Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤٠
يُريدون المدينة، فقال: هل مُبْلِغو(١) محمّدًا وأصحابه ما أُرسلكم به،
على أَن أُوِرَ لكم أَباعِركم زبيباً غدًا بعُكاظ. إن أَنتم جئتمونى؟ قالوا : نعم .
قال : حيثما لقيتم محمّدًا وأصحابه فأخبروهم أَنَّا قد أَجمعنا الرجعة إليهم، وأَنَّا
آثاركم. فانطلق أبو سفيان . وقدم الرَّكْب على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
وأصحابه بالحَمْراء ، فأخبروهم الذى أَمرهم أَبو سُفيان، فقالوا : حسبُنا
الله ونعم الوكيل ! وفى ذلك أَنزل الله عزَّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ
مِن بَعْدِ ما أَصابَهُمُ القَرْحُ .. ﴾ (٢) الآية. وقوله: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ.﴾(٣) الآية. وكان مَعْبَد قد أرسل رجلاً من خُزاعة إِلى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُعلمه أَن قد انصرف أبو سُفيان وأصحابه
خائفين وَجِلين . ثم انصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة.
سرية أبى سلمة بن عبد الأسد إلى قطّنَ (٤) إلى بنى أسد
فى المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهراً
قال الواقدىّ : حدّثنى عمر بن عُثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن
يَربوع، عن سَلَمَة بن عبد الله بن عمر بن أَبِى سَلَّمَة بن عبد الأَسّد .
وغيره أيضاً قد حدّثنى من حديث هذه السريّة، وعِماد الحديث عن عمر
ابن عُثمان، عن سَلَمَة، قالوا: شهد أَبو سَلَمَة بن عبد الأَسد أُحُدًا ، وكان
نازلاً فى بنى أُمَيّة بن زيد بالعالية حين تحوّل من قُباء ، ومعه زوجته
أُمّ سَلَمَة بنت أَبِى أُمَيّة. فجُرح بأُحُد جُرْحاً على عضده فرجع إلى منزله ،
فجاءه الخبر أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سار إِلى حَمْراء الأَسَد ، فركب
(١) فى ب: ((هل من مبلغى محدداً))؛ وفى ح: ((هل أنتم مبلغو محمد)).
(٣) سورة ٣ آل عمران ١٧٣.
(٢) سورة ٣ آل عمران ١٧٢.
(٤) قطن: جبل بناحية فيد، به ماء لبنى أسد بن خزيمة. (طبقات ابن سعد، ج ٢، ص ٣٥).

٣٤١
حمارًا وخرج يُعارض رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى لقيه حين هبط. من
العَصْبَة(١) بالعَقيق، فسار مع النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى حَمْراءِ الأَسَد .
فلمّا رجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة انصرف مع المسلمين ورجع
من العَصْبَة، فأَقام شهرًا يُداوى جُرْحَه حتى رأَى أَنْ قد برأً ؛ ودَمَل الجرح
على بَغْىٍ (٢) لا يدرى به، فلمّا كان هلال المحرّم على رأس خمسة وثلاثين
شهرًا من الهجرة ، دعاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : اخرج فى هذه
السّريّة فقد استعملتك عليها . وعقد له لِواءً وقال: سِرْ حتى تَرِد أرض بنى
أَسَد، فأَغِرْ عليهم قبل أَن تَلافَى عليك جُموعهم. وأوصاه بتقوى الله ومن
معه من المسلمين خيرًا ؛ فخرج معه فى تلك السَّريّة خمسون ومائة ، منهم :
أَبو سَبْرَة بن أبى رُهم وهو أَخو أَبِى سَلَمة لأُمّه - أُمّه بَرّة بنت عبد المطّلب -
وعبد الله بن سُهَيل بن عمرو ، وعبد الله بن مَخْرَمَة العامرىّ . ومن بنى
مَخْزوم : مُعَتِّب بن الفضل بن حَمراء الخُزاعىّ حليفٌ فيهم ، وأَرْقَم بن
أَبِى الأَرْقَم من أَنفُسهم . ومن بنى فِهر: أَبو عُبَيدة بن الجَرّاح وسُهَيل بن بيضاء.
ومن الأَنصار : أُسَيد بن الحُضَير ، وعَبّاد بن بِشر، وأَبو نائلة،
وأبو عَبس ، وقَتادة بن النُّعمان، ونَضْر بن الحارث الظَّفَرِىّ، وأَبو قتادة،
وَأَبو عَيّاش الزُّرَقِىّ، وعبد الله بن زيد، وحُبَيب بن يَساف، ومَن لم يُسَّ لنا.
والذى هاجه أَنَّ رجلاً من طَيِّئ قدم المدينة يُريد امرأة ذات رحمٍ به من
طّ ◌ِ متزوّجةٌ رجلاً من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فنزل على صِهْرِهِ
الذى هو «، أَصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره أَنَّ طُلَيحة وسَلَمَا
ابنى خُوَيْلِد تركهما قد سارا فى قومهما ومن أَطاعهما بدَعْوَتهما إلى حرب
(١) العصبة: منزل بنى جحجى غربى مسجد قباء. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٤٦).
(٢) على بغى: أى على فساد. (النهاية، ج ١، ص ٨٨).

٣٤٢
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يُريدون أن يدنوا للمدينة، وقالوا : نَسير
إلى محمّدٍ فى عُقْر داره، ونُصيب من أطرافه، فإِنَّ لهم سَرْحاً يرعى جوانب
المدينة؛ ونخرج على متون الخيل، فقد أَرْبَعْنا (١) خيلَنا، ونخرج على
النجائب المَخبورة؛ فإِن أَصبنا نَهْباً لم نُدْرَكِ، وإِن لاقينا جَمْعَهم كنَّا
قد أَخذنا للحرب عُدّتها ، معنا خيلٌ ولا خيلَ معهم ، ومعنا نجائبُ أَمثال
الخيل ، والقوم منكوبون قد أَوقعت بهم قُرَيش حديثاً؛ فهم لا يستبلّون
دهرًا، ولا يثوب لهم جَمْعٌ . فقام فيهم رجلٌ منهم يقال له قَيس بن
الحارث بن عُمَير ، فقال: يا قوم ، والله ما هذا برأى ! ما لنا قِبَلَهم وِتْرٌ
وما هم نُهْبَةٌ لِمُنتهِبٍ؛ إِنَّ دارنا لبعيدة من يَثْرِب وما لنا جَمْعٌ كجَمْعِ قُرَيش .
مكثت قُرَيش دهرًا تسير فى العرب تستنصرها ولهم وِتْرٌ يطلبونه ، ثم
ساروا وقد امتطوا الإِبل وقادوا الخيل وحملوا السلاح مع العدد الكثير - ثلاثة
آلاف مُقاتل سوى أتباعهم - وإنما جُهْدكم أن تخرجوا فى ثلاثمائة رجل إِن
كَمُلوا، فتُغرّرون بأنفسكم وتخرجون من بلدكم ، ولا آمن أن تكون الدائرة
عليكم . فكاد ذلك أَن يُشكّكهم فى المسير ، وهم على ما هم عليه بعدُ. فخرج
به الرجل الذى من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى النبيّ صلَّى الله
عليه وسلَّم فأَخبره ما أَخبر الرجل ؛ فبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
أَبَا سَلَمَة، فخرج فى أَصحابه وخرج معه الطائىّ دليلاً فأَغذّا(٢) السير،
ونكَّب بهم عن سَنَن الطريق، وعارض الطريق وسار بهم ليلاً ونهاراً ، فسبقوا
الأخبار وانتهوا إلى أدنى قَطَن - ماء من مياه بنى أَسَد ، هو الذى كان عليه
جَمْعهم - فيجدون سَرْحاً فأَغاروا على سَرْحهم فضمّوه ، وأَخذوا رِعاءً لهم ،
(١) فى ت: ((فقد رايعنا)). وأربع الخيل: أى رعاها فى الربيع. (الصحاح، ص ١٢١٤).
(٢) فى الأصل: ((فأعدوا))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ. والإغذاذ فى السير: الإسراع.
( الصحاح ، ص ٥٦٧ ) .

٣٤٣
مَماليكَ ثلاثة، وأَفلت سائرهم فجاءُوا جَمْعَهم فخبّروهم الخبر وحذْروهم جَمْعَ
أَبِى سَلَمَة، وكَثَّروه عندهم فتفرّق الجَمْع فى كلّ وجهٍ. وورد أَبو سَلَمَة الماءَ
فيجد الجَمْع قد تفرّق ، فعسكر وفرّق أَصحابه فى طلب النَّعَم والشاء ،
فجعلهم ثلاث فِرَق - فِرْقَةٌ أَقامت معه ، وفِرْقَتان أَغارتا فى ناحيتين شتّى .
وأَوعز إليهما أَلاَّ يُمعنوا فى طلب وأَلاَّ يبيتوا إِلَّا عنده إِن سَلِموا؛ وأمرهم أَلَّ
يفترقوا ، واستعمل على كلّ فِرْقَةٍ عاملاً منهم. فآبوا إليه جميعاً سالمين ،
قد أَصابوا إِيلاً وشاءً ولم يَلقَوا أَحدًا، فانحدر أَبو سَلَمَة بذلك كلّه إلى
المدينة راجعاً ، ورجع معه الطائىّ ، فلمّا ساروا ليلة قال أبو سَلّمَة : اقتسموا
غنائمكم. فأَعطى أَبو سَلَمَة الطائىّ الدَّليل رِضاه من المَغْنَم، ثم أَخرج
صَفيًّا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبدًا، ثم أخرج الخمس ، ثم
قسم ما بقى بين أصحابه فعرفوا سُهمانهم ، ثم أَقبلوا بالنَّعَم والشاء يسوقونها
حتى دخلوا المدينة .
قال عمر بن عثمان : فحدّثنى عبد الملك بن عُمَير ، عن عبد الرحمن
ابن سعيد بن يَربوع، عن عمر بن أبى سَلَمَة ، قال : كان الذى جرح
أَبَا سَلَمَةٍ أَبو أسامة الجُشَمىّ، رماه يوم أُحُد بمِعْبَلَةٍ فى عضُده ، فمكث
شهرًا يُداويه فبرأً فيما نرى ، وبعثه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى المحرّم على
رأس خمسة وثلاثين شهرًا إِلى قَطَن، وغاب بضع عشرة . فلمّا قدم المدينة
انتقض الجرح ، فمات لثلاث ليالٍ بقين من جمادى الآخرة ، فغُسل
من الْيُسَيْرَة - بئر بنى أُمَيّة - بين القَرْنَين، وكان اسمها فى الجاهليّة العَبير
فسمّاها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الْيُسَيْرَة، ثم حُمل من بنى أُمَيّة فدُفن
بالمدينة .

٣٤٤
قال عمر بن أبى سَلَمَة : واعتدّت أُّى حتى خلَتْ أربعة أشهر وعشرًا،
ثم تزوّجَها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ودخل بها فى ليالٍ بقين من شوّال ،
فكانت أمى تقول : ما بأُس فى النكاح فى شوّال والدخول فيه ؛ قد تزوّجنى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى شوّال وأَعرس بى فى شوّال. وماتت أُمّ
سَلَمَة فى ذى القعدة سنة تسع وخمسين .
قال أبو عبد الله الواقدىّ : فحدّثت عمرَ بن عُمان الجَحشىّ ، فعرف
السّريّة وَمَخْرج أَبِى سَلَمَة إِلى قَطَن، وقال: أَما سُمِّى لك الطائىّ ؟ قلت :
لا. قال : هو الوليد بن زُهَير بن طَريف عمّ زينب الطائيّة، وكانت
تحت طُلَيب بن عُمَير ، فنزل الطائىّ عليه فأَخبره فذهب به طُلَيب إِلى
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأَخبر خبر بنى أَسد وما كان من همومهم بالمسير .
ورجع معهم الطائىّ دليلاً وكان خِرِّيتاً(١)، فسار بهم أربعاً إِلى قَطّن، وسلك
بهم غير الطريق ؛لأَن يُعمّى الخبر على القوم. فجاءُوا القوم وهم غارّون على
صِرْمَةٍ (٢)، فوجدوا الصِّرَم قد نَذِروا(٣) بهم وخافوهم فهم مُعِدّون، فاقتتلوا
فكانت بينهم جراحة ، وافترقوا . ثم أَغار الطائيّون بعد ذلك على بنى أَسَد
فكان بينهم أيضاً جراح ، وأصابوا لهم نَعَماً وشاءً، فما تخلّصوا منهم
شيئاً حتى دخل الإِسلامُ .
قال الواقدىّ، وأَصحابنا يقولون: أَبو سَلَمَة من شهداء أُحُد للجُرْح
الذى جُرح يوم أُحد ثم انتقض به. وكذلك أَبو خالد الزُّرَقىّ من أَهل
العَقَبَة، جُرح باليمامة جُرْحاً، فلمّا كان فى خلافة عمر انتقض به الجُرْحُ
(١) الخريت: الماهر الذى يهتدى لأخرات المفازة، وهى طرقها الخفية ومضايقها، وقيل إنه يهتدى
لمثل خرت الإبرة من الطريق. (النهاية، ج ١، ص ٢٨٦).
(٢) الصرعة: القطعة من الإبل نحو الثلاثين. (الصحاح، ص ١٩٦٥).
(٣) نذر القوم بالعدو إذا علموا. (الصحاح، ص ٢٨٦).

٣٤٥
فمات فيه ، فصلِّى عليه عمر وقال : هو من شهداء اليمامة لأَنَّهِ جُرح باليمامة.
قال الواقدىّ : فحدّثتُ يَعقوبَ بن محمّد بن أَبِى صَعْصَعَة حديثَ أَبِى
سَلَمَة كلَّه فقال: أَخبرنى أَيّب بن عبد الرحمن بن أَبِى صَعْصَعَة قال:
بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَبا سَلَمَة فى المحرّم على رأس أَربعة
وثلاثين شهرًا ، فى مائة وخمسة وعشرين رجلاً فيهم سعد بن أَبِى وَقَّاص ،
وأبو حُذيفة بن عُتبة ، وسالم مولى أَبى حُذَيفة . فكانوا يسيرون الليل ويكمُنون
النهار حتى وردوا قَطَن، فوجدوا القوم قد جمعوا جَمْعاً فأَحاط بهم أَبو سَلّمَة
فى عَماية الصبح، وقد وعظ القوم وأمرهم بتقوى الله ، ورغّبهم فى الجهاد
وحضَّهم عليه ، وأَوعز إليهم فى الإِمعان فى الطلب ، وأَنَّف بين كلّ رجلين.
فانتبه الحاضر قبل حملة القوم عليهم ، فتهيّئوا وأخذوا السلاح ، أَو من
أخذه منهم ، وصفّوا للقتال . وحمل سعد بن أبى وَقَّاص على رجْلٍ منهم
فضربه فأبان رجله، ثم ذَقَّف عليه؛ وحمل رجلٌ من الأَعراب على مَسعود
ابن عُروة ، فحمل عليه بالرمح فقتله ، وخاف المسلمون على صاحبهم أَن
يُسلَب من ثِيابه فحازوه إليهم . ثم صاح سعد : ما يُنتَظر ! فحمل
أَبو سَلَمَة فانكشف المشركون على حاميتهم ، وتبعهم المسلمون ، ثم تفرَّق
المشركون فى كلِّ وجهٍ ، وأَمسك أَبو سَلَمَة عن الطلب فانصرفوا إلى المحلّة،
فواروا صاحبهم وأخذوا ما خفّ لهم من متاع القوم (١) ، ولم يكن فى المحلّة
ذُرّيّة ، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة ، حتى إذا كانوا من الماء على مسيرة
ليلة أَخطأًوا الطريق، فهجموا على نَعَم لهم فيهم رِعاؤهم ، وإِنما نكَّبوا عن
سَنَنهم ، فاستاقوا النَّعَم واستاقوا الرِّعاءَ ، فكانت غنائمهم سبعة أَبعرة .
فحدّثْنى ابن أَبِ سَبْرَة ، عن الحارث بن الفُضَيل ، قال : قال سعد
(١) فى ب، ت: ((متاع الصرم)).

٣٤٦
ابن أبى وَقَّاص : فلمّا أَخطأُنا الطريق استأجرنا رجالاً من العرب دليلاً يدلّنا
على الطريق ، فقال : أَنا أَهجُم بكم على نَعَمٍ ، فما تجعلون لى منه ؟
قالوا : الخُمُس . قال : فدلّهم على النَّعَم وأخذ خُمُسه .
غزوة بئر معونة
فى صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً
حدّثنى محمّد بن عبد الله، وعبد الرحمن بن عبد العَزيز، ومَعْمَر بن
راشد، وأَفْلَح بن سَعيد، وابن أَبِى سَبْرَة، وأَبو مَعْشَر، وعبد الله بن جعفر؛
وكلٌّ قد حدّثنى بطائفةٍ من هذا الحديث ، وبعض القوم كان أَوعى له من
بعض ، وغير هؤلاء المسمَّين ، وقد جمعت كلّ الذى حدّثونى ، قالوا : قدم
عامر بن مالك بن جَعفر أَبو البراء مُلاعب الأَسِنَّة (١) على رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم، فأَهدى لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فرسّين وراحلتَين ، فقال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا أقبلُ هديَّةً مُشرِكٍ ! فعرض رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم عليه الإِسلام ، فلم يُسلم ولم يُبعد ، وقال: يا محمّد، إِنى
أَرى أَمرك هذا أمرًا حسناً شريفاً؛ وقوْمى خَلْفِى، فلو أَنك بعثتَ نَفَرًا من
أَصحابك معى لرجوتُ أَن يُجيبوا دعوتَك ويتَّبعوا أمرك ، فإن هم اتَّبعوك فما
أَعَزَّ أَمرك! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنى أَخاف عليهم أَهل نَجْد .
فقال عامر : لا تَخَفْ عليهمْ ، أَنا لهم جارٌ أَن يَعرِض لهم أَحدٌ من أَهل
(١) سمى ملاعب الأسنة يوم سوبان وهو يوم كانت فيه وقيعة [بالتصغير ] فى أيام العرب بين قيس
وتميم ، وفد فر عنه أخوه يومئذ فقال شاعر :
يلاعب أطراف الوتيج المزعزع
فررت وأسلمت ابن أمك عامرا
( الروض الأنف ، ج ٢ ، ص ١٧٤ )

٣٤٧
نَجْد. وكان من الأَنصار سبعون رجلاً شَبَبَةً(١) يُسَمَّون القُرّاءَ، كانوا إِذا
أمسوا أَتوا ناحيةً من المدينة فتدارسوا وصلُّوا، حتى إِذا كان وجاه الصُّبْحِ
استعذبوا من الماء وحطبوا من الحَطَب فجاءُوا به إِلى حُجَر رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم؛ وكان أهلوهم يظنَّون بأنهم فى المسجد ، وكان أهل المسجد يظنُّون
أَنهم فى أهليهم . فبعثهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فخرجوا فأُصيبوا
فى بئر مَعونة، فدعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على قَتَلَتهم خمس عشرة
ليلة. وقال أبو سعيد الخُدْرىّ: كانوا سبعين، ويقال إنهم كانوا أربعين،
ورأيتُ الثَّبْت على أنهم أربعون. فكتب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
معهم كتاباً ، وأَمّر على أَصحابه المُنْذِر بن عمرو الساعدىّ ، فخرجوا حتى
كانوا على بئر مَعونة، وهو ماءٌ من مياه بنى سُلَيم ، وهو بين أَرض بنى عامر
وبنى سُلَيم ؛ وكِلا البَلَدَين يُعَدّ منه.
فحدّثنى مُصْعَب بن ثابت ، عن أبى الأَّسود ، عن عُروة ، قال : خرج
المُنْذِر بدليلٍ من بنى سُلَيم يقال له المطّلب ، فلمّا نزلوا عليها عسكروا بها
وسرّحوا فَهْرَهم . وبعثوا فى سرْحهم الحارث بن الصِّمَّة، وعمرو بن أُمَّيّة .
وقدّموا حرام بن مِلْحان بكتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عامر بن
الُّفَيل فى رجالٍ من بنى عامر ، فلمّا انتهى حَرام إليهم لم يقرأوا الكتاب ،
ووثب عامر بن الطُّفَيل على حرام فقتله ؛ واستصرخ عليهم بنى عامر
فأَّبَوا . وقد كان عامر بن مالك أَبو بَراء خرج قبل القوم إلى ناحية نَجْد
فأخبرهم أنه قد أَجار أصحاب محمّد، فلا يَعرضوا لهم، فقالوا: لن يُخْفَر
جِوار أَبِى بَراء . وأَبت عامر أَن تنفر مع عامر بن الطُّفَيل، فلمّا أَبت عليه
بنو عامر استصرخ عليهم قبائلَ من سُلَيم - عُصَيَّة ورِعْلاً - فنفروا معه
(١) الشبيبة: الشبان، وأحدهم شاب (النهاية، ج ٢، ص ٢٠١)

٣٤٨
ورأسوه ، فقال عامر بن الطُّفَيل: أَحلفُ بالله ما أَقبل هذا وحده ! فاتَّبعوا
إِثره حتى وجدوا القوم ، قد استبطأوا صاحبهم فأقبلوا فى إثره ، فلقيهم
القوم والمُنْذِر معهم ، فأَحاطت بنو عامر بالقوم وكاثروهم ، فقاتل القوم
حتى قُتل أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . وبقى المُنذر بن عمرو ،
فقالوا له : إِن شئت آمنَّك. فقال: لن أُعطى بيدى ولن أَقبل لكم أَماناً
حتى آتى مَقتلَ حَرام ، ثم برئ منّى جِواركم . فآمنوه حتى أَنى مصرع حَرام ،
ثم برئوا إليه من جِوارهم ، ثم قاتلهم حتى قُتل، فذلك قول رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم: ((أَعْنَق ليموتَ))(١). وأَقبل الحارث بن الصِّمَّة وعمرو بن
أُمَّة بالسّرْح ، وقد ارتابا بعكوف الطَّير على منزلهم أَو قريبٍ من منزلهم .
فجعلا يقولان : قُتل واللهِ أَصحابنا ؛ واللهِ ما قتل أصحابَنا إِلَّا أَهلُ نَجْد !
فَأَوْفى على نَشَرٍ من الأَرض فإِذا أَصحابهم مقتولون وإذا الخيل واقفةٌ، فقال
الحارث بن الصِّحَّة لعمرو بن أُمَيّة : ما ترى ؟ قال: أَرى أَن أَلحقَ برسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأُخبره الخبر . فقال الحارث: ما كنت لأَنْأُخَّرَ
عن مَوطنٍ قُتل فيه المُنْذِر . فأَقبلا للقوم(٢) فقاتلهم الحارث حتى قتل
منهم اثنين ، ثم أَخذوه فأَسروه وأسروا عمرو بن أُميّة. وقالوا للحارث: ما تُحبّ
أن نصنع بك، فإنَّا لا نحبّ قَتْلك؟ قال : أَبلغونى مَصرع المُنْذِر وحَرام ،
ثم برئتْ منّى ذمتكم . قالوا : نفعل . فبلغوا به ثم أرسلوه ، فقاتلهم فقتل
منهم اثنين ثم قُتل ، فما قتلوه حتى شرعوا له الرماح فنظموه فيها . وقال
عامر بن الطُّفَيل لعمرو بن أُمَّيّة ، وهو أَسيرٌ فى أيديهم ولم يُقاتل : إنه قد
كانت على أُمّى نَسَمَة، فأَنت حُرُّ عنها! وجزَّ ناصِيَتَه . وقال عامر بن
(١) أعثق ليموت: أى إن المنية أسرعت به وساقته إلى مصرعه. (النهاية، ج ٣، ص ١٣٣).
(٢) فى ب، ت: ((فأقبلا فلقيا القوم)).

٣٤٩
الطُّفَيل لعمرو بن أُمَيّة ؛ هل تعرف أصحابك؟ قال ، قلت : نعم . قال :
فطاف فيهم وجعل يسأله عن أَنسابهم فقال : هل تَفقِد منهم عن أَحَدٍ ؟
قال : أَفقدُ مولىّ لأَبى بكر يقال له عامر بن فُهَيرة . فقال : كيف كان
فيكم ؟ قال ، قلت : كان من أَفضلنا ومن أَوّل أَصحاب نبيَّنا . قال :
أَلا أُخبرك خبره ؟ وأشار إلى رجلٍ فقال : هذا طعنه برمحه ، ثم انتزع رمحه
فذُهب بالرجل عُلُوًّا فى السماء حتى واللهِ ما أَراه . قال عمرو ، فقلت : ذلك
عامر بن فُهَيرة ! وكان الذى قتله رجلٌ من بنى كِلاب يقال له جّار بن
سُلْمى، ذكر أنه لمّا طعنه قال، سمعته يقول ((فُرْتُ واللهِ! )). قال ،
فقلت فى نفسى: ما قوله ((فُزْتُ))؟ قال: فأَتيت الضَّحّاك بن سُفيان
الكِلاّى فأخبرته بما كان وسألته عن قوله ((فُرْتُ))، فقال: الجنَّة.
قال : وعرض علىّ الإِسلام. قال: فأَسلمت ، ودعانى إلى الإِسلام ما رأيت
من مقتل عامر بن فُهَيرة مِن رفعة إلى السماءِ عُلُوًّا. قال: وكتب الضَّحَاك
إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُخبره بإسلامى وما رأيتُ من مقتل عامر
بن فُهَيرة، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : فإنَّ الملائكة وارَتْ جُنَّتَه!
وأُنزل عِلِّيّين .
فلمّا جاءَ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خبر بشر مَعزنة، جاءَ معها فى
ليلةٍ واحدةٍ مُصابهم ومُصاب مَرْتَد بن أَبِى مَرْنَد ، وبعث محمّد بن مَسْلَمَةِ ،
فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم يقول: هذا عَمَلُ أَبِى بَراء ، قد كنت
لهذا كارهاً. ودعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على قَتَلَتهم بعد الركعة من
الصُّبْحِ ، فى صُبْح تلك الليلة التى جاءَه الخبر ، فلمّا قال: سمع الله لمن
حَمِده ! قال : اللَّهمّ اشْدُدْ وَطْأَتَك على مُضَرا؛ اللَّهمّ ، عليك ببنى لِحيان
وزِعْبٍ ورِعْل وذَكوان وُصَيَّةٌ، فَإِنَّهم عَصَوا الله ورسوله ؛ اللَّهمّ ، عليك

٣٥٠
ببنى لِحيان وعَضَّل والقارة؛ اللَّهمّ، أَنْجِ الوليد بن الوليد، وسَلَمَة بن
ابن هشام، وعَيّاش بن أبى ربيعة ، والمستضعَفين من المؤمنين ؛ غِفارٌ غفر
الله لها، وأَسْلَم سالمها الله ! ثم سجدْ . فقال ذلك خمس عشرة،
ويقال أربعين يوماً ، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىءٌ
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ .. }(١) الآية. وكان أَنّس بن مالك يقول: يا ربّ (٢)،
سبعين من الأَنصار يوم بئر مَعونة ! وكان أبو سعيد الخُدْرِىّ يقول: قُتلتْ
من الأَنصار فى مواطن سبعين سبعين - يوم أُحُد سبعون ، ويوم بئر معونة سبعون .
ويوم اليمامة سبعون ، ويوم جِسر أَبىْ عُبَيد سبعون. ولم يَجِد رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم على قَّتْلَى ما وَجَد على قَتْلَى بئر معونة . وكان أَنَس بن مالك
يقول: أَنزل الله فيهم قرآناً قرأناه حتى نُسِخ: ﴿بَلِّغُوا قَوْمَنا أَنَّا لَقِينا رَبَّنَا
فَرَضِىَ عَنَّا وَرَضِينا عَنْهُ﴾.
قالوا : وأَقبل أبو بَراء سائرًا، وهو شيخٌ كبيرٌ هِمَّ (٢)، فبعث من العِيص
ابنَ أَخيه لَبيد بن رَبيعة بهديّةٍ ؛ فَرَسٍ ، فردّه النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
وقال : لا أَقبلُ هدّية مُشركٍ! فقال لَبيد: ما كنت أَظنّ أَنَّ أَحدًا من مُضَر
يردّ هديّة أَبى بَراء . فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لو قبلت هدّة مُشرك
لقبلتُ هدّية أبى براء . قال: فإِنه قد بعث يستشفيك من وَجَعٍ بِه- وكانت
به الدُّبَيْلَة. فتناول النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم جَبوبةٌ(٤) من الأَرض فتفل
فيها ، ثم ناوله وقال: دُفْها بماءٍ ثم اسقِها إِياه . ففعل فبرىُّ . ويقال إنه
(١) سورة ٣ آل عمران ١٢٨.
(٢) فى ت: ((اللهم يا رب)).
(٣) الهم: الشيخ الفانى . ( الصحاح ، ص ٢٠٦٢ )
(٤) فى هامش نسحة ب: ((الحبوبة المدرة)).

٣٥١
بعث إليه بِعُكَّةً (١) عسل فلم يزل يلعقها حتى برىَّ. فكان أبو بَراء يومئذٍ
سائرًا فى قومه يُريد أَرض بَلىّ، فمرّ بالعِيص فبعث ابنه رَبيعة مع أبيد
يحملان طعاماً ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لربيعة: ما فَعَلَتْ
ذِمَّةُ أَبيك ؟ قال رَبيعة: نَقَضَتْها ضَرْبَةٌ بسيفٍ أَو طَعْنَةٌ برمح ! فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: نعم. فخرج ابن أبى براء فخبّر أَباه ، فشقٌ
عليه ما فعل عامر بز الطَفَيْل وما صنع بأصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم،
ولا حَرَكَةَ به من الكِبَر والضعف ، فقال: أَخْفَرنى ابن أخى من بين بنى
عامر . وسار حتى كانوا على ماءٍ من مياه بَلىّ يقال له الهَدْم (٢) ، فيركب رَبيعة
فَرَساً له ويلحق عامرًا وهو على حملٍ له، فطعنه بالرمح فأَخطأَ مَقاتلة .
وتصايح الناس، فقال عامر بن الطُّفَيل. إنها لم تضرّنى ! إنها لم تضرّى !
وقال : قُضِيَتْ ذِمَّةُ أَبِى بَراء . وقال عامر بن الطُّفَيل: قد عفوتُ عن عمّى ؛
هذا فعله !
وقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: اللَّهمّ، اهْدِ بنى عامر واطلب خُفْرَتِى (٣)
من عامر بن الطُّفَيل .
وأقبل عمرو بن أُمَيّة حتى قدم على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، سار على
رجليه أربعاً ؛ فلمّا كان بصُدور قَناة(٤) لقى رجلين من بنى كِلاب،، قد
كانا قدما على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فكَساهما، ولهما منه أَمانٌ .
ولم يعلم بذلك عمرو ، فقايلهما فلمّا ناما وثب عليهما فقتلهما الذى أصابت
بنو عامر من أصحاب بئر مَعونة . ثم قدم على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
(١) العكة: وعاء من جلود مستدير يختص بالسمن والعسل (النهاية، ج ٣، ص ١٢٠).
(٢) الهدم وراء وادى القرى. ( معجم البلدان، ح ٨، ص ٤٤٩).
(٣) الخفرة: الذمة. (النهاية، ج ١، ص ٣٤١).
(٤) فى الأصل: ((مياة)). وقناة: أحد أودية المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٦٣).

٣٥٢
· فأَخبره بقَتْل أصحاب بئر معونة ، فقال : أَنت من بينهم ! ويقال
إِنَّ سعد بن أَبِى وَقَّاص رجع مع عمرو بن أُمَيّة فقال النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم : ما بعثتك قطُّ. إلّا رجعتَ إِلىّ من بين أصحابك. ويقال إنه لم
يكن معهم ولم يكن فى السّريّة إِلَّا أَنصارىّ، وهذا الثَّبْت عندنا. وأَخبر
عمرو النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمقتل العامريَّيْن فقال : بئس ما صنعتَ،
قتلتَ رجلين كان لهما منَّى أَمَانٌ وجِوار ، لأَدِيَنَّهما ! فكتب إليه عامر بن
الطُّفَيل وبعث نَفَرًا من أصحابه يُخبره : إِنَّ رجلاً من أصحابك قتل رجلين
من أَصحابنا ولهما منك أَمانٌ وجِوار. فأَخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
دِيتهما ، دِية حُرَّين مُسلمين ، فبعث بها إِليهم .
حدّثْنى مُصْعَب، عن أَبى أَسود ، عن عُروة ، قال : حَرَص المشركون
بُعروة بن الصَّلْت أَن يؤمّنوه فأَبى - وكان ذا خُلَّة بعامر - مع أَنّ قومه بنى
سُلَيم (١) حَرَصوا على ذلك، فأَبِى وقال: لا أَقبلُ لكم أَماناً ولا أَرغبُ بنفسى
عن مصرع أَصحابى . وقالوا حين أُحيط. بهم: اللَّهمّ، إِنَّا لا نجد من يُبلّغ
رسولَك السلام غيرك ، فَاقرأ عليه السلام - فأخبره جبريل عليه السلام بذلك.
تسمية من استُشِهد من قُرَیش
من بنى تَيم : عامر بن فُهَيرة ؛ ومن بنى مَخْزوم : الحَكَم بن كَيسان
حليفٌ لهم ؛ ومن بنى سَهم : نافع من بُدَيل بن وَرْقاء ؛ ومن الأَنصار:
المُنذر بن عمرو ، أَمير القوم ؛ ومن بنى زُرَيق مُعاذ بن ماعص ؛ ومن بنى
النَّجّار: حَرام وسُلَيم (٢) ابنا مِلْحان ؛ ومن بنى عمرو بن مَبذول : الحارث
(١) فى الأصل: ((من بنى سليم))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ.
(٢) فى الأصل: ((حرام وسليمان))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن عبد البر. (الاستيعات،
ص ٦٤٨ ) .

٣٥٣
٠
ابن الصَّمَّة، وسَهل بن عامر بن سعد بن عمرو ، والطُّفَيل بن سعد ، ومن
بنى عمرو بن مالك: أَنَس بن مُعاوية بن أَنَس ، وأَبو شيخ أُبَى بن ثابت
ابن المُنذر ؛ ومن بنى دينار بن النَّجار : عَطيّة بن عبد عمرو، وارتُثّ من
القَتْلَى كعب بن زيد بن قيس - قُتل يوم الخَنْدَق ؛ ومن بنى عمرو بن
عَوف: عُروة بن الصَّلْت حليفٌ لهم من بنى سُلَيمٍ ؛ ومن النَّبيت : مالك بن
ثابت ، وسُفيان بن ثابت . فجميع من استُشهِد ممّن يُحْفَظ اسمه ستَّةَ
عشرَ رجلاً .
وقال عبد الله بن رواحة يرثى نافع بن بُدَيل؛ سمعتُ أَصحابنا يُنشدونها :
رَحْمَةَ المُبْتَغِى ثَوابَ الجِهادِ
رَحِم الله نافعَ بن بُدَيلٍ
أَكْثَرَ الناسُ قال قَوْلَ السَّدادِ
صارمٌ صادقُ اللِّقاءِ إِذا ما
وقال أَنَس بن عَبَّاس السّلَمِىّ، وكان خالَ طُعَيمة بن عَدىّ ، وكان طُعَيمة
يُكنَى أَبا الرَّيّان ، خرج يوم بئر مَعونة يُحرّض قومه يطلب بدم ابن
أَخيه، حتى قتل نافع بن بُدَيل بن وَرْقَاءَ ، فقال :
بِمُعْتَرَكِ تَسْفِىِ عليهِ الأَعاصِرُ
تَرَكْتُ ابنَ وَرْقَاءَ الخُزَاعِىَّ ثاوِياً
وَأَيْقَنْتُ أَنّى يَوْمَ ذلك ثائِرُ(١)
ذَكَّرْتُ أَبَا الرَّيَّان لمّا عَرَفْتُهُ
سمعت أصحابنا يُثبتونها . وقال حَسان بن ثابت يرثى المُنذر بن عمرو :
صَدْقُ اللَّقاءِ وصَدْقُ ذلك أَوْفَقُ
صلَّى الإِلهُ على ابن عمرٍو إِنَّهُ
قالوا له أَمْرَيْنِ فَاخْتَرْ فيهما فاختارَ فى الرأى الذى هو أَرْفَقُ
أَنشدنى ابن جَعفر قصيدة حَسّان ((سَحَّ غيرَ نَزْر))(٢).
(١) ثائر: بمعنى آخذ الثأر .
(٢) انظر ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ١٩٨).

٣٥٤
غزوة الرَّجيع
فى صفر على رأس ستّة وثلاثين شهراً
حدّثنى موسى بن يعقوب، عن أبى الأَسود، عن عُروةٍ ، قال : بعدـ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أصحاب الرَّجيع عيوناً إلى مكَّة ليُخبروه خبر قُرَيش،
فسلكوا على النَّجديّة حتى كانوا بالرَّجيع فاعترضت لهم بنو لِحيان.
حدّثنى محمّد بن عبد الله، ومَعْمَر بن راشد، وعبد الرحمن بن عبد العزيز ،
وعبد الله بن جعفر، ومحمّد بن صالح ، ومحمّد بن يحيى بن سَهل
ابن أبى حَثْمَة، ومُمعاذ بن محمّد، فى رجالٍ ممّن لم أُسَمّ (١)؛ وكلٌّ قد
حدّثنى ببعض الحديث ، وبعض القوم كان أَوعى له من بعض ، وقد
جمعت الذى حدّثونى، قالوا: لمّا قُتل سُفيان بن خالد بن نُبَيح الهُدَلَىّ
مشت بنو ليحيان إِلى عَضَل والقارة، فجعلوا لهم فَرائض على أَن يَقدّموا على
رَسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيُكلّموه، فيُخرج إليهم نَفَرًا من أصحابه
يدعونهم إلى الإِسلام . فنقتل من قتل صاحبنا ونخرج بِسائرِهم إلى
قُرَيش بمكّة فنُصيب بهم ثَمَناً ؛ فإنهم ليسوا لشىءٍ أَحبّ إِليهم من أَن يُؤْتَوا
بأَحَد من أصحاب محمّدٍ ، يُمثّلون به ويقتلونه بمن قُتل منهم ببَدْر .
فقدم سبعةُ نَفَرٍ من عَضَل والقارة - وهما حيّان إِلى خُزيمةٍ (٢) - مقِرّين
بالإِسلام ، فقالوا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلّم : إِنَّ فينا إِسلاماً فاشياً،
فابعث معنا نَفَرًا من أصحابك يُقرئوننا القرآن ويُفقِّهوننا فى الإِسلام .
(١) فى ت: ((لم يسم)).
(٢) قال ابن هشام: عضل والقارة من الهون بن خزيمة بن مدركة. (السيرة النبوية، ج ٣،
ص ١٧٨ ) .

٣٥٥
فبعث معهم سبعة نَفَرَ : مَرْتَد بن أَبِى مَرْتَد الغَنَوى ، وخالد بن أَبِى الْبُكَير ،
وعبد الله بن طارق البَلَوىّ حليفٌ فى بنى ظَفَر، وأَخَاه لأُمّه مُعَشِّب بن عُبَيد ،
حليفٌ فى بنى ظَفَر، وُبيب بن عَدىّ بن بَلْحارث بن الخزرج ، وزيد
ابن الدَّئِنَّة من بنى بَياضة، وعاصم بن ثابت بن أَبِى الأَقْلَح. ويقال
كانوا عشرة وأميرهم مَرْثَد بن أَبِى مَرْتّد ؛ ويقال أميرهم عاصم بن ثابت بن
أَبِى الأَقْلَح. فخرجوا حتى إِذا كانوا بماءٍ لُهُذِيل - يقال له الرَّجيع قريب من
الهَدَّةَ (١) - خرج النَّفَر فاستصرخوا عليهم أصحابهم الذين بعثهم اللِّحيانيُّون ؛
فلم يُرَع أصحابُ محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم إِلاَّ بالقوم، مائةُ رامٍ وفى
أيديهم السيوف . فاخترط أصحابُ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَسيافهم ثم
قاموا ، فقال العدوّ: ما نُريد قتالكم ، وما نُريد إلَّا أَن نُصيب منكم من أَهل
مكَّةٍ ثَمَناً، ولكم عهد الله وميثاقُه لا نقتلكم .. فأَمَا خُبَيب بن عَدىّ، وزيد
ابن الدَّثِنَّةِ، وعبد الله بن طارق ، فاستأسروا. وقال خُبَيب: إِنَّ لى عند
القوم يدًا. وأَما عاصم بن ثابت ، ومَرْتَد، وخالد بن أبى الْبُكَّير ، ومُعَنِّب
ابن عُبَيد ، فأَبُوا أَن يقبلوا جِوارهم ولا أمانهم . وقال عاصم بن ثابت : إِنى
نذرت ألَّا أَقبل جِوار مُشركٍ أَبدًا. فجعل عاصم يُقاتلهم وهو يقول :
النَّبْلُ والقَوْسُ لها بَلابلُ(٢)
ما عِلَّتِى وَأَنَا جَلْدٌ نابِلُ
المَوْتُ حَقٌّ والحَياةُ باطِلُ
تَزِلُّ عن صَفْحَتِها المعَابِلُ
بِالمَرْءِ والمَرَءُ إليه آئِلُ
وَكُلُّ ما حَمَّ الإِلهُ نازلُ
إِنْ لَمْ أُقاتِلْكم فأُفِّى هابِلُ (٣)
(١) يروى بتخفيف الدال وتشديدها. قال ابن سراج: أراد الهدأه فنقل الحركة، فهو مخفف على
هذا . ( شرح أبى ذر ، ص ٢٧٦) .
(٢) بلابل: جمع بلبلة وبلبال، وهو شدة الهم. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٣٣٧)
(٣) هابل: أى واقد، يقال هبلته أمه إذا فقدته. (شرح أبى ذر، ص ٢٧٦).

٣٥٦
قال الواقدىّ : ما رأيتُ من أَصحابنا أَحدًا يدفعه . قال: فرماهم بالنَّبْل
حتى فَنِيَتْ نَبْلُه ، ثم طاعنهم بالرمح حتى كُسر رمحه، وبقى السيف فقال :
اللَّهمّ حَمَيْتُ دينك أَوّل نهارى فَاحْمٍ لِى لَحمى آخره! وكانوا يُجِّدون كلّ مَن
قُتل من أصحابه . قال : فكسر غِمْد سيفه ثم قاتل حتى قُتل ، وقد جرح
رجلين وقتل واحداً . فقال عاصم وهو يُقاتل :
أَنا أَبو سُلَيْمانَ وَمِثْلى رامَى وَرِثْتُ مَجْدًا مَعْشَرًا كِرامَا
أَصْبْتُ مَرْتَداً وَخالِداً قِيامَا (١)
ثم شرعوا فيه الأَسِنَّة حتى قتلوه . وكانت سُلافة بنت سعد بن الشُّهَيد .
قد قُتل زوجها وبنوها أربعة ، قد كان عاصم قتل منهم اثنين ، الحارث ،
ومُسافعاً ؛ فنذرت لئن أَمكنها الله منه أن تشرب فى قِحْف (٢) رأسه الخمر،
وجعلت لمن جاءَ برأس عاصم مائة ناقة ؛ قد علمت ذلك العرب وعلمته بنو
لِحيان فأرادوا أن يحتزُّوا رأس عاصم ليذهبوا به إلى سُلافة بنت سعد ل أُخذوا
منها مائة ناقة . فبعث الله تعالى عليهم الدَّبْر فَحَمتْهُ فلم يَدْنُ إليه أَحَدٌ إلَّا
لَدَغت وجهَه، وجاءَ منها شىءٌ كثيرٌ لا طاقةَ لأَحدٍ به . فقالوا : دعوه إلى
الليل ، فإِنه إذا جاءَ الليل ذهب عنه الدَّبْر. فلمّا جاء الليل بعث الله عليه
سَيلاً - وكنًّا ما نرى فى السماء سحاباً فى وجه من الوجوه - فاختمله فذهب
به فلم يصلوا إِليه . فقال عمر بن الخطَّاب رضى الله عنه ، وهو يذكر عاصماً -
وكان عاصم نذر ألَّا يمسّ مُشركاً ولا يمسّه مُشرك تنجّساً به . فقال عمر
رضى الله عنه: إِنَّ الله عزَّ وجلّ لَيحفظ المؤمنين، فمنعه الله عزَّ وجلّ أَن
(١) فى الأصل: ((وجلده قياما))، وفى ت: ((أصيب مرثد وخالد قيام)))، وما أثبتناه هو
قراءة ب .
(٢) التحف: العظم الذى فوق الدماغ. ( الصحاح، ص ١٤١٣) .

٣٥٧
مسّوه بعد وفاته كما امتنع فى خياته .
وقاتل مُعَتِّب بن عُبَيد حتى جرح فيهم ، ثم خلصوا إِليه فقتلوه .
وخرجوا بخُبَيب، وعبد الله بن طارق ، وزيد بن الدَّئِنَّة حتى إذا كانوا بمرّ
الظَّهْران، وهم مُوثَقون بأَوْتار قِيِّهم ، قال عبد الله بن طارق : هذا أَوّل
الغدر! واللهِ لا أُصاحبكم؛ إِنَّ لى فى هؤلاءِ الأُسْوَةً - يعنى القتلى. فعالجوه
فأَبى ، ونزع يده من رباطه ثم أخذ سيفه ، فانحازوا عنه فجعل يشدّ فيهم
وينفرجون عنه، فرمَوه بالحجارة حتى قتلوه - فَقَبْرُه بمّ الظَّهْران . وخرجوا
بخُبَيب بن عَدىّ، وزيد بن الدَّئِنَّة حتى قدموا بهما مَّة، فأَما خُبَيب
فابتاعه حُجَير بن أَبِى إِهاب بثمانين مِثقال ذهب . ويقال اشتراه بخمسين
فَريضة (١) ، ويقال اشترته ابنة الحارث بن عامر بن نوفل بمائةٍ من الإبل .
وكان حُجَير إِنما اشتراه لابن أخيه عُقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه
قُتل يوم بدر . وأَما زيد بن الدَّئِنَّةِ، فاشتراه صفوان بن أُمَيّة بخمسين
فَريضة فقتله بأَبيه ، ويقال إنه شرك فيه أُناسٌ من قُرَيش ؛ فدخل بهما
فى شهر حرام ؛ فى ذى القعدة، فحبس حُجَير خُبَيْبَ بن عَدىّ فى بيت امرأة.
يقال لها ماوِيَّة ، مولاة لبنى عبد مَناف، وحبس صفوان بن أُمَيّة زَيْدَ بن
الدَِّنَّة عند ناسٍ من بنى جُمح، ويقال عند نِسطاس غلامه. وكانت ماوِيَّة
قد أسلمت بعدُ فحَسُن إِسلامها ، وكانت تقول: واللهِ ما رأيت أَحدًا
خيرًا من خُبَيب . واللهِ لقد اطّلعتُ عليه من صِير (٣) الباب وإنه لفى الحديد،
ما أعلمُ ن الأَرْض حَبَّة عِنَبٍ تُؤْكَل ، وإِنَّ فى يده لَقِطْفَ عِنَبٍ مثل رأس
الرجل يأكل منه، وما هو إِلَّ رزقُ رزقه الله. وكان خُبَيب يتهجّد بالقرآن،
(١) الفريضة: البعير المأخوذ فى الزكاة، سمى فريضة لأنه فرض واجب على رب المال ، ثم
اتسع فيه حتى سمى البعير فريضة فى غير الزكاة. (النهاية، ج ٣، ص ١٩٤).
(٢) الصير: شق الباب. (النهاية، ج ٣، ص ٨) .

٣٥٨
وكان يسمعه النساء فيبكين ويرققن عليه . قالت ، فقلت له : يا خُبَيب ،
هل لك من حاجة ؟ قال: لا ، إِلَّا أَن تسقينى العَذْب ، ولا تُطعمينى ما
ذُبح على النُّصُب، وتُخبرينى إذا أرادوا قتلى. قالت: فلمّا انسلخت
الأَشهرُ الحُرُم وأجمعوا على قَتْله أَنيته فأخبرته ، فواللهِ ما رأيته اكثرَثَ
لذلك ، وقال : ابعثى لى بحديدةٍ أَستصلِحُ بها . قالت: فبعثت إليه موسَى
مع ابنى أَبى حُسَين ، فلمّا وَلَّ الغلام قلت: أَدرك والله الرجلُ ثْره، أَىّ شىءٍ
صنعتُ ؟ بعثتُ هذا الغلام بهذه الحديدة، فيقتله ويقول ((رجلٌ برجل)).
فلمّا أَتاه ابنى بالحديدة تناولها منه ثم قال مُمازحاً له : وأَبيك إِنك لجَرِى ◌ٌ!
أَما خشيتْ أُمّك غَدْرِى حين بعثت معك بحديدةٍ وأَنتم تُريدون قَتْلي ؟
قالت ماوِيّة : وأَنا أَسمع ذلك فقلت: يا خُبِيب، إِنما أَمّنتك بأَمان الله
وَأَعطيتك بإِلهَك، ولم أُعطك لتقتل ابنى. فقال خُبَيب: ما كنت لأَفْتلَه،
وما نستحلّ فى ديننا الغَدْر. ثم أخبرتُه أَنّهم مُخرجوه فقاتِلوه بالغداة . قال :
فأخرجوه بالحديد حتى انتهوا به إلى التَّنْعِيمِ(١) ، وخرج معه النساءُ والصِّبيان
والعبيد وجماعةٌ من أَهل مكَّة ؛ فلم يتخلَّف أَحدٌ، إِما مَوتور فهو يُريد أَن
يتشافى بالنظر من وِتْرِه ، وإما غير مَوتور فهو مُخالف للإسلام وأهله . فلمّا
انتهوا به إِلى النَّنْعِيم، ومعه زيد بن الدَّثِنَّة، فأَمروا بخشبة طويلة فحُفر
لها، فلمّا انتهوا بخُبَيب إِلى خشبته قال : هل أنتم تارِ كىَّ فَأُصَِّ ركعتين ؟
قالوا : نعم. فركع ركعتين أَتمّهما من غير أَن يُطوّل فيهما .
فحدّثَنِى مَعْمَر ، عن الزُّهرِىّ ، عن عمرو بن أبى سُفيان بن أُسَيد بن
العَلاءِ، عن أَبي هُرَيرة ، قال : أَوّل من سَنَّ الركعتين عند القَتْل خُبَيب .
(١) التنعيم : هو عند طرف حرم مكة من جهة المدينة على ثلاثة أميال، وقيل أربعة، من
مكة . (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٨٣) .

٣٥٩
قالوا : ثم قال: أَما واللهِ لو لا أَن تروا أَنى جزِعت من الموت لاستكثرت
من الصلاة. ثم قال: اللَّهمّ أَحْصِهم عددًا، واقتلهم بَدَدًا (١)، ولا تُغادر
منهم أَحدًا .
فقال مُعاوية بن أبى سفيان : لقد حضرت دعوته ولقد رأيتنى وإِنَّ
أَبا سُفيان لَيُضجعنى إلى الأَرض فَرَقاً من دعوة خُبَيب، ولقد جبذنى يومئذٍ
أبو سُفيان جَبْذَة، فسقطت على عَجْبٍ ذَنَبِى فلم أزل أشتكى السقطة زماناً .
وقال حُوَيْطِب بن عبد العُزَّى: لقد رأيتنى أَدخلتُ إِصبعى فى أُذنى
وعدوت هرباً فَرَقاً أَن أَسمع دعاءه .
وقال حكيم بن حِزام : لقد رأيتنى أَتوارى بالشجر فَرَقاً من دعوة خُبَيب .
فحدّثنى عبد الله بن يزيد قال : حدّثنى سعيد بن عمرو قال: سمعت
جُبير بن مُطْعِمٍ يقول : لقد رأيتنى يومئذ أَتستَّر بالرجال فَرَقاً من أَن أُشرف
لدعوته .
وقال الحارث بن بَرْصاءَ : واللهِ ما ظننت أَن تُعادر دعوة خُبَيب
منهم أحدًا .
وحدّثنى عبد الله بن جعفر، عن عُثمان بن محمّد الأُخْنَسِىّ، قال :
استعمل عمر بن الخطّاب رضى الله عنه سعيد بن عامر بن حِذْيَم (٢) الجُمَحِىّ
على حِمْص ، وكانت تُصيبه غَشْيَةٌ وهو بين ظَهْرَى أَصحابه . فذُكر ذلك
لعمر بن الخطّاب فسأَلُه فى قَدْمَةٍ قدم عليه من حِمْص فقال: يا سعيد ،
(١) قال ابن الأثير: يروى بكسر الباء جمع بدة وهى الحصة والنصيب، أى اقتلهم حصصا
مقسمة لكل واحد حصته ونصيبه . ويروى بالفتح ، أى متفرقين فى القتل واحدا بعد واحد ؛
من التبديد . ( النهاية ، ج ١، ص ٦٥) .
(٢) فى الأصل: ((حديم))؛ وفى ب: ((جذيم)). مما أثبتناه عن ت، وعن ابن سعد. (الطبقات،
ج ٧، ص ١٢٥).