Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢٠ مُنْزَلِيْنَ﴾. ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا .. ) الآية، كان نزل على النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم قبل أن يخرج إلى أُحُد : إِنى ممدّكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزِلِين؛ ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمينَ﴾. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ قال : فلم يصبروا وانكشفوا فلم يُمدَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بمَلَك واحد يوم أُحُد . وقوله ﴿مُسَوِّمينَ﴾ قال: مُعْلِمين. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ لتستبشروا بهم ولتطمئنوا إليهم . ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ يقول: نُصيب منهم أَحَدًا وينقلبون خائبين. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ قال : يعنى الذين انهزموا يوم أُحُد . ويُقال نزلت فى حمزة حين رأَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما به من المَثْل فقال: لأُمثلنَّ بهم ! فنزلت هذه الآية . ويقال نزل فى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين رُفِى يوم أُحُد فجعل يقول: كيف يُفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم ؟ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾، قال: كان أَهل الجاهليّة إذا حلّ حقّ أَحدهم فلم يجد عنده غريمه أَخَّرَه عنه وأَضعفه عليه. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: التكبيرة الأولى مع الإِمام؛ ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها السّمَوَاتُ والأَرْضُ﴾ فيقال الجنّة فى السماء الرابعة. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فى السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ﴾ قال : السَّراءِ الْيُسْرِ والضَّرّاء العُسْر؛ ﴿وَالكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ يعنى عمّن آذاهم؛ ﴿وَ العافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ما أُوتى إليهم. ﴿وَالَّذينَ إِذا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنوبِهِمْ﴾؛ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ فكان يقال لا كبيرة مع توبة ولا صغيرة مع إصرار. ﴿هذا بيانٌ لِلنَّاسِ﴾ من العمى؛ ٢٠١) من الضلالة، ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُثَّقِينَ﴾. ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ يقول: فى ٣٢١ قتال العدوّ ؛ ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ على من أُصيب منكم بأُحُد من القتل والجراح؛ ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ) يقول : قد أصبتم يوم بدر ضعف ما أصابوا منكم بأُحُد . ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ يعنى جراح؛ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ يعنى جراح يوم بدر؛ ﴿وَتِلْكَ الأَّيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ يقول: لهم دَوْلَةٌ ولكم دَوْلَةٌ، والعاقبة لكم؛ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا) يقول : من قاتل [مع] نبيه؛ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ مَن قُتل بأُحُد؛ ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعنى يبلوهم - الذين قاتلوا وثبتوا؛ ﴿وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ يعنى المشركين . ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ يعنى مَن قُتِل بأُحُد وأبلى فيه؛ ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ من يصبر يومئذٍ. ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ قال : السيوف فى أيدى الرجال ، كان رجال من أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد تخلَّفوا عن بدر فكانوا هم الذين أَلّوا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى الخروج إلى أُحُد فيُصيبون من الأجر والغنيمة، فلمّا كان يوم أُحُد ولّى منهم من ولّ. ويقال هو فى نَفَرٍ كانوا تكلَّموا قبل أن يخرج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أُحُد فقالوا : ليتنا فَلقى جمعاً من المشركين فإِما أَن نظفر بهم أَو نُرزَق الشهادة . فلمّا نظروا إلى الموت يوم أُحُد هربوا. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ .. ﴾ إلى آخر الآية . قال : إِنَّ إِبليس تصوّر يوم أُحُد فى صورة جُعال بن سُراقة الثَّعْلَبِىّ فنادى ((إِنَّ محمّدًا قد قُتل)) فتفرّق الناس فى كلّ وجه ، فقال عمر : إِى أَرقى فى الجبل كأَّى أُرْوِية حتى انتهيت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يُنزَل عليه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَآَ نْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ .. ) الآية؛ ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ) يقول: تولّ. ﴿وَما كانَ ٣٢٢ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُؤَّجَّلاً﴾ يقول : ما كان لها أن تموت دون أَجلها ، وهو قول ابن أُبَىّ حين رجع بأصحابه وقُتل من قُتل بأُحُد ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾. فأَخبره الله أَنه كتابٌ مُؤَجَّل ؛ يقول الله عزَّ وجلّ : ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْها) يقول : من يعمل للدنيا نُعطه منها ما يشاء ؛ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾ يقول: يُريد الآخرة؛ ﴿نُؤَّتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ﴾. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِىِّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ﴾ قال: الجماعة الكثيرة؛ ﴿فَما وَهَنُوا لِمَا أَصابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ يقول : ما استسلموا فى سبيل الله ولا ضعفت نيّاتهم؛ ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ يقول: ما ذَلوا لعدّهم؛ ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ يُخْبِر أنهم صبروا. ﴿ وَما كان قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَّبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا} إلى قوله ﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ يقول : أعطاهم النصر والظفر وأوجب لهم الجنَّة فى الآخرة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ يقول: إِن تُطيعوا اليهود والمنافقين فيما يُخذِّلونكم ترتدّوا عن دينكم. ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ﴾ يعنى المؤمنين، يقول: يتولاكم. (سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: نُصرت بالرعب شهرًا أَمامى وشهرًا خلفى. ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ والحَسّ القتل، يقول : الذى خبّركم أَنكم إِن صبرتم أَمدّكم ربّكم بخمسة آلاف من الملائكة؛ ﴿حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِى الأَمْرِ﴾ وهنتم عن العدوّ ، وتنازعتم يعنى اختلاف الرُّماة حيث وضعهم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومعصيتهم وتقدّم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَلّ تبرحوا ولا تُفارقوا موضعكم، وإِن رأيتمونا نُقْتَل فلا تُعينونا وإِن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا؛ ﴿مِنْ بَعْدٍ ما أَرَاكُمْ ما تُحِبُّونَ﴾ يعنى هزيمة المشركين وتولَّمِ هاربين؛ ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُريدُ ٣٢٣ اللُّنْيا﴾ يعنى العسكر وما فيه من النَّهب؛ ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ الذين ثبتوا من الرُّماة ولم يغنموا(١) - عبد الله بن جُبير ومن ثبت معه. فقال ابن مسعود: ما كنت أرى أحدًا من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُريد الدنيا حتى سمعت هذه الآية. قال: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ يقول . حيث كانت الدَّولة لكم عليهم ؛ ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾، ليرجع المشركون فيقتلوا من قتلوا منكم ويجرحوا من جرحوا منكم؛ ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ يعنى عمّن ولّى يومئذٍ منكم ومن أَراد ما أَراد من النَّهب، فعفا عن ذلك كلّه . ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ يعنى فى الجبل تهُبُون؛ ﴿وَلا تَلُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ﴾ كانوا يمرّون مُنهزمين يصعدون إلى الجبل ، ورسولهم يُناديهم : يا معشر المسلمين ، أَنا رسول الله ! إِلىّ! إِلىّ! فلا يلوى عليه أحد ، فعفا ذلك عنهم . ﴿فَأَنَابَكُمْ غَمَّا بِغَمُّ﴾ فالغمّ الاوّل الجراح والقتل، والغمّ الآخر حين سمعوا أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد قُتل ، فأَنساهم الغمّ الآخر ما أصابهم من الغمّ الأَوّل من الجراح والقَتْل. ويقال الغمّ الأَوّل حيث صاروا إلى الجبل بهزيمتهم وتَرْكهم النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والغمّ الآخر [حين](٢) تفرَّعهم المشركون(٣) ، فعلوهم من فَرْع الجبل فنسوا الغمّ الأَوّل. ويقال ﴿غَمَّا بِغَمِّ﴾ بلاءٌ على أَثر بلاء ؛ ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى ما فَاتَكُمْ﴾ يقول: لئلا تذكروا ما فاتكم من نهب متاعهم؛ ﴿وَلا ما أصابَكُمْ﴾ من قُتل منكم أَو جُرحٍ . ﴿ُثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً} إلى قوله ﴿ما قُتِلْنَا هُهُنَا﴾؛ قال الزُّبَير رضى الله عنه: سمعت هذا القول من مُعَتِّب بن قُشَير ، وقد وقع علّ (١) فى ب، ت: ((ولم يغنموا ولم يريموا)). (٢) الزيادة عن ب ، ت . (٣) فى الأصل: ((بفزعهم المشركون))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ. وتفرع القوم: ركبهم وعلاهم. ( القاموس المحيط، ج ٣، ص ٦٢). ٣٢٤ النُّعاس وإنى لكالحالم ، أَسمعه يقول هذا الكلام؛ واجْتُمِع عليه أنه صاحب هذا الكلام. قال الله : ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ﴾ يقول الله تعالى : لم يكن لهم بدّ من أن يصيروا إِلى مضاجعهم؛ ﴿وَلِيَبْتَلِىَ اللهُ ما فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَخِّصَ ما فى قُلُوبِكُمْ﴾ يقول : يُخرج أَضغانهم وغشَّهم؛ ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يقول: ما يُكّنّون من نُصْحٍ أَو غِّن. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ إِنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ يعنى من انهزم يوم أُحُد ، يقول : أَصابهم ببعض ذنوبهم؛ ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ يعنى انكشافهم. ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوانِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ قال: نزلت فى ابن أُبَىّ؛ يقول الله عزَّ وجلّ للمؤمنين: لاتَكلَّموا ولا تقولوا كما قال ابن أُبَىّ . وهو الذى قال الله تعالى فيه ﴿كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فى قُلُوبِهِمْ﴾. ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ﴾. إلى آخر الآية ؛ يقول: من قُتِل بالسيف أَو مات بإزاء عدوّ أَو مراء. فهو خيرٌ مما يجمع من الدنيا. وقوله ﴿لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ يقول : تصيرون إليه جميعاً يوم القيامة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، وقوله ﴿لَانْفَضُوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ يعنى أصحابه الذين انكشفوا بأُحُد ؛ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ﴾ أَمرد أَن يُشاورهم فى الحرب وحده ، وكان النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يُشاور أَحدًا إِلَّ فى الحرب؛ ﴿فإِذا عَزَمْتَ) أَى جمعت؛ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾. ﴿وَمَا كانَ لِنَبِّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قال : نزلت هذه الآية فى يوم بدر ؛ كانوا قد غنموا قطيفة حمراء ؛ فقالوا : ما نرى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِلَّا قد أَخذها ! فنزلت هذه الآية. ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ يقول: من آمن بالله كمن كفر بالله ؟ وقوله ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾ يقول : فضائل ٣٢٥ بينهم عند الله. قوله ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعنى محمّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعنى القرآن؛ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ القرآن والحكمة والصواب فى القول؛ ﴿وَإِنْ كانُوا منْ قَبْلُ لَفِى ضَلالٍ مُبِينٍ﴾؛ قوله ﴿أَوَلَمَا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا .. ﴾ إلى آخر الآية، هذا ما أصابهم يوم أُحُد . قُتل من المسلمين سبعون مع ما نالهم من الجراح . ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدٍ أَنْفُسِكُمْ﴾ بمعصيتكم الرسول ، يعنى الرَّماة ؛ وقوله ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ قتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين . ﴿وَمَا أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَّقَى الجَمْعَانِ﴾ يوم أُحُد ؛ ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤُّمِنِينَ﴾. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ يعلم من أَبلى وقاتل وقُتل ، ويعلم الذين نافقوا؛ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قَاتِلُوا فى سَبيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾ هذا ابن أُبَىّ ، وقوله ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ يقول: كَثِّروا السواد ويقال الدُّعاء. قال ابن أُبَىّ يوم أُحُد: لو نعلم قُتالاً لاَّبعناكم؛ يقول الله ﴿هُمْ لِلْكُفْرٍ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمانِ﴾ نزلت فى ابن أُبَىّ. وفى قوله ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ هذا ابن أُبَىّ؛ ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ المَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. نزلت فى ابن أُبَىّ. ﴿وَلا تَحْسَبَنّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً﴾ إلى قوله ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤُمِنِينَ﴾ قال ابن عبّاس رضى الله عنه: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ إِخوانكم لمّا أُصيبوا بأُحُد جُعلت أرواحهم فى أَج يف طر خُضْر، تَرِدُ أَنهار الجنَّة فتأكل من ثمارها، وتأُوِى إِلى قناديلَ من ذهب فى ظلّ العرش، فلمّا وَجدوا طِيب مَشربهم ومَطعمهم ، ورأوا حسن مُنقلَبهم ، قالوا : ليت إِخواننا يعلمون بما أكرمنا الله وبما نحن فيه لئلا يزهدوا فى الجهاد ولا ينكُلوا عند الحرب . قال الله تعالى: أَنا أُبلّغهم ٣٢٦ عنكم. فأنزل الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً .. ﴾ الآية . وبلغنا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّ الشهداءَ على بارق نهر فى الجنَّة فى قُبَّةٍ خضراءَ، يخرج عليهم رزقهم بُكرةً وعشيًّا. وكان ابن مَسعود يقول فى هذه الآية: إِنَّ أرواح الشهداء عند الله كطير خُضْر، لها قناديلُ مُعَلَّقة بالعرش ، فتسرح فى أَّ الجنَّة شاءَت ، فأَطلع ربّك عليهم إِطلاعةً فقال : هل تشتهون من شىءٍ فأَزيدَ كموه ؟ قالوا : ربّنا ، أَلسنا فى الجنَّة نسرح فى أَيّها نشاء ؟ فأَطلع عليهم ثانية فقال : هل تشتهون من شىءٍ فَأَزْيدَ كموه ؟ قالوا : ربّنا ، تُعيد أَرواحنا فى أجسادنا فنُقتَل فى سبيلك . وقوله ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِهِ والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ القَرْحُ .. ﴾ إِلى آخر الآية، هولاء الذين غزوا حَمراءَ الأَسَد . حدّثنا عبد الحَميد بن جعفر، عن أبيه ، قال : لمّا كان فى المحرّم ليلة الأَحد إِذا عبد الله بن عمرو بن عَوف المُزَّ على باب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وبِلال جالس على باب النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم ، وقد أَذَّن بلال وهو ينتظر خروج النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى أَن خرج، فنهض إِليه المُزَنىّ فقال : يا رسول الله ، أَقبلت من أَهلى حتى إذا كنت بِمَلَلٍ فإِذا قُرَيش قد نزلوا ، فقلت : لأُدخلنّ فيهم ولأَسمعنّ من أخبارهم . فجلست معهم فسمعت أَبا سُفيان وأصحابه يقولون : ما صنعنا شيئاً ، أصبتم شَوْكَة القوم وحِدَّتهم ، فارجعوا نستأُصل مَن بقى! وصَفوان يأَبِى ذلك عليهم . فدعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أبا بكر وعمر رضى الله عنهما ، فذكر لهما ما أَخبره المُزَنِىّ، فقالا : اطلب العدوّ، ولا يَقحّمون على الذُّرّيّة! فلمّا سلَّم ثاب الناس ، وأمر بِلالاً يُنادى يأمر الناس بطلب ٣٢٧ عدوّهم. وقالوا: لمّا أَصبح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالمدينة يوم الأَحَد(١) أمر بطلب عدوّهم ، فخرجوا وبهم الجراحات . وفى قوله ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيماناً﴾ إلى قوله ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ﴾. فإِنَّ أَبا سُفيان بن حَرَب وعد النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يومَ أُحُدٍ بَدْرَ المَوْعِد الصَّفْراء ، على رأس الحول فقيل لأَبى سُفيان : أَلا توافى النبىّ ؟ فبعث نُعَيم بن مسعود الأَشْجَعَىّ إِلى المدينة يُثبّط. المسلمين، وجعل له عشرًا من الإِبل إِن هو ردّهم، ويقول إنهم قد جمعوا جموعاً وقد جاءوكم فى داركم ، لا تخرجوا إليهم . حتى كاد ذلك يثبّطهم أو بعضهم ، فبلغ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : والذى نفسي بيده ، لو لم يخرج معى أَحدٌ لخرجت وحدى . فأَنهجت(٢) لهم بصائرهم ، فخرجوا بتجارات وكان بدر مَوْسِماً. ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ فى التجارة ، يقول: اربحوا؛ ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ لم يلقَوا قتالاً، وأقاموا ثمانية أَيّام ثم انصرفوا. ﴿إِنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءُهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونٍ﴾ يقول: الشيطان يُخوِّفكم أولياءَه ومَن أَطاعه. ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فى الكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإِيمانِ﴾ يقول: استحبّوا الكفر على الإيمان. ﴿وَلا يَجْعَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ يقول: ما يُصحّ أَبدانهم ، ويرزقهم ويُريهم الدَّوْلَة على عدوّهم؛ يقول: أَملى لهم ليزدادوا كُفرًا. ﴿مَا كانَ الله لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ يعنى مُصاب أَهل أُحُد؛ ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِى مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ يعنى يُقرّب من رسله. وفى قوله ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ (١) فى ت: ((يوم أحد)). (٢) نهج الأمر وأنهج إذا وضح. (النهاية، ج ٤، ص ١٨٥). ٣٢٨ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ إِلى قوله ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قال : يأتى كنز الذى لا يُؤدّى حقَّه تُعبانًا فى عنقه، ينهش لِهْزِمَتَيْه(١). يقول: أَنا كنزك. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءٌ﴾ قال : لمّا نزلت هذه الآية. ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾(٢) قال فِنحاص اليهودىّ: الله فقيرٌ ونحن أغنياء ليستقرض منَّا ؟ ﴿ .. وَقَتْلَهُمُ الأَنْبياءَ بِغَيْرٍ حَقٌّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾. ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ من كُفْرَكم وِقَتْلكم الأنبياءَ. ﴿الَّذِين قالُوا إِنَّ الّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّ نُوُّمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ .. ) الآية والتى تليها ، يعنى يهود . ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعنى اليهود؛ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعنى من العرب؛ ﴿أَذِّى كَثِيرًا .. ﴾ إِلى آخر الآية. قال: نزلت هذه الآية على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبل أَن يُؤْمَر بالقتال. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنْنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله ﴿وَلَهُمْ عَذابُ أَلِيمٌ﴾ قال: أخذ على أحبار اليهود [ فى أَمر] صفة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَلَّ يكتموه. ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ واتَّخذوه مَأْكَلَةٌ وغيَّروا صفته . وقوله ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قال : نزلت فى ناسٍ من المنافقين، كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِذا غَزا فقدم قالوا : إذا غزوتَ فنحن نخرج معك . فإِذا غزا لم يخرجواء معه؛ ويُقال هم اليهود. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ قال: يُصلّون قياماً وقعودا وعلى جنوبهم، يعنى مُضطجعين. ﴿رَبَّنَا إِنَّنه سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِى لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ قال : القرآن ، ليس كُلّهم رأَى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وقوله ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ. (١) لهزمتيه: أى شدقيه. (النهاية، ج ٤، ص ٧١) . (٢) سورة ٢ البقرة ٢٤٥ . ٣٢٩ دِيارِهِمْ وَأُوُذُوا فِى سَبِيلى وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ يعنى المهاجرين الذين أُخرِجوا من مكَّة. ﴿لَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فى البِلادِ﴾. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ يقول : تجارتهم وحِرْفَتهم. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ يعنى عبد الله بن سَلام. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ﴾ قال: لم يكن على عهد النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم رِباط ، إنما كانت الصلاة بعد الصلاة . وقال جابر بن عبد الله : لمّا قُتل سعد بن رَبيع بأُحُد رجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة، ثم مضى إلى حَمْراء الأَسَد. وجاءَ أَخو سعد بن رَبيع فأخذ ميراث سعد ، وكان لسعد ابنتان وكانت امرأته حاملاً، وكان المسلمون يتوارثون على ما كان فى الجاهلية حتى قُتِل سعد بن رَبيع . فلمّا قبض عَمُّهنّ المال - ولم تنزل الفرائض - وكانت امرأة سعد امرأة حازمة ، صنعت طعاماً - ثم دعت رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم - خبزًا ولحماً وهى يومئذٍ بالأَسْواف(١). فانصرفنا إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم من الصبح، فبينا نحن عنده جُلوس ونحن نذكر وقعة أُحُد ومن قُتل من المسلمين ، ونذكر سعد بن رَبيع إلى أَن قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : قوموا بنا ! فقمنا معه ونحن عشرون رجلاً حتى انتهينا إلى الأَسْواف ، فدخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ودخلنا معه فنجدها قد رَشَّت ما بين صَوْرَين(٢) وطَرَحت خَصَفَةٍ(٣). قال جابر بن عبد الله : واللهِ ما ثَمَّ وِسادة ولا بِساط ، فجلسنا. ورسول الله (١) الأسواف: اسم حرم المدينة، وقيل موضع بعينه بناحية البقيع. ( معجم البلدان، ج ١ ، ص ٢٤٨ ) . (٢) هكذا فى كل النسخ .. وفى السمهودى عن الواقدى: ((سورين)). (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٤٥) . والصور : الجماعة من النخل . ( النهاية ، ج.٣ ، ص ٤). (٣) فى الأصل: ((خفصة)). والخصفة: الشىء المنسوج من الخوص. (النهاية، ج ١، ص ٢٩٧ ) . ٣٣٠ صلَّى الله عليه وسلَّم يُحدّثنا عن سعد بن ربيع، يترحّم عليه ويقول : لقد رأَيت الأَسِنَّة ◌ُرعت إليه يومئذٍ حتى قُتل . فلمّا سمع ذلك النسوة بكين ، فدمعت عينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وما نهاهنَّ عن شىءٍ من البكاء . قال جابر : ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : يطلع عليكم رجلٌ من أَهل الجنَّة . قال : فتراءَينا مَن يطلع ، فطلع أَبو بكر رضى الله عنه ، فقمنا فبشَّرناه بما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم سلَّم ثم ردّوا عليه ثم جلس . ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : يطلع عليكم رجلٌ من أَهل الجنَّة. فتراءينا من يطلع من خلال السَّعَف. فطلع عمر بن الخطّاب رضى الله عنه ، فقمنا فبشَّرناه بما قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فسلّم ثم جلس . ثم قال : يطلع عليكم رجلٌ من أهل الجنَّة . فنظرنا من خلال السَّعَف ، فإِذا عَلىٌّ عليه السلام قد طلع ، فقمنا فبشَّرناه بالجنَّة ، ثم جاءً فسلَّم ثم جلس ، ثم أُتِى بالطعام . قال جابر : فأُتِى من الطعام بقدر ما يأُكل رجلٌ واحدٌ أَو اثنان ، فوضع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يده فيه فقال: خذوا(١) بسم الله! فأَكلنا منها حتى نَهِلنا ؛ واللهِ ما أَرانا حرّكنا منها شيئاً. ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ارفعوا هذا الطعام ! فرفعوه ، ثم أُتِينا برُطَبٍ فى طَبَقٍ فى باكورة أَو مُؤْخَّرٍ قليل ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: بسم الله، كلوا! قال: فأَكلنا حتى نَهِلنا، وإنى لأَرى فى الطَّبَق نحوًا ممّا أُتِى به. وجاءت الظهر فصلَّى بنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يمسَّ ماءً، ثم رجع إلى مجلسه فتحدّث رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم؛ ثم جاءَت العصر فأُتِى ببقية الطعام يُتشبَّح به ، فقام النبيّ صلَّى الله عليه (١) فى السمهودى عن الواقدى: ((كلوا)). (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٤٦). ٣٣١ وسلَّم فصلَّى العصر، ولم يمسَّ ماءً ؛ ثم قامت امرأة سعد بن ربيع فقالت : يا رسول الله، إِنَّ سعد بن رَبيع قُتل بأُحُد ، فجاءَ أَخوه فأَخذ ما ترك ، وترك ابنتين ولا مال لهما ، وإنما يُنكّح - يا رسول الله - النساءُ على المال . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :، اللَّهمّ أَحْسِن الخلافة على تَرِكَته ؛ لم ينزل علىّ فى ذلك شيءٌ، وعودى إِلىَّ إِذا رجعتُ ! فلمّا رجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بيته جلس على بابه وجلسنا معه، فأخذ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بُرَحاءُ حتى ظنًّا أَنه أُنزِل عليه. قال: فسُرّى عنه والعَرَق يتحدّر عن جبينه مثل الجُّمان. فقال. علىَّ بامرأة سعد ! قال : فخرج أَبو مَسعود عُقبة بن عمرو حتى جاءَ بها . قال: وكانت امرأةً حازمةً جَلْدَة ، فقال : أَين عمّ ولدكِ ؟ قالت : يا رسول الله ، فى منزله . قال : ادعيه لى ! ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : اجلسى ! فجلستْ وبعث رجلاً يعدو إليه فأَنى به وهو فى بَلْحارث بن الخزرج، فأََّى وهو مُتعب . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ادفع إلى بنات أَخيك ثُلُثَى ما ترك أخوك فكّرت امرأته تكبيرة سمعها أَهل المسجد ، وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم : ادفع إِلى زوجة أخيك الثمن وشأنك وسائر ما بيدك . ولم يُورَث الحَمْلُ يومئذٍ . وهى أُمّ سعد بنت سعد بن رَبيع امرأة زيد بن ثابت أُمّ خارجة بن زيد . فلمّا وُلّى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، وقد تزوّج زيد أُمَّ سعد بنت سعد وكانت حاملاً ، فقال: إن كانت لكٍ حاجةٌ أَن تَكلّمی فى ميراثك من أَبيك، فإِنَّ أَمير المؤمنين قد ورّث الحَمْلَ اليوم ، وكانبت أُمّ سعد يوم قُتل أَبوها سعد حَمْلاً. فقالت: ما كنت لأَطلبَ من أَخى شيئاً ولمّا انكشف المشركون بأُحُد(١) كان أَوّل من قدم بخبر أُحُد وانكشاف (١) فى ب، ت: ((ولما انكشف المشركون بأحد حين انهزموا)). ٣٣٢ المشركين عبد الله بن أبى أُمَّيّة بن المُغيرة ، كره أَن يَقدَم مكَّة وقدم الطائف فأَخبر : إِنَّ أَصحاب محمّد قد ظفِروا وانهزمنا ؛ كنت أَوّل من قدم عليكم ! وذلك حين انهزم المشركون الانهزامة الأُولى ، ثم تراجع المشركون بعدُ فنالوا ما نالوا. وكان أَوّل من أَخبر قُرَيشاً بقَتْل أصحاب محمّد وظَفَر قُرَيش وَحشىٍّ . وحدّثنى موسى بن شيبة، عن قَطَر بن وَهب اللَّيْىّ، قال : لمّا قدم وَحشىٌّ على أَهل مكَّة بمُصاب أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سار على راحلته أربعاً ، فانتهى إلى الثَّنيّة التى تطلع على الحَجون(١)، فنادى بأعلى صوته : يا معشر قُرَيش! مرارًا ، حتى ثاب الناس إليه وهم خائفون أن يأتيهم بما يكرهون . فلمّا رضى منهم قال : أَبشروا ، قد قتلنا أَصحاب محمّد مَقتلة لم يُقتَل مثلها فى زَحْفٍ قطُّ.، وجرحنا محمّدًا فَأَثبتناه بالجراح ، وقتلتُ رأس الكتيبة حمزة . وتفرّق الناس فى كلّ وجهٍ بالشماتة بقَتْل أصحاب محمّد وإظهار السرور ، وخلا جُبَير بن مُطعِم بوَحشىٍّ فقال : انظر ما تقول ! قال وَحشىُّ : قد واللهِ صدقت . قال: أَقتلتَ حمزة ؟ قال: قد واللهِ زرقته بالمِزْراق فى بطنه حتى خرج من بين رجليه ، ثم نُودى فلم يُجب ، فأخذت كبده وحملتها إليك لتراها. قال: أَذْهبتَ حُزْنَ نسائنا(٢)، وبرّدتَ حرَّ قلوبنا(٣) ! فأمر يومئذٍ نساءَه بمراجعة الطِّب والدُّهْن. وكان مُعاويةٍ بن المُغيرة بن أبى العاص قد انهزم يومئذٍ ، فمضى على (١) قال البكرى: الحجون موضع بمكة عند المحصب، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذى يلى شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين فى حائط عوف . ( معجم ما استعجم ، ص ٢٦٨ ) . (٢) فى ب، ت: ((نسياتنا)). (٣) فى كل النسخ: ((وقبلنا بهم أنفسنا))؛ وما أثبتناه عن ح . ٣٣٣ وجهه فنام قريباً من المدينة ، فلمّا أَصبح دخل المدينة فأََّى منزل عُمان ابن عَفَّن رضى الله عنه فضرب بابه، فقالت امرأته أُمّ كلثوم بنت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ليس هو هاهنا ، هو عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. قال : فأَرسلى إِليه ، فإِنَّ له عندى ثمن بعيرٍ اشتريته عام أَوّل فجئته بثمنه ، وإِلّا ذهبتُ . قال: فأَرسلت إلى عثمان فجاءَ ، فلمّا رَآه قال : وَيْحَكِ، أَهلكتَنِى وَأَهْلكتَ نفسَك، ما جاءَ بك؟ قال: يا ابن عمّ ، لم يكن لى أَحدٌ أَقرب إِلىَّ منك ولا أَحقّ . فأَدخله عُثمان فى ناحية البيت ، ثم خرج إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُريد أن يأُخذ له أَماناً ، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قبل أن يأتيه عُثمان: إِنَّ مُعاوية قد أَصبح بالمدينة فاطلبوه . فطلبوه فلم يجدوه، فقال بعضهم : اطلبوه فى بيت عُثمان بن عَفَّان فدخلوا بيت عُمان فسأَلُوا أُمّ كلثوم ، فأشارت إليه فاستخرجوه من تحت حِمارةٍ(١) لهم، فانطلقوا به إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وعُمان جالس عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمّا رَآه عثمان قد أُتِى به قال : والذى بعثك بالحقِّ، ما جئتك إِلَّا أَن أَسأَلك أَن تُؤَّمّنه؛ فهبه لى يا رسول الله ! فوهبه له وأُمّنه وأَجّله ثلاثاً، فإن وُجد بعدهنّ قُتل . قال: فخرج عثمان فاشترى له بعيرًا وجهّزه، ثم قال: ارْتَحِلْ! فارتحل. وسار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى حَمراء الأَسَد ، وخرج عثمان مع المسلمين إلى حمراء الأَسَد ؛ وأقام مُعاوية حتى كان اليوم الثالث ، فجلس على راحلته وخرج حتى إذا كان بصدور العَقيق قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : إِنَّ مُعاوية قد أصبح قريباً فاطلبوه ، فخرج الناس فى طلبه فإِذا هو قد أَخطأً الطريق ، ٠ (١) فى ت: ((تحت خمارة)). والحمارة: ثلاثة أعواد يشد بعض أطرافها إلى بعض ويخالف بين أرجلها، وتعلق عليها الإداوة ليبرد الماء . ( النهاية، ج ١، ص ٢٥٨). ٣٣٤ فخرجوا فى أثره حتى يُدركوه فى يوم الرابع؛ وكان زيد بن حارثة وعَمّار بن ياسر أَسرعا فى طلبه ، فأَدركاه بالجَمّاء فضربه زيد بن حارثة ، وقال عَمّار : إِنَّ لى فيه حقًّا ! فرماه عَمّار بسهمٍ فقتلاه ، ثم انصرفا إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبراه . ويقال : أُدْرِك بثنيّة الشَّريد على ثمانية أميال من المدينة ، وذلك حيث أَخطأً الطريق، فأَدركاه فلم يزالا يرميانه بالنَّبْل(١) واتخذاه غَرَضاً حتى مات . غَزوة حَمْراءَ الأُسَد(٢) وكانت يوم الأحد لثمانٍ خَلَوْن ن شوَّال ، على رأس اثنين وثلاثين شهرًا ، ودخل المدينة يوم الجمعة وغاب خمساً . قالوا : لمّا صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الصبح يوم الأَحَد ومعه وجُوه الأَّوس والخزرج ، وكانوا باتوا فى المسجد على بابه - سعد بن عبادة ، وحُباب بن المُنْذِر، وسعد بن مُعاذ ، وأَوس بن خَوْلِىّ ، وقتادة بن النُّعمان ، وعُبَيد بن أوس فى عدّةٍ منهم . فلمّا انصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الصبح أمر بلالاً أَن يُنادى: إنَّ رسول الله يأمركم بطلب عدوّكم ، ولا يخرج معنا إِلَّا من شهد القتال بالأَمس . قال : فخرج سعد بن مُعاذ راجعاً إلى داره يأمر قومه بالمسير . قال : والجراح فى الناس فاشيةٌ، عامّة بنى عبد الأَشْهَل جريحٌ ، بل كلّها ، فجاءً سعد بن معاذ فقال : إِنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأمركم أن تطلبوا (١) فى ب: ((بالنبل والحجارة)). (٢) حمراء الأسد على ثمانية أميال - وقيل عشرة - من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة . ( شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٧٠). ٣٣٥ عدوّكم. قال : يقول أُسَيد بن حُضَير ، وبه سبعُ جراحات وهو يُريد أَن يُداويها: سمعاً وطاعةً لله ولرسوله ! فأَخذ سلاحه ولم يُعرِّج على دواء جراحه ، ولحق برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وجاءَ سعدُ بن عُبادة قومَه بنى ساعدة فأَمرهم بالمسير ، فتلبّسوا ولحقوا. وجاءَ أَبو قتادة أَهل خُرْبَى، وهم يُداوون الجراح ، فقال : هذا مُنادى رسول الله صلَى الله عليه وسلَّم يأمركم بطلب عدوّكم . فوثبوا إلى سلاحهم وما عرّجوا(١) على جراحاتهم . فخرج من بنى سَلِمَةٍ أَربعون جريحاً، بالطُّفَيل بن النُّعمان ثلاثةَ عشَرَ جُرْحاً، وبخِراش ابن الصِّحَّة عشرُ جراحات، وبكعب بن مالك بضعةَ عشَرَ جُرْحاً ، وبقُطْبَة ابن عامر بن حَديدة تسعُ جراحات ، حتى وافوا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ببئر أَبى عِنَّبَة إلى رأس الثّنيّة - الطريق الأولى يومئذٍ - عليهم السلاح قد صفّوا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فلمّا نظر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم والجراح فيهم فاشيةٌ قال : اللَّهمّ ارحَم بنى سَلِمَة ! قال الواقدىّ : وحدثنى عُتبة بن جَبيرة ، عن رجالٍ من قومه ، قالوا : إِنَّ عبد الله بن سَهل، ورافع بن سَهل بن عبد الأَشْهَل رجعا من أُحُد وبهما جراحٌ كثيرة ، وعبد الله أَثقلهما من الجراح ؛ فلمّا أَصبحوا وجاءهم سعد ابن مُعاذ يُخبرهم أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأمرهم بطلب عدوّهم قال أَحدهما لصاحبه : واللهِ إِنَّ تَرْكَنَا غزوةً مع رسول اللّه لَغَبْنٌ! واللهِ ما عندنا دابّة نركبها وما ندرى كيف نصنع ! قال عبد الله : انطلقْ بنا ! قال رافع : لا واللهِ، ما بى مشْى. قال أَخوه، انطلقْ بنا، نتجارٌ ونقصد(٢)! فخرجا يزحفان ، فضَعُف رافع فكان عبد الله يحمله على ظهره عُقبةً(٣) ويمشى (١) فى الزرقانى عن الواقدى: ((وما عولوا)). (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٧١). (٢) فى ح: ((نعضد ونخور)). (٣) العقبة: النوبة. ( الصحاح، ص ١٨٥). ٣٣٦ الآخر عُقبةً، حتى أَتَوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند العشاء وهم يُوقدون النيران، فأُتِى بهما إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى حرسه تلك الليلة عَبّاد بن بشر - فقال : ما حَبّسكما ؟ فأَخبراه بعلَّتهما ، فدعا لهما بخيرٍ وقال: إِن طالتْ لكم مُدَّةٌ كانت لكم مراكبُ من خيلٍ وبِغال وإِبل ، وليس ذلك بخيرٍ لكم ! حدّتنى عبد العزيز بن محمّد ، عن يعقوب بن عمر بن قتادة، قال : هذان أنس ومؤنِس وهذه قصّتهما . وقال جابر بن عبد الله : يا رسول الله ، إِنَّ مُنادياً نادى أَلَّا يخرج معنا إِلَّا من حضر القتال بالأَمس . وقد كنت حريصاً على الحضور(١)، ولكن أبى خلَّفنى على أَخواتٍ لى وقال: يا بُنَىّ، لا ينبغى لى ولك أن ندعهنَّ ولا رجلَ عندهنّ ، وأَخاف عليهن وهنّ نُسَيّات ضعاف ؛ وأَنا خارجٌ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لعلّ الله يرزقنى الشهادة. فتخلَّقْتُ عليهنّ فاستأثره الله علىّ بالشهادة وكنت رجوبها ، فَأُذَنْ لى يا رسول الله أَن أَسيرَ معك. فأَّذِن له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . قال جابر : فلم يخرج معه أحدٌ لم يشهد القتال بالأَمس غيرى ، واستأُذنه رجالٌ لم يحضروا القتال فأَبى ذلك عليهم ؛ ودعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بلوائه ، وهو معقود لم يُحَلّ من الأَمس ، فدفعه إِلى عَلىٌّ عليه السلام ، ويقال دفعه إلى أبى بكر . وخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو مجروح ، فى وجهه أَثر الحَلْقَتَين، ومشجوجٌ فى جبهته فى أُصول الشَّعَر، ورَباعِيتُه قد شَطِيَت ، وشفته قد كُلمت من باطنها ، وهو مُتوهّن منكبه الأَيمن بضربة ابن قميئة ، (١) فى ب: ((على الخروج)). ٣٣٧ وركبتاه مجحوشتان . فدخل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المسجد فركع ركعتين، والناس قد حشدوا ، ونزل أهل العوالى حيث جاءهم الصريخ ؛ ثم ركع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ركعتين فدعا بفَرَسه على باب المسجد ، وتلقَّاه طَلحة رضى الله عنه وقد سمع المُنادى فخرج ينظر متى يسير رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فإذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عليه الدِّرع والمِغفَر وما يُرَى منه إِلَّ عيناه ، فقال: يا طلحة، سلاحك! فقلت : قريباً . قال طَلحة: فأَخرج أَعدو فأَلبس دِرعى ، وآخذ سيفى ، وأَطرح دَرَقَتى فى صدرى؛ وإِنَّ بِى لتسعَ جراحات ولأَنا أَهمّ بجراح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مِنِّى بجراحى. ثم أَقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على طلحة فقال: تُرَى القوم الآن؟ قال: هم بالسَّيّالَة. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ذلك الذى ظننتُ ، أَما إنهم يا طلحة لن ينالوا منَّا مثل أمس حتى يفتح اللهُ مكَّة علينا . وبعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثةَ نَفَرٍ مِن أَسْلَمْ طَلِيعةً فى آثار القوم : سَليطاً ونُعمان ابنَى سُفيان بن خالد بن عَرف بن دارِم من بنى سَهم ، ومعهما ثالثٌ من أَسْلَم من بنى ◌ُوَيرِ(١) لم يُسَمَّ لنا. فأَبطأَ الثالث عنهما وهما يَجْمِزان(٢)، وقد انقطع قِبالُ(٣) نَعْلٍ أَحدهما ، فقال : أَعطنى نعلك. قال : لا واللهِ ، لا أَفعل ! فضرب أحدهما برجله فى صدره ، فوقع لظهره وأخذ نعليه . ولحق القوم بحَمراء الأَسَد ، ولهم زَجَلٌ ، وهم يأُتمرون بالرجوع، وصَفوان ينهاهم عن الرجوع ؛ فَبصُروا بالرجلين فعطفوا عليهما فأَصابوهما . فانتهى المسلمون إلى مصرعهما بحَمراء الأَسَد فعسكروا ، وقَبَروهما فى قَبْرٍ واحد . فقال ابن (٢) جمز: أسرع. ( النهاية، ج ١، ص ١٧٥). (١) فى ب: ((بنى عويمر)). (٣) قبال النعل - بالكسر - الزمام الذى يكون بين الإصبع الوسطى والى دميها. (الصحاح، ص ١٧٩٥ ) . ٣٣٨ عَبّاس : هذا قبرهما وهما القرينان . ومضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أَصحابه حتى عسكروا بحَمراء الأَسَد . قال جابر : وكان عامّة زادنا التَّمْر، وحمّل سعد بن عُبادة ثلاثين جملاً(١) حتى وافت الحَمراء، وساق جُزُرًا فنحروا فى يومٍ اثنين وفى يومٍ ثلاثاً. وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يأمرهم فى النهار بجَمْع الحطب، فإِذا أَمسوا أَمرنا أَن نُوقد النيران . فيُوقد كلّ رجل نارًا، فلقد كنَّا تلك الليالى نُوقد خمسمائة نارٍ حتى تُرَى من المكان البعيد ، وذهب ذِكر مُعَسْكَرنا ونيراننا فى كلّ وَجْهِ حتى كان مما كَبَت اللهُ تعالى عدوًّنا . وانتهى مَعْبَد بن أَبى مَعْبَد الخُزَاعِىّ، وهو يومئذٍ مُشركٌ، وكانت خُزاعة سَلْماً للنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا محمّد، لقد عزَّ علينا ما أَصابك(٢) فى أَصحابك، ولَوددْنا أَنَّ اللّه أَعلى كَعْبَك(٣)، وأَنَّ المُصيبة كانت بغيرك. ثم مضى مَعْبَد(٤) حتى يجد أَبا سُفيان وقُرَيشاً بالرَّوْحاء ، وهم يقولون : لا محمّدًا أَصبتمْ ، ولا الكواعبَ أَردِفَمْ، فبئس ما صنعتمْ! فهم مُجمِعون على الرجوع ، ويقول قائلهم فيما بينهم : ما صنعنا شيئاً ، أَصبنا أَشرافهم ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم ، قبل أن يكون لهم وَفْرٌ - والمتكلِّم بهذا عِكْرِمَة بن أَبِى جَهل . فلمّا جاءَ مَعْبَد إلى أبى سفيان قال: هذا مَعْبَد وعنده الخبر، ما وراءَك يا مَعْبَد؟ قال: تركت محمّدًا وأصحابه خلفى يتحرّقون عليكم بمثل النيران، وقد أجمع معه من تخلَّف عنه بالأَمس من الأَوس والخزرج، وتعاهدوا أَلَّا يرجعوا حتى يلحقوكم فيثأروا منكم ، وغضبوا لقومهم (١) فى ب، ت: ((ثلاثين بعيرا)). (٢) فى ب، ت: ((ما أصابك فى نفسك وما أصابك فى أصحابك)). (٣) الكعب هنا الشرف. (النهاية، ج ٤، ص ٢٣). (٤) فى ب، ت: ((ثم مضى مغذا)). ٣٣٩ غضباً شديدًا ولمن أصبتم من أَشرافهم . قالوا : وَيَلك ! ما تقول ؟ قال : واللهِ ما نرى أن نرتحل حتى نرى نواصى الخيل! ثم قال مَعْبَد : لقد حملنى ما رأَيت منهم أن قلت أبياتاً : إِذْ سالت الأَرْضُ بالجُرْدِ(٢) الأبابيلِ كادت تُهَدُّ(١) مِنِ الأَصْواتِ راحِلَتِى عند اللِّقاءِ ولا مِيلٍ (٥) مَعازِيلٍ تعدو (٣) بأُشْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ !!! إِذا تَغَطْمَطَت (٦) البَطْحاءُ بالجيلِ فَقُلْتُ وَيْلَ ابنِ حَرْبٍ من لِقائِهِمُ وكان ممّا (٧) ردّ الله تعالى أَبا سُفيان وأصحابه كلامُ صَفوان بن أُمَيّة قبل أن يطلع مَعْبَد وهو يقول : يا قوم. لا تفعلوا! فإِنَّ القوم قد حزنوا(٨) وأخشى أن يجمعوا عليكم مَن تخلَّف من الخزرج؛ فارجعوا والدَّوْلَة لكم . فإِنّى لا آمن إِن رجعتم أَن تكون اللَّوْلَة عليكم. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : أَرشدُهم صفوانُ وما كان برَشيدٍ ، والذى نفسى بيده، لقد سُوّمَت (٩) لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأَمس الذاهب ! فانصرف القوم سراعاً خائفين من الطَّلَب لهم، ومرّ بأَبى سُفيان نَفَرٌ من عبد القَيْس (١) نهد: نسخط طول ما رأيت من أصوات الجبش وكثرته. (شرح أبى ذر، ص ٢٣٢). (٢) الجرد: الخيل العتاف. والأبابيل: الجماعات. (شرح أبى ذر، ص ٢٣٢) . (٣) فى الأصل. ((بعدوا)(، وما أبضاه عن سائر النسخ (٤) فى الأصل: ((كرار لا ننابك))، وفى ح: ((ضراء لا تنابلة))؛ وما أثناه قراءة ب، وكدا فى ابن إسحاق أيضاً. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ١٠٩). والتنابلة : الفصار. ( سرح أبى ذر ، ص ٢٣٣ ) . (٥) المبل: حمع أميل وهو الذى لا رمح معه، وقبل هو الذى لا ترس ٩٠٠، وقيل هو الذى لا مشت على الشرج . ( شرح أبى در ، ص ٢٣٣) . (٦) فى ح: ((تخططت)). وتغطمطت: اهتزت رارتجت. (شرح أبى در، ص ٢٣٣) . (٧) فى ب: ((من )) . (٨) فى ت: ((فد حربوا)). (٩) -ومت: أعلمت، أى جعلت لها علامة يعرف بها أنها من عند الله تعالى. ( شرح أبى ذر، ص ٢٣٣ ) .