Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢٠
ابن أَبِى وَقَّاص. قال ابن واقد: والثبت عندنا عبد الله بن جبير. وجعل
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصفّ أَصحابه، فجعل أُحُدًّا خلف ظهره
واستقبل المدينة، وجعل عَيْنَين عن يساره ؛ وأَقبل المشركون فاستد بروا المدينة
فى الوادى واستقبلوا أُحُدًا. ويقال جعل النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم عَيْنَين
خلف ظهره ، واستدبر الشمس واستقبلها المشركون - والقول الأَوّل أَثبت
عندنا ، أَنَّ أُحُدًا خلف ظهره وهو مستقبل المدينة .
حدّثنى يعقوب بن محمّد الظَّفَرِىّ، عن الحُصّين بن عبد الرحمن بن
عمرو، عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السَّكّن(١)، قال: لما انتهى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى أُحُد، والقوم نزول بعَيْنَين، أَنِى أُحُدًا
حتى جعله خلف ظهره . قال: ونهى أن يُقاتل أحدٌ حتى يأمره، فلمّا سمع
بذلك عُمارة بن يَزيد بن السَّكَن قال: أَتُرعَى زروع بنى قَيْلَةٍ (٢)، ولَمّا
نُضارِبْ ؟
وأَقبل المشركون ، قد صفّوا صفوفهم واستعملوا على المَيْمَنة خالد بن
الوليد، وعلى المَيْسَرَة عِكْرِمَة بن أبى جَهل . ولهم مُجَنِّبتان مائتا فرس ،
وجعلوا على الخيل صَفوان بن أُمَّة - ويقال عمرو بن العاص - وعلى الرُّماة
عبد الله بن أبى ربيعة، وكانوا مائة رامٍ. ودفعوا اللواءَ إلى طلحة بن
أَبِى طَلحة - واسم أَبى طلحةَ عبد الله بن عبد العُزَّى بن عُثمان بن عبد الدار بن
قُصَىّ . وصاح أَبو سُفيان يومئذٍ : يا بنى عبد الدار ، نحن نعرف أنَّكم
(١) فى الأصل: ((المسكر))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وهو يزيد بن السكن بن رافع
الأنصارى الأشهلى . أو من المحتمل أنه يزيد بن السكن الأنصارى أخو زياد، ذكرهما ابن
عبد البر . ( الاستيعاب ، ص ١٥٧٦ ) .
(٢) فى ح: ((أنى تغير على زرع بنى قيلة)). وبنو قيلة: هم الأوس والخزرج. (شرح
أبى ذر ، ص ٢١٨) .

٢٢١
أَحقّ بَالِّلواءِ منَّا! إِنَّا إِنما أُتِينا يوم بدر من الِّلواء، وإنما يُؤْتَى القومُ من
قِبَل لوائهم، فالزموا لواءَكم وحافظوا عليه، وخلّوا بيننا وبينه، فإنَّا قومٌ
مُستميتون مَوتورون، نطلب ثأُرًا حديث العهد. وجعل أبو سُفيان يقول:
إذا زالت الألوية فما قَوام الناس وبقاؤهم بعدها ! فغضب بنو عبد الدار
وقالوا : نحن نُسلّم لواءنا ؟ لا كان هذا أَبدًا؛ فأَمّا المحافظة عليه(١)،
فسترى ! ثم أَسندوا الرماح إليه ، وأحدقت بنو عبد الدار باللواء ، وأغلظوا
لأَبِى سُفيان بعض الإِغلاظ .. فقال أبو سُفيان: فنجعل لواءً آخر ؟ قالوا :
نعم ، ولا يحمله إِلَّا رجل من بني عبد الدار؛ لا كان غير ذلك أبدًا!
وجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يمشى على رجليه يُسوّى تلك الصفوف،
ويُبوّئُ أَصحابه للقتال (٢) يقول: تقدّمْ يا فلان! وتأَّرْ يا فلان ! حتى
إِنه ليرى مَنكِب الرجل خارجاً فيُؤْخِره، فهو يُقوّمهم كأَّما يُقوّم بهم القِداح،
حتى إذا استوت الصفوف سأل : مَن يحمل لواء المشركين ؟ قيل : بنو
عبد الدار . قال : نحن أحقّ بالوفاء منهم . أَين مُصْعَب بن عُمَير؟ قال :
ها أنا ذا ! قال : خذ اللواءَ. فأَخذه مُصْعَب بن عُمَير، فتقدّم به بين يدى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
ثم قام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فخطب الناس فقال: يا أَيِّها
الناس ، أوصيكم بما أوصانى الله فى كتابه من العمل بطاعته والتَّناهِى عن محارمه.
ثم إِنكم اليوم بمنزل أَجْرٍ وذُخْرٍ لِمَن ذكر الذى عليه ثم وطَّن نفسه له على
الصَّبْرِ واليقين والجِدّ والنشاط، فإِنَّ جهاد العدوّ شديدٌ.، شديدٌ كَرْبُه(٣)،
(١) فى ت: ((فأما محافظة عليه)).
(٢) فى ح: ((ويبوى أصحابه مقاعد القتال)). قال الجوهرى: بوأت للرجل منزلا : هيأته
ومكنت له فيه. ( الصحاح ، ص ٣٧) .
(٣) فى ح، ب: ((كريه)).

٢٢٢
قليلٌ مَن يَصِر (١) عليه إِلَّ مَن عزم اللهُ رُشْدَه ؛ فإنَّ الله مع من أَطاعه،
وإِنّ الشيطان مع من عصاه، فافتتحوا(٢) أعمالكم بالصَّبْر على الجهاد،
والتمسوا بذلك ما وعدكم الله ، وعليكم بالذى أَمركم به ؛ فإِنِّى حريصٌ
على رَشَدكم ، فإنَّ الاختلاف والتنازع والتثبيط. (٣) من أَمر العَجْز والصَّعْف
مما لا يُحبّ الله، ولا يُعطى عليه النَّصْر ولا الظَّفَر. يا أَيّها الناس، جُدِّد
فى صدرى (٤) أَنَّ مَن كان على حَرامٍ فرّق اللهُ بينه وبينه، ومَن (٥) رَغِبَ
له عنه غفر الله ذَنْبَه؛ ومن صلَّى علىّ صلَّى الله عليه وملائكته عشرًا؛ ومن أحسن
مِن مسلم أَو كافٍ وقع أَجرُه على الله فى عاجل دنياه أَو آجل آخِرَته ؛ ومن
كان يُؤْمن بالله واليوم الآخر فعليه الجُمُعَة يوم الجُمعة إِلَّا صبيًّا أو امرأة
أو مريضاً أو عبدًا مملوكاً؛ ومن استَغْنَى عنها استغنى الله عنه، والله غنىٌّ
حَميدٌ. ما أَعلمُ من عَمَلٍ يُقرّبكم إلى الله إِلَّ وقد أمرتكم به، ولا أَعلمُ من عملٍ
يُقرّبكم إلى النار إِلَّ وقد نَهِيتُكُم عنه. وإنه قد نَفَث(٦) فى رُوعى الروحُ
الأَّمينُ ، أَنه لن تموت نفس حتى تَستَوفَ أَقصى رزقها ، لا يُنقَص منه
شىءٌ وإِن أَبطاً عنها .. فاتَّقوا الله ربَّكم وأَجمِلوا فى طلب الرزق ، ولا يحملنَّكم
استبطاؤه أن تطلبوه بمعصية ربّكم ، فإِنه لا يُقدَر على ما عنده إِلَّ بطاعته.
قد بيّن لكم الحلال والحرام ، غير أنَّ بينهما شُبَهاً من الأَمر لم يعلمها
كثيرٌ من الناس إِلَّا من عَصَم، فمن تركها حَفِظ. عِرضَه ودِينَه، ومن وقع
فيها كان كالراعى إلى جنب الحِمى أوشك أن يقع فيه. وليس مَلِكٌ إِلاَّ
(١) فى ح: ((يصير)).
(٢) فى ح: ((فاستفتحوا)).
(٣) فى ت: ((والتثبت)).
(٤) فى ح : ((قذف فى قلبى)).
(٥) فى ت: ((ورغب له)). وفى ح: ((فرغب عنه ابتغاء ما عند الله غفر اللّه ذنبه)).
(٦) فى ت: ((بعث)).
:

٢٢٣
وله حِمى، أَلا وإِن حِمى الله مَحارِمُه. والمؤمن من المؤمنين كالرأس
من الجَسد ، إِذا اشتكى تَداعى عليه سائر الجسد. والسلام عليكم !.
حدّثنى ابن أَبِ سَبْرَة، عن خالد بن رَبّاح، عن المطّلب بن عبد الله،
قال : إِنَّ أَوّل من أَنشب الحربَ بينهم أبو عامر ، طلع فى خمسين من
قومه معه عبيد قُرَيش، فنادى أبو عامر ، وهو عبد عمرو: يا آل (١)
أَوس ، أَنا أَبو عامر ! فقالوا : لا مرحباً بك ولا أهلاً يا فاسق ! فقال :
لقد أصاب قومى بعدى شَرُّ! ومعه عبيد أهل مكَّة ، فتراموا بالحجارة هم
والمسلمون حتى تراضخوا(٢) بها ساعة، حتى ولَى أَبو عامر وأصحابه ودعا
طلحة بن أَبى طَلحة إلى البراز. ويُقال: إِنَّ العبيد لم يُقاتلوا، وأمروهم بحفظ.
عسکرهم .
قال : وجعل نساء المشركين قبل أن يلتقى الجمعان أمام صفوف المشركين
يضربن بالأَكبار والدِّفاف والغرابيل (٣)، ثم يرجعن فَيكُنَّ فى مُوَّخَّر الصفّ ،
حتى إِذا دنَوا منّا (٤) تأَخَّر النساء يقمن خلف الصفوف، فجعلن كلَّما
وبَی رجلٌ حرّضنه وذكَّرنه قتلاهم ببدر .
وكان قُزمان من المنافقين، وكان قد تخلّف عن أُحُد، فلمّا أَصبح
عَيَّره نساء بنى ظَفَرٍ فقلن: يا قُزمان ، قد خرج الرجال وبقيتَ ! يا قُزِمان ،
أَلا تستحى ممّا صنعتَ ؟ ما أَنت إِلَّ امرأة ، خرج قومك فبقيتَ فى الدار!
فأحفظْنه ، فدخل بيته فأخرج قوسه وجُعبته وسيفه - وكان يُعرَف بالشَّجاعة-
٠
(١) فى ت: ((يالأوس)).
(٢) تراضخوا: أى تراموا بالحجارة، وأصل المراضخة الربى بالسهم. (شرح أبى ذر، ص ٢١٨).
(٣) الغرابيل: جمع غربال، وهو الدف. (النهاية، ج ٣، ص ١٥٤).
(٤) فى ح: ((من المسلمين)).

٢٢٤
فخرج يعدو حتى انتهى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يُسوّى صفوف
المسلمين ، فجاءَ من خلف الصفوف حتى انتهى إلى الصفّ الأَوّل فكان
فيه . وكان أَوّل من ربى بسهم من المسلمين، فجعل يُرسل نَبْلاً كأَنها
الرّماح ، وإنه ليَكِتّ (١) كتيتَ الجمل. ثم صار إلى السيف ففعل
الأَفاعيل ، حتى إِذا كان آخر ذلك قتل نفسه. وكان رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم إِذا ذكره قال : من أَهل النار . فلمّا انكشف المسلمون كسر جَفْن (٢)
سيفه وجعل يقول: الموت أحسن من الفرار ! يا آل أَوس. قاتلوا على
الأَحساب واصنعوا مثل ما أَصنع! قال: فيدخل بالسيف وسْط. المشركين
حتى يقال قد قُتل ، ثم يطلع ويقول : أَنا الغلام الظَّفَرِىّ ! حتى قتل منهم
سبعة ، وأَصابته الجراحة وكثرت به فوقع . فمر به قتادة بن النُّعمان فقال :
أَبا الغَيداق! قال له قُزمان: يا لَبَّيْكَ ! قال: هنيئاً لك الشهادة ! قال
قُزمان : إِنى واللهِ ما قاتلتُ يا أَبا عمرو على دينٍ ، ما قاتلتُ إِلَّا على الحِفاظ.
أن تسير قُرَيشُ إِلينا حتى تَطأُ سَعَفَنا. فذُكر للنبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم جراحته
فقال : من أَهل النار . فأَندبتْه (٣) الجراحة، فقتل نفسه . فقال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: إِنَّ اللهَ يُؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.
قالوا : وتقدّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الرماة فقال : احموا
لنا ظهورنا ، فإِنَّا نخاف أَن نُؤْتَى من ورائنا، والزموا مكانكم لا تبرحوا منه ؛
وإِن رأيتمونا نَهِمهم ، حتى ندخل عسكرهم ، فلا تُفارقوا مكانكم ؛ وإِن
رأيتمونا نُقْتَل فلا تُعينونا ولا تدفعوا عنَّا، اللّهمّ، إِنِّى أُشهِدُك عليهم !
-
(١) يفال: كت البعير يكت إذا صاح صياحاً ليناً. (الصحاح، ص ٢٦٢).
(٢) الجفن: غمد السيف. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢٠٩).
(٣) فى ح: ((فآذته)). وأندبته الجراحة: صارت فيه الندوب. (القاموس المحيط، ج ١ ،
ص ١٣١ ) .

٢٢٥
وارشُقوا خيلَهم بالنَّبْل ، فإنَّ الخيل لا تُقْدِمِ على النَّبْل . وكانَ للمشركين
مُجَنِّبتان ، مَيمنة عليها خالد بن الوليد ، ومَيسرة عليها ◌ِكْرِمَة بن أَبِى جَهل .
قالوا: وجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ميمنةً وميسرةً، ودفع لواءه الأَّعظم
إِلى مُصْعَب بن عُمَيرٍ رضى الله عنه ، ودفع لواءَ الأَوس إلى أُسَيد بن
حُضَير ، ولواءَ الخزرج إلى سعد أَو حُباب. والرُّماة يحمون ظهورهم . يَرْشُقُون
خيل المشركين بالنَّبْل، فتُولِّ هَواربَ(١) قال بعض الرُّماة: لقد رمقتُ
نبلنا(٢)، ما رأيت سهماً واحدًا مما نرمى به خيلهم يقع بالأرض إلَّا
فى ذَرَسِ أَو رجلٍ. قالوا : ودنا القوم بعضهم من بعض . وقدّموا صاحب
لوائهم طَلحة بن أَبى طَلحة، وصفّوا صفوفهم، وأقاموا النساءَ خلف الرجال
بين أكتافهم يضربن بالأَّكبار والدُّفوف، وهِند وصواحبها يُحرّضن ويَذْمُرْن(٣)
الرجال ويذكرن مَن أُصيب ببدر ويقلن :
نَحن بَناتُ طارِقْ نَمشى على النَّمَارِقْ
إِن تُقْبلوا نُعانقْ أَو تُدْبروا نُفارِقْ
فِراقَ غيرِ وامِقْ(٤)
وصاح طلحة بن أَبِى طَلحة : مَن يُبارز ؟ فقال عَلىَّ عليه السلام :
هل لك فى البراز(٥) ؟ قال طَلحة: نعم . فبرزا بين الصّفَّين، ورسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم جالسٌ تحت الراية عليه دِرعان ومغْفَر وبَيضة، فالتقيا
(١) فى ح: ((فولت هاربة)).
(٢) فى ح: ((لقد رمقت نبلنا يومئذ)).
(٣) ذمره على الأمر: حضه مع لوم ليجد فيه. (أساس البلاغة، ص ٣٠٢).
(٤) الوامق: المحب. (شرح أبى ذر، ص ٢١٩). ويقال إن هذا الرجز لهند بنت طارق
ابن بياضة الإيادية فى حرب الفرس. ( الروض الأنف ، ج ٢ ، ص ١٢٩).
(٥) فى ح: ((فى مبارزتى)).

٢٢٦
فَبَدره (١) جَلٌّ فضربه على رأسه ، فمضى السيف حتى فلق هامته حتى انتهى
إلى لحيته (٢)، فوقع طَلحة وانصرف عَلىّ عليه السلام. فقيل لعَلىٌّ: أَلا
ذَفَّفتَ عليه؟ قال: إِنَّه لمّا صُرع استقبلتنى عَورتُه فعطفنى عليه الرحِم (٣)،
وقد علمتُ أَنَّ الله تبارك وتعالى سيقتله - هو كَبْش الكتيبة .
ويُقال حمل عليه طلحة، فاتَّقاه عَلىَّ بالدَّرَقَة فلم يصنع سيفه شيئاً .
وحمل عليه عَلىُّ عليه السلام ، وعلى طَلحة دِرْعِ مُشمَّةٍ ، فضرب ساقيه
فقطع رجلَيه، ثم أَراد أَن يُذْقِّف عليه، فسأَله بالرحِم فتركه عَلىٌّ فلم يلقّف
عليه ، حتى مرّ به بعضُ المسلمين فذقَّف عليه . ويُقال إِنَّ عَليا ذقَّف عليه .
فلمّا قُتل طّلحة سُر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأَظهر التكبير ، وكبّر
المسلمون. ثم شدّ أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على كتائب المشركين،
فجعلوا يضربون حتى نُقضت (٤) صفوفهم، وما قُتل إِلاَّ طَلحة. ثم حمل
لواءهم بعد طَلحة عثمان بن أبى طلحة، أَبو شيبة، وهو أَمام النسوة ، يرتجز
ويقول :
إِذّ على أَهْلِ (٥) اللواءِ حَقّا أَن تُخْضَبَ الصَّعْدَةُ (٦) أَو تَنْدَقًّا
فتقدّم باللواء ، والنساء يُحرّضن ويضربن بالدُّفوف، وحمل عليه
حمزة بن عبد المطّلب رضى الله عنه فضربه بالسيف على كاهله ، فقطع يده
(١) فى ح: ((فبرزه)).
(٢) فى ت. ((لحيبه)).
(٣) ويروى أيضاً مثل ذلك عن على مع عمرو بن العاص يوم صفين. (الروض الأنف، ج ٢،
ص ١٣٣ ) .
(٤) فى ح: ((فجعلوا يضربون وجوههم حتى انتقضت الصفوف)).
(٥) فى ح: ((رب اللواء)).
(٦) الصعدة : القناة . (شرح أبى ذر، ص ٣٢١ ) .
٠

٢٢٧
وكَتِفَه ، حتى انتهى إلى مُؤْتَزَرِهِ (١) حتى بدا سَحْرُه ، ثم رجع وهو يقول :
أَنا ابن ساقى الحَجيج ! ثم حمله(٢) أَبو سعد بن أَبى (٣) طَلحة ، فرماه
سعد بن أَبِى وَقَّاص فأَصاب حَنْجَرَتَه، وكان دارعاً وعليه مِغْفَر لا رَفْرَفَ(٤)
له ، فكانت حَنْجَرَتُه بادية ، فأَدلع لسانه إِدلاعَ الكلب . ويُقال: إِنَّ
أَبا سعد لما حمل اللواءَ قام النساءُ خلفه يقلن :
ضَرْباً بنى عَبْد الدارْ ضَرْباً جُماةَ الأَدْبَارْ
ضَرْباً بكُلِّ بَنَّارُ (٥)
فقال سعد بن أبى وَقَّاص : فأَضربُه فأقطعُ يده اليمنى، فأَخذ اللواءَ
باليسرى ، فأَحملُ على يده اليسرى فضربتها(٦) فقطعتها، فأخذ اللواءَ
بذراعيه جميعاً فضمّه إلى صدره ، ثم حنى عليه ظهرَه . قال سعد : فأُدخلُ
يِيَةَ(٧) القوس بين الدِّرع والمِغْفَر فأُقلعُ المِغْفَر فأَرمى به وراء ظهره . ثم
ضربتُه حتى قتلتُه، ثم أَخذتُ أَسلبُه دِرعَه ، فنهض إلىّ سُبَيع بن عبد عَوف
ونَفَرٌّ معه فمنعونى سَلَبَه . وكان سلَبه أَجوَد سلَب رجل من المشركين - درع
فَضْفاضة، ومِغْفَر ، وسيف جيّد، ولكن حِيل بينى وبينه. وهذا أَثبت القولين،
وهكذا اجْتُمِع عليه، أَنَّ سعدًا قتله .
ثم حمله مُسافع بن طلحة بن أَبى طَلحة ، فرماه عاصم بن ثابت بن
(١) فى ح: ((مؤزره)).
(٢) فى ح (( ثم حمل اللواء)).
(٣) فى الأصل: ((أبو سعد بن طلحة)). وما أثبتناه عن سائر النسخ وابن سعد. (الطبقات،
ج ٢ ، ص ٢٨) .
(٤) الرفرف: زرد يشد بالبيضة يطرحه الرجل على ظهره. ( القاموس المحيط، ج٣، ص١٤٦)
(٥) فى ح: ((ضربا يصل بالثار)).
(٦) فى ت: ((فأضربها)).
(٧) سية القوس: ما عطف من طرفيها. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٣٤٦).

٢٢٨
أَبى الأَقلح وقال: خذها وأنا ابن أبى الأَقلح! فقتله، فحُمِل إلى أُمّه سُلافة بنت
سعد بن الشُّهَيد وهى مع النساء، فقالت : مَن أَصابك ؟ قال ؛ لا أدرى ،
سمعته يقول : خذها وأنا ابن أبى الأَقلح ! قالت سُلافة: أَقلحىّ واللهِ! أَى
من رهطی .
ويقال قال : خذها وأَنا ابن كِسْرَة - كانوا يقال لهم فى الجاهليّة بنو كِسَر
الذهب. فقال لأُمّه حين سألته مَن قتلك ؟ قال : لا أَدرى ، سمعته
يقول: خذها وأَنا ابن كِسْرَة ! قالت سُلافة: إِحدى واللهِ (١) كِسَرِى!
تقول : إِنه رجلٌ منَّا. فيومئذٍ نذرت أَخ تشرب فى قِحف رأس عاصم بن
ثابت الخمرَ ، وجعلت تقول : لمن جاءَ به مائة من الإِبل .
ثم حمله كِلاب بن طلحة بن أَبى طَلحة، فقتله الزُّبَير بن العَوام ؛
ثم حمله الجُلاس(٢) بن طلحة بن أَبِى طَلحة، فقتله طَلحة بن عُبَّيد الله ؛
ثم حمله أرطاة بن شُرَحْبيل ، فقتله عَلىّ عليه السلام؛ ثم حمله شُرَيح بن
قارظ. (٣)، فلسنا ندرى من قتله ؛ ثم حمله صُؤَاب غلامهم، فاختُ ه فى
قتله ، فقائل قال سعد بن أَبِى وَقَّاص، وقائلٌ عَلَّ عليه السلام ، وقائلٌ
قُزمان - وكان أُثبتهم عندنا قُزمان . قال : انتهى إليه قُزمان ، فحمل عليه
فقطع يده اليمنى ، فاحتمل اللواء باليسرى ، ثم قطع اليسرى فاحتضن
اللواء بذراعيه وعَضُدَيه ، ثم حتى عليه ظهره ، وقال : يا بنى عبد الدار،
هل أُعذِرتُ(٤)؟ فحمل عليه قُزمان فقتله .
(١) فى ح: ((أرسى والله كسرى)) . .
(٢) فى الأصل: ((خلاس))؛ والتصحيح عن سائر النسخ، وعن ابن سعد. (الطبقات،
ج ٢، ص ٢٨) .
(٣) فى الأصل وت: ((فار))، وفى ح: ((قائط))؛ وما أثبتناه عن ب، وعن ابن سعد.
( الطبقات، ج ٢، ص ٢٩) .
(٤) فى ح: ((هل اعتذرت)).

٢٢٩
وقالوا : ما ظفَّر الله نبيّه فى مَوطنٍ قطُّ. ما ظفَّره وأصحابه يوم أُحُد ،
حتى عصوا الرسول وتنازعوا فى الأَمر. لقد قُتل أَصحابُ اللواءِ وانكشف
المشركون مُنهزمين(١)، لا يَلْوُون، ونساؤهم يدعون بالويل بعد ضرب
الدِّفاف والفَرَح حيث التقينا . [قال الواقدىّ: وقد روى كثير من الصحابة
ممن شهد أُحُدًا، قال كلّ واحد منهم : ] (٢) والهِ إنى لأَنظر إلى هِند وصواحبها
مُنهزمات، ما دون أَخْذِهنّ شىءٌ لمن أراد ذلك. وكلَّما أَتى خالد من قِبَل
مَيسرة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لِيجوز حتى بأنى من قِبَل السَّفْح فيردّه
الرُّماة، حتى فعلوا ذلك مرارًا، ولكنّ المسلمين أُتُوا من قِبَل الرُّماة. إِنَّ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَوعز إليهم فقال : قوموا على مَصافّكم هذا،
فاحموا ظهورنا ؛ فإِن رأيتمونا قد غنمنا لا تشركونا ، وإن رأيتمونا نُقْتَل
فلا تنصرونا . فلمّا انهزم المشركون وتبعهم المسلمون ، يضعون السلاح فيهم
حيث شاءوا حتى أجهضوهم (٣) عن العسكر ، ووقعوا ينتهبون العسكر،
قال بعض الرِّماة لبعض: لِمَ تُقيمون هاهنا فى غيرشىء؟ قد هزم الله العدوَّ وهؤلاء
إخوانكم ينتهبون عسکرَهم ، فادخلوا معسكر المشركين فاغنمُوا مع إخوانكم .
فقال بعض الرُّماة لبعض : ألم تعلموا أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال
لكم : ((احموا ظهورنا فلا تبرحوا مكانكم ؛ وإِن رأيتمونا نُقتَل فلا تنصرونا ،
وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا ، احموا ظهورنا"؟ فقال الآخرون:
لم يُرِدِ رسول الله هذا، وقد أَذلَّ الله المشركين وهزمهم، فادخلوا العسكر
فانتهبوا مع إِخوانكم. فلمّا اختلفرا خطبهم أميرهم عبد الله بن جُبير - وكان
(١) فى ح: ((وانكشف المشركون منهم)).
(٢) زيادة مبينة من ابن أبى الحديد عن الواقدى. (نهج البلاغة؛ ج ٣، ص ٣٦٧).
(٣) فى ح: ((حتى أجهزوهم عن المعسكر)). وأجهضوهم: أى غلبوهم ونحوهم عنه. (القاموس
المحيط ، ج ٢، ص ٣٢٦) .

٢٣٠
يومئذٍ مُعْلِمًا بثياب بيض - فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم أَمر
بطاعة الله وطاعة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأَلاَّ يُخالَفَ لرسول الله أمرٌ(١)؛
فعصَوا وانطلقوا ، فلم يبق من الرُّماة مع أميرهم عبد الله بن جُبَير إِلَّا نُفَيرٌ
ما يبلغون العشرة ، فيهم الحارث بن أَنَس بن رافع ، يقول : يا قوم ،
اذكروا عهد نبيّكم إليكم، وأَطيعوا أَميركم. قال: فأَبَوا(٢) وذهبوا إِلى
عسكر المشركين ينتهبون ، وخلّوا الجبل وجعلوا ينتهبون ، وانتقضت صفوف
المشركين واستدارت رجالهم(٣)؛ وحالت الريح(٤)، وكانت أَوَّلَ النهار
إِلى أَن رجعوا صَباً ، فصارت دَبورًا حيث كرّ المشركون ، بينا المسلمون قد
شُغِلوا بالنَّهب والغنائم .
قال نِسْطاس(٥) مولى صَفوان بن أُمَيّة، وكان أَسلم فحسُن إسلامه :
كنت مملوكاً فكنت فيمن خُلِّف فى العسكر، ولم يُقاتل يومئذٍ مملوكٌ إلَّا
وَحشىّ، وصُوَّاب غلام بنى عبد الدار . قال أبوسُفيان : يا معشر قُرَيش،
خلّفوا غِلمانكم على متاعكم يكونون هم الذين يقومون على رحالكم . فجمعنا
بعضها إلى بعض، وعقلنا الإِبل، وانطلق القوم على تعبيتهم(٦) مَيمنةً
وميسرةً، وأَلبسنا الرحالَ الأَنطاعَ . ودنا (٧) القوم بعضهم من بعض، فاقتتلوا
ساعة ثم إذا أَصحابنا مُنهزِمون ، فدخل أصحاب محمّد عسكرنا ونحن فى
(١) فى ح: ((وأن لا يخالف أمره)).
(٢) فى ت: ((فأتوا).
(٣) فى ح: ((استدارت رحاهم)).
(٤) فى ح: ((ودارت الريح)).
(٥) فى الأصل: ((بسطام))، وما أثبتناه عن سائر النسخ وعن ابن إسحاق. (السيرة النبوية،
ج ٣، ص ١٨١). وقد ذكر ابن أبى الحديد أنه مولى ضرار بن أمية. (نهج البلاغة ،
ج ٣، ص ٣٦٨) .
(٦) فى ت: ((بعضهم)).
(٧) فى ت: ((وذب)).

٢٣١
الرِّحال ، فأَحدقوا بنا ، فكنت فيمن أُسروا . وانتهبوا العسكر أَقبح انتهاب ،
حتى إِنَّ رجلاً منهم قال : أَين مال صَفوان بن أُمَيّة؟ فقلت : ما حمل إِلَّا
نفقة، هى فى الرَّحْل . فخرج يسوقنى حتى أَخرجتُها من العَيْبَة خمسين
ومائة مثقال. وقد ولَّى أَصحابنا وأَيِسنا منهم؛ وانحاش(١) النساء، فهنَّ
فى حُجَرهنَّ سَلْمٌ لِمَن أَرادهنَّ. وصار النَّهب فى أيدى الرجال، فإنَّ لعلى ما
نحن عليه من الاستسلام إِلى أَن نظرتُ إلى الجبل(٢)، فإذا الخيل مُقبلة
فدخلوا العسكر فلم يكن أحدٌ يردّهم، قد ضُيعَت النُّغور التى كان بها الرُّماة
وجاءوا إِلى النَّهب والرُّماة ينتهبون، وأَنا أَنظرُ إليهم مُتَأَبّطى قِيُّهم وجِعابهم ،
كلّ رجل منهم فى يديه أَو حِضْنه شىءٌ قد أَخذه ؛ فلمّا دخلت خيلنا دخلت
على قومٍ غارّين (٣) آمنين، فوضعوا فيهم السيوف فقتلوا فيهم قتلاً ذريعاً.
وتفرّق المسلمون فى كلّ وَجْهٍ ، وتركوا ما انتهبوا وأَجْلوا(٤) عن عسكرنا ،
فرجعنا متاعنا بُعْدُ فما فقدنا منه شيئاً ، وخلَّوا أَسرانا ، ووجدنا الذهب فى
المَعْرَك. ولقد رأيت رجلاً من المسلمين ضمّ صفوان بن أُمَيّة إِليه ضمّة
ظننت أنه سيموت حتى أدركتُه به رَمَقٌ، فوجأْتُه (٥) بخَنْجَر معى فوقع ،
فسأَلتُ عنه بَعْدُ فقيل : رجلٌ من بنى ساعدة . ثم هدانى الله عزَّ وجلّ بَعْدُ
للإِسلام.
فحدّثْنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن إسحاق بن عبد الله، عن عمر بن الحَكَم ،
قال : ما علمنا أَحدًا من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذين
(١) انحاش النساء: أى نفرن. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٧٠).
(٢) فى ت: ((إلى الخيل)).
(٣) غارون: غافلون. (النهاية، ج ٣، ص ١٥٦).
(٤) فى ت: ((فأخلوا)).
(٥) فى ح: ((فوجأت ذلك المسلم)).

٢٣١
أَغاروا على النَّهب، فأَخذوا ما أَخذوا من الذهب ، بقى معه من ذلك شىء
رجع به حيث غشينا المشركون واختلطوا إِلَّ رجلّين: أحدهما عاصم بن ثابت
ابن أَبِى الأَقْلَح ، جاءَ بمنطقة وجدها فى العسكر فيها خمسون دينارًا ،
فشدّها على حَقْوَيه من تحت ثيابه ؛ وجاءَ عَبّاد بن بِشر بصُرَّة فيها ثلاثةً
عشرَ مثقالاً ، ألقاها فى جيب قميصه ، وعليه قميص والدرع فوقها قد حزم
وسطه . فأَتيا بذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأُحُد، فلم يُخمّسه
ونفَّلهما إياه .
قال رافع بن خديج : فلمّا انصرف الرُّماة وبقى من بقى ، نظر خالد بن
الوليد إلى خلاء الجبل وقلَّة أَهله، فكرّ بالخيل وتبعه عِكْرِمَة فى الخيل ،
فانطلقا إِلى بعض الرُّماة فحملوا عليهم . فراموا القوم حتى أُصيبوا ، ورامى
عبد الله بن جُبَير حتى فنيت نَبْله ، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر ، ثم
كسر جَفن سيفه ، فقاتلهم حتى قُتل رضى الله عنه . وأقبل جُعال بن سُراقة
وأَبو بُرْدَة بن نِيار، وكانا قد حضرا قَتْل عبد الله بن جُبير ،وهما آخر من
انصرف من الجبل حتى لحقا القوم ؛ وإِنَّ المشركين على متون الخيل ،
فانتقضت صفوفنا . ونادى إِبليس وتصوّر فى صورة جُعال بن سُراقة : إِنَّ.
محمّدًا قد قُتل ! ثلاث صرخات . فابتُلى يومئذٍ جُعال بن سُراقة بِبَلِيَّة
عظيمةٍ حين تصوّر إِبليس فى صورته ، وإِنَّ جُعال ليُقاتل مع المسلمين أَشدّ
القتال ، وإنه إلى جنب أَبِى بُرْدَة بن نِيار وخَوّات بن جُبَير ؛ فواللهِ ما رأينا
دُولَةٍ كانت أَسرع من دُولَة المشركين علينا . وأَقبل المسلمون على جُعال بن
سُراقة يُريدون قتله يقولون: هذا الذى صاح ((إنَّ محمّدًا قد قُتل)). فشهد
له خَوّات بن جُبَير وأَبو بُرْدَة بن نِيار أنه كان إلى جنبهما حين صاح
الصائح، وأَنَّ الصائح غيره . قال رافع : وشهدتُ له بعد .

٢٣٣
يقول رافع بن خديج : فكنًّا أُتِينا من قِبَل أنفسنا ومعصية نبيّنا ،
واختلط. المسلمون، وصاروا يُقتَلون ويضرب بعضهم بعضاً ، ما يشعرون به (١)
من العَجَلة والدَّهَش، ولقد جُرح يومئذٍ أُسَيد بن حُضَير جرحَين، ضرَبَه
أَحدَهما أَبُو بُرْدَة وما يدرى ، يقول : خذها وأَنا الغلام الأَنصارىّ!
قال : وكرّ أَبو زَعْنَة فى حَومة القتال فضرب أَبا بُرْدَة ضربتَين ما يشعر ؛
إِنّه ليقول : خذها وأَنا أَبو زَعْنَة ! حتى عرفه بعد . فكان إذا لقيه قال :
انظر إلى ما صنعتَ بى. فيقول له أَبو زَعْنَة: أَنت ضربتَ أُسَيد بن حُضَير
ولا تشعر ، ولكن هذا الجرح فى سبيل الله. فذكر ذلك لرسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم فقال صلّى الله عليه وسلّمّ : هو فى سبيل الله ؛ يا أَبا بُرْدَة،
لك أجره حتى كأَنّه ضربك أحدٌ من المشركين؛ ومن قُتل فهو شهيدٌ .
وكان اليمان حُسَيل بن جابر ورِفاعة بن وَقَش شيخَين كبيرين ، قد
رُفعا فى الآطام مع النساء ، فقال أحدهما لصاحبه : لا أَبا لك ، ما نستبقى
من أنفسنا ؛ فوالله ما نحن إلاَّ هامة اليوم أو غداً ، فما بقى من أَجَلنا قدر
ظِمء(٢) دابّة. فلو أخذنا أسيافنا فلحقنا برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم،
لعلّ الله يرزقنا الشهادة . قال: فلحقا برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بأُحُد
من النهار. فأَمّا رِفاعة فقتله المشركون، وأَمّا حُسَيل بن جابر فالتقت عليه
سيوف المسلمين وهم لا يعرفونه، حين اختلطوا ؛ وحُذَيفَة يقول : أَبى !
أبى ! حتى قُتل. فقال حُذيفة : يغفر الله لكم ، وهو أرحم الراحمين ، ما
صنعتم ! فزادته (٣) عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خيرًا، وأمر رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم بدِيَته أَن تُخرجَ. ويقال إنَّ الذى أَصابه عُنْبَة بن
(١) فى ح: ((وما يشعرون بما يصنعون من الدهش والعجل)).
(٢) الظمء: العطش؛ أى الشيء اليسير. (النهاية، ج ٣، ص ٥٧).
(٣) فى ح: ((فزاد به)).

٢٣٤
مَسعود ، فتصدّق حُذيفة بن اليمان بدمه على المسلمين .
وأَقْبل يومئذِ الحُباب بن المُنْذِر بن الجَموحِ يَصيح : يا آل سَلِمَة !
فَأَقْبلوا مُنُقاً(١) واحدةً : لَبَّيَّكَ داعىَ اللّه! لَبَّيكَ داعىَ الله ! فيضرب يومئذ
جَبّار بن صَخر ضربةً فى رأسه مُثقلةً(٢) وما يدرى، حتى أَظهروا الشِّعار
بينهم فجعلوا يصيحون : أَمِت! أَمِت! فكفّ بعضهم عن بعض .
فحدّثنى الزُّبَير بن سعد ، عن عبد الله بن الفَضْل ، قال : أَعطى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُصْعَب بن عُمَير اللواءَ ، فقُتل مُصْعَب فأخذه
مَلَك فى صورة مُصْعَب. فجعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لمُصْعَب
فى آخر النهار : تقدّم يا مُصْعَب ! فالتفت إليه الملك فقال : لست
بمُصْعَب فعرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَنه ملَك أَيِّدَ به. وسمعت
أَبَا مَعْشَر يقول مثل ذلك .
فحَدَّثتنى عُبَيدة بنت نائل ، عن عائشة بنت سعد ، عن أبيها سعد
ابن أَبِى وَقَّاص، قال: لقد رأيتنى أَربى بالسهم يومئذٍ فيردّه علىّ رجلٌ أَبيضُ
حسن الوجه ، لا أَعرفه حتى كان بعدُ فظننت أنه ملَك .
حدّثنى إِبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن سعد بن
أَبِى وَقَّاص، قال : لقد رأيت رجلَين عليهما ثياب بيض، أَحدهما عن يمين
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والآخرعن يساره، يُقاتلان أَشدّ القتال ، ما رأيتهما
قبلُ ولا بعدُ .
حدّثنى عبد الملك بن سُليم(٢)، عن قَطَن بن وهب، عن عبيد بن
(١) العنق: الجماعة من الناس. (أساس البلاغة، ص ٦٠٨).
(٢) فى ب: ((منقلة)).
(٣) فى ب: ((عبد الملك بن سليمان)).

٢٣٥
عُمَير ، قال : لمّا رجعت قُرَيش من أُحُد جعلوا يتحدّثون فى أنديتهم بما
ظفروا ويقولون : لم نر الخيل البُلْق ولا الرجال البيض الذين كنَّا نراهم يوم
بدر . قال عبيد بن عُمَير: ولم تُقاتل الملائكة يوم أُحُد .
وحدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن عبد الحميد بن سُهَيل ، عن عمر بن
الحَكَّم قال: لم يُمَدّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم أُحُد بمَلَك واحد،
إنما كانوا يوم بدر .
حدّثْنى ابن خَديج ، عن عمرو بن دينار ، عن عِكْرِمَة مثلَه .
حدّثنى مَعْمَر بن راشد ، عن ابن أبى نُحيح ، عن مُجاهد ، قال :
حضرت الملائكةُ يومئذٍ ولم تُقاتل .
حدّثنى سُفيان بن سعيد ، عن عبد الله بن عُثمان ، عن مُجاهد ، قال :
لم تُقاتل الملائكة إِلَّا يوم بدر .
حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن ثَور بن زيد ، عن أبى الغَيث ، عن
أَبِى هُرَيرة ، قال: قد وعدهم الله أن يمدّهم لو صبروا، فلمّا انكشفوا لم تُقاتل
الملائكة يومئذ .
حدّثنى يعقوب بن محمّد بن أَبِى صَعْصَعَة ، عن موسى بن ضَمْرَة بن
سعيد ، عن أبيه ، عن أَبِى بَشير المازنىّ، قال: لمّا صاح الشيطان أَزَبّ
العَقَبَة(١) إِنَّ محمّدًا قد قُتل؛ لِما أراد الله عزَّ وجلّ من ذلك، سُقط. فى
أيدى المسلمين وتفرّقوا فى كلّ وجه ، وأَصعدوا فى الجبل . فكان أَوّل من
بشّرهم أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سالمٌ كَعب بن مالك . قال كعب :
(١) أزب العقبة: من أسماء الشياطين. (النهاية، ج ١، ص ٢٨) . وذكره السهيلى بكسر
الهمزة وسكون الزاى . ( الروض الأنف ، ج ١ ، ص ٢٧٨).

٢٣٦
فجعلتُ أَصيح ، ويُشير إلىّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بإصبعه على فيه
أَن اسگُت .
فحدّثنى موسى بن شيبة بن عمرو بن عبد الله بن كعب بن مالك .
عن عُمَيرة بنت عُبيد الله بن كعب بن مالك، عن أَبيها ، قال : لمّا
انكشف الناس كنت أَوّل من عرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبشّرتُ
به المؤمنين حيًّا سويًّا. قال كعب: وأَنا فى الشِّعْب. فدعا رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم كَعباً بَلاَّمَته - وكانت صفراءَ أَو بعضها - فلبسها رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم، ونزع رسول الله صلّى الله عليه وسلّمْ لَأَمَته فلبسها
كَعب . وقاتل كعب يومئذٍ قتالاً شديداً حتى جُرح سبعةً عشّرَ جرحاً .
حدّثنى مَعْمَر بن راشد ، عن الزُّهرىّ ، عن ابن كَعب بن مالك ، عن
أبيه ، قال : كنت أَوّل من عرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذٍ ،
فعرفت عينَيَه من تحت المِغْفَر، فناديت : يا معشر الأنصار ، أبشروا !
هذا رسول الله ! فأشار إلىّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَن اصمُت .
حدّثنى ابن أبى سَبْرَة، عن خالد بن رَبَاح، عن الأَعْرَج ، قال :
لمّا صاح الشيطان ((إِنَّ محمّدًا قد قُتل))، قال أبو سُفيان بن حَرب :
يا معشر قُرَيش، أَيّكم قتل محمّدًا؟ قال ابن قَميئة : أَنا قتلته. قال :
نُسوِّركِ(١) كما تفعل الأعاجم بأَبطالها . وجعل أبو سُفيان يطوف بأَنِى
عامر الفاسق فى المَعْرَك هل يرى محمّدًا [بين القتلى ]،(٢) فمرّ بخارجة بن
زيد بن أَبِى زُهَير ، فقال : يا أَبا سُفيان ، هل تدرى من هذا القتيل ؟
قال: لا . قال: هذا خارجة بن زيد بن أبى زُهَير الخزرجىّ، هذا سيّد
(١) سوره: أليسه السوار. (الصحاح ، ص ٦٩٠) .
(٢) الزيادة عن ب، ح .

٢٣٧
بَلْحارث بن الخزرج. ومرّ بعَبّاس بن عُبادة بن نَضْلَة إلى جنبه فقال :
هذا ابن قَوْقَل ، هذا الشريف فى بيت الشرف . قال: ثم مرّ بذَكْوان
ابن عبد قيس ، فقال : هذا من ساداتهم . ومرَّ بابنه حَنْظَلَة فقال : من هذا
يا ابن عامر ؟ قال: هذ أَعُزُّ مَن هاهنا علىّ، هذا حَنْظَلَة بن أبى عامر .
قال أَبو سُفيان : ما نرى مصرع محمّد ، ولو كان قتله لرأيناه ؛ كذب
ابن قَميئة ! ولقى خالد بن الوليد فقال : هل تبَيَّن عندك قتلُ محمّد ؟ قال
خالد : رأيته أَقبل فى نَفَرٍ من أصحابه مُصعِدين فى الجبل. قال أبو سُفيان:
هذا حقٌّ ! كذب ابن قميئة ؛ زعم أنَّهُ قتله .
حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة ، عن خالد بن رَباح ، عن أبى سُفيان مولى ابن
أبى أحمد ، قال : سمعت محمّد بن مَسْلَمة يقول : سمعت أُذُناىَ وأبصرت
عيناىَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول يومئذٍ ، وقد انكشف الناس إلى
الجبل وهم لا يَدْوُون عليه ، وإنه ليقول : إِلىّ يا فلان، إِلىّ يا فلان، أَنا
رسول الله ! فما عرّج منهما واحدٌ عليه ومضيا .
خدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى جَهْم ، واسم
أَبِى جَهْمِ عُبَيد، قال : كان خالد بن الوليد يُحدّث وهو بالشام يقول: الحمد
الله الذى هدانى للإِسلام ! لقد رأيتنى ورأيت عمر بن الخطّاب رحمه الله
حينٍ جالوا وانهزموا يوم أُحُد، وما معه أَحدٌ ، وإنى لفى كتيبة خشناء
فما عرفه منهم أَحدٌ غيرى ، فنكبت عنه وخشيتُ إِن أَغريتُ به من معى
أَن يَصمُدوا له ، فنظرت إليه مُوجّهاً إلى الشِّعْب.
حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن إسحاق بن عبد الله بن أَبِى فَرْوةَ ، عن
أَبِى الحُوَيْرِث ، عن نافع بن جُبير، قال : سمعت رجلاً من المهاجرين. يقول:

٢٣٨
شهدتُ أُحُدًا فنظرت إِلى النَّبل تأتى من كلّ ناحية ، ورسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم وَسْطها ، كلّ ذلك يُصرَف عنه . ولقد رأَيت عبد الله بن شِهاب
الزُّهرىّ يقول يومئذٍ: دُلُّونى على محمّد، فلا نجوتُ إِن نجا! وإِنَّ رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى جنبه، ما معه أحدٌ ؛ ثم جاوزه ، ولقى عبد الله
ابن شِهاب صفوان بن أُمَيّة، فقال صَفوان: تَرِحْتَ (١)، أَلم يُمكنك أَن
تضرب محمّدًا فتقطعَ هذه الشَّأْفَةِ(٢)، فقد أمكنك الله منه ؟ قال :
وهل رأَيتَه ؟ قال : نعم، أَنت إلى جنبه . قال: واللهِ ما رأيته. أَحلِفُ باللهِ
إنه منَّا ممنوعٌ؛ خرجنا أَربعةً تعاهدنا وتعاقدنا على قَتْلِه، فلم نَخْلُص
إلى ذلك .
حدّثنى ابن أَبِى سَبْرَة، عن خالد بن رباح ، عن يعقوب بن عمر بن
قَتَادة، عن نَمْلَة بن أَبِى نَمْلَة - واسم أَبِى نَحْلَة عبد الله بن معاذ ، وكان
أَبوه مُعاذ أَخاً للبَرَاء بن مَعرور لأُمّه - فقال: لمّا انكشف المسلمون ذلك
اليوم نظرت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وما معه أحدٌ إِلاَّ نُفّير، فأَحدق
به أَصحابُه من المهاجرين والأنصار وانطلقوا به إلى الشِّعْب ؛ وما للمسلمين
لِواه قائمٌ، ولا فتةٌ، ولا جَمْعُ، وإِنَّ كتائب المشركين لتَحوثُهم (٢) مُقبلةٌ
ومُدبرةً فى الوادى ، يلتقون ويفترقون، ما يَرون أَحدًا من الناس يردّهم.
فاتَّبِعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأَنظرُ إليه وهو يؤمّ أَصحابه ؛ ثم
رجع المشركون نحو عسكرهم وتآمروا فى المدينة وفى طلبنا ، فالقوم على ما هم
عليه من الاختلاف . وطلع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إِلى أَصحابه ،
(١) فى ت: ((نزحت)).
(٢) فى ت: ((هذه الشاقة)). والشأفة: قرحة. قال الزمخشرى: ومن المجاز: استأصل الله تعالى
شأفتهم : عداوتهم وأذاهم. ( أساس البلاغة ، ص ٤٧٤).
(٣) فى ح: ((لتحوسهم)).

.
٢٣٩
فكأَنَّهم لم يُصبهم شىءٌ حين رأوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سالماً .
حدّثنى إِبراهيم بن محمّد بن شُرَحْبيل العَبْدَرىّ ، عن أبيه ، قال :
حمل مُصْعَب اللواء فلمّا جال المسلمون ثبت به ، فأَقبل ابن قَميئة وهو فارس
فضرب يده اليمنى فقطعها، وهو يقول: ﴿ومَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾(١). وأخذ اللواءَ بيده اليسرى وحنى عليه فقطع يده اليسرى،
فحنى على اللواء وضمّه بعَضُدَيه إلى صدره وهو يقول: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلَّ رَسولٌ
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ .. ) الآية. ثم حمل عليه الثالثة فأَنفذه واندقّ
الرمح ، ووقع مُصْعَب وسقط. اللواء ؛ وابتدره رجلان من بنى عبد الدار ،
سُوَيْبِط بن حَرْمَلَة وأبو الروم ، وأخذه أبو الروم فلم يزل فى يده حتى دخل
به المدينة حين انصرف المسلمون .
وحدّثنى موسى بن يعقوب، عن عمّته، عن أُمّها ، عن المقداد ،
قال : لمّا تصاففنا للقتال جلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تحت راية
مُصْعَب بن عُمَير ، فلمّا قُتل أصحاب اللواء وهُزم المشركون الهزيمة الأولى ،
وأَغار المسلمون على عسكرهم فانتهبوا ، ثم كرّوا على المسلمين فأَتَوا من خلفهم
فتفرَّق الناس(٢)، ونادى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى أصحاب الأَلوية،
فأَخذ اللواء مُصْعَب بن عُمَير ثم قُتل . وأخذ راية الخزرج سعد بن عُبادة ،
ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قائمٌ تحتها ، وأصحابه مُحدقون به . ودفع
لواءَ المهاجرين إِلى أَبى الروم العَبْدَرىّ آخرَ النهار، ونظرتُ إِلى لواء الأَوس
مع أُسَيد بن حُضَير ، فناوشوهم ساعةً واقتتلوا على الاختلاط من الصفوف.
ونادى المشركون بشِعارهم: يا لَلْعُزَّى، يا آل هُبِل! فأَوجعوا واللهِ فينا قتلاً
(١) سورة ٣ آل عمران ١٤٤
(٢) فى ت: ((فيضروا الناس)).