Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤٠
جعلت العِيرُ تُقبل بوجهها(١) إِلى ماء بدر. وكانوا باتوا(٢) من وراء بدر آخر
ليلتهم ، وهم على أَن يُصبّحوا بدرًا إن لم يُعْتَرَض لهم، فما أَقرّهم العِيرُ
حتى ضربوها بالعُقُل، على أَنّ بعضها ليُثْنَى بِعِقالين، وتُرجّع الحنينَ تواردًا
إلى ماء بدر ؛ وما بها إِلى الماء حاجةٌ ، لقد شربت بالأمس . وجعل أَهل
العِير يقولون : إِنّ هذا شىءٌ ما صنعته منذ خرجنا ! قالوا : وغشيتنا تلك الليلة
ظُلمة حتى ما نبصر شيئاً .
وكان بَسْبَس بن عمرو، وعَدىّ بى أَبى الزَّغْباء وردا على مَجْدِىّ بدرًا
يتحسّسان(٣) الخبر، فلمّا نزلا ماء بدر أناخا راحلتيهما إلى قريب من الماء ،
ثم أَخذا أَسقيتَهما يستقيان من الماء ، فسمعا جاريتين من جوارى جُهَيْنَة
يُقال لإحداهما بَرْزَة ، وهى تُلزم صاحبتها فى درهم كان لها عليها ،وصاحبتها
تقول : إِنما العِير غدًا أَو بعد غد ؛ قد نزلت الرَّوْحاء. ومَجْدِىّ بن عمرو
يسمعها فقال : صدقتٍ ! فلما سمع ذلك بَسْبَس وَعدىّ انطلقا راجعين
إلى النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، حتى لقياه بعِرْق الظَّبْيَة (٤) فأَخبراه الخبرَ .
حدثنا محمّد قال : حَدْثنا الواقدىّ قال: أَخبرنا كُثَيِّر بن عبد الله بن
عمرو بن عَوْف المُزَنِىّ ، عن أبيه ، عن جدّه، وكان أَحد البّائين ،
قال : قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: لقد سلك فَجَّ الرَّوْحاء موسي
النبيّ عليه السلام فى سبعين ألفاً من بنى إسرائيل ، وصلّوا فى المسجد الذى
بِعِرْق الظَّبْيَة - وهى من الرَّوْحاء على ميلين ممّا يلى المدينة إذا خرجت على
يسارك . فَأَصبح أبو سُفيان تلك الليلة ببدر ، قد تقدّم العِيرَ وهو خائفٌ
(١) هكذا فى الأصل. وفى ب، ت، ح: ((بوجوهها)).
(٢) فى ب ، ت: ((وكانوا يأتون)).
(٣) فى ت: ((يتحسبان)).
(٤) وهو من الروحاء على ميلين كما بذكر الواقدى بعد.

٤١
من الرَّصَد، فقال: يا مَجدىّ ، هل أَحسستَ أَحدًا ؟ تعلم واللهِ ما بمكّة
من قُرَشِىّ ولا قُرَشيّة له نَشرٌّ فصاعدًا - والنَّش نصف أُوقيّة ، وزن عشرين
درهماً - إِلَّا وقد بعث به معنا، ولئن كتمتَنا شأْنَ عدوّنا لا يُصالحك رجلٌ
من قُرَيش ما بلّ بَحْرٌ صُوفَةً . فقال مَجدىّ : واللهِ، ما رأَيت أَحدًا أُنكره ،
ولا بينك وبين يَثْرِب من عدوّ ، ولو كان بينك وبينها عدوٌّ لم يَخْفَ علينا.
وما كنت لأُخفيَه عليك ؛ إِلَّا أَنِّى قد رأَيت راكبين أَتيا إلى هذا المكان
- فأشار إلى مُناخ عَدىّ وبَسْبَس - فأَناخا به ، ثم استقيا بأَسقيتهما ،
ثم انصرفا . فجاءَ أَبو سُفيان مُناخَهما ، فأَخذ أَبْعارًا من بعيريهما ففتَّه ،
فإِذا فيه نَوِّى ، فقال: هذه واللهِ علائف يَغْرِب ، هذه عيون محمد وأصحابه ،
ما أَرى القومَ إِلّ قريباً ! فضرب وجه عِيره، فساحل بها ، وترك بدرًا يسارًا،
وانطلق سريعاً . وأقبلت قُرَيشٌ من مكة ينزلون كلّ مَنْهَل يُطعمون الطعامَ
مَن أَتاهم ، وينحرون الجُزُر ؛ فبينا هم كذلك فى مسيرهم إذ تخلَّف ◌ُتبة
وشَيبة، وهما يتحدّثان(١)، قال أَحدهما لصاحبه: أَلم تَرَ إِلى رُؤْيا عاتِكَة
بنت عبد المطّلب ؟ لقد خشيتُ منها. قال الآخر : فَاذْكُرْها(٢) ! فذكرها ،
فأَدركهما أَبو جَهل فقال : ما تُحدثان به ؟ قالا : نذكر رُؤْيا عاتِكَة .
فقال : يا عجباً من بنى عبد المطّلب! لم ترضَ أَن تتنبّأَ علينا رجالُهم حتى
تتنبًا علينا النساء! أَما واله، لئن رجعنا إلى مكّة لنفعلنّ بهم ولنفعلنّ !
قال عُتبة : إِنّ لهم أَرحاماً ، وقرابةٌ قريبة . قال أَحدهما لصاحبه : هل لك
أن ترجع ؟ قال أبو جَهل : أَترجعان بعد ما سرتما ، فتخذُلان قومَكما ،
وتقطعان بهم بعد أن رأيتم ثأركم بأعينكم ؟ أَتظنّان أَنّ محمّدًا وأصحابه
(١) فى ح: ((يترددان)).
(٢) فى ت: ((فاذكرها فأدركهما)).

٤٢
يُلاقونكما ؟ كلاَّ واللهِ، أَلا فواللهِ إِنّ معى من قومى مائة وثمانين من أَهل بيتى،
يحلون إِذا حللت ، ويرحلون إِذا رحلت ؛ فارجعا إِن شئما ! قالا : واللهِ ،
لقد هلكتَ وأَهلكتَ قومك! ثم قال عُتبة لأخيه شيبة : هذا رجل مشثوم
- يعنى أَبًا جَهل - وإنه لا يمسّه مِن قرابة محمّد ما يمسّنا، مع أَنّ محمّدًا
معه الولد ؛ فارجع بنا ودع قوله ! قال شَيبة : تكون واللهِ سُبَّة علينا يا أَبا
الوليد أن نرجع الآن بعد ما سرنًا! فمضيا. ثم انتهوا إلى الجُحْفَة(١) عِشاءً،
فنام جُهَيم بن الصَّلْت بن مَخْرَمَة بن المطّلب بن عبد مَناف فقال: إِنّى أَرِى
أَنّى بين النائم واليقظان أُنظر إلى رجلٍ أَقبل على فَرَسٍ معه بعير ، حتى وقفَ
علىّ فقال : قُتل عُتبة بن رَبيعة، وشَيبة بن ربيعة ، وزَمْعَة بن الأسود ،
وَأُمَيّة بن خَلَف، وأَبو البَخْتَرِىّ، وَبو الحَكَم ، وتَوْفَل بن خُوَيْلدٍ فى رجال
سّماهم من أَشراف قُرَيش؛ وأُسر سُهَيل بن عمرو ، وفرّ الحارث بن
هِشام عن أخيه . قال : يقول فائل منهم : واللهِ، إنى لأَظّكم الذين تخرجون
إلى مصارعكم ! قال : ثم أَراه ضرب فى لَبَّة بعيره فأَرسله فى العسكر، فما
بقى خِباء من أَخبية العسكر إلَّا أَصابه بعضُ دَمِه. فذكر ذلك لأَبِى جَهل ،
وشاعت هذه الرؤيا فى العسكر ، فقال أبو جَهل : هذا نبىٌّ آخر من بنى
المطّلب؛ سيُعلَم غدًا من المقتول نحن أَو محمد وأصحابه ! فقالت قُرَيش
لِجُهَيم : إنما يلعب بك(٢) الشيطان فى منامك، فسترى غدًا خلاف ما ترى،
يُقْتَل أَشرافُ أَصحاب محمّدٍ ويُؤْسَرون . قال: فخلا عُتبة بأخيه فقال:
هل لك فى الرجوع ؟ فهذه الرويا مثل رويا عاتِكَة ، ومثل قول عَدّاس ؛
والله ما كذبنا عَدّاس، ولعمرى لئن كان محمّد كاذباً إِنّ فى العرب لمَن
(١) الجحفة : كانت قرية كبيرة على طريق المدينة، من مكة على أربع مراحل. (معجم
البلدان ، ج ٣ ، ص ٦٢).
(٢) فى الأصل: ((تغلب بك)).

٤٣
يكفيناه ، ولئن كان صادقاً إِنّا لأَّسعد العرب به، إِنّا لَلُحْمَته. قال شَيبة :
هو على ما تقول ، أَفنرجع من بين أهل العسكر ؟ فجاءَ أَبو جَهل وهما على
ذلك ، فقال: ما تُريدان ؟ قالا : الرجوع، أَلا ترى إِلى رؤيا عاتِكَة وإِلى
رويا جُهَيم بن الصَّلْت، مع قول عَدّاس لنا ؟ فقال: تَخذُلان واللهِ قومَكما،
وتقطعان بهم . قالا : هلكتَ واللهِ، وأَهلكْتَ قومَك ! فمضيا على ذلك .
فلمّا أَفلت أَبو سُفيان بالعِير ورأَى أَن قد أَجْزَرَها (١)، أَرسل إِلى قُرَيش
قَيْسَ بن امرئ القيس - وكان مع أصحاب العِير ، خرج معهم من مكَّة -
فأَرسله أبو سُفيان يأمرهم بالرجوع، ويقول: قد نجت عِيرُكم، فلا تُجزروا (٢)
أنفسكم أَهلَ يَثْرِب ، فلا حاجة لكم فيما وراء ذلك ، إنما خرجتم لتمنعوا
عِيرَكم وأموالكم ، وقد نجاها الله . فإن أَبوا عليك، فلا يأْبون خَصْلَة واحدة؛
يردون القِيان ، فإِنّ الحرب إِذا أَكلت نكَّلت (٣). فعالَج قُرَيشاً وأَبت الرجوع،
وقالوا : أَمّا القِيان فسنرّهنَّ! فرّوهن من الجُحْفَة . ولحق الرسول أَبا سُفيان
بالهَدَّة - والهَدَّة على سبعة أَميال من عَقَبَة عُسْفان على تسعة وثلاثين ميلاً
من مكَّة - فأَخبره بمضى قُرَيش ، فقال : وَاقوماه ! هذا عمل عمرو بن
هشام ؛ كره أَن يرجع لأَنّه قد ترأَّس على الناس ، وبغى، والبَغْىُ مَنْقَصَةٌ
وشؤْمٌ . إِن أَصاب أصحابُ محمّد النفير ذَلَلْنا إِلى أَن يدخل مكَّة. وكانت
القيان : سارة مولاة عمرو بن هشام، ومولاة كانت لأُمَية بن خَلَف ،
ومولاة يُقال لها عزَّة للأَسود بن المطّلب. وقال أبو جَهل. لا واللهِ، لا نرجع
(١) فى ث: ((أن قد نجا بالعير)).
(٢) فى ح: ((فلا تحرزوا)). ويقال أجزرتك شاة إذا دفعت إليك شاة تذبحها. (مقاييس
اللغة، ج ١، ص ٤٥٦). والمعنى هنا : لا تجعلوا أنفسكم ذبائح .
(٣) فى الأصل: ((إذا أوكلت اتكلت))، وفى ت: ((إذا أكلت انكلت)). وما أثبتناه هو
قراءة ب .

٤٤
حتى نرد بدرًا - وكان بدر موسماً من مواسم الجاهليّة يجتمع بها العربُ، لها
بها سوق - تسمع بنا العربُ وبمسيرنا ، فنُقيم ثلاثاً على بدر ننحر الجُزُر ،
ونُطعم الطعام ، ونشرب الخمر ، وتَعْزِف القِيان علينا ؛ فلن تزال العرب
تهابُنَا أَبدًا .
وكان الفُرات بن حَيّن العِجْلِى أَرسلته قُرَيش حين فَصلت من مكّة
إِلى أَبِى سُفيان بن حَرب يُخبره بمسيرها وفصولها ، وما قد حشدت . فخالف
أَبا سُفيان، ذلك أنّ أَبا سُفيان لصق بالبحر ولزم فُرات المحجة ، فوافى
المشركين بالجُحْفَة ، فسمع كلام أَبِى جَهل بالجُحْفَة وهو يقول : لا نرجع!
فقال : ما بأنفسهم عن نفسك رَغْبَة، وإنّ الذى يرجع بعد أَن رأَى ثاره
من كَثَبٍ لَضعيفٌ! فمضى مع قُرَيش ، وترك أَبا سُفيان ، فجُرح يوم بدر
جراحات ، وهرب على قدميه ، وهو يقول: ما رأيت كاليوم أَمْرًا أَنْكَد! إِنّ
ابن الحَنْظَلِيّة لغير مُبارك الأَمر .
فحدّثنى عبد المَلِك بن جَعْفَر، عن أُمّ بَكر بنت المِسْوَر ، عن أَبيها ،
قال: قال الأَخْنَس بن شَريق - وكان اسمه أُبَيًّا(١)، وكان حليفاً لبنى
زُهْرَة - فقال: يا بنى زُهْرَةٍ، قد نجى الله عِيرَكم، وخلّص أموالكم،
ونجى صاحبكم مَخْرمَة بن نَوْفَل، وإِنما خرجتم لتمنعوه وماله . وإنما محمد
رجل منكم ، ابن أُختكم ، فإن يك نبيًّ فأنتم أَسعد به ، وإِن يك كاذباً
يلى قَتْلَه غيركم خير من أن تلوا قتل ابن أُختكم؛ فارجعوا واجعلوا جُبْنَها (٢)
بى ، فلا حاجة لكم أَن تخرجوا فى غير مَنْفَعَة (٣) ؛ لا ما يقول هذا الرجل ،
فإِنه مُهلك قومه ، سريعٌ فى فسادهم ! فأطاعوه ، وكان فيهم مُطاعاً ، وكانوا
(١) فى ت: ((وكان أعرابياً وكان حليفاً)).
(٢) فى ح: ((خبثها لى)).
(٣) فى الأصل، ت: ((غير صنعة))؛ وفى ح: ((غير ما يهمكم)). والمثبت من ب.

٤٥
يتيمّنون به، قالوا: فكيف نصنع بالرجوع إِن نرجع ؟ قال الأُخْتَس : نخرج
مع القوم ، فإذا أَمسيتُ سقطتُ عن بعيرى فتقولون نُهش (١) الأَخْفَس! فإِذا
قالوا امضوا فقولوا لا نُفارق صاحبنا حتى نعلم أَهو حٌّى أَم ميّت فندفنه . فإِدا
مضوا رجعنا. ففعلت بنو زُهْرة. فلمّا أَصبحوا بالأَبْوَاء راجعين تبيّن للناس
أَنّ بنى زُهْرَة رجعوا، فلم يشهدها أَحدٌ من بى زُهْرَة. قالوا: وكانوا مائة
أَو أَقلّ من المائة، وهو أَثْبت ؛ وقد قال قائل كانوا ثلثمائة . وقال عَدىّ
ابن أَبى الزَّغْباء فى منحدره إلى المدينة من بدر ، وانتشرت الرّكاب عليه .
فجعل عَدىُّ يقول :
إِنّ مطايا (٢) القوم لا تُحَبَّسُ
أَقِمْ لها صُدورَها يا بَسْبَسُ
قد نصر اللهُ وفِرّ الأُخْنَسُ
وَحَمْلُهُا على الطريق أَكْيَسُ
حدّثنا محمّد بن شُجاع الثَّلجىّ، قال: حدّثنا محمّد بن عمر الواقدىّ
قال: حدّثنى أَبو بكر بن عبد الله ، عن أبى بكر بن عمر بن عبد الرحمن
ابن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، قال : خرجت بنو عَدىّ مع النفير حتى
كانوا بثنيّة لَفْت (٣)، فلمّا كانوا فى السحَر عدلوا فى الساحل منصرفين إلى
مكَّة ، فصادفهم أَبو سُفيان فقال : يا بنى عَدىّ ، كيف رجعتم لا فى
العير ولا فى النفير ؟ قالوا: أَنت أَرسلت إلى قُرَيش أَن ترجع ، فرجع مَن
رجع ومضى من مضى ! فلم يشهدها أَحدٌ من بنى عَدىّ . ويُقال إِنه لاقاهم
بمَرّ الظَّهْران فقال تلك المقالة لهم . قال محمّد بن عمر الواقدىّ : رجعت
زُهْرَة من الجُحْفَة، وأَمّا بنو ◌َدىُّ فرجعوا من الطريق ؛ ويقال من مَرّ الظَّهْران .
(١) فى ح: ((نحل)). ونهش: أى نهس أو اسع. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٩١).
(٢) المطايا: أشراف الفوم. ( شرح أبى ذر ، ص ١٦٢).
(٣) قال البكرى: لفت بفتح أوله وكسره وسكون الفاء موضع بين مكة والمدينة. (معجم
ما استعجم ، ص ٤٩٤) .

٤٦
ومضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، وكان صبيحة أربع عشرة من
شهر رمضان بعِرْق الظَّبْيَة، فجاءَ أَعرابىٌّ قد أقبل من تِهامة ، فقال له
أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: هل لك علم بأَبِى سُفيان بن حرب ؟
قال: مالى بأَبى سُفيان علم. قالوا: تعال، سَلِّمْ على رسول الله صلَى الله
عليه وسلّم . قال : وفيكم رسول الله ؟ قالوا : نعم . قال: فأَيُّكم رسول الله؟
قالوا : هذا . قال : أَنت رسول الله ؟ قال : نعم . قال الأَعرابى : فما فى
بطن ناقتى هذه إن كنت صادقاً ؟ قال سَلَمة بن سلامة بن وَقَش : نكحتَها
فهى حُبلى منك! فكره رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم مقالته ، وأعرض عنه .
ثم سار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى أتى الرَّوْحاء ليلة الأربعاء
للنصف من شهر رمضان، فصلَّى عند بئر الرَّوْحاء .
حدّثنى محمّد بن شُجاع الثَّلجى قال: حدثنا محمد بن عمر الواقدىّ
قال : فحدّثنى عبد المَلِك بن عبد العَزيز ، عن أَبان بن صالح ، عن
سعيد بن المُسَيِّب أَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم لمّا رفع رأسه من الركعة
الأَخيرة من وتره لعن الكَفَرَة وقال : اللّهمّ لا تُفلِتنّ أبا جَهل فِرْعَوْنَ هذه
الأُمّة، اللّهمّ لا تُفْلِن زَمْعَة بن الأَسود، اللّهم وأَسخِنْ عينَ أَبى زَمْعة
بِزِمْعَة ، اللّهمّ أَعم بصرأَبى زَمْعَة، اللّهمّ لا تُفلِنّ سُهَيلاً، اللّهمّ أَنجٍ سَلَمَة
ابن هِشام وعَيّاش بن أبى رَبيعة والمُسْتضعفين من المؤمنين ! والوليد بن الوليد
لم يدع له يومئذٍ، أُسر ببدر ولكنّه لما رجع من مكّة بعد بدر أسلم ، فأراد
أن يخرج إلى المدينة فحُبس ، فدعا له النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم بعد ذلك.
وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم لأصحابه بالرَّوْحاء: هذه سَجاسِج(١)
(١) السجسج: الهواء الذى لا حر فيه ولا برد. (وفاء الوفا، ج٢، ص ٣٢١). وقال السهيلى:
سميت سجسجا لأنها بين جبلين، وكل شىء بين شيئين فهو سجسج. ( الروض الأنف ،
ج ٢ ، ص ٦٣) .

٤٧
- يعنى وادى الرَّوْحاء - هذا أَفضل أودية العرب.
قالوا : وكان خُبَيب بن يَساف رجلاً شجاعاً ، وكان يأبى الإِسلام ،
فلمّا خرج النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم إلى بدر خرج هو وقيس بن مُحَرِّث،
وهما على دين قومهما ، فأَدركا النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم بالعَقِيق، وحُبِيب
مُقَنَّعٌ بالحديد ، فعرفه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم من تحت المِغفر،
فالتفت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى سعد بن مُعاذ ، وهو يسير إلى
جنبه ، فقال : أَليس بخُبَيب بن يَساف ؟ قال : بلى ! قال : فأَقبل
خُبَيب حتى أَخذ ببطان(١) ناقة النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم ، فقال له رسول
الله صلَّى الله عليه وسلّم ولقيس بن مُحَرِّث - يقال قيس بن المِحْرَث ،
وقيس بن الحارث - ما أَخرجكما معنا ؟ قالا : كنت ابن أختنا وجارنا ،
وخرجنا مع قومنا للغنيمة . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: لا يخرجنّ
معنا رجلٌ ليس على ديننا . قال خُبَيب : قد علم قوى أَنى عظيم (٢) الغَناء
فى الحرب ، شديد النِّكاية ؛ فأُقاتل معك للغنيمة ولن أُسلم ! قال رسول
الله صلَّى الله عليه وسلم : لا، ولكن أَسلمْ ثم قاتلْ، ثم أَدركه بالرَّوْحاء
فقال : أَسلمتُ لله ربِّ العالمين، وشهدت أَنْك رسول الله . فسرّ رسول الله
صلَّى اله عليه وسلّم بذلك، وقال: امضه! وكان عظيم الغناء فى بدر وغير بدر .
وأَبِى قيس بن مُحَرِّث أَن يُسلم ورجع إلى المدينة، فلما قدم النبيّ صلَّى الله
عليه وسلّم من بدر أسلم ، ثم شهد أُحُدًا فقُتل .
١
قالوا : وخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ، فصام يوماً أو يومين ،
ثم رجع ونادى مناديه: يا مَعشَر العُصاة، إِنِى مُفْطِرٌ فَأَفطِروا ! وذلك أَنّه
(١) البطان للقتب: الحزام الذى محعل تحت بطن البعير. ( الصحاح، ص ٢٠٧٩).
(٢) فى ب : ((٢٠٢

٤٨
قد كان قال لهم قبل ذلك ((أَفطِروا)) فلم يفعلوا .
قالوا: ومضى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم حتى إذا كان دُوَينَ بدر
أتاه الخبر بمسير قُرَيش، فأَخبرهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم بمسيرهم،
واستشار رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم الناس ، فقام أبو بكر فقال فأَحسن،
ثم قام عمر فقال فأَحسن ، ثم قال: يا رسول الله، إِنها والثّهِ قُرَيش
وعِزُّها ، واللهِ ما ذَلَّتْ منذ عَرَّتْ، واللهِ ما آمنتْ منذ كفرتْ، واللهِ لا تُسلمٍ
عزَّها أبدًا، ولتُقاتلتّك ، فاتَّهِبْ لذلك أُهْبَتَه وأَعِدّ لذلك عُدَّته . ثم قام
المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله ، امض لأمر الله فنحن معك ؛ والله
لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيّها: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَائِلاً
إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾(١)، ولكن اذهبْ أَنت وربُّك فقاتلا إِنّا معكما مقاتلون ؛
والذى بعثك بالحقّ لو سرت بنا إِلى بِرْك الغِماد لسرنا معك - وبِرْك الغِماد
من وراء مكَّة بخمس ليالٍ من وراء الساحل ممّا يلى البحر، وهو على ثمان
ليال من مكَّة إلى اليمن. فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خيرًا ، ودعا
له بخير . ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم : أشيروا علىّ أَيّها للناس !
وإِنما يُريد رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم الأَنصار، وكان يظنّ أَنّ الأَنصار
لاتنصره إلّا فى الدار ، وذلك أنهم شرطوا له أن يمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسهم
وأولادهم . فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم : أَشيروا علىّ! فقام سعد بنُ
مُعاذ فقال: أنا أُجيب عن الأَنصار؛ كأَّك يا رسول الله تُريدنا !
قال: أَجل. قال : إنّك عسى أن تكون خرجت عن أمرٍ قد أُوحى إليك فى
غيره ، وإِنّا قد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ كلّ ما جئتَ به حقٌّ،
وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السَّمع والطاعة ؛ فامضِ يا نبيّ الله ، فوالذى
(١) سورة ٥ المائدة ٢٤

٤٩
بعثك بالحقّ لو استعرضتَ هذا البحرَ فخُضْتَه لخُضْناه معك ، ما بقى منّا
رجل ؛ وصِلْ من شئتَ ، واقطع من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، وما
أَخذتَ من أموالنا أَحبّ إِلينا ممّا تركتَ . والذى نفسى بيده، ما سلكتُ
هذا الطريق قطُّ.، ومالى بها من علمٍ ، وما نكره أَن يلقانا عدوّنا غدًا؛ إنّا
لصُبُرٌ عند الحرب، صُدُّقٌّ عند اللِّقاءِ، لعلّ الله يُريك منَّا ما تَقَرُّ به عيْنُك.
حدّثنا محمّد قال : حدّثنا الواقدىّ قال: فحدّثنى محمّد بن صالح ،
عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد قال : قال سعد :
يا رسول الله، إِنّا قد خَلَّفْنا من قومنا قوماً ما نحن بأَشدَّ حُبَّ لك منهم ،
ولا أَطوع لك منهم ، لهم رَغبةٌ فى الجهاد ونيَّةٌ ؛ ولو ظنّوا يا رسول الله أَنّك
ملاقٍ عدوًّا ما تخلفوا ، ولكن إِنما ظنّوا أَنّها العِير . نبنى لك عريشاً فتكون
فيه ونعدّ لك رواحلك، ثم نلقى عدوّنا، فإِن أَعزّنا اللهُ وأَظهرنا على عدوّنا
كان ذلك ما أَحببنا ، وإن تكن الأُخرى جلستَ على رواحلك فلحقتَ مَن
وراءَنا. فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خيرًا، وقال: أَو يقضى الله خيرًا
من ذلك يا سَعد !
قالوا : فلمّا فرغ سعد من المشورة ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم :
سيروا على بركة الله، فإِنّ الله قد وعدنى إحدى الطائفتين. واللهِ، لكأَنّى
أنظر إلى مصارع القوم. قال: وأرانا رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم مصارعهم
يومئذٍ ؛ هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، فما عدا كلُّ رجلٍ مصرعه .
قال : فعلم القوم أنّهم يُلافون القتال، وأَنّ العِير تُفلت، ورجَوا النَّصر
لقول النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
حدّثنا محمّد قال : حدّثنا الواقدىّ قال : فحدّثنى أَبو إسماعيل بن
عبد الله بن عَطيّة بن عبد الله بن أنيس ، عن أبيه ، قال: فمن يومئذٍ

٥٠
عقد رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم الألوية، وهى ثلاثة، وأَظهر السلاح ،
وكان خرج من المدينة على غير لواءٍ معقودٍ . وخرج رسول الله صلَّى الله عليه
وسلّم من الرَّوْحاءِ، فسلك المَضيق، ثم جاءَ إِلى الخَبيرتَين(١) فصلَّى
بينهما، ثم تيامن فتشاءم فى الوادى حتى مرّ على خَيْف (٢) المُعْتَرِضَة ،
فسلك فى ثنيّة المُعْتَرِضَة حتى سلك على النَّيًّا؛ وبها لقى سفيان الضَّمْرِىّ،
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قد تعجّل، معه قتادة بن النُّعمان الظَّفَرِىّ
- ويُقال عبد الله بن كعب المازنىّ، ويُقال معاذ بن جَبَل - فلقى سفيان
الضَّمْرىّ على التَّيًّا، فقال رسول الله صلَّى اله عليه سلّم: مَن الرجل؟ فقال الضَّمرىّ:
بلى من أنتم؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: فأَخْبِرْنا ونُخبرك !قال الضَّمرىّ: وذاك
بذاك ؟؟ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم: نعم! قال الضَّمرىّ: فسلوا عما شئتم!
فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم: أَخبِرنا عن قُرَيش. قال الضَّمْرِىّ:
بلغنى أنهم خرجوا يوم كذا وكذا من مكّة ، فإن كان الذى أَخبرنى صادقاً فإنهم
بجنب هذا الوادى . قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: فأَخبِرْنا عن محمّد
وأصحابه . قال : خُبِّرتُ أنهم خرجوا من يَثْرِب يوم كذا وكذا ، فإن كان
الذى خبّرنى صادقاً فهم بجانب هذا الوادى. قال الضَّمْرِىّ: فمَن أَنتم ؟ قال
النبيّ صلَّى الله عليه وسلم: نحن من ماء .. وأشار بيده نحو العِراق. فقال
الضَّمْرِىّ: من ماء العراق! ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم إِلى
أَصحابه ولا يعلم أحدٌ من الفريقين بمنزل صاحبه، بينهم قَوْزٌ (٣) من رمل
(١) هكذا فى كل النسخ؛ ولعلها ((الحبرتين))، وهما أطمان بالمدينة ذكرهما السمهودي.
( وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٨٤) .
(٢) الخيف ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع من مسيل الماء. (القاموس المحيط، ج ٣،
ص ١٤٠ ) .
(٣) القوز: المستدير من الرمل والكثيب المشرف. (القاموس المحيط، ج٢، ص ١٨٨).

٥١
وكان قد صلَّى بالدَّبَة(١)، ثم صلَّى بسَيْر(٢)، ثم صلَّى بذات أَجْدال (٣)،
ثم صلَّى بخَيْف عين العلاء، ثم صلَّى بالخَبيرتَين، ثم نظر إلى جبلين
فقال : ما اسم هذين الجبلين ؟ قالوا: مُسْلِح ومُخْرِى(٤). فقال: مَن
ساكنهما ؟ قالوا : بنو النار وبنو حُراق(٥). فانصرف ن عند الخَبيرتَين
فمضى حتى قطع الخُيوف، وجعلها يسارًا حتى سلك فى المُعْتَرِضَة،
ولقيه بَسْبَس وعدىّ بن أبى الزَّغْباء فأَخبراه الخبر .
ونزل رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم وادى(٦) بدر عشاء ليلة الجمعة السبع
عشرة مضت من رمضان ، فبعث عليًّا والزُّبير وسعد بن أَبِى وَقّاص وبَسْبَس
ابن عمرو يتحسّسون على الماء، وأشار رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم إلى ظُرَيب(٧)
فقال : أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القَليب الذى يلى الظُّرَيب - والقليب
بثر بأَّصل الظُّرَيب، والظُّرَيب جبل صغير . فاندفعوا تلقاءَ الظُّرَيب
فيجدون على تلك القليب التى قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم رَوايا قُرَيش
فيها سُقّاوُهم . ولقى بعضهم بعضاً وأَفلت عامّتهم، وكان ممّن عُرف أَنَّه
أَفلت عُجَير ، وكان أَوّل من جاءَ قُرَيشاً بخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ،
فنادى فقال: يا آل غالب ، هذا ابن أبى كَبْشَة وأصحابه قد أَخذوا سُقّاءَ كم!
فماج العسكر ، وكرهوا ما جاء به .
(١) الدبة: بلد بين الأصافر وبدر. (معجم البلدان، ج ٤، ص ٣٤).
(٢) سير: كثيب بين المدينة وبدر. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٢٧).
(٣) ذات أجدال: بمضيف الصفراء كما ذكر السمهودى. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٠٨).
(٤) فى الأصل: ((مسلخ ومخزى))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ، وابن إسحاق. (السيرة
الأجوبة ، ج ٢، ص ٢٦٦).
(٥) هما بطنان من بنى غفار كما ذكر ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٦٦).
(٦) فى ت: ((أدنى بدر)).
(٧) فى الأصل: ((ضريب))؛ والتصحيح عن سائر النسخ. وهكذا ذكره ابن الأثير أيضاً .
( النهاية، ج ٣، ص ٥٤ ) .

٥٢
قال حكيم بن حِزام : وكنّا فى خباءٍ لنا على جَزور نشوى من لحمها ،
فما هو إِلّ أَن سمعنا الخبر ، فامتنع الطعام منّا ، ولقى بعضنا بعضاً ، ولقينى
عُتبة بن ربيعة فقال : يا أَبا خالد، ما أعلم أَحدًا يسير أَعجب من مسيرنا ؛
إِنّ عِيرنا قد نجت ، وإِنّا جئنا إلى قومٍ فى بلادهم بَغياً عليهم . فقال عتبة
لَمْرٍ حُمّ : ولا رأى لمن لا يُطاع ، هذا شؤْم ابن الحَنْظَلِيَّة ! يا أَبا خالد،
أَتخاف أَن يُبيّتنا القومُ ؟ قلت : لا آمن ذلك. قال : فما الرأى يا أَبا
خالد ؟ قال : نتحارس حتى نُصبح وترون مَن (١) وراء كم. قال عُتبة: هذا
الرأى! قال : فتحارسنا حتى أصبحنا. قال أبو جَهل: ما [هذا؟] (٢) هذا
عن أمر عُتبة ، قد كره قتال محمد وأَصحابه ! إِنّ هذا لهو العجب ؛ أَتظنون
أَنّ محمّدًا وأصحابه يعترضون لجمعكم؟ والله لأنتحينّ ناحية بقومى ، فلا
يحرسنا أَحدٌ . فتنحّى ناحية، والسماء تُمطر عليه. يقول عُتبة: إِنّ هذا
لهو النَّكَد، وإنّهم قد أخذوا سُقّاءكم . وأُخذ تلك الليلة يَسار غلام عُبَيد
ابن سَعيد بن العاص، وأَسلمُ غلام مُنَبِّه بن الحجّاج، وأَبو رافع غلام أُمّة
ابن خَلَف ، فأُتى بهم النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، وهو قائم يُصِّى، فقالوا :
سُقّاء قُرَيش بعثونا نسقيهم من الماء . وكره القومُ خبرهم ، ورجوا أن يكونوا
لأَبِى ◌ُفيان وأصحاب العير، فضربوهم، فلمّا أَذلقوهم (٣) بالضرب قالوا:
نحن لأَبى سُفيان، ونحن فى العِير ، وهذه العِير بهذا القَوْز(٤). فيُمسكون
عنهم ، فسلّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم من صلاته ، ثم قال :
(١) هكذا فى الأصل. وفى ب ، ت: ((وترون من رأيكم))؛ وفى ح: ((وترون رأيكم)).
(٢) الزيادة عن ب ، ت .
(٣) فى الأصل: ((أتلفوهم))؛ والتصحيح عن ب، ت. وأذاقوهم: أضعفوهم. (القاموس
المحيط، ج ٣، ص ٢٣٤) .
(٤) فى الأصل: ((الغور)).

٥٣
إِن صدفوكم ضربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم ! فقال أصحاب رسول
الله صلَّى الله عليه وسلّم: يُخبروننا يا رسول الله أَنْ قُرَيشاً قد جاءَت. قال
رسول الله صلَّى الله عليه وسلم. صدقوكم ، خرجت تُرَيش تمنع عِيرها ،
وخافوكم عليها . ثم أَقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم على السُّقاء فقال :
أين قُرَيش ؟ : قالوا : خلف هذا الكثيب الذى ترى . قال : كم هى ؟
قالوا : كثير . قال : كم عددها ؟ قالوا : لا ندرى كم هم . قال : كم
ينحرون؟ قالوا: يوماً عشرة ويوماً تسعة. قال : القوم ما بين الألف والتسعمائة.
ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم السُّقّاء : من خرج من مكة ؟ قالوا:
لم يَبْقَ أَحَدٌ به طُعْم إِلا خرج. فأُقْبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم على
الناس ، فقال: هذه مكة ، قد ألقت [إِليكم] أَفلاذَ كَبِدها . ثم سألهم
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم. هل رجع أَحدٌ منهم ؟ قالوا : رجع ابن أبى
شُرَيق ببنى زُهرة. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: أَرشدهم وما كان
برشيدٍ، وإن كان ما علمت المُعادياً لله ولكتابه . قال: أَحدٌ غيرهم؟
قالوا : بنو عَدبىّ بن كعب .
ثم قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم لأصحابه: أَشيروا علىّ فى المنزل.
فقال الحُباب بن المُنذر : يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل ، أَمنزلٌ أَنزلكه
اللهُ فليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأَخّر عنه ، أَم هو الرأَى والحرب والمكيدة ؟
قال : بل هو الرأى والحرب والمكيدة. قال : فإِنّ هذا ليس بمنزل ! انطلِق
بنا إلى أدنى ماء القوم ؛ فإِى عالم بها وبقُلُبها ، بها قَليب قد عرفتُ عذوبة
مائه ، وماءٌ كثير لا يَنزح ، ثم نبنى عليها حوضاً ونَقذِف فيه الآنية ، فنشرب
ونُقاتل، ونغوّر (١) ما سواها من القُلُب.
(١) فى ت، ح: ((ونعور)). ونغوّر: نفسد. (شرح أبى ذر ، ص ١٥٥).

٥٤
حدّثنا محمّد قال : حدّثنا الوافدىّ قال : فحدّثنى ابن أبى حَبيبة ،
عن داود بن الحُصين ، عن عكرمة ، عن ابن عَبّاس قال : نزل جبريل
على رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فقال: الرأى ما أَشار به الحُباب.
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: يل حُباب، أَشرتَ بالرّى ! فنهض
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ففعل كلّ ذلك .
حدّثنا محمّد قال : حدثنا الواقدىّ قال: فحدّثنى عُبَيد بن يَحْيَى ،
عن معاذ بن رِفاعة ، عن أبيه ، قال : بعث الله السماء وكان الوادى دَهْساً
- والدَّحْس الكثير الرمل - فأَصابنا ما لبّد الأَرضَ ولم يمنعنا من المَسير،
وأَصاب قُرَيشاً ما لم يقدروا أَن يرتحلوا منه ، وإنما بينهم قَوْزٌ من رمل .
قالوا : وأصاب المسلمين تلك الليلة النُّعاسُ، أُلقى عليهم(١) فناموا ، وما
أصابهم من المطر ما يُؤْذِيهم. قال الزُّبير بن العَوّام: سُلّط علينا النعاس
تلك الليلة حتى إنى كنت لأَتشدّد، فتُجددنى الأَرضُ فما أُطيق إِلّا ذلك،
ورسول الله صلَّى الله عليه وسلم وأصحابه على مثل تلك الحال . وقال سعد
ابن أَبِى وَّاص: رأيتنى وإِنّ ذَقَنِى بين يدىّ (٢)، فما أَشعر حتى أَقع على جنبى.
قال رفاعة بن رافع بن مالك : غلبنى النوم ، فاحتلمت حتى اغتسلت آخر الليل.
قالوا : فلمّا تحوّل رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم إلى المنزل بعد أن أَخذ
السّقّاءِ، أَرسل عَمّار بن ياسر وابن مسعود ، فأَطافا بالقوم ثم رجعا إِلى
النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم فقالا : يا رسول الله ، القوم مذعورون فَزِعون ،
إِنّ الفَرَس ليُريد أن يصهل فيُضرَب وجهُه، مع أَنَّ السماء تَسُحّ عليهم .
فلمّا أَصبحوا قال نُبَيه بن الحجّاج، وكان رجلاً يُبصر الأَثر ، فقال :
(١) فى ب: ((ألقى الله عزّ وجلّ عليهم)).
(٢) فى ب، ت، ح: ((ثدني)).

٥٥
هذا أَثر ابن سُمَيَّة وابن أُمّ عبد؛ أَعرفه، قد جاءَ محمّدٌ بسفهائنا وسفهاء
أَهل يَثْرِب ! ثم قال :
لَمْ يَتْرُكِ الجوعُ لَنا مَبيتا لا بُدَّ أَن نَموتَ أَوْ نُميتا
قال أبو عبد الله: فذكرت قول نُبَيه بن الحجّاج ((لم يترك الجوع
لنا مبيتا)» لمحمّد بن يَحْيَى بن سَهل بن أَبِى حَثْمَة فقال: لعمرى لقد كانوا
شباعاً، لقد أخبرنى [أَبِى](١) أَنه سمع نَوْفَل بن مُعاوية يقول : نحرنا تلك
الليلة عشر جزائر ، فنحن فى خِباءٍ من أَخبيتهم نشوى السَّنام والكبد وطيبة
اللحم ، ونحن نخاف من البيات، فنحن نتحارس إِلى أَن أَضاءَ الفجر ؛
فأَسمع مُنبّهاً يقول بعد أَن أَسفر [الصبح](٢): هذا [أَثر] (٣) ابن سُمَيَّة
وابن مسعود ! وأَسمعه يقول :
لَمْ يَتْرُكِ الخَوْفُ لَنا مبيتا لا بُدَّ أَن نَموتَ أَوْ نُميتا
يا معشر قُرَيش، انظروا غدًا إِن لقينا محمدًا وأصحابه ، فابقوا
فى أنسابكم(٤) هؤلاء، وعليكم بأَهل يَثْرِب، فإِنّا إن نرجع بهم إلى مكّة
يُبصروا ضلالتهم وما فارقوا من دين آبائهم .
حدّثنا محمّد قال : حدّثنا الواقدى قال : فحدثنى محمد بن صالح ،
عن عاصم بن عمر ، عن محمود بن لّبيد ، قال : لما نزل رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم على القَليب بُنى له عَريشٌ من جَريد ، فقام سعد بن مُعاذ على.
باب العَريش متوشِّح السيف ، فدخل النبي صلَّى الله عليه وسلّم هو وأبو بكر.
فحدّثنى يَحْيَى بن عبد الله بن أبى قَتادة ، عن عبد الله بن أبى بكر
(١) الزيادة عن ب ، ت .
(٢) الزيادة عن ب .
(٣) الزيادة عن ب ، ت .
(٤) فى ح: ((فاتقوا على شبائكم وفتيانكم))؛ وفى ب، ت: ((فابقوا فى شبابكم)).

٥٦
ابن حزم ، قال : صفّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم أصحابَه قبل أن تنزل
قُريش، وطلعت قُرَيشٌ ورسول الله يصفهم ، وقد أَترعوا حوضاً، يَفرُطون(١)
فيه من السَّحَر ، ويقذفون فيه الآنية . ودفع رايتَه إِلى مُصعب بن عُمَير ؛
فتقدّم بها إلى موضعها الذى يُريد رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم أَن يضعها
فيه . ووقف رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم ينظر إلى الصفوف ، فاستقبل
المغرب ، وجعل الشمس خَلْفه ، وأَقبل المشركون فاستقبلوا الشمس ،
فنزل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم بالعُدْوة الشاميّة ونزلوا بالعدوة اليمانيّة
- عُدْوتا النهر والوادى جنبتاه . فجاءَ رجلٌ من أصحابه فقال : يا رسول الله ،
إن كان هذا منك عن وحي نزل إليك فامضٍ له؛ وإلّ فإنى أَرِى أَن تَعْلُو
الوادى ، فإنى أرى ريحاً قد هاجت من أَعلى الوادى، وإنى أراها بُعثت بنَصرك.
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم : قد صففتُ صفوف ووضعت رایتی ،
فلا أُغير ذلك! ثم دعا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم ربّه تبارك وتعالى،
فنزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيْتُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى
مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢)، بعضهم على إثر بعض.
حدثنا محمد قال : حدّثنا الواقدىّ قال : حدّثنى معاوية بن عبد
الرحمن ، عن يَزيد بن رومان ، عن عُروة بن الزُّبَير قال : عدَّل رسول الله
صلَّى الله عليه وسلم الصفوف يومئذٍ، فتقدّم سَواد بن غَزِيَّةِ أَمام الصفّ ،
فدفع النبى صلَّى الله عليه وسلّم بقِدْحٍ فى بطن سَواد بن غَزَيَّة، فقال له
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: اسْتَوٍ (٣) يا سواد ! فقال له سَواد: أُوجعتنى،
(١) فى الأصل وب: ((يقرظون فيه من الشجر))؛ وما أتبتناه عن نسخة ت.
وفرط الرجل إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء ويهيء لهم الدلاء والأرشية (النهاية، ج٣،
ص ١٩٤ ) .
(٢) سورة ٨ الأنفال ٩
(٣) فى الأصل: ((اسبق))؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ.

٥٧
والذي بعثك بالحقّ نبيًّا، أَقِدْنى! فكشف رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم عن
بطنه، ثم قال : اسْتَقِدْ ! فاعتنقه وقبّله ، وقال له : ما حملك على
ما صنعت ؟ فقال : حضر من أمر الله ما قد ترى ، وخشيت القتل ، فأردتُ
أن يكون آخر عهدى بك، أن أعتنقك (١). قالوا: وكان رسول الله صلَّى
الله عليه وسلّم يُسوّى الصفوف يومئذٍ، وكأَما يُقوّم بها القِداح .
حدّثنا محمد قال : حدّثنا الواقدىّ: قال: فحدثنى موسى بن يعقوب،
عن أبى الحُوَيرث، عن محمّد بن جُبير بن مُطعِم ، عن رجلٍ من بنى
أَوْد ، قال : سمعت عَلَيًّا عليه السلام يقول ، وهو يخطب بالكوفة : بينا
أَنا أَميح(٢) فى قَليب بدر - أَميح يعنى أَستقى ، وهو من ينزع الدلاء ،
وهو المنْح أيضاً - جاءت ريح لم أَرَ مثلها قطَّ. شدّة؛ ثم ذهبت فجاءَت
أ ريح أُخرى، لم أَرَ مثلها إلّا التى كانت قبلها؛ ثم جاءَت ريح أُخرى ،
لم أَرَ مثلها إلّا التى كانت قبلها ثم جاءت ريح أُخرى، لم أَر مثلها إِلّ التى
كانت قبلها ، وكانت الأُولى جبريل فى ألفٍ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ،
( والثانية ميكائيل فى ألف عن مَيمنة رسول الله صلَّى عليه وسلم وأبى بكر، وكانت
الثالثة إِسرافيل فى أَلف ، نزل عن مَيْسرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم،
وأَنا فى الميسرة؛ فلمّا هزم الله عزَّ وجلّ أعداءه حملنى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم على فرسه ، فجمزتْ بِى(٣) ، فلمّا جمزت خررتُ على عنقها،
فدعوت ربّى فأَمسكنى حتى استويتُ ؛ وما لى وللخيل ، وإِنما كنت صاحب
(١) فى الأصلى، ت: ((أن أكون آخر عهد بك وأن أعنفك))، وفى ب: ((أن أكون آخر
الناس عهد بك وأن أعتنقك)). والمثبت أقرب لما فى ابن اسحاق (ج ٢، ص ٢٧٩)
(٢) فى ب: ((أمتح)).
(٣) فى ب، ح: ((فجرت بى فلما جرت)). والجمز: هو العدو دون الحضر وفوق العنق.
( القاموس المحيط ، ج ٢، ص ١٦٩) .

٥٨
غنم!(١) فلمّا استويت طعنت بيدى هذه حتى اختصبت منّى ذا - يعنى إِبطه .
قالوا : وكان يومئذٍ على الميمنة أَبو بكر رضى الله عنه، وكان على
خيل المشركين زَمْعَة بن الأسود . فحدّثنى يحيى بن المُغيرة بن عبد الرحمن ،
عن أبيه ، قال : كان على خيل المشركين الحارث بن هشام ، وعلى المَيمنة
هُبَيرة بن أَبِى وَهْب، وعلى الميسرة زّمْعَة بن الأسود . وقال قائل : كان
على المَيمنة الحارث بن عامر ، وعلى مَيسرتهم عمرو بن عَبد (٢) .
حدّثنا محمّد قال: حدّثنا الواقدىّ قال: فحدّثنى محمّد بن صالح ،
عن يَزيد بن رومان ، وابن أَبِى حَبيبة ، عن داود بن الحُصَين ، قالا : ما
كان على المَيمنة - مَيمنة النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم - يوم بدر ولا على مَيسرته
أَحَدٌ يُسمَّى ؛ وكذلك مَيمنة المشركين ومَيسرتهم ، ما سمعنا فيها بأَحد .
قال ابن واقد : وهذا الثبت عندنا .
حدّثنا محمّد قال : حدّثنا الواقدىّ قال: حدثنى محمد بن قُدامة،
عن عمر بن حُسَين ، قال : كان لِواء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذ
الأَعظم - لواء المهاجرين مع مُصْعَب بن عُمَير، ولواء الخزرج مع الحُباب
ابن المُنذر ، ولواء الأَوْس مع سعد بن معاذ. ومع قُريش ثلاثة أَلوية ؛ لِواء
مع أبى عَزيز ، وليواء مع النَّضْر بن الحارث، ولواء مع طلْحَة بن أَبِى طَلْحَة .
قالوا : وخطب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يومئذٍ ، فحمد الله وأثنى
عليه ، ثم قال ، وهو يأمرهم، ويحثّهم، ويُرِّبهم فى الأجر : أَمّا بعد ،
فإِنّى أَحُئكم على ما حتّكم الله عليه، وأنهاكم عمّا نهاكم الله عنه ؛ فإِنّ الله
عظيمٌ شأنه، يأمر بالحق، ويُحبّ الصِّدق، ويُعطى على الخير أَهلَه،
على منازلهم عنده ؛ به يُذكَرون وبه يتفاضلون؛ وإنَّكم قد أصبحتم بمنزل
(١) فى ح: ((صاحب الحشم)) .
(٢) فى ح: ((عمرو بن عبد ود)).

٥٩
من منازل الحق ، لا يقبل الله فيه من أَحدٍ إِلّا ما ابتغى به وجهه. وإِنْ
الصبر فى مواطن البأس ممّا يُفرّج الله به الهمَّ، ويُنجى به من الغَمّ،
وتُدركون(١) به النجاة فى الآخرة. فيكم نبيّ الله يُحذّركم ويأمركم،
فاستحيوا اليوم أَن يطّلع الله عزَّ وجلّ على شىءٍ من أمركم يَمقُتكم عليه ،
فإِنّ الله يقول: ﴿لَمِقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِن مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾(٢). انظُرُوا إِلى الذى
أَمركم به من كتابه ، وأَراكم من آياته ، وأَعزّكم بعد ذِلَّةٍ ، فاستمسكوا
به يرضَ ربُّكم عنكم. وأَبلوا ربّكم فى هذه المواطن أمرًا ، تستوجبوا الذى
وعدكم به من رحمته ومَغفِرته، فإِنَّ وعده حقٌّ ، وقولَه صدقٌ، وعقابَه شديدٌ.
وإنما أَنا وأنتم بالله الحَىّ القَيّوم، إِليه أَلجأُنا ظُهورنا، وبه اعتصمنا، وعليه
توكّلنا ، وإليه المصير ، يغفر الله لى وللمسلمين !
حدّثنا محمّد قال : حدثنا الواقدىّ قال : فحدّثنى محمّد بن عبد الله ،
عن الزهرىّ ، عن عُروة بن الزُّبَير ، ومحمّد بن صالح ، عن عاصم بن عمر ،
عن يزيد بن رومان، قالا : لمّا رأَى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قُرَيشاً
تُصوّب من الوادى - وكان أَوّل من طلع زَمْعة بن الأسود على فرسٍ له ،
يتبعه ابنه ، فاستجال بفرسه يُريد أن يتبوّأَ (٣) للقوم منزلاً - فقال رسول
الله صلَّى الله عليه وسلّم: اللّهم، إِنك أَنزلتَ علىّ الكتاب، وأَمرَتَنِى
بالقتال ، ووعدتنى إحدى الطائفتين ، وأنت لا تُخلف الميعاد ! اللّهمّ ،
هذه قُرَيش قد أَقبلت بخُيَلائها وفخرها ، تحادك(٤) وتُكذّب رسولك! اللهمّ،
نَصْرك الذى وعدتنى! اللّهمّ أَحِنْهم الغداةَ ! وطلع عُتبة بن رَبيعة على
(١) فى ت: ((يدركون النجاة)).
(٢) سورة ٤٠ غافر ١٠
(٣) فى ح: ((يريد أن يبنوا)).
(٤) فى ح: ((تخاذل)).