Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨٠
رجع ولحقوا بأَذْرِعات (١). وقد سمعنا فى إِجلائهم حيث نقضوا العهد غير حديث
ابن كَعب .
فحدّثنى محمّد، عن الزُّهرىّ، عن عُروة، قال: إِنَّ رسول الله صلىّ الله
عليه وسلَّم لمّا رجع من بدر حسدوا فأَظهروا الغِشَّ ، فنزل عليه جبريل
عليه السلام بهذه الآية: ﴿ وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةٌ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَواء
إِنَّ الله لا يُحِبُّ الخائنينَ﴾(٢). قال: فلما فرغ جبريل، قال له رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم: فأَنا أَخافهم . فسار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بهذه الآية،
حتى نزلوا على حُكمه ، ولرسول الله أموالهم ، ولهم الدُّرّيّة والنساء.
فحدّثنى محمّد بن القاسم ، عن أبيه ، عن الرَّبيع بن سَبْرَة، عن أبيه،
قال : إِنّى لَبالفَلْجَتَيْنِ (٣) مُقبل من الشام، إِذ لقيتُ بنى قَيْنُقاع يحملون
الذُّرّيّة والنساء ، قد حملوهم على الإِبل وهم يمشون ، فسأَلتُهم فقالوا : أَجلانا
محمّدٌ وأخذ أموالنا. قلت : فأَين تُريدون ؟ قالوا : الشام . قال سَبْرَة :
فلمّا نزلوا بوادى القُرى أَقاموا شهرًا، وحملت يهود وادى القُرى من كان
راجْلاً منهم ، وقوّوهم ، وساروا إلى أَذْرِعات فكانوا بها ، فما كان أَقلَّ بقاءهم.
حدّثنى يحيى بن عبد الله بن أبى قتادة ، عن عبد الله بن أبى بكر بن
حَزم ، قال : استخلف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ◌َبا لُبابة بن عبد المُنْذِر
على المدينة ثلاث مرّات : بدر القتال ، وبنى قَيْنُقاع ، وغزوة السَّويق.
(١) أذرعات: بلد فى أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان. (معجم البلدان، ج ١ ،
ص ١٦٢ ) .
(٢) سورة ٨ الأنفال ٥٨
(٣) الفلجة: من أودية العقيق كما ذكر السمهودى. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٦).

١٨١
غزوة السَّويق
غزوة السَّويق فى ذى الحجّة، على رأس اثنين وعشرين شهرًا. خرج
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الأحد لخمس ليالٍ خَلَوْن من ذى الحجّة ،
فغاب خمسة أَيّام .
حدّثنى محمّد بن عبد الله ، عن الزهرىّ ، وإِسحاق بن حازم ، عن
محمّد بن كعب ، قالا: لمّا رجع المشركون إلى مكَّة من بدر حرّم
أبوسفيان الدُّحْن حتى يثأَر من محمّد وأصحابه بمن أُصيب من قومه. فخرج
فى مائتى راكب - فى حديث الزُّهرىّ، وفى حديث ابن كعب فى أَربعين
راكباً - حتى سلكوا النَّجْديّة. فجاءوا بنى النَّصير ليلاً، فطرقوا حُبِىّ بن
أَخْطَب ليستخبروه من أخبار النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه، فأَبِى أَن
يفتح لهم ، وطرقوا سَلَّام بن مِشْكُم ففتح لهم فقَراهم ، وسقى أَبا سُفيان
خمرًا، وأخبره من أخبار النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه . فلمّا كان
بالسّحَر خرج فمرّ بالعُرَيض(١)، فيجد رجلاً من الأَنصار مع أَجيرٍ له فى
حَرْثه فقتله وقتل أَجيره، وحرّق بيتين بالعُرَيض وحرّق حَرْئاً لهم ، ورأَى
أَنَّ يمينه قد حلَّت ، ثم ذهب هارباً، وخاف الطلب ؛ فبلغ رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم فندب أَصحابه فخرجوا فى أَثره، وجعل أبو سفيان وأصحابه
يتخفَّفون فيُلقون جُرُب السَّويق(٢) - وهى عامّة زادهم - فجعل المسلمون يمرّون
(١) العريض: واد بالمدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٤٤).
(٢) السويق: قمح أو شعير يقلى ثم يطحن فيتزود به ملتوتا بماء أو سمن أو عسل. (شرح على
المواهب اللدنية ، ج ١ ، ص ٥٥٣) .

١٨٢
بها فيأخذونها ، فسُّيت تلك الغزوة غزوة السَّويق لهذا الشأن ، حتى انتهى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة. فقال [أَبو سُفيان]،(١) فى
حديث الزُّهرىّ ، هذه الأبيات :
سقانى فروّانى كُمَيتاً مُدامَةً (٢)
على ظمأ منّى سَلامُ بن مِشْكُم.
بِيَثْرِبَ مأوى كلِّ أَبيضَ خِضْرَمِ(٣)
وذاك أَبو عمرو يَجودُ ودارُه
كان الزُّدرىّ يكنيه أبا عمرو ، والناس يكنونه أَبا الحكم . واستخلف
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على المدينة أَبا لُبابة بن عبد المُنْذِر .
فحدّثنى محمّد، عن الزُّهرّى، قال : كانت فى ذى الحجّة، على
رأس اثنين وعشرين شهرًا .
غزوة قرارة الكُدْر (٤)
إِلى بنى سُلَيم وغَطّفان للنصف من المحرّم ، على رأس ثلاثة وعشرين
شهرًا ؛ غاب خمسَ عشْرةَ ليلة .
حدّثنى عبد الله بن جعفر، عن ابن أبى عَون ، عن يعقوب بن عُتبة ،
قال: خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من المدينة إلى قَرارة الكُدْر ،
وكان الذى هاجه على ذلك أنه بلغه أَنّ بها جمعاً من غَطَفان وسُلَيم . فسار
رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم إليهم، وأخذ عليهم الطريق حتى جاءَ فرأَى
آثار النَّعَمِ ومَواردها، ولم يجد فى المجال أَحدًا؛ فأرسل فى أَعلى الوادى
نفرًا من أصحابه، واستقبلهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى بطن الوادى،
(١) الزيادة عن ب ، ت ، ث .
(٢) الكميت والمدامة من أسماء الخمر. ( كتاب نظام الغريب، ص ٥٩).
(٣) الخضرم: الجواد المعطاء. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٠٨).
(٤) ويقال قرقرة الكدر، وهى بناحية معدن بنى سليم قريب من الأخضية وراء سد معونة ، وبين
المعدن وبين المدينة ثمانية برد. ( الطبقات، ج ٢، ص ٢١).

١٨٣
فوجد رِعاءً فيهم غلامٌ يقال له يَسار ، فسألهم عن الناس فقال يسار :
لا علمَ لى بهم، إنما أُوردُ (١) لخِمْسٍ وهذا يومٌ رِبْعِىّ؛ والناس قد ارتبعوا
إِلى المياه، وإِنما نحن عُزَّاب (٢) فى النَّعَم. فانصرف رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم وقد ظَفِر بنَعَم، فانحدر إلى المدينة حتى إذا صلَّى الصبح فإذا هو
بيسار فرآه يُصِلِّى. فأَمر القوم أن يقسموا غنائمهم ، فقال القوم: يا رسول
الله، إِنَّ أَقوى لنا أن نسوق النَّعَم جميعاً ، فإِنَّ فينا من يضعف عن حظّه
الذى يصير إليه . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : اقتسموا ! فقالوا :
يا رسول الله ، إِن كان أَنما بك (٣) العبدُ الذى رأَيتَه يُصلِّى، فنحنُ نُعطيكه
فى سهمك . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : قد طبتم به نفساً ؟
قالوا : نعم . فقبله رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأعتقه ، وارتحل الناس
فقدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة، واقتسموا غنائمهم فأَصاب كلّ
رجل منهم سبعة أَبعِرَة ، وكان القوم مائتين .
فحدّثنى عبد الصَّمَد بن محمّد السَّعدىّ، عن حَفْص بن عمر بن
أَبِى طَلحة، عمّن أَخبره. عن أبى أَرْوَى الدَّوْسىّ، قال: كنت فى السريّة
وكنت ممّن يسوق النَّعَم ، فلمّا كنَّا بصِرار - على ثلاثة أميال من المدينة -
خمّس النَّعَم ، وكان النَّعَم خمسمائة بعير، فأَخرج خُمُسا وقسم أربعة
أخماس على المسلمين ، فأَصابهم بعيران بعيران .
حدّثنا عبد الله بن نوح ، عن أبى عُفَير، قال: استخلف رسول الله
(١) فى ت: ((ورد)).
(٢) عزب الرجل بإبله إذا رعاها بعبدا من الدار التى حل بها الحى. (لسان العرب، ج ١،
ص ٥٩٧ ) .
(٣) فى الأصل: ((يا رسول الله إنما بك))؛ وما أثبتناه عن ب، ت، ث.

١٨٤
صلَّى الله عليه وسلَّم على المدينة ابن أُمّ مكتوم ، وكان يجمع بهم ويخطب
إلى جنب المنبر ، يجعل المنبر عن يساره (١).
قتل ابن الأشرف
وكان قتله على رأس خمسة وعشرين شهرًا فى ربيع الأَوّل .
حدّثنى عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان، ومَعْمَر ، عن
الزّهرىّ ، عن ابن كعب بن مالك ، وإِبراهيم بن جعفر ، عن أبيه ، عن
جابر بن عبد الله ؛ فكلٌّ قد حدّثنى بطائفة ، فكان الذى اجتمعوا لنا عليه
قالوا : إِنَّ ابن الأَّشرف كان شاعراً وكان يهجو النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
وأَصحابه . ويُحرّض عليهم كُفَّار قُرَيش فى شعره .
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قدم المدينة وأهلُها أَخلاط - منهم
المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإِسلام ، فيهم أهل الحَلْقَة والخُصون ، ومنهم
حلفاء للحيّين جميعاً الأَّوس والخزرج. فأَراد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
حين قدم المدينة استصلاحهم كلَّهم وموادعتهم ، وكان الرجل يكون مسلماً
وأبوه مشركاً(٢) .. فكان المشركون واليهود من أَهل المدينة يُؤْذون رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم وأصحابه أَذِّى شديدًا، فأمر الله عزَّ وجلّ نبيّه والمسلمين بالصبر
على ذلك والعفو عنهم ، وفيهم أَنزل: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ
(١) فى الأصل وب: ((يجعل المدينة)). وما أثبتناه عن ت، ث، وهو أقرب إلى السياق.
(٢) فى ث: ((وبالعكس)).

١٨٥
مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذِّى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلك مِن
عَزْمِ الأُمُورِ﴾(١). وفيهم أنزل الله عزَّوجلّ: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ .. ﴾(٢) الآية.
فلمّا أبى ابن الأَشرف أن ينزع عن أَذى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأَذى
المسلمين ، وقد بلغ منهم ، فلمّا قدم زيد بن حارثة بالبشارة من بدر بقتل
المشركين وأَشْر من أُسِر منهم ، فرأَى الأَسرى مُقرَّنين(٣)، كُبْت وَذَلّ،
ثم قال لقومه : ويلكم ، واللهِ لَبطن الأَرض خيرٌ لكم من ظهرها اليوم !
هؤلاء سَراة الناس قد قُتلوا وأُسروا ، فما عندكم ؟ قالوا : عداوته ما حيينا .
قال : وما أنتم وقد وطىُّ قومه وأصابهم ؟ ولكنى أَخرج إلى قُرَيش فأَحضّهم
وأبكى قتلاهم ، فلعلَّهم ينتدبون فأَخرجُ معهم. فخرج حتى قدم مكَّة
ووضع رحله عند أبى وداعة بن ضُبَيرة السَّهمىّ ، وتحته عاتكة بنت أَسيد
ابن أبى العِيص ، فجعل يرثى قُرَيشاً ويقول :
ولِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلُّ وَتَدْمَعُ (٤)
طحنتْ رَحِى بَدْرٍ لمَهْلِك أَهلِه
قُتِلَتْ سَراةُ الناسِ حولَ حِياضِه
ويقولُ أَقوامٌ أُذَلُّ بِسُخْطِهِم (٥)
لا تَبْعَدوا إِنَّ المُلوكَ تُصَرَّعُ
إِنَّ ابْنَ أَشْرَفَ ظَلَّ كَعْباً يَجْزَعُ
ظَلِّت تَسيخُ بأَهلها (٦) وتُصَدِّعُ
صدقوا فليتَ الأَرْضَ ساعةَ قُتِّلوا
كم قد أُصِيبَ بِها من ابيضَ ماجدٍ
ذِى بَهْجَة يأْوِى إِليه الضَّيَّعُ (٧)
(١) سورة ٣ آل عمران ١٨٦
(٢) سورة ٢ البقرة ١٠٩
(٣) قرن الشىء بالشىء: شده إليه، وقرنت الأسارى بالحبال شدد للكثرة. (لسان العرب ،
ج ١٣، ص ٣٣٥) .
(٤) فى ح: ((يستهل ويدمع)).
(٥) فى ح: ((بعزهم)).
(٦) ساخت الأرض بهم: انخسفت. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٦٢).
(٧) الضيع: جمع الضائع وهو الجائع. (لسان العرب، ج ٨، ص ٢٣٢).

١٨٦
حَمّالِ أَثقالٍ يَسودُ ويَرْبَعُ (٢)
خَشَعوا لقَتْلِ أَبى الحَكيم وجُدِّعوا (٣)
هل نال مِثْل المُهْلَكِينَ التّبْعُ
ومنبه
طَلْقِ الْيَدَيْنِ إِذا الكَوَاكِبُ أَخْلَفَتْ (١)
نُبِّئْتُ أَنَّ بِى المُغيرةِ كُلَّهم
وابنا رَبيعةً عنده
فأجابه حَسّان بن ثابت ؛ يقول :
منه وعاش مُجَدَّعاً لا يَسْمَعُ
قَتْلَى تَسُحّ لها العُيونُ وَتَدْمَعُ
شِبْه الكُلَيْبِ لِلكُلَيْبَةِ يَتْبَعُ
وأَحان(٥) قوماً قاتلوه وصُرّعوا
شَغَفٌ (٦) يَظَلُّ لخَوْفِهِ يَتَصدَّعُ
أَبَكَى لكَعْبٍ (٤) ثم عُلَّ بِعَبْرَةٍ
ولقد رأَيتُ بِبَطْنِ بَدْرٍ مِنْهَمٌ
فابكى فقد أَبكيتٍ عبدًا راضعاً
ولقد شَفَى الرحمنُ منهم سَيِّدًا
ونجا وأَفلت منهمُ مَن قَلْبُه
ونجا وأَفلت منهمُ مُتَسَرِّعاً فَلُّ فَلِيلٌ هاربٌ يَتَهَزَّعُ
ودعا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حسّان، فأُخبره بنزول كعب على
من نزل ، فقال حَسّان :
أَلا أَبْلِغوا(٧)عَنِى أَسيدًا رِسالةً فخالُكَ عَبْدٌ بالسّرابِ مُجَرَّبُ
(١) أخلفت الكواكب: أخلت فلم يكن فيها مطر. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٣٨).
(٢) يربع: يأخذ الربع، وكان رئيس القوم فى الجاهلية يأخذ الربع مما كانوا يغنمون. (شرح
أبى ذر ، ص ٢١٢) .
(٣) فى الأصل: ((وجزءوا))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن إسحاق. (السيرة النبوية،
ج ٣، ص ٥٦). وجدعوا: قطعت آنافهم، وأراد هنا ذهاب عزهم. (شرح أبى ذر ،
ص ٢١٢) .
(٤) فى كل النسخ: ((بكت عين كعب))؛ والمثبت من ابن إسحاق. (ج ٣، ص ٥٦).
وانظر للكلام عن وزن الأبيات السهيلى. ( الروض الأنف ج ٢، ص ١٢٣).
. (٥) فى الأصل: ((وأخان))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ. وأحان: أهلك. (القاموس المحيط،
ج ٤، ص ٢١٨) .
(٦) فى ب: ((شعف)). قال أبو ذر: ومن رواه بالعين فمعناه محترق ملتهب، ومن رواه بالغين
المعجمة فمعناه بلغ الحزن إلى شغاف قلبه ، والشغاف حجاب القلب . ( شرح أبى ذر ،
ص ٢١٣) .
(٧) فى ب، ت، ث: ((أبلغا)).

١٨٧
ولا خالدٌ ولا المُفاضَةُ (٢) زَيْنَبُ
لعمركَ ما أَوْفِى أَسيدٌ بِجارِهِ(١)
كَذوب شُؤون الرأس قِرْدٌ مُدَرَّبُ
وعَتّابُ عبدٌ غير موفٍ بِذِمَّة
فلمّا بلغها(٣) هجاؤه نبذت رحله وقالت : ما لنا ولهذا اليهودىّ ؟ أَلا
ترى ما يصنع بنا حسّان؟ فتحوّل، فكلَّما تحوّل عنا. قوم دعا رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم حَسّان فقال: ابن الأشرف نزل على فلان. فلا يزال
بهجوهم حتى نبذ رحله، فلمّا لم يجد مأوى قدم المدينة. فلمَّا بلغ النبيَّ
صلَّى الله عليه وسلَّم قدومُ ابن الأَشرف قال : اللّهمّ، اكْفِى ابن الأَشرف
بما شئتَ فى إِعلانه الشرّ وقوله الأشعار. وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :
من لى بابن الأَشرف ، فقد آذانى ؟ فقال محمّد بن مَسْلَمَةٍ : أَنا به يا رسول
الله، وأَنا أَقتله . قال: فافعلْ! فمكث محمّد بن مَسْلَمَة أَيّاماً لا يأكل،
فدعاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا محمّد ، تركتَ الطعام
والشراب؟ قال: يا رسول الله، قلت لك قولاً فلا أَدرى أَفى لك به أَم لا .
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: عليك الجهد. وقال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : شاوِرْ سعد بن مُعاذ فى أمره . فاجتمع محمّد بن مَسْلَمة ونفرٌ من
الأُوس منهم عَبّاد بن بِشْر ، وأبو نائلة سِلْكان بن سَلامة ، والحارث بن
أوس، وأَبو عبس بن جَبْر ، فقالوا: يا رسول الله نحن نقتله، فأُذَنْ
لنا فَلْنَقُلْ (٤)، فإنه لا بدّ لنا منه. قال: قولوا! فخرج أَبو نائلة إليه ،
فلمّا رَآه كعب أَنكر شأنه، وكاد يُذْعَر ، وخاف أن يكون وراءَه كَمين ،
(١) فى ت: ((بجارة)).
(٢) فى الأصل: ((المعاضة))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ. والمفاضة من النساء الضخمة البطن.
( القاموس المحيط ، ج ٢ ، ص ٣٤١) .
. (٣) الضمير يرجع إلى عاتكة بنت أسيد .
(٤) فى الأصل: ((فلنقتله))، وفى ت: ((فليقل)). وما أثبتناه عن ب ، ث .

١٨٨٠
فقال أبو نائلة : حدثتْ لنا حاجةٌ إِليك. قال ، وهو فى نادى قومه وجماعتهم :
أُدْنُ إِلىّ فخبّرنى بحاجنك. وهو مُتغيِّر اللون مرعوبٌ - فكان أبو نائلة ومحمّد
ابن مَسْلَمَة أَخويه من الرَّضاعة - فتحدّثا ساعة وتناشدا الأشعار ، وانبسط.
كعب وهو يقول بين ذلك : حاجتك ! وأبو نائلة يناشده الشعر - وكان
أَبو نائلة يقول الشعر - فقال كعب : حاجتك، لعلَّك أَن تُحبّ أَن يقوم
مَن عندنا ؟ فلمّا سمع ذلك القوم قاموا . قال أبو نائلة : إِنى كرهت أن
يسمع القوم ذَرْوَ(١) كلامنا ، فيظّون ! كان قدومُ هذا الرجل علينا من
البلاء ؛ وحاربتْنا العربُ ورمتنا عن قوسٍ واحدةٍ، وتقطّعت السُّبُل عنَّا
حتى جهدت الأَنْفُس وضاع العِيال؛ أَخَذَنا بالصَّدَقَة ولا نجد ما نأكل .
فقال كعب : قد واللهِ كنت أُحدّثك بهذا يا ابن سلامة، أَنَّ الأَمر سيصير إِليه.
فقال أَبو نائلة : ومعى رجالٌ من أصحابى على مثل رأيى ، وقد أردتُ أَن
آتيك بهم فنبتاع منك طعاماً أَو تمرًا وتُحسن فى ذلك إلينا، وتَرهَنك ما
يكون لك فيه ثِقة . قال كعب: أَما إِنَّ رِفافى تَقصف تمرًا، من عَجْوَة
تغيب فيها الضرس ، أما واللهِ ما كنت أُحبّ يا أَبا نائلة أَن أَرى هذه
الخّصاصة بك ، وإن كنت من أكرم الناس علىّ؛ أَنت أَخى ، نازعتُك
الثَّدْى! قال سِلكان: اكتمْ عنَّا ما حدّثْتُك من ذكر محمّد . قال كعب:
لا أذكر منه حرفاً . ثم قال كعب : يا أَبا نائلة ، اصدقْنِى ذات نفسك؛
ما الذى تُريدون فى أَمره ؟ قال: خِذلانه والتنحّى عنه. قال: سَرَرْتَنى
يا أَبا نائلة ! فماذا ترهنوننى، أَبناءَكم ونساءً كم ؟ فقال: لقد أردتَ أَن
تَفْضَحنا وتُظهر أَمرنا! ولكنَّا نرهنك من الحَلْقَة ما ترضى به . قال كعب:
إِنَّ فى الحَلْقَةِ لوَفاء . وإنما يقول ذلك سلكان لئلا يُنكرهم إذا جاءوا بالسلاح.
(١) ذرو القول: طرفه. (أساس البلاغة، ص ٢٩٧).

١٨٩
فخرج أبو نائلة من عنده على ميعاد ، فأَتى أصحابه فأجمعوا أمرهم على أَن
يأتوه إِذا أمسى لميعاده . ثم أَتوا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم عِشاءً فأخبروه،
فمشى معهم حتى أتى البقيع (١)، ثم وجّههم، ثم قال : امضوا على بركة
الله وعونه ! ويقال : وجّههم بعد أَن صلّوا العشاءَ وفى ليلةٍ مُقْمِرةٍ مثل النهار ،
فى ليلة أربعَ عشرة من ربيع الأَوّل ، على رأس خمسة وعشرين شهرًا .
قال : فمضوا حتى أَتوا ابن الأَشرف ، فلمّا انتهوا إلى حِصنه هتف به
أَبو نائلة، وكان ابن الأَشرف حديثَ عَهْدِ بعُرْس ، فوثب فأَخذت امرأَته
بناحية مِلْحَفَته وقالت : أين تذهب ؟ إنك رجلٌ مُحارب ، ولا ينزل مثلك
فى هذه الساعة. فقال: ميعاد؛ إِنما هو أَخى أَبو نائلة، واللهِ لو وجدنى
نائماً ما أَيقظنى. ثم ضرب بيده المِلْحَفَة وهو يقول: لو دُعى الفتى لطَعْنَةٍ
أَجاب . ثم نزل إليهم فحيّاهم، ثم جلسوا فتحدّثوا ساعةٌ حتى انبسط.
إليهم ، ثم قالوا له: يا ابن الأَشرف، هل لك أن تتمشَّى إِلى شَرْج العجوز(٢)
فنتحدّث فيه بقيّة ليلتنا؟ قال: فخرجوا يتماشون حتى وجَّهوا قِبلَ الشَّرْج ،
فأَدخل أبو نائلة يده فى رأس كعب ثم قال: ويحك ، ما أَطيبَ عِطْرَك
هذا يا ابن الأَشرف ! وإِنما كان كعب يَدَّهِن بالمسك الفَتيت بالماء والعنبر
حتى يتلبّد فى صُدْغَيه ، وكان جعدًا جميلًا. ثم مشى ساعةً فعاد بمثلها حتى
اطمأَنَّ إِليه ؛ وسلسلت يداه فى شعره وأخذ بقرون راسه ، وقال لأصحابه :
اقتلوا عدوّ الله ! فضربوه بأَسيافهم ، فالتفَّت عليه فلم تُغْنِ شيئاً ، وردّ بعضها
بعضاً، ولصق بأَبى نائلة. قال محمّد بن مَسْلَمَة: فذكرت مِغْوَلاً (٣)
(١) أى بقيع الغرقد، وهو مقبرة المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٦٥).
(٢) شرج العجوز: موضع قرب المدينة كما ذكر السمهودى. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٢٨).
(٣) المغول: حديدة دقيقة لها حد ماض. (شرح على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ١٥).

١٩٠
معى كان فى سيفى فانتزعته فوضعته فى سُرَّتِه ، ثم تحاملت عليه فَقَطَطْنُه
حتى انتهى إلى عانته ؛ فصاح عدوّ الله صيحة ما بقى أُطْم من آطام يهودَ إلَّا
قد أُوقدت عليه نار . فقال ابن سُنَينة ، يهودىّ من يهود بنى خارثة، وبينهما
ثلاثة أميال : إِنى لأجد ريح دم بيثرب مسفوح . وقد كان أَصاب بعض
القوم الحارث بن أَوس بسيفه وهم يضربون كعباً ، فكَلَمه فى رِجله . فلمّا
فرغوا احتّوا رأسه ثم حملوه معهم ، ثم خرجوا يشتدّون وهم يخافون من
يهود الأَرصاد، حتى أَخذوا على بنى أُمَيّة بن زيد ثم على قُرَيظة، وإِنَّ نيرانهم
فى الآطام لَعالية، ثم على بُعاث(١)، حتى إذا كانوا بحرّة العُرَيض نزف
الحارث الدم فأَبطأُ عليهم فناداهم : أقرءوا رسول الله منّى السلام ! فعطفوا
عليه فاحتملوه حتى أَنوا النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم. فلمَّا بلغوا بقيع الغَرْقَد
كبّروا. وقد قام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تلك الليلة يُصِّى، فلما سمع
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تكبيرهم بالبقيع كبّر وعرف أن قد قتلوه . ثم
انتهوا يعْدون حتى وجدوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واقفاً على باب المسجد ،
فقال : أَفلحت الوجوه ! فقالوا : ووجهك يا رسول الله ! ورموا برأسه بين
يديه ، فحمد الله على قتله . ثم أَتوا بصاحبهم الحارث فتفل فى جرحه
فلم يُؤْذه ، فقال فى ذلك عَبّاد بن بِشر :
وَأَوفى (٣) طالعاً من فوق قَصْرٍ
صَرَخْتُ بِه فلم يَجْفِلْ(٢) لصوتى
فقلت أَخوكُ عَبّاد بن بشْرٍ
فَعُدْتُ فقال مَن هذا المُنادِى
(١) قال السمهودى: بعاث من ضواحى المدينة، ويقال حصن، ويقال مزرعة عند بنى قريظة على
ميلين من المدينة، ويقال موضع عند أعلى القرورا. ( وفاء الوفا، ج ٢ ، ص ٢٦٢).
(٢) فى ت: ((يحفل)). وجفل: أسرع. ( الصحاح، ص ١٦٥٧).
(٣) فى الأصل: ((ووافى))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن البلاذرى. (أنساب الأشراف،
ج ١، ص ٣٧٤) .

١٩١
فقد جئنا لِتَشْكُرَنا(١) وَتَقْرِى
فقال محمّدٌ أَسرعْ إِلينا
وتَرْفِدَنا فقد جئنا سِغاباً
وهذِى دِرْعُنا رَهْناً فِخُذْها
فقال مَعاشرْ سَغِيوا وجاعوا
وأَقبل نحوَنَا يَهْوِى سريعاً
وفى أَيماننا بِيضُ حِدادٌ
فعانقهُ ابنُ مَسْلَمَةَ المُرادِى (٣)
وشدّ بسيفه صَلْتاً عليه
بنصفِ الوَسْقِ (٢) من حَبٌّ وَتَمْرٍ
لشَهْرٍ إِن وَفَى أَو نصف شَهْرٍ
المد عدموا الغِنَى من غير فقرٍ
وقال لنا لقد جئتم الأَمْر
مُجَرَّبَةٌ بِها الكُفَّارَ نَفْرِى
به الكَفَّان كاللَّيثِ الهِزْبَرِ
فقطَّه أَبو عَبْسِ بن جَبْرٍ
قتلناه الخبيث كذبحِ عِنْرٍ (٤)
وصلتُ وصاحباى فكان لمّا
همُ ناهوك من صِدقٍ وَبِرّ
برأسه نَفَرٌ كِرامٌ
ومرّ
بأَفضل. نعمةٍ وأَعَزِّ نَصْرٍ
وكان اللهُ سادَسَنا فأُبْنا
قال ابن أبى حبيبة : أَنا رأيت قائل هذا الشعر. قال ابن أبى الزِّناد :
لولا قول ابن أبى حبيبة لظننت أنها ثبت .
قالوا : فلمّا أَصبح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الليلة التى قُتل فيها
ابن الأَشرف قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : من ظَفِرتم به من رجال
اليهود فاقتلوه . فخافت اليهود فلم يطلع عظيمٌ من عظمائهم ولم ينطقوا ، وخافوا
أَن يُبَيَّتوا كما بُيِّت ابن الأَشرف.
وكان ابن سُنَينة من يهود بنى حارثة، وكان حليفاً لحُوَيِّصَة بن مسعود ،
(١) على هامش ت: ((تشكرنا: تمنحنا الشكر العطبة)).
(٢) الوسق: ستون صاعاً، أو حمل بعير. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٨٩°).
(٣) رادى الرجل عن قومه إذا ناضل عنهم. (أساس البلاغة، ص ٣٣٥).
(٤) العتر: العتيرة، وهى شاة كانوا يذبحونها فى رجب لآلهتهم. (الصحاح، ص ٧٣٦).

١٩٢
قد أسلم ؛ فعدا مُحَيِّصَة على ابن سُنَينة فقتله، فجعل حُوَيِّصَة يضرب
مُحَيِّصَة، وكان أَسنَّ منه، يقول: أَى عدوّ الله، أَقتلتَه؟ أَما والله لرُبَّ
شَحْمٍ فى بطنك من ماله ! فقال مُحَيِّصَة: واللهِ، لو أَمرنى بقَتْلِك الذى
أَمرنى بقَتْله لقتلتُك. قال: واللهِ ، لو أَمراك محمّد أن تقتلنى لقتلْتنى؟قال: نعم.
قال حُوَيِّصَة: واللهِ، إِنَّ دِيناً يبلغ هذا لَدِين مُعجِب. فأَسلم خُوَيِّصَة
يومئذٍ، فقال مُحَيِّصَة - وهى ثبت، لم أَرَ أَحدًا يدفعها - يقول:
لَطَبَّقْتُ ذِفْراهُ(١) بأَبيضَ قاضبٍ
يَلوُمُ ابنُ أُمِّى لو أُمِرْتُ بِقَتْلِه
متى ما تُصوِّبْهُ فليس بكاذِبٍ
حُسامٍ كلونِ المِلْحِ أُخْلِصَ صَقْلُه
"ولو أَنَّ لى ما بين بُصْرى(٢) ومأرِبِ
وما سرِّى أَنّى. قتلتُكَ طائعاً
ففزعت اليهود ومن معها من المشركين ، فجاءوا إلى النبيّ صلَّى الله عليه
وسلَّم حين أَصبحوا فقالوا : قد طُرق صاحبنا الليلة وهو سيّد من ساداتنا
قُتل غِيلةً بلا ◌ُرمٍ ولا حَدَث علمناه . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
إِنَّه لو قرّ كما قرّ غيرِهِ ممّن هو على مثل رأيه ما اغْتِيل؛ ولكنه نال منَّا الأُذى
وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أَحدٌ منكم إلاَّ كان له السيف(٣). ودعاهم
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أن يكتب بينهم كتاباً ينتهون إلى ما فيه ،
فكتبوا بينهم وبينه كتاباً تحت العَذْق فى دار رَمْلَة بنت الحارث . فحذرت
اليهود وخافت وذلَّت من يوم قَتْل ابن الأَشرف .
فحدّثنى إبراهيم بن جعفر ، عن أبيه ، قال: قال مَروان بن الحَكُم ،
وهو على المدينة وعنده ابن يامين النَّضْرىّ: كيف كان قَتْل ابن الأُشرف ؟
(١) لطبقت: معناه لقطعت. والذفرى: عظم ناتى" خلف الأذن. (شرح أبى ذر، ص ٢١٦).
(٢) فى الأصل: ((رضوى))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن إسحاق. (السيرة النبوية،
ج ٣، ص ٦٣) .
(٣) فى ب، ت: ((إلا كان السيف)).

١٩٣
قال ابن يامين : كان غدرًا. ومحمّد بن مَسْلَمَة جالسٌ شيخ كبير ، فقال :
يا مروان، أَيغدر(١) رسول الله عندك؟ واللهِ، ما قتلناه إِلاَّ بأَمر رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم. واللهِ، لا يُؤوينى وإياك سقفُ بيت إِلَّ المسجد. وأَما
أَنت يا ابن يامين، فللّه علّ إِن أَفلتَّ، وقدرت (٢) عليك وفى يدى سيف
إِلَّا ضربتُ به رأسك ! فكان ابن يامين لا ينزل فى بنى قُرَيظة حتى يبعث
له رسولاً ينظر محمّد بن مَسْلَمة ، فإن كان فى بعض ضياعه نزل فقضى
حاجته ثم صدَر، وإلَّا لم ينزل. فبينا محمّد بن مَسْلَمَة فى جنازة وابن
يامين بالبقيع. فرأَى نَعشاً عليه جرائدُ رطبةٌ لامرأة، جاءَ فحلَّه . فقام
الناس فقالوا : يا أبا عبد الرحمن ، ما تصنع ؟ نحن نكفيك ! فقام إليه
فلم يزل يضربه بها جريدةً جريدةً حتى كسر تلك الجرائد على وجهه ورأسه
حتى لم يترك فيه مَصَحًّا، ثم أَرسله ولا طَباخَ (٣) به، ثم قال: واللهِ،
لو قدرتُ على السيف لضربتك به .
شأن غزوة غَطَفَان بذى أَمَرّ (٤)
وكانت فى ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرًا . خرج رسول
الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الخميس لثنتى عشْرة خلت من ربيع ، فغاب
أَحد عشر يوماً .
(١) فى ب: ((أتغدر)).
(٢) فى ب، ت: ((ولا قدرت)).
(٣) فى الأصل: ((ولا طياح))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ. والطباخ: القوة. (القاموس
المحبط ، ج ١، ص ٢٦٤) .
(٤) ذو أمر : واد بطريق فيه إلى المدينة على نحو ثلاث مراحل من المدينة بقرية النخيل. ( وفاء
الوفا ، ج ٢، ص ٢٤٩).

١٩٤ .
حدّثْنى محمّد بن زياد بن أَبِى هُنَيدة قال : حدّثنا ابن أَبِى عَتَّاب ،
وحدّثنى عُثمان بن الضَّحّاك بن عُثمان ، وحدّثنى عبد الرحمن بن محمّد بن
أبى بكر ، عن عبد الله بن أبى بكر ، فزاد بعضهم [على بعض](١) فى
الحديث، وغيرهم قد حدّتنا أيضاً ، قالوا: بلغ رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم أَنَّ جمعاً من ثَعْلَبَة ومُحارِب بذى أَمَرّ ، قد تجمّعوا يُريدون أن يُصيبوا
من أطراف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، جَمَعهم رجلٌ منهم يقال له دُعْثور
ابن الحارث بن مُحارب ، فندب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المسلمين ،
فخرج فى أربعمائة رجل وخمسين ، ومعهم أَفراس ، فأَخذ على المُنَقَّى (٢)،
ثم سلك مضيق الخُبَيت (٣)، ثم خرج إلى ذى القَصَّة (٤)، فأَصاب رجلاً
منهم بذى القَصَّة يقال له جَبّار من بنى ثّعلبة ، فقالوا : أَين تُريد ؟ قال :
أُريد يَثْرِب(٥). قالوا: وما حاجتك بَيْرِب؟ قال: أَردت أَن أَرتاد لنفسى
وأَنظر . قالوا : هل مررتَ بجمع، أَو بلغك [خبر] لقومك؟ قال : لا ،
إِلَّا أَنَّه قد بلغنى أَنّ دُعثور بن الحارث فى أُناس من قومه عُزل . فأَدخلوه
على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فدعاه إلى الإِسلام فأسلم ، وقال :
يا محمّد، إِنَّهم لن يُلاقوك؛ إِن سمعوا (٦) بمسيرك هربوا فى رءوس الجبال ،
وأَنا سائرٌ معك ودالُّك على عَوْرَتهم(٧). فخرج به النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
وضعّه إِلى بلال، فأَخذ به طريقاً أهبطه عليهم من كَثيب (٨)، وهربت منه
(١) الزيادة عن ب ، ت .
(٢) المنقى: اسم للأرض التى بين أحد والمدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٧٩).
(٣) الخبيت: على بريد من المدينة. (معجم ما استعجم، ص ٣٠٦).
(٤) ذو القصة: موضع على بريد من المدينة تلقاء نجد. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٦٢) .
(٥) فى ب، ت، ث: ((أردت يثرب)).
(٦) فى ب، ت: ((لو يسمعوا)).
(٧) فى ث: ((عوراتهم)).
(٨) فى ب، ت، ث: ((من كثب)).

١٩٥
الأَعرابُ فوق الجبال ، وقبل ذلك ما قد غيّبوا سَرْحَهم فى ذُرَى الجبال
وذراريّم، فلم يُلاق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَحدًا، إِلَّا أَنَّه ينظر إليهم
فى رؤوس الجبال. فنزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذا أَمَرٌ وعسكر معسكرهم(١)
فأَصابهم مطرٌ كثيرٌ، فذهب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحاجته فأَصابه
ذلك المطر فيلٌ ثوبَه ، وقد جعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وادى ذى
أَمَرّ بينه وبين أصحابه . ثم نزع ثيابه فنشرها لتَجِفَّ، وألقاها على شجرة
ثم اضطجع تحتها (٢) والأَعرابُ ينظرون إلى كلّ ما يفعل، فقالت الأعراب
لدُعْثور ، وكان سيّدها وأَشجعها : قد أَمكنك محمّد ، وقد انفرد من
أصحابه حيث إِن غوّث بأَصحابه لم يُغَثْ حتى تقتله . فاختار سيفاً من
سيوفهم صارِماً ، ثم أَقبل مُشتملاً على السيف حتى قام على رأس النبىّ
صلَّى الله عليه وسلَّم بالسيف مشهورًا، فقال : يا محمّد ، مَن يمنعك منّى
اليوم ؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: الله ! قال: ودفع جبريل عليه
السلام فى صدره ووقع السيف من يده، فأخذه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم،
وقام به على رأسه فقال : مَن يمنعك منّى اليوم ؟ قال : لا أَحد . قال :
فأَنا أَشهد أن لا إله إِلَّ الله وأَنَّ محمّدًا رسول الله؛ واللهِ، لا أُكثر عليك
جمعاً أَبدًا! فأعطاه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سيفه ؛ ثم أَدبر ، ثم
أُقبل بوجهه فقال : أَما واللهِ لأَّنت خير منّى. قال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم : أَنا أَحق بذلك منك . فأتى قومَه فقالوا : أَين ما كنت تقول وقد
أَمكنك والسيف فى يدك ؟ قال : واللهِ ، كان ذلك ولكنى نظرت إلى رجل
أبيض طويل ، دفع فى صدرى فوقعت لظهرى ، فعرفت أنه ملَك وشهدت
(١) فى ب، ت: ((معسكره)).
(٢) فى ت: ((بجنبها)).

١٩٦
أَن لا إِله إِلَّ الله وأنَّ محمّدًا رسول الله، والله لا أُكثر عليه ! وجعل يدعو قومه
إلى الإِسلام، ونزلت هذه الآية فيه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَومٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾(١)
الآية. وكانت غيبة النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِحدى عشرة ليلة، واستخلف
النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على المدينة عثمان بن عَفَّان رضى اللهعنه .
غزوة بني سُلَيم بيُحران (٢) بناحية القُرْع
لليالِ خلَوْن من جمادى الأولى (٣)، على رأس سبعة وعشرين شهرًا؛
غاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عشرًا .
حدّثْنى مَعْمَر بن راشد، عن الزُّهرِىّ. قال: لمّا بلغ رسولَ الله صلَّى
الله عليه وسلَّم أَنَّ جمعاً من بنى سُليم كثيرًا (٤) ببُحْران، تهيأَ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم لذلك ولم يُظهر وجهاً ، فخرج فى ثلثمائة رجل من أصحابه
فَأَغذُّوا(٥) السير حتى إِذا كانوا دون بُحْران بليلةٍ، لتى رجلاً من بنى
سُلَيم فاستخبروه عن القوم وعن جمعهم . فأخبره أنهم قد افترقوا أَمس ورجعوا
إِلى مائهم(٦) ، فأَمر به النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فحُبس مع رجل من القوم ،
ثم سار النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتى ورد بُحْران، وليس به أَحدٌ ؛ وأقام
(١) سورة ٥ المائدة ١١.
(٢) فى الأصل: ((بنجران))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وفى كل حديث الغزوة ((بجران)).
(٣) فى ب: ((جمادى الآخرة)).
(٤) فى ت: ((كبيرا)).
(٥) أغذ السير: أسرع. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٥٦).
(٦) فى ت: ((ماء بهم)).

١٩٧
أَيّاماً ثم رجع ولم يلق كيدًا، وأرسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الرجل .
وكانت غيبتُه عشر ليال .
حدّثنى عبد الله بن نوح ، عن محمد بن سَهل ، قال : استخلف
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على المدينة ابن أُمّ مَكتوم .
شأن سريّة القَرَدَة (١)
فيها زيد بن حارثة ، وهى أَوّل سريّة خرج فيها زيد رضى الله عنه
أميراً ، وخرج لهلال جمادى الآخرة على رأس سبعة وعشرين شهرًا .
حدّثنى محمّد بن الحَسَن بن أسامة بن زيد، عن أَهله ، قالوا : كانت
قُرَيش قد حذرت طريق الشام أن يسلكوها ، وخافوا من رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم وأصحابه، وكانوا قوماً تُجّارًا، فقال صَفوان بن أُمَيّة: إِنَّ
محمّدًا وأصحابه قد عوّروا علينا متجرنا ، فما ندرى كيف نصنع بأصحابه ؛
لايبرحون الساحل ، وأَهل الساحل قد وادعهم ودخل عامّتهم معه ، فما
ندرى أين نسلك ، وإِن أَقمنا نأكل رءوس أموالنا ونحن فى دارنا هذه ،
ما لنا بها نِفاق(٢)؛ إنما نزلناها على التجارة، إلى الشام فى الصيف وفى
الشتاء إِلى أَرض الحبشة. قال له الأسود بن المطّلب: فنَكِّبْ(٣) عن الساحل،
وخذ طريق العراق . قال صَفوان: لست بها عارفاً. قال أَبو زَمعة: فأنا
أَدتُّك على أَخبر (٤) دليل بها يسلكها وهو مُغمض العين إن شاء الله . قال :
(١) القردة: من أرض نجد بين الربذة والغمرة، ناحية ذات عرق. (طبقات ابن سعد، ج ٢،
ص ٢٤) .
(٢) فى ب، ت: ((ما لنا بها بقاء)). والنفاق: جمع النفقة. (القاموس المحيط، ج ٣،
ص ٢٨٦) .
(٣) فى الأصل: ((فنكف عن))؛ وما أثبتناه عن ب ، ت.
(٤) فى ت: ((أجير)).

١٩٨
مَن هو؟ قال : فُرات بن حَيّان العِجليّ، قد دوّخها وسلكها . قال صَفوان :
فذلك والهِ! فأَرسل إلى فُرات، فجاءه فقال: إِنِّى أُريد الشام وقد عوّر
علينا مَحمّدٌ مَتجرنا لأَنَّ طريق عِيراتنا عليه ، فأردتُ طريق العراق . قال
فُرات : فأَنا أَسلك بك فى طريق العراق ، ليس يطأها أحدٌ من أصحاب
محمّد - إِنما هى أَرض نَجْد وفَيافٍ . قال صَفوان : فهذه حاجتى، أَمّا
الفَيافى فنحن شاتون وحاجتنا إلى الماء اليوم قليل . فتجهّز صفوان بن أمَّيّة ،
وأرسل معه أَبو زَمعة بثلثمائة مثقال ذهب ونُقَر(١) فضَّة ، وبعث معه رجالاً
من قُرَبش ببضائع ، وخرج معه عبد الله بن أبى ربيعة وحُوَيطِب بن عبد
العُزَّى فى رجالٍ من قُرَيش. وخرج صفوان بمالٍ كثير - نُقَر فضَّة وآنية فضَّة
وزن ثلاثين ألف درهم ، وخرجوا على ذات عِرْق (٢).
وقدم المدينة نُعَيم بن مسعود الأَشجَعىّ ، وهو على دين قومه ، فنزل على
كِنانة بن أَبى الحُقّيق فى بنى النَّضير فشرب معه ، وشرب معه سَليط. بن
النُّعمان بن أَسلم - ولم تُحَرَّم الخمر يومئذٍ - وهو يأُنى بنى النَّغير ويُصيب
من شرابهم. فذكر نُعَيم خروج صفوان فى عِيره وما معهم من الأموال ، فخرج
من ساعته إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأَخبره، فأَرسل رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم زيد بن حارثة فى مائة راكب ، فاعترضوا لها فأَصابوا العِير. وأَفلت أَعيان
القوم وأسروا رجلاً أَو رجلين ، وقدموا بالعِير على النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم
فخمّسها ، فكان الخُمُس يومئذٍ قيمة عشرين ألف درهم ، وقسم ما بقى على
أَهل السريّة . وكان فى الأَسرى قُرات بن حَيّان ، فأُتى به فقيل له : أَسْلِم ،.
إِن تُسلم نتركْك من القتل، فأسلم فتركه من القتل .
(١) النقرة: القطعة المذابة من الذهب والفضة. ( القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٤٧).
(٢) ذات عرق : مهل أهل العراق، وهو الحد بين نجد وتهامة. ( معجم البلدان، ج ٦، ص ١٥٤).

١٩٩
غزوة أُحد
يوم السبت لسبعٍ خَلَوْن من شوّال، على رأس اثنين وثلاثين شهرًا .
واستخلف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على المدينة ابن أُمّ مَكتوم .
حدّثنا محمّد بن شُجاع ، قال : حدّثنا محمّد بن عمر الواقديّ قال :
حدّثنا محمّد بن عبد الله بن مُسلم ، وموسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث ،
وعبد الله بن جعفر ، وابن أَبِى سَبْرَة ، ومحمّد بن صالح بن دينار ، ومُعاذ
ابن محمّد ، وابن أَبِى حَبيبة ، ومحمّد بن يحيى بن سَهل بن أَبِى حَتْمة ،
وعبد الرحمن بن عبد العَزيز ، ويحيى بن عبد الله بن أبى قتادة ، ويونس بن
محمّد الظَّفَرِىّ، وَمَعْمَر بن راشد، وعبد الرحمن بن أبى الزِّناد، وأَبو مَعْشَر،
فى رجالٍ لم أُسمِّ ؛ فكلُّ قد حدّثنى بطائفة من هذا الحديث ، وبعض
القوم كان أَوعى له من بعض ، وقد جمعتُ كلّ الذى حدّثونى ، قالوا :
لمّا رجع مَن حضر بدرًا من المشركين إلى مكَّة ، والعِير التى قدم بها
أبوسُفيان بن حَرب من الشام موقوفة فى دار النَّدوة- وكذلك كانوا يصنعون -
فلم يُحرّكها أَبو سُفيان ولم يُفرّقها لغَيْبة أَهل العير ، مشت أَشراف قُرَيش
إلى أبى سفيان بن حرب : الأَسود بن المطّلب بن أَسد ، وجُبَير بن مُطْعِم ،
وصَفوان بن أُمَيَّة ، وعِكْرِمَة بن أبى جَهل ، والحارث بن هشام ، وعبد الله
ابن أبى رَبيعة، وحُوَيْطِب بن عبد العُزَّى، وحُجَير بن أَبِى إِهاب ، فقالوا :
يا أَبا سُفيان ، انظر هذه العِير التى قدمتَ بها فاحتبستها(١) ، فقد عرفتَ
أَنها أموال أَهل مكَّة ولَطيمة قُرَيش، وهم طيّبو الأَنفس ، يُجهّزون بهذه
(١) فى ت: ((فاحتبسها)).