا إلى غسل حَنْظَلَةٍ(١). وقالوا : يا رسول الله ، كان سعد
رجلاً جَسيماً فلم ذَرَ أَخفَّ منه. فقال رسول الله صَلَى الله عليه وسلَّم: رأَيتُ
الملائكة تحمله . قالوا : يا رسول الله، إِنَّ المنافقين يقولون إنما خفّ لأَّنه
حَكَم فى بنى قُرَيْظَة . قال : كذبوا ، ولكنه خفّ لحمل الملائكة .
فكان أبو سعيد الخُدرىّ يقول: طلع علينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
وقد فرغنا من حُفرته ، ووضعنا اللَّبِنَ والماءَ عند القبر ، وحفرِنا له عند دار
عُقَيل اليوم ، وطلع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم علينا ، فوضعه رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند قبره ثم صلَّى عليه ، فلقد رأيت من الناس ما
ملأّ البَقيع .
(١) أى حنظلة بن أبى عامر الغسيل. (الاستيعاب، ص ٣٨١).

٥٢٩
قال الواقدىّ : حدّثنى إبراهيم بن الحُصَين ، عن داود بن الحُصين،
عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبيه ، قال : لمّا انتهوا إلى قبره نزل فى
قبره أربعةُ نَفَر: الحارث بن أوس بن مُعاذ، وأُسَيد بن حُضَير، وأبو نائلة ،
وَسَلَمَة بن سلامة، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واقفٌ على قَدَميْه على
قبره ؛ فلمّا وُضع فى لَحْدِه تغيّر وجهُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسبّح
ثلاثاً، فسبّح المسلمون ثلاثاً حتى ارتجّ البَقيع. ثم كبّر رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم ثلاثاً، وكبّر أَصحابُه ثلاثاً حتى ارتجّ البَقيع بتكبيره .
فُسُئل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك فقيل : يا رسول الله، رأينا
لوجهك تغيّاً وسبّحتَ ثلاثاً! قال : تَضايق على صاحبكم قبرُه، وضُمّ
ضمَّةٌ لونجا منها أَحدٌ لنجا منها سعد ، ثم فرّج الله عنه .
حدّثْنى إبراهيم بن الحُصين ، عن المِسْوَر بن رِفاعة ، قال: جاءَت
أُمّ سعد - وهى كَبْشَة بنت عُبَيد - تنظر إلى سعد فى اللَّحد، فردّها الناس
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: دَعوها ! فأقبلت حتى نظرت إليه ،
وهو فى اللَّحد قبل أَن يُبْنَى عليه اللَّبِن والتراب، فقالت: أَحتسبُك عند
الله! وعَزّاها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على قبره ؛ وجلس ناحيةً ، وجعل
المسلمون يردّون تراب القبر ويُسوّونه، وتنحّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فجلس حتى سُوِّى على قبره ورُشّ على قبره الماء ، ثم أَقبل فوقف عليه فدعا
له ، ثم انصرف .
ذكر من قُتل من المسلمين فى حصار بنى قُرَيْظَة
خَلَّد بن سُوَيد من بلحارث بن الخَزْرج، دلَّت عليه نُباتَةُ رحىٌ
فشدخت رأسَه ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم : له أجر شهيدين ! وقتلها
به . ومات أبوسنان بن مِحْصَن، فدفنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هناك،

٥٣٠
فهو فى مَقبرة بنى قُرَيْظَة اليوم .
حدّثنا الواقدىّ قال : حدّثنى إبراهيم بن جعفر، عن أبيه ، قال:
لمّا قُتلت بنو قُرَيْظَة، قدم حُسَيل بن نُوَيرة الأَشْجَعَىّ خَيْبَر ، قد سار
يومين، ويهود بنى النَّضير - سَلاَّم بن مِشْكُم، وكِنانة بن الرَّبيع بن أبى الحُقَيق.
ويهود خَيْبَرِ جُلوس فى ناديهم يتحسّبون خبر قُرَيْظة، قد بلغهم أَنَّ رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد حصرهم وهم يتوقّعون ما هو كائن ، فقالوا : ما
وراءَك؟ قال: الشرّ! قُتلت مُقاتلة قُرَيْظَة صبرًا بالسيف ! قال كِنانة :
ما فعل حُيِىٌ ؟ قال حُسَيل: حُيِّىّ قد طاح، ضُربت عنقُه صبرًا. وجعل
يُخبرهم عن سَراتهم - كعب بن أَسَد، وغَزَّال بن سَمَوْأَل، ونَبّاش بن
قيس - أنه حضرهم قُتلوا بين يدى محمّد . قال سَلَّم بن مِشْكَم : هذا
كلُّه عمل حُيَىّ بن أَخْطَب، شأَمنا أَوّلاً وخالفَنا فى الرأى، فأَخرِجَنا من
أَموالنا وشرفنا وقتل إِخواننا. وأَشدّ من القتل سباءُ الذُّرّيّة؛ لا قامت يهودية
بالحجاز أبدًا، ليس لليهود عزمٌ ولا رأى . قالوا : وبلغ النساءَ فصَيَّحن،
وشققن الجُيوب، وجززن الشُّعورَ، وأَقمن المآتِم، وضَوَى إليهنَّ نساءُ
العرب . وذَزِعت اليهود إلى سَلَّم بن مِشْكَم فقالوا : فما الرأى أَبا عمرو ؟
ويقال أَبا الحَكَم . قال : وما تصنعون برأى لا تأخذون منه حَرفاً ؟ قال
كِنانة: ليس هذا بحِين عتاب ، قد صار الأمر إلى ما ترى . قال: محمّد
قد فرغ من يهود يَثْرِب ، وهو سائرٌ إليكم ، فنازل بساحتكم ، وصانع بكم
ما صنع ببنى قُرَيْظَة . قالوا : فما الرأى ؟ قال : نسير إليه بمن معنا من
يهود خَيْبَر ، فلهم عدد ، ونستجلبُ يهود تَيْماءَ، وَدَك ، ووادى القُرَى؛ ولا
نستعين بأَحَدٍ من العرب ، فقد رأيتم فى غزوة الخَنْدَق ما صنعت بكم
العرب بعد أن شرطتم لهم تمرَ خَيْبَر نقضوا ذلك وخذلوكم ، وطلبوا من
محمّدٍ بعضَ تمر الأَوْسْ والخَزْرَج، وينصرفون عنه، مع أَنَّ نُعَيمٍ بن مسعود

٥٣١
هو الذى كادهم بمحمّد ، ومعروفُهم إليه معروفُهم ! ثم نسير إليه فى عُقر
داره فنُقاتل على وِتْرٍ حديثٍ وقديم . فقالت اليهود : هذا الرأى . فقال
كِنانة : إنى قد خبرتُ العربَ فرأيتهم(١) أَشدّاءَ عليه ، وحصونُنا هذه ليست
مثل ما هناك ، ومحمّد لا يسير إِلينا أبدًا لِما يعرف. قال سَلَّم بن مِشْكَم :
هذا رجلٌ لا يُقاتل حتى يُؤخذ برقبته ، فكان ذلك [ والله ] (٢) محمود !
وقال حَسّان بن ثابت يرثى سعد بن معاذ(٣) ...
باب شأن سريّة عبد الله بن أُنَيس إلى
سفيان بن خالد بن نبيح
قال عبد الله بن أُنَيس : خرجتُ من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون
من المحرّم ، على رأس أربعةٍ وخمسين شهرًا ، فغبت اثنتى عشرة ليلة ،
وقدمت يوم السبت لسبعٍ بقين من المحرّم .
قال الواقدىّ: حدّثنا إسماعيل بن عبد الله بن جُبَير ، عن موسى بن
جُبَير ، قال : بلغ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ سُفيان بن خالد بن
نُبَيح الُهُذَلِىّ، ثم اللَّحْيانىّ، وكان نزل عُرَنَة(٤) وما حولها فى ناسٍ من قومه
وغيرهم ، فجمع الجموع لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وضوى إليه بَشَرٌ
كثيرٌ من أَفْناء الناس . فدعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبد الله بن
أُنَيس، فبعثه سريّةً وحدَه إِليه ليقتله ، وقال له رسول الله صلَّى الله عليه
(١) فى ب: ((فرأيتهم ووجدتهم)) .
(٢) زيادة من نسخة ب .
(٣) ذكر ابن إسحاق أبيات حسان بن ثابت. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ٢٨٢).
(٤) فى الأصل؛ ((عزبة))؛ وما أثبتناه من ب. وعرفة: موضع بقرب عرفة، موضع الحجيج.
( شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ، ج ٢ ، ص ٧٦ ) .

٥٣٢
وسلَّم: انتَسِبْ إِلى خُزاعة . فقال عبد الله بن أُنَيس: يا رسول الله ما أعرفه ،
فصِفْه لى . فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إِنك إذا رأيتَه هِبْتَه
وفَرِقْتَ منه وذكرتَ الشيطان. وكنتُ لا أَهابُ الرجال ، فقلت : يا رسول
الله، ما فرقتُ من شىءٍ قَطُ .. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : بلى،
آيةٌ بينك وبينه (١) أَن تجد له قُشَعْرِيرَةً إِذا رأيتَه. واستأُذنتُ
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَن أَقُول ، فقال : قُل ما بدا لك. قال: فأَخذتُ
سيفى لم أَزِدْ عليه، وخرجتُ أَعْتَزِى إِلى خُزاعة ، فأخذت على الطريق حتى
انتهيت إلى قُدَيد، فأَجدُ بها خُزاعة كثيرًا ، فعرضوا علىّ الحُملان والصحابة ،
فلم أُرِدِ ذلك وخرجت (٢) حتى أتيتُ بطن سَرِف، ثم عدلت حتى خرجت
على عُرَنَة ، وجعلت أُخبر مَن لقيت أَنّى أُريد سُفيان بن خالد لأكون معه ،
حتى إذا كنت ببطن عُرَنَة لقيته يمشى، ووراءَه الأحابيش ومن استجلب
وضوى إِليه . فلمّا رأيتُه هبتُه، وعرفتُه بالنَّعْت الذى نعت لى رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم. ورأيتنى أَقْطُر (٣) فقلت: صدق الله ورسولُه! وقد
خلت فى وقت العصر حين رأيتُه ، فصلَّيت وأَنا أَمشى أُومِى إِيماءً برأسى ،
فلمّا دنوت منه قال : مَن الرجل ؟ فقلت : رجلٌ من خُزاعة ، سمعتُ بجمعك
لمحمّدٍ فجئتك لأَّكون معك. قال: أَجَلْ، إِى لَفِى الجمع له . فمشيتُ
معه ، وحدّثته فاستحلى حديثى، وأنشدته شعرًا ، وقلت : عجباً لِما
أَحدث محمّد من هذا الدين المُحدَث ؛ فارق الآباءَ وسفَّه أَحلامَهم ! قال :
لم يَلْقَ محمّدٌ أَحدًا يُشبهنى! قال: وهو يتوّكأُ على عصا بهد الأَرْض،
(١) فى ب: ((بينك وبين ذلك)).
(٢) فى ب: ((فخرجت أمشى)).
(٣) فى الأصل: ((أنظر))؛ وما أثبتناه هو قراءة ب.

٥٣٣
حتى انتهى إلى خِبائه ، وتفرّق عنه أصحابه إلى منازلَ قريبةٍ منه
وهم مُطيفون به . فقال : هلمّ يا أَخا خُزاعة ! فدنوت منه فقال لجاريته :
اخْلُبى ! فحلبت ثم ناولتنى ، فمصصت ثم دفعته إليه ، فعبّ كما يعبّ
الجمل حتى غاب أَنفه فى الرَّغْوَةِ(١)، ثم قال : اجلسْ. فجلست معه ،
حتى إذا هَدأَ الناسُ وناموا وهَداً، اغتررته (٢) فقتلته وأخذت رأسه ؛ ثم
أَقبلتُ وتركت نساءَه يبكين عليه ، وكان النَّجاءُ منَّى حتى صعدت فى
جبل فدخلت غارًّا . وأَقبل الطلبُ من الخيل والرجال تَوَزَّعُ فى كلّ وجهٍ ،
وأَنا مُختفٍ فى غار الجبل، وضربتِ العنكبوت على الغار ، وأَقبل رجُلٌ ومعه
إداوةٌ ضخمةٌ ونعلاه فى يده . وكنت حافياً، وكان أَهمّ أَمرى عندى العطش،
كنتُ أَذكر تهامَةَ وحَرَّها . فوضع إِداوته ونعله وجلس يبول على باب الغار ،
ثم قال لأصحابه : ليس فى الغار أَحد . فانصرفوا راجعين ، وخرجتُ إِلى
الإِداوة فشربت منها وأخذت النعلين فلبستهما . فكنت أَسير الليل وأَتوارى
النها، حتى جئت المدينة فوجدت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى المسجد ، فلما
رآنى قال : أَفلح الوجه ! قلت : أفلح وجهك يا رسول الله ! فوضعت رأسه
بين بديه، وأخبرته خبرى ، فدفع إلىّ عصاً فقال: تخصّرْ (٣) بهذه فى
الجنَّة . فإِن المتخصّرين فى الجنّة قليل. فكانت عند عبد الله بن أُنَيس
حتى إذا حضره الموتُ أَوصى أَهلَه أَن يُدرجوها فى كَفَنه . وكان قتْلِه فى
المحرّم على رأس أربعة وخمسين شهرًا .
(١) الرغوة: زبد اللبن. (الصحاح، ص ٢٣٦٠).
(٢) فى الأصل: ((اغتزيته))؛ وما أثبتناه هو قراءة ب. واغتررته: أى أخذته فى غفلة.
( شرح الزرقانى على المواهب اللدنية ، ج ٢، ص ٧٦) .
(٣) التخصر: الاتكاء على قضيب ونحوه. ( شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢،
ص ٧٦ ) .