Indexed OCR Text

Pages 661-680

الباب
التاسع عشر
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
الفصل الأول : قصة زكريا ويحيى عليهما السلام .
الفصل الثانى : بيان سبب قتل يحيى عليه السلام .

[ الفصل الأول ]
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
قال تعالى في كتابه العزيز: بسم اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم ﴿ گھیعص »
ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيًّا ، إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنَّى وَهَنَ
العَظْمُ مِنِّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْئاً وَلَمْ أُكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِياً ، وَإِنَّى خِفْتُ
الْمَوَالِىَ مِنِ وَرَائِى وَكَانَتِ آمْرَأْتِى عَاقِراً فَهَبْ لِى مِن ◌َُّنْكَ وَلِيًّا ، يَرِثُنِى وَيَرِثُ
مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ، يَازَكَرِيًّا إِنَّا تُبَشِّرُكَ بِغُلَامِ اسْمُهُ يَحْنِى لَمْ
نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأْتِى عَاقِراً
وَقَدْ بَلَعْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِيًّا ، قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيْنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن
قَبْلُ وَلَمْ تَكُّ شَيْئاً ﴾ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّ آيَّةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ
لَالٍ سَوِيًّا ، فَخْرَجْ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِحُوا بُكْرَةً
وَعَشِيًّا « يَايَخَي ◌ُحِذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَاناً مِّن ◌َُّنَّا
وَرَكَاةٌ وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا * وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ
وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾
وقال تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا كُلُّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ
عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنِدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن
يَشَاءُ بِغَيْرٍ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيًّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً
طَِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الذُّعَاءِ . فَادَتُهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ
آَهذَ يُيَشِّرُكَ بِيَخِى مُصَدَقَاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّدَاً وَحَصُوراً وَئِيًّا مِّنَ الصَالِحِينَ *
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَقَدِ بَلَّغَنِىَ الْكِبَرُ وَآَمْرَأْتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ
الله يَفْعَلُ مَايَشَاءُ ، قَالَ رَبِّ أَجْعَل لَّى آيَّةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تَكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَافَةَ أَيَّامِ
(١) سورة مريم الآيات: ١ - ١٥.
٦٦٣

إِلَّا رَهْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالْأَبْكَارِ﴾(٢) .
وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَزَكَرِيًّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْداً
وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَخْبَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ
كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَّنَا خَاشِعِينَ﴾(٣).
وقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيًّا وَيَخَْى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلُّ مِّنَ
الصَّالِحِينَ ﴾ (٤) .
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل : زكريا
ابنبرخیا ویقال زكريا بن دان ، ويقال زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن
حشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بنصدیقة بن برخیا بن بلعطة بن ناحور بن
شلوم بن بهفاشاط بن اينامن بن رحيعام بن سليمان بن داود ، أبو يحيى النبي عليه
السلام من بنى إسرائيل(٥) .
دخل البثنة من أعمال دمشق في طلب ابنه یحیی . وقيل إنه كان بدمشق حين
قتل ابنه يحيى ... والله أعلم . وقد قيل غير ذلك في نسبه . ويقال فيه زكريا بالمد
والقصر . ويقال زكري أيضاً ..
والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله عَ له أن يقص على الناس خبر زكريا عليه
السلام وما كان من أمره حين وهبه الله ولداً على الكبر وكانت امرأته مع ذلك
عاقراً في حال شبیبتها وقد أسنت أيضا حتى لا يبئس أحد من فضل الله ورحمته
ولا يقنط من فصّله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيا « إِذْنَادَىَ رَبَّهُ نِدَاءً
خِفِياً﴾ قال قتادة عند تفسيرها : إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت
الخفي . وقال بعض السلف : قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان
حاضراً عنده مخافته فقال : يارب يارب يارب ... فقال الله : لبيك لبيك لبيك.
(٢) سورة آل عمران الآيات : ٣٧ - ٤١.
(٣) سورة الأنبياء الآيتان: ٨٩، ٩٠.
(٤) سورة الأنعام الآية : ٨٥ .
(٥) تهذيب ابن عساكر جـ ٣٨١/٥
٦٦٤

قَالَ رَبِّ إِنَّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى﴾ أي ضعف وخار من الكبر ﴿وَاشْتَعَلَ
الرَّأْسُ شَيْباً﴾ استعارة من اشتعال النار في الحطب أي غلب علي سواد الشعر
شيبه كما قال ابن دريد في مقصورته :
أما تری رأسي
طرة صبح تحت أذيال الدجا
حاكي لونه
مثل اشتعال النار في جمر الغضا
واشتعل المبيض في مسوده
من بعد ما قد كان مجاج الثرى
وآض عود اللهم بيسا ذاويا
يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطنا وظاهراً . وهكذا قال زكريا عليه
السلام: ﴿إِنَّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ هَيْباً﴾.
وقوله : ﴿ وَلَمْ أُكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقَيًّا﴾ أي ما عودتني فيما أسألك إلا
الإجابة وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران بن ماثان ،
وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير إبانها ولا في أوانها وهذه
من كرامات الأولياء ، فعلم أن الرزاق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا
وإن كان قد طعن في سنه ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيًّا وَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّذِئْكَ
ذُرِّيَّةٌ طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾(٦) وقوله: ﴿ وَإِنَّى خِفْتُ الْمَوالِىَ مِن وَّرَائِى
وَكَانَتِ امْرَأْتِى عَاقِراً﴾ قيل المراد بالموالي العصبة ، وكأنه خاف من تصرفهم
بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسأل وجود ولد من صلبه
يكون برا تقيا مرضيا ولهذا قال: ﴿فَهَبْ لِى مِن لَُّنكَ﴾ أي من عندك بحولك
وقوتك ﴿وَلِيًّا يَرِثْنِى﴾ أي في النبوة والحكم في بني إسرائيل ﴿ وَقَرِثُ مِن آلٍ
يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ يعني كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياء
فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي ، وليس المراد ها هنا
وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ووافقهم ابن جرير ها هنا وحكاه
عن أبي صالح من السلف ، لوجوه :
أحدهما: ما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ﴾(٧) أي
- (٦) سورة آل عمران الآية : ٣٨.
(٧) سورة النحل الآية :١٦.
٦٦٥

في النبوة والملك لما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين علماء المروى في الصحاح
والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة أن رسول الله
ٹلم قال: (( لا نورث ما تركنا فهو صدقة )»(٨) فهذا نص على أن رسول الله
◌ٍَّ لا يورث ، ولهذا منع الصديق أن يصرف ما كان يخص به في حياته إلى أحد
من ورائه الذين لولا هذا النص لصرف إليهم ، وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع
وعمه العباس رضى الله عنهم، واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا
الحديث ، وقد وافق على روايته عن رسول الله عَ﴾ عمر بن الخطاب وعثمان بن
عفان وعلى بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة
والزبير وأبو هريرة وآخرون رضى الله عنهم .
والثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء: ((نحن معاشر الأنبياء
لا نورث)) وصححه(٩)
الثالث : أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكتزوا لها أو يلتفتوا إليها
أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم ، فإن من لا يصل إلى
قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثاً له
فيها .
الرابع : إن زكريا عليه السلام كان نجاراً يعمل بيده ويأكل من كسبها ،
كما كان داود عليه السلام يأكل من كسب يده ، والغالب ولا سيما من مثل حال
الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهاداً يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له
يخلفه من بعده . وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهمه ... إن شاء
الله .
قال الإِمام أحمد : حدثنا يزيد ، يعنى ابن هارون ، أنبأنا حماد بن سلمة ،
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب فرض الخمس ، باب فرض الخمس . ومسلم في صحيحه ، كتاب
الجهاد، باب قول النبي عَّ للم لا نورث ما تركنا فهو صدقة.
(٩) لم أجده في الترمذي بهذا اللفظ ، الذي يفيد العموم لجميع الأنبياء كما ذكر ابن كثير ، ولكن الذي في
الترمذي هو لفظ ((لا نورث، ما تركنا صدقة)) انظر، سنن الترمذي، كتاب السير، باب ماجاء في تركة
رسول الله .
٦٦٦

عن ثابت ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة أن رسول الله ﴾ قال: (( كان ز کریا
نجاراً )»(١٠) . وهكذا رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه ، عن حماد بن سلمة
به .
وقوله: ﴿يَازَكَرِيًّا إِنَّا تُبَشْرُكَ بِعُلَامِ اسْمُهُ يَخْتَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن ◌َّلُ
سَمِيًّا﴾ وهذا مفسر بقوله: ﴿فَتَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى الْمِخْرَابِ
أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَخَى مُصَدِّقَاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَئِيًّا مِّنَ
الصَّالِحِينَ﴾(١١).
فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد
له والحالة هذه ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَكَانَتِ آمْرَأْتِى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ
مِنَ الْكِبَرِ عِيًّا﴾ أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير ، قيل كان عمره إذ ذاك
سبعاً وسبعين سنة ، والأشبه والله أعلم أنه كان أسن من ذلك ﴿ وَكَانَتِ آمْرَأْتِى
عَاقِراً﴾ يعني وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقراً لا تلد ... والله أعلم .
كما قال الخليل: ﴿أَبَشَّرْ تُمُونِى عَلى أَن مَّسَّنِىَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشْرُون﴾(١٢).
وقالت سارة: ﴿يَا وَيْلَتِىَ أَّلِّدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلَى شَيْخَاً إِنَّ هَذَا
لَشَيْءٌ عَجِيبٌ . قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِن أَمْرِ اللهِ وَحْمَتُ اللهِ وَبَرَ كَائُهُ عَلَّكُمْ أُهْلَ
الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾(١٣).
وهكذا أجيب زكريا عليه السلام قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر ربه :
كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِنٌ﴾ أي هذا سهل يسير عليه ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ
مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي قدرته ، أوجدتك بعد أن لم تكن شيئا مذكورا أفلا
يوجد منك ولدا وإن كنت شيخاً ؟ ! .
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْنَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ
(١٠) أخرجه أحمد في مسنده ٢٩٦/٢.
(١١) سورة آل عمران الآية: ٣٩.
(١٢) سورة الحجر الآية : ٥٤ .
(١٣) سورة هود الآيات : ٧٢ - ٧٣.
٦٦٧

كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا وَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لََّا
خَاشِعِينَ ﴾(١٤) . ومعنى إصلاح زوجته أنها كانت لا تحيض فحاضت . وقيل
كان في لسانها شيء ، أي بذاءة .
قَالَ رَبِّ أَجْعَلٍ لَّى آيَةً﴾ أي علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد
المبشر به ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلَّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يقول علامة ذلك أن
يعتریك سکت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزا وأنت في ذلك سوی الخلق صحيح
المزاج معتدل البنية . وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك
بفؤاده بالعشى والإِبكار ، فلما بشر بهذه البشارة خرج مسروراً بها على قومه من
محرابه ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةٌ وَعَشِيًّا﴾ والوحي ها هنا هو الأمر
الخفي إما بكتابة ، كما قاله مجاهد والسدي ، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضاً ووهب
وقتادة ، قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة : اعتقل لسانه من غير
مرض ، وقال ابن زيد : كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد .
وقوله تعالى: ﴿يَايَحْنَى ◌ُخِذِ الْكِتَابُ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ يخبر
تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإِلهية لأبيه زكريا عليه السلام وأن الله علمه
الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه .
قال عبد الله بن المبارك : قال معمر : قال الصبیان لیحیی بن ز کریا : اذهب
بنا نلعب. فقال: ما للعب خلقنا. قال: وذلك قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ
صَيًّا ﴾.
وأما قوله : ﴿ وَ حَتَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن
عكرمة عن ابن عباس أنه قاله : لا أدري ما الحنان . وعن ابن عباس ومجاهد
وعكرمة وقتادة والضحاك: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ أي رحمة من عندنا رحمنا بها
زكريا فوهبنا له هذا الولد. وعن عكرمة ﴿وَحَنَاناً﴾ أي محبة عليه . ويحتمل أن
يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه ، وهو محبتهما
والشفقة عليهما وبره بهما .
(١٤) سورة الأنبياء الآية : ٩٠ .
٦٦٨

واما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل ، والتقوى طاعة
الله بامتثال أوامره وترك زواجره .
ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما امراً ونهياً وترك عقوقهما قولا وفعلا فقال :
وَبَرَّاً بِوَ الِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنِ جَبَّاراً عَصِيًّا﴾ ثم قال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ
وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على
الإِنسان ، فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر فيفقد الأول بعدما كان ألفه
وعرفه ويصير إلى الآخر ولا يدري ما بين يديه ، ولهذا يستهل صارخاً إذا خرج
من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها
وغمها !.
وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار ،
وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور ، وانتظر هناك
النفخة فی الصور لیوم البعث والنشور، فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور،
وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير ! ولقد أحسن بعض
الشعراء حيث يقول :
ولدتك أمك باکیا مستصرخا والناس حولك يضحكون سرورا
· في يوم موتك ضاحكا مسرورا
فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا
ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى
في كل موطن منها فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ
حيًّا ﴾ .
وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة إن الحسن قال : إن يحيى وعيسى
التقيا ، فقال له عيسى : استغفر لي أنت خير مني . فقال له الآخر : استغفر لي
أنت خير مني ، فقال له عيسى : أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله
عليك . فعرف والله فضلهما .
وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَسَيِّدَاً وَحَصُوراً وَئِيًّا مِّنَ
٦٦٩

الصَّالِحِينَ﴾ (١٥) . فقيل المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء ، وقيل غير ذلك ،
وهو أشبه لقوله: ﴿هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾(١٦).
وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، أنبأنا علي بن زيد ، عن
يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن رسول الله عَ لمه قال: ((ما من أحد من
ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئته ليس يحيى بن زكريا ، وما ينبغي لأحد يقول
أنا خير من يونس بن متى )) .
علي بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، وهو منكر
الحديث ، وقد رواه ابن خزيمة والدارقطني من طريق أبي عاصم العباداني ، عن
علي بن زيد بن جدعان به مطولا . ثم قال ابن خزيمة : وليس على شرطنا .
وقال ابن وهب : حدثني ابن لهيعة ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، قال :
خرج رسول الله عَ على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال
قائل : موسى كليم الله . وقال قائل : عيسى روح الله وكلمته . وقال قائل :
إبراهيم خليل الله. وهم يذكرون ذلك فقال: (( أين الشهيد ابن الشهید ، يلبس
الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب)) قال ابن وهب: يريد يحيى بن زكريا(١٨).
وقد رواه محمد بن إسحاق وهو مدلس ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ،
عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله عَ لّه يقول:
((كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا)).
فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلسين وقد عنعن ها هنا .
ثم قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب مرسلا .
ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة ، عن يحيى بن سعيد
الأنصاري ، ثم رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب
(١٥) سورة آل عمران الآية : ٣٩ .
(١٦) سورة آل عمران الآية : ٣٨.
(١٧) أخرجه أحمد في مسنده: ٢٥٤/١ .
(١٨) في الحديث ابن لهيعة وفيه مقال .
٦٧٠

دمشق ، حدثنا محمد بن الأصبهاني ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن يحيى بن
سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن عمرو قال : ما أحد إلا يلقى الله
بذنب إلا يحيى بن زكريا . ثم تلا: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ ثم رفع شيئا من
الأرض فقال: ما كان معه إلا مثل هذا ، ثم ذبح ذبحاً !
وهذا موقوف من هذا الطريق وكونه موقوفاً أصح من رفعه ... والله
أعلم ، وأورده ابن عساکر من طرق عن معمر : من ذلك ما أورده من حديث
إسحاق بن بشر، وهو ضعيف، عن عثمان بن ساچ، عن ثور بن یزید، عن خالد
ابن معدان ، عن معاذ عن النبي عَدُ بنحوه .
وروی من طريق أبي داود الطيالسي وغيره ، عن الحكم بن عبد الرحمن بن
أبي نعيم، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله عَل: ((الحسن
والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة يحيى وعيسى عليهما السلام))(١٩).
وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني : حدثنا إسحاق بن أحمد ، حدثنا إبراهيم بن
يوسف ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، سمعت أبا سليمان يقول : خرج عيسى
ابن مريم ويحيى بن زكريا يتماشيان ، فصدم يحبى امرأة فقال له عيسى : يا بن
خالة ... لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أنه يغفر لك أبدا . قاله : وما هى يا بن
خالة ؟ قال : امرأة صدمتها . قال : والله ما شعرت بها . قال : سبحان الله ...
بدنك معي فأين روحك ؟ قال : معلق بالعرش ولو أن قلبي اطمأن إلى جبريل
لظننت أني ما عرفت الله طرفة عين .
فيه غرابة وهو من الإِسرائيليات .
وقال إسرائيل عن أبي حصين ، عن خيثمة ، قال : كان عيسى ابن مريم
ويحيى بن زكريا ابنى خالة وكان عيسى يلبس الصوف ، وكان يحيى يلبس الوبر
ولم یکن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا عبد ولا أمة ولا مأوی یاویان إلیه ، أین
ما جنهما الليل أويا ، فلما أرادا أن يتفرقا قال يحيى: أوصني . قال : لا تغضب.
قال : لا أستطيع إلا أن أغضب . قال : لا تقتن مالا . قال : أما هذه فعسى .
(١٩) السيوطي في الجامع الصغير حديث رقم (٣٨٢٢) صحيح وقال ، لابن ماجه والحاكم في مستدركه
كلاهما عن ابن عمر ، والطبراني في الكبير عن قرة .
٦٧١

وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه : هل مات زكريا عليه السلام موتاً
أو قتل قتلاً ؟ على روایتین فروی عبد المنعم بن إدريس بن سنان ، عن أبيه ، عن
وهب بن منبه ، أنه قال : هرب من قومه فدخل شجرة فجاءوا فوضعوا المنشار
عليهما ، فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أنَّ ، فأوحى الله إليه : لئن لم يسكن
أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها . فسكن أنينه حتى قطع باثنتين .
وقد روى هذا في حديث مرفوع سنورده بعد إن شاء الله .
وروي إسحاق بن بشر ، عن إدريس بن سنان ، عن وهب أنه قال : الذي
انصدعت له الشجرة هو شعيا ، فأما زكريا فمات موتاً ... فالله أعلم .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا عفان ، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف ،
۔۔ و کانیعد من البدلاء - حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن سلام ، عن
جده ممطور، عن الحارث الأشعري أن النبي مَّ لم قال: إن الله أمر يحيى بن
زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، وکاد
أن يبطيء فقال له عيسى عليه السلام : إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل
بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن . فقال : يا
أخي ... إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي . قال : فجمع يحيى بني
إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال : إن الله عز وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن
تعملوا بهن . وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا ، فإن مثل ذلك مثل من
اشترى عبدا من خالص ماله بِوَرِق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير
سیده ، فأیکم یسره أن يكون عبده كذلك ، وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه
ولا تشر کوا به شيئا .
وآمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا
تلتفتوا .
وآمركم بالصيام فإن الله مثل ذلك كمثل رجل معه ضرة من مسك في
عصابة كلهم يجد ريح المسك ، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح.
المسك .
٦٧٢

وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يده إلى
عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال : هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي
نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه .
وآمركم بذكر الله عز وجل كثيرا ، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو
سراعا في أثره فأتي حصناً حصيناً فتحصن فيه ، وإن العبد أحصن ما يكون من
الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل .
قال: وقال رسول الله عَ ليه: ((وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة
والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله ، فإن من خرج عن الجماعة قيد
شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع ، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو
من حتى جهنم)) قال: يا رسول الله ... وإن صام وصلى؟ قال: ((وإن صام
وصلى وزعم أنه مسلم ، ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين
المؤمنين عباد الله عز وجل)) (٢٠).
وهكذا رواه أبو یعلي عن هدبة بن خالد ، عن أبان بن زيد ، عن يحيى بن
أبي کثیر به . و کذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي وموسى بن
إسماعيل ، كلاهما عن أبان بن يزيد العطار به ، ورواه ابن ماجه عن هشام بن
عمار ، عن محمد بن شعيب بن سابور ، عن معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن
سلام ، عن أبي سلام ، عن الحارث الأشعري به ، ورواه الحاكم من طريق مروان
ابن محمد الطاطري ، عن معاوية بن سلام ، عن أخيه به . ثم قال : تفرد به مروان
الطاطري ، عن معاوية بن سلام .
قلت : وليس كما قال . ورواه الطبراني عن محمد بن عبدة ، عن أبي توبة
الربيع بن نافع ، عن معاوية بن سلام ، عن أبي سلام ، عن الحارث الأشعري ،
فذكر نحوه فسقط ذكر زيد بن سلام ، عن أبي سلام ، عن الحارث الأشعري
فذكر نحو هذه الرواية .
ثم روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، عن
أبيه ، عن الربيع بن أنس، قال: ذكر لنا عن أصحاب رسول الله عَ له فيما
(٢٠) أخرجه أحمد في مسنده ٢٠٢/٤ .
٦٧٣

سمعوا من علماء بنى إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلمات وذكر نحو ما تقدم .
وقد ذكروا أن يحيى عليه السلام كان كثير الانفراد من الناس ، إنما كان
يأنس إلى البراري ويأكل من ورق الأشجار ويرد ماء الأنهار ويتغذي بالجراد في
بعض الأحيان ،ْ ويقول : من أنعم منك يايحيى ؟!
وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلبه فوجداه عند بحيرة الأردن فلما
اجتمعا به أبكاهما بكاء شديداً لما هو فيه من العبادة والخوف من الله عز وجل .
وقال ابن وهب عن مالك ، عن حميد بن قيس عن مجاهد قال : كان طعام
يحيى بن زكريا العشب ، وإنه كان ليبكي من خشية الله حتى لو كان القار على
عينيه لخرقه .
وقال محمد بن يحيى الذهلي : حدثنا الليث ، حدثني عقيل، عن ابن
شهاب ، قال : جلست يوما إلى أبى إدريس الخولاني وهو يقص فقال : ألا أخبركم
بمن كان أطيب الناس طعاماً ؟ فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال : إن يحيى بن
زكريا كان أطيب الناس طعاماً ؟ إنما كان يأكل مع الوحوش كراهة أن يخالط
الناس في معايشهم .
وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد قال : فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام
فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرا وأقام فيه يبكي على نفسه ، فقال :
يابنى ... أنا أطلبك من ثلاثة أيام وأنت في قبر احتفرته قائما تبكي فيه ؟ فقال :
ياأبت ... ألست أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة لا تقطع إلا بدموع
البكائين . فقال له : ابك يابني . فبكيا جميعاً .
وهكذا حكاه وهب بن منبه ومجاهد بنحوه .
وروى ابن عساكر عنه أنه قال : إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من
النعيم ، فكذا ينبغي للصديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله عز وجل
ثم قال : كم بين النعيمين وكم بينهما .
وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه .
٦٧٤

[ الفصل الثاني ]
بيان سبب قتل يحيى عليه السلام
وذكروا في قتله أسباباً من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان
يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها ، فنهاه يحيى عليه السلام
عن ذلك فبقي في نفسها منه . فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت
منه دم يحيى ، فوهبه لها فبعثت إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طست إلى
عندها ، فيقال إنها هلكت من فورها وساعتها .
وقيل بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها ، فلما يئست منه تحيلت
في أن استوهبته من الملك، فتمنع عليها الملك ثم أجابها إلى ذلك فبعث من قتله
وأحضر إليها رأسه ودمه في طست .
وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه (( المبتدأ » حیث
قال : أنبأنا يعقوب الكوفي ، عن عمرو بن ميمون ، عن أبيه ، عن ابن عباس ،
أن رسول الله عَ ليه ليلة أسرى به رأى زكريا في السماء فسلم عليه وقال له : ياأبا
يحيى ... خبرني عن قتلك كيف كان ولم قتلك بنو إسرائيل ؟ قال : يا محمد ...
أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه ، وكان أجملهم وأصبحهم وجهاً ، و کان کما
قال تعالى: ﴿سَيِّدَاً وَحَصُوراً﴾ وكان لا يحتاج إلى النساء فهويته امرأة ملك
بني إسرائيل ، وكانت بغية ، فأرسلت إليه وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها
فأجمعت على قتل يحيى ولهم عيد يجتمعون في كل عام ، وكانت سنة الملك أن يعد
ولا يخلف ولا يكذب .
قال : فخرج الملك إلى العيد فقامت امرأته فشيعته ، وكان بها معجبا ولم
تكن تفعله فيما مضى ، فلما شيعته قال الملك : سليني ، فما سألتني شيئا إلا
٦٧٥

أعطيتك . قالت : أريد دم يحيى بن زكريا . قال لها : سليني غيره . قالت : هو
ذاك . قال : هو لك . قال فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي وأنا إلى
جانبه أصلي، قال : فذبح في طست وحمل رأسه ودمه إليها . قال : فقال رسول
اللهِ عَ لّله: فما بلغ من صبرك؟ قال: ما انفلت من صلاتي .
قال : فلما حمل رأسه إليها فوضع بين يديها فلما أمسوا خسف الله بالملك
وأهل بيته وحشمه ، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل : قد غضب إله زكريا
لزكريا ، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا . قال : فخرجوا في طلبي
ليقتلوني وجاءني النذير ، فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم علي فلما تخوفت أن لا
أعجزهم عرضت لي شجرة فنادتني وقالت : إلي إلي . وانصدعت لي ودخلت
فيها .
قال : وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي والتأمت الشجرة وبقي طرف
ردائي خارجاً من الشجرة ، وجاءت بنو إسرائيل فقال إبليس : أما رأيتموه دخل
هذه الشجرة ، هذا طرف ردائه دخلها بسحره . فقالوا : نحرق هذه الشجرة .
فقال إبليس : شقوه بالمنشار شقاً . قال : فشققت مع الشجرة بالمنشار .
قال له النبي عَّ له: هل وجدت له مساً أو وجعاً ؟ قال: لا ، إنما وجدت
تلك الشجرة التي جعل الله روحي فيها .
هذا سیاق غريب جداً وحديث عجيب ورفعه منکر ، وفيه ما ینکر علی کل
حال ، ولم ير لا في شيء من أحاديث الإسراء ذكر زكريا عليه السلام إلا في هذا
الحديث ، وإنما المحفوظ في بعض ألفاظ الصحيح في حديث الإسراء : فمررت
بابني الخالة يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة . فجاء على قول الجمهور كما هو ظاهر
الحديث ، فإن أم يحيى اشياع بنت عمران أخت مريم بن عمران . وقيل بل أشياع
وهى امرأة زكريا ، أم يحيى هى أخت حنة امرأة عمران أم مريم ، فيكون يحيى ابن
خالة مريم ... فالله أعلم .
ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا هل كان في المسجد الأقصى أم بغيره على
قولين : فقال الثوري عن الأعمش عن شملة بن عطية قال : قتل على الصخرة التي
ببيت المقدس سبعون نبياً ، منهم يحيى بن زكريا عليه السلام .
٦٧٦

وقال أبو عبيدة القاسم بن سلام : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ،
عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال : قدم بختنصر دمشق ، فإذا هو
بدم يحيى بن زكريا يغلي ، فسأل عنه فأخبروه ، فقتل على دمه سبعين ألفا
فسكن . وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب وهو يقتضي أنه قتل بدمشق
وإن قصة بختنصر كانت بعد المسيح كما قاله عطاء والحسن البصري ... فالله
أعلم .
وروي الحافظ ابن عساكر من طريق الوليد بن مسلم ، عن زيد ابن واقد ،
قال : رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت
ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب مما يلي الشرق ، فكانت البشرة والشعر
على حاله لم يتغير ، وفي رواية : كأنما قتل الساعة .
وذكر في بناء مسجد دمشق أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود
السكاسكة ... فالله أعلم .
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ((المستقصى في فضائل الأقصى))، من
طريق العباس بن صبح ، عن مروان ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن قاسم مولي
معاوية ، قال : كان ملك هذه المدينة - يعني دمشق - هداد بن هدار ، وكان
قد زوج ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا ، وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك
بدمشق وهو الصاغة العتيقة ، قال : وكان قد حلف بطلاقها ثلاثاً . ثم إنه أراد
مراجعتها فاستفتى يحيى بن زكريا فقال : لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك ،
فحقدت عليه وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا ، وذلك بإشارة أمها . فأبى
عليها ثم أجابها إلى ذلك وبعث إليه وهو قائم يصلي بمسجد جبرون من أتاه برأسه
في صينية ، فجعل الرأس يقول له : لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره - فأخذت
المرأة الطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول کذلك ، فلما تمثلت بین
يدي أمها خسف بها إلى قدميها ثم إلى حقويها ، وجعلت أمها تولول والجواري
يصرخن ويلطمن وجوههن ، ثم خسف بها إلى منكبيها فأمرت أمها السياف أن
يضرب عنقها لتتسلى برأسها ، ففعل فلفظت الأرض جثتها عند ذلك ، ووقعوا في
الذل والفناء ، ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم بختنصر فقتل عليه خمسة وسبعين
٦٧٧

ألفاً .
قال سعید بن عبد العزيز : وهى دم كل نبي . ولم يزل يفور حتى وقف
عنده أرميا عليه السلام فقال : أيها الدم ... أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن
الله . فسكن فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس
فتبعهم إليها: فقتل خلقاً كثيراً لا يحصون كثرة وسبى منهم ثم رجع عنهم .
٦٧٨

الباب العشرون
قصة عيسى عليه السلام
الفصل الأول
الفصل الثانى
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الفصل العاشر
: قصة مريم بنت عمران .
: قصة ميلاد عيسى بن مريم .
: بيان تنزيه الله عن الولد .
: نشأة عيسى بن مريم .
: نزول الكتب الأربعة ومواقيتها .
: قصة المائدة .
: بعض أحوال عيسى ومواعظه .
: قصة رفع عيسى إلى السماء .
: صفة عيسى عليه السلام .. إلخ .
: اختلاف أصحاب المسيح بعد رفعه .
الفصل الحادى عشر : بناء بيت لحم .