Indexed OCR Text

Pages 621-640

من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها (٢٠) ستر ، فهبت الريح فكشفت ناحية الستر
عن بنات لعائشة لعب فقال: ((ما هذا يا عائشة))؟ فقالت: بناتى . ورأى بينهن
فرسا له جناحان من رقاع، فقال: ((ما هذا الذي أرى وسطهن)) ؟ قالت :
فرس. قال: ((وما الذي عليه هذا))؟ قالت: جناحان. قال: ((فرس له
جناحان))؟! قالت : أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة ؟ قالت : فضحك
حتى رأيت نواجذه معَ طِّ (٢١).
قال بعض العلماء : لما ترك الخيل لله عوضه الله عنها بما هو خير له منها ،
وهو الريح التي كانت غدوها شهر ورواحها شهر ، كما سيأتي الكلام عليها .
كما قال الإِمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد
ابن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء ، وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا : أتينا
على رجل من أهل البادية فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله عَ ليه فجعل
يعلمني مما علمه الله عز وجل وقال: (( إنك لا تدع شيئا اتقاه الله عز وجل إلا
أعطاك الله خيرا منه)) (٢٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقْدَ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدَاً ثُمَّ
أَتَابَ ﴾ .
ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين هاهنا آثارا كثيرة عن
جماعة من السلف ، وأکفرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات ، وفي کثیر منها
نكارة شديدة ، وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير واقتصرنا هاهنا على مجرد
التلاوة .
ومضمون ما ذكروه أن سليمان عليه السلام غاب عن سريره أربعين يوما ثم
عاد إليه ، ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناء محكما . وقد قدمنا أنه جدده
(٢٠) السهوة : الكوة .
(٢١) أخرجه أبو داود فى سنته ، كتاب الأدب ، باب اللعب بالبنات .
(٢٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٥ / ٧٨، ٧٩ .
٦٢١

وأن أول من جعله مسجدا إسرائيل عليه السلام ، كما ذكرنا ذلك عند قول أبي
ذر. قلت: يا رسول الله. أي مسجد وضع أول؟ قال: ((المسجد الحرام)).
قلت: ثم أي؟ قال: ((مسجد بيت المقدس)) قلت: كم بينهما ؟ قال :
((أربعون سنة)).
ومعلوم أن بین إبراهيم الذي بنى المسجد الحرام وبین سلیمان بن داود عليهما
السلام أزيد من ألف سنة دع أربعين سنة ، وكان سؤاله الملك الذي لا ينبغي
لأحد من بعده بعد إكماله البيت المقدس ؟ قال الإِمام أحمد والنسائي وابن ماجه
وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي ، عن
عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله عَ له: ((إن سليمان لما بنى
بيت المقدس سأل ربه عز وجل خلالا ثلاثا ، فأعطاه اثنتين ، ونحن نرجو أن
تكون لنا الثالثة : سأله حكما يصادف حكمه . فأعطاه إياه ، وسأله ملكا لا
ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه ، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا
الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثّل يوم ولدته أمه . فنحن نرجو أن
يكون الله قد أعطانا إياها)) (٢٣) . .
فأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في
قوله : ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْئِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَتَمُ الْقَوْمِ
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلَّا آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ (٢٤).
وقد ذكر شريح القاضي (٢٥) وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم
فنفشت فيه غنم قوم آخرين ، أى رعته بالليل فأكلت شجره بالكلية ، فتحاكموا إلى داود
داود عليه السلام فحكم لأصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال :
بم حكم لكم نبي الله ؟ فقالوا : بكذا وكذا ، فقال : أما لو كنت أنا لما حكمت
إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجا ودرا حتى يصلح أصحاب
الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه ، ثم يتسلموا غنمهم ، فبلغ داود عليه
السلام ذلك فحكم به .
(٢٣) أخرجه النسائى فى سننه ، كتاب المساجد ، باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه .
(٢٤) الأنبياء : ٧٨، ٧٩ .
(٢٥) هو شريح بن الحرث الكندى القاضى، تُوفى سنة ٧٨ هـ. [ شذرات الذهب ١ / ٨٥].
٦٢٢

وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الزناد ، عن الأعرج ،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((بينما امرأتان معهما ابناهما إذا عدا
الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبرى : إنما ذهب بابنك .
وقالت الصغرى : بل إنما ذهب بابنك . فتحاکمتا إلى داود فحكم به للکبری ،
فخرجتا على سليمان فقال : ائتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما
نصفه. فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها . فقضى به لها)) (٢٦).
ولعل كلا من الحکمین کان سائغا في شریعتهم ، ولكن ما قاله سليمان
أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه ومدح بعد ذلك أباه فقال: ﴿ وَكُلًّا
آَيْنَا حُكْمَاً وَعِلْمَاً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ *
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لِكُمْ لِتُخْصِتَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (٢٧) .
ثم قال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الْرِّيحَ عَاصِفَةٌ﴾ (٢٨) أي وسخرنا لسليمان الريح
عاصفة ﴿تَجْرِي بَأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ »
وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغْوِصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ
حَافِظِينَ ﴾ (٢٩) .
وقال في سورة ص : ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ
أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلُّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ . هَذَا
عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ
مَآبٍ﴾ (٣٠).
لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله عوضه الله منها الريح التي هي أسرع سيرا وأقوى
وأعظم ولا كلفة عليه لها ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ﴾ أي حيث أراد
من أي البلاد ، كان له بساط مركب من أخشاب بحيث إنه يسع جميع ما يحتاج
(٢٦) أخرجه البخارى فى صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَّ سُلَيْمَانَ﴾.
ومسلم فى صحيحه ، كتاب الأقضية ، باب بيان اختلاف المجتهدين .
(٢٨،٢٧) الأنبياء: ٧٩ - ٨٠، ٨١.
(٢٩) الأنبياء : ٨١، ٠:٨٢
(٣٠) سورة ص : ٣٦ - ٤٠.
٦٢٣
:

إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال
من الإِنس والجان ، وغير ذلك من الحيوانات والطيور فإذا أراد سفرا أو مستنزها
أو قتال ملك أو أعداء من أي بلاد الله شاء ، فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على
البساط أمر الريح فدخلت تحته فرفعته فإذا استقل بين السماء والأرض أمر الرخاء
فسارت به ، فإن أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون
فوضعته في أي مكان شاء ، بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس
فتغدو به الريح فتضعه باصطخر (٣١) مسيرة شهر فيقيم هناك إلى آخر النهار ، ثم
يروح من آخره فترده إلى بيت المقدس .
كما قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ
غَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَن أُمْرِئًا
نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَائِيلَ وَجِفَانٍ
كَالْجَوَابِ وَقُّدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ
الشَّكُورُ﴾ (٣٢).
قال الحسن البصري : کان یغدو من دمشق فينزل باصطخر فيتغدى بها
ويذهب رائحا منها فيبيت بكابل (٣٣) وبين دمشق وبين اصطخر مسيرة شهر وبين
اصطخر وكابل مسيرة شهر .
قلت : قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان أن اصطخر بنتها الجان
لسليمان وكان فيها قرار مملكة الترك قديما ، وكذلك غيرها من بلدان شتى
کتدمر (٣٤) وبيت المقدس وباب جيرون وباب البريد التى بدمشق على أحد
الأقوال .
وأما القطر فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد : هو
(٣١) اصطخر: بلدة بأرض فارس (إيران). [معجم البلدان ١ / ٢٩٣ ].
(٣٢) سبأ : ١٢، ١٣.
(٣٣) كابل: وكابول: هى عاصمة أفغانستان حاليا. [معجم البلدان ٤ / ٤٢٦ ].
(٣٤) تدمر: مدينة قديمة بأرض الشام بالقرب من حلب. [ معم البلدان ٥ / ٢٥١ ] .
٦٢٤

النحاس . قال قتادة وكانت باليمن ، انبعها الله له . قال السدي : ثلاثة أيام فقط
أخذ منها جميع ما يحتاج إليه للبنايات وغيرها .
وقوله : ﴿ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ
أُمْرِئًا ثُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ أي وسخر الله له من الجن عمالا يعملون له ما
يشاء لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته ومن خرج منهم عن الأمر عذبه ونكل به
يَعْمَلُونَ لَّهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ﴾ وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس
وَتَمَاثِيلَ﴾ وهي الصور في الجدران ، وكان هذا سائغا في شريعتهم وملتهم
وَجِفَانٍ كَالْجَوابِ﴾ قال ابن عباس: الجفنة كالجوبة من الأرض ، وعنه
كالحياض ، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم . وعلى هذه
الرواية يكون الجواب جمع جابية وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء ، قال الأعشى :
تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق (٣٥)
وأما القدور الراسيات فقال عكرمة : أثافيها منها ، يعني أنهن ثوابت لا يزلن
عن أماكنهن ، وهكذا قال مجاهد وغير واحد .
ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والإحسان إلى الخلق من إنسان وحيوان
قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَّلِلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ وَالشَّيَّاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخْرِينَ مُقَرَّنِيْنَ فِي
الأَصْفَادِ ﴾ (٣٦) . يعني أن منهم من قد سخره في البناء ومنهم من يأمره بالغوص
في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر واللآلىء وغير ذلك مما لا يوجد إلا
هنالك . وقوله: ﴿ وَآخْرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴾ أي قد عصوا فقيدوا
مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد وهي القيود ، وهذا كله من جملة ما هيأه الله
وسخر له من أشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ولم يكن
أيضا لمن كان قبله .
وقد قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا
(٣٥) أي تفيض بعد امتلاء .
(٣٦) سورة ص : ٣٧، ٠٠٣٨
٦٢٥

شعبة ، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة عن النبي عَ لّه قال: ((إن عفريتا من
الجن تفلت على البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن
أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي
سليمان: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكَأَ لَّا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ (٣٧) .
فرددته خاسئا )).
وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة (٣٨).
وقال مسلم : حدثنا محمد بن سلمة المرادي ، حدثنا عبد الله بن وهب عن
معاوية بن صالح ، حدثني ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني عن
أبي الدرداء قال: قام رسول الله عَ له يصلي فسمعناه يقول: ((أعوذ بالله منك ..
ألعنك بلعنة الله)) ثلاثا، وبسط يده كأنه يتناول شيئا ، فلما فرغ من الصلاة
قلنا : يا رسول الله .. قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل
ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال: ((إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار
ليجعله في وجهي فقلت : أعوذ بالله منك ثلاث مرات ، ثم قلت : ألعنك بلعنة
الله التامة . فلم يستأخر ثلاث مرات ، ثم أردت أخذه ، والله لولا دعوة أخينا
سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة )) (٣٩) .
وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة به .
وقال أحمد : حدثنا أبو أحمد ، حدثنا مرة بن معبد ، حدثنا أبو عبيد حاجب
سليمان ، قال : رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي ، فذهبت أمُّ بين يديه
فردني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله عَ ليه قام فصلى صلاة
الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة ، فلما فرغ من صلاته قال: ((لو
رأيتموني وإبليس أهويت بيدي فمازلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي
هاتين الإبهام والتي تليها ، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من
(٣٧) سورة ص : ٣٥ .
(٣٨) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب التفسير ، تفسير سورة ص . وأخرجه مسلم فى صحيحه ، فى
كتاب المساجد ، باب جواز لعن الشيطان فى أثناء الصلاة ، وجواز العمل القليل فى الصلاة .
(٣٩) أخرجه مسلم فى الموضع السابق .
٦٢٦

سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة ، فمن استطاع منكم ألا يحول بينه وبين
القبلة أحد فليفعل )) (٤٠) .
روى أبو داود منه ((فمن استطاع)) إلى آخره عن أحمد بن سريح عن أحمد
الزبيري به .
وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة
سبعمائة بمهور وثلاثمائة سراري . وقيل بالعكس ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من
الإِماء ، وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرا عظيما جدا .
قال البخاري : حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن
أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي معَ الله قال: (( قال سليمان
ابن داود : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل
الله . فقال له صاحبه : إن شاء الله . فلم يقل فلم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا
أحد شقيه)). فقال النبي عَ له: ((لو قالها لجاهدوا في سبيل الله)).
وقال شعيب وابن أبي الزناد : تسعين وهو أصح .
تفرد به البخاري من هذا الوجه (٤١) .
وقال أبو يعلى : حدثنا زهير ، حدثنا يزيد ، أنبأنا هشام بن حسان عن
محمد ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله له: (( قال سليمان بن داود :
لأطوفن الليلة على مائة امرأة كل امرأة منهن تلد غلاما يضرب بالسيف في سبيل
الله . ولم يقل إن شاء الله ، فطاف تلك الليلة على مائة امرأة فلم تلد منهن امرأة إلا
امرأة ولدت نصف إنسان)) فقال رسول الله عَ له: ((لو قال إن شاء الله لولدت
كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل )) .
إسناده على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه (٤٢) .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا هشيم ، حدثنا هشام ، عن ابن سیرین ، عن أبي
(٤٠) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ٨٢ .
(٤١) أخرجه البخارى فى كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿ وَوَهْنَا لِدَاوُدَّ سُلَيْمَانَ﴾.
(٤٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٥٠٦ .
٦٢٧

هريرة قال : قال سليمان بن داود : لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل واحدة
منهن غلاما يقاتل في سبيل الله ، ولم يستثن . فما ولدت إلا واحدة منهن بشق
إنسان. قال: قال رسول الله عَ له: ((لو استثنى لولد له مائة غلام كلهم يقاتل
في سبيل الله عز وجل )).
تفرد به أحمد أيضا (٤٣).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن
أبيه ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ◌ّه: ((قال سليمان بن داود:
لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل فى سبيل الله ، قال : ونسى
أن يقول إن شاء الله ، فأطاف بهن . قال : فلم تلد منهن امرأة إلا واحدة نصف
إنسان)). فقال رسول الله عَ لّه: ((لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان در كا
لحاجته )) (٤٤) .
وهكذا أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به مثله .
قال إسحاق بن بشر : أنبأنا مقاتل ، عن أبي الزناد ، وابن أبي الزناد عن
أبيه ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، أن سليمان بن داود كان له أربعمائة
امرأة وستمائة سرية فقال يوما لأطوفن الليلة على ألف امرأة فتحمل كل واحدة
منهن بفارس يجاهد في سبيل الله . ولم يستثن ، فطاف عليهن فلم تحمل واحدة
منهن إلا امرأة واحدة منهن جاءت بشق إنسان .
فقال النبي : ( والذي نفسي بيده لو استثنى فقال إن شاء الله لولد له ما
قال فرسان وجاهدوا في سبيل الله عز وجل )) .
وهذا إسناد ضعيف لحال إسحاق بن بشر ، فإنه منكر الحديث ولاسيما وقد
خالف الروايات الصحاح .
وقد كان له عليه السلام من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود
وتنوعها ما لم يكن لأحد قبله ولا يعطيه الله أحدا بعده كما قال: ﴿ وَأُوتِينَا مِن
(٤٣) أخرج أحمد فى مسنده ٢ / ٣٢٩ .
(٤٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٢٧٥ .
٦٢٨

كُلِّ شَيْءٍ ﴾ (٤٥)، و ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لَي مُلْكاً لَّا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِّن
بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (٤٦)، وقد أعطاه الله ذلك بنص الصادق
المصدوق .
ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه وأسداه من النعم الكاملة العظيمة إليه قال :
هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أُمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي أعط من شئت واحرم من
شئت ، فلا حساب عليك أي تصرف في المال كيف شئت فإن الله قد سوغ لك
ما تفعله من ذلك ولا يحاسبك على ذلك ، وهذا شأن النبي الملك بخلاف العبد
الرسول ، فإن من شأنه ألا يعطي أحدا إلا بإذن الله له في ذلك .
وقد خُيِّر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين فاختار أن
يكون عبدا رسولا . وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك فأشار إليه أن
تواضع ، فاختار أن يكون عبدا رسولا صلوات الله وسلامه عليه وقد جعل الله
الخلافة والملك من بعده في أمته إلى يوم القيامة فلاتزال طائفة من أمته ظاهرين
حتى تقوم الساعة .. فلله الحمد والمنة .
ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان عليه السلام من خير الدنيا نبه على ما
أعده له في الآخرة من الثواب الجزيل والأجر الجميل والقربة التي تقربه إليه والفوز
العظيم والإكرام بين يديه ، وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى :
وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ (٤٧) .
(٤٥) النمل : ١٦ .
(٤٦) سورة ص : ٣٥ .
(٤٧) سورة ص : ٢٥ .
٦٢٩

[ الفصل الثاني ]
ذكر وفاته وكم كانت مدة ملکه وحياته
قال الله تبارك وتعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا
دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيِّئَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا
لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾(١).
روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من حديث إبراهيم بن طهمان ، عن
عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي عَ لِ قال:
((كان سليمان نبي الله عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها :
ما اسمك ؟ فتقول كذا . فيقول : لأي شيء أنت ؟ فإن كانت لغرس غرست وإن
كانت لدواء أنبتت . فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها :
ما اسمك ؟ قالت : الخروب . قال : لأي شيء أنت ؟ قالت : لخراب هذا
البيت . فقال سليمان : اللهم عم على الجن موتى حتى تعلم الإِنس أن الجن لا
يعلمون الغيب . فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا والجن تعمل ، فأكلتها الأرضة
فتبينت الإِنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين .
قال : وكان ابن عباس يقرؤها كذلك - فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها
بالماء )) .
لفظ ابن جرير . وعطاء الخراساني في حديثه نكارة (٢).
وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن
جبير ، عن ابن عباس موقوفا . وهو أشبه بالصواب .. والله أعلم .
(١) سبأ : ١٤ .
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسير سورة سبأً ٢٢ / ٧٤.
٦٣٠

وقال السدي في خبر ذکره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ،
وعن أناس من الصحابة ، كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة
والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر يدخل طعامه وشرابه . فأدخله
في المرة التي توفي فيها فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت
المقدس شجرة فيأتيها فيسألها ما اسمك ؟ فتقول الشجرة : اسمي كذا وكذا . فإن
كانت لغرس غرسها وإن كانت نبتت دواء قالت : نبت دواء لكذا وكذا .
فيجعلها كذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة ، فسألها ما اسمك ؟ فقالت :
أنا الخروبة . فقال : ولأي شيء نبت ؟ فقالت : نبت لخراب هذا المسجد ، فقال
سليمان : ما كان الله ليخربه وأنا حي ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب
بيت المقدس . فنزعها وغرسها في حائط له . ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا
على عصاه فمات ولم تعلم به الشیاطین ، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج
فيعاقبهم ، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب ، وكان المحراب له كوى بين
يديه وخلفه ، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول : ألست جليدا أن دخلت
فخرجت من ذلك الجانب ، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر ، فدخل
شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام وهو في
المحراب إلا احترق ، فلم يسمع صوت سليمان ، ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقع
في البيت ولم يحترق ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتا ، فخرج فأخبر
الناس أن سليمان قد مات ، ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته ــ وهي
العصا بلسان الحبشة - قد أكلتها الأرضة ولم يعلموا منذ كم مات فوضعوا الأرضة
على العصا فأكلت منها يوما وليلة ، ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات
منذ سنة ، وهي قراءة ابن مسعود : فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا.
فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت
سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له ذلك ، وذلك قول الله عز وجل :
مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيِّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ يقول: تبين أمرهم للناس
أنهم كانوا يكذبونهم ، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة : لو كنت تأكلين الطعام
لأتيناك بأطيب الطعام ، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ،
٦٣١

ولكنا سننقل إليك الماء والطين . قال : فإنهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت .
قال : ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشيطان
تشكرا لها .
وهذا فيه من الإِسرائيليات التى لا تصدق ولا تكذب .
وقال أبو داود في كتاب القدر : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا قبيصة ،
حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن خيثمة ، قال : قال سليمان بن داود عليهما
السلام لملك الموت : إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني ، قال : ما أنا أعلم
بذاك منك إنما هي كتب يلقى إلي فيها تسمية من يموت .
وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
قال : قال سليمان لملك الموت : إذا أمرت بي فأعلمني ، فأتاه فقال : يا
سليمان .. قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة . فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا
من قوارير ليس له باب ، فقام يصلي فاتكا على عصاه قال : فدخل عليه ملك
الموت فقبض روحه وهو متوكىء على عصاه ولم يصنع ذلك فرارا من ملك
الموت . قال : والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي ، قال : فبعث
الله دابة الأرض - يعني إلى منسأته - فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا
ضعفت وثقل عليها فخر فلما رأت الجن ذلك انفضوا وذهبوا . قال : فذلك
قوله: ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَيْنَتِ الْجِنُّ
أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾.
قال أصبغ : وبلغني عن غيره أنها مكثت سنة تأكل من منسأته حتى خر ،
وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف وغيرهم .. والله تعالى أعلم .
قال إسحاق بن بشر عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري وغيره : إن سليمان
عليه السلام عاش اثنتين وخمسين سنة وكان ملكه أربعين سنة . وقال إسحاق :
أنبأنا أبو روق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن ملكه كان عشرين سنة .. والله
أعلم . وقال ابن جرير : فكان جميع عمر سليمان بن داود عليهما السلام نيفا
وخمسين سنة (٣).
(٣) تاريخ الطبري جـ ١ / ٣٥٧.
٦٣٢

وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء المقدس فيما ذكر ثم ملك بعده ابنة رحبعام
مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير . وقال : ثم تفرقت بعده مملكة بني
إسرائيل .
٦٣٣

الباب
الثامن عشر
قصص جماعة من أنبياء بنى إسرائيل
(ممن لا يعلم وقت زمانهم على التعيين)
إلا أنهم بعد داود وقبل زكريا ويحيى
عليهم السلام
: قصة شعيا بن أمصيا عليه السلام .
الفصل الأول
: قصة أرميا بن حلقيا عليه السلام .
الفصل الثانى
: قصة خراب بيت المقدس فى زمن أرميا .
الفصل الثالث
الفصل الرابع : شىء من خبر دانيال عليه السلام .
الفصل الخامس : عمارة بيت المقدس فى عهد أرميا .
الفصل السادس: قصة « العزير » .
الفصل السابع : نبوة « العزير » .

ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل
بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى
عليهم السلام
[ الفصل الأول ]
[ قصة شعيا بن أمصيا عليه السلام]
فمنهم شعيا بن أمصیا . قال محمد بن إسحاق : و کان قبل ز کریا ویحیی
وهو ممن بشر بعيسي ومحمد عليهما السلام . وكان في زمانه ملك اسمه حزقيا على
بني إسرائيل ببلاد بيت المقدس ، وكان سامعاً مطيعاً لشعيا فيما يأمره به وینهاه
عنه من المصالح ، وكانت الأحداث قد عظمت في بني إسرائيل ، فمرض الملك
وخرجت في رجله قرحة ، وقصد بيت المقدس ملك بابل في ذلك الزمان وهو
سنحاريب . قال ابن إسحاق : في ستمائة ألف راية .
وفزع الناس فزعاً عظيماً شديداً . وقال الملك للنبي شعيا : ماذا أوحى الله
إليك في أمر سنحاريب وجنوده ؟ فقال : لم يوح إلى فيهم شيء بعد ، ثم نزل عليه
الوحي بالأمر للملك حزقيا بأن يوصى ويستخلف على ملكه من يشاء ، فإنه قد
اقترب أجله . فلما أخبره بذلك أقبل الملك على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى
فقال وهو بيكي ويتضرع إلى الله عز وجل بقلب مخلص وتؤكل وصبر : اللهم
رب الأرباب وإله الآلهة يا رحمن يا رحيم ، يا من لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني
بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك فأنت أعلم به
من نفسي ، سري وإعلاني لك .
قال : فاستجاب الله له ورحمه وأوحى الله إلى شعيا أن يبشره بأنه قد رحم
بكاءه وقد أخر في أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب فلما قال له
ذلك ذهب منه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن وخر ساجداً وقال في سجوده :
اللهم أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من
٦٣٧

تشاء ، عالم الغيب والشهادة ، فأنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم
وتستجيب دعوة المضطرين .
فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على
فرحته فيشفى ويصبح قد بريء . ففعل ذلك فشفى .
وأرسل الله علی جیش سنحاريب الموت فأصبحوا وقد هلکوا کلهم سوى
سنحاريب وخمسة من أصحابه منهم بختنصر فأرسل ملك بنى إسرائيل فجاء بهم
فجعلهم في الأغلال وطاف بهم البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم سبعين
يوماً ، ويطعم كل واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير ، ثم أودعهم السجن
وأوحى الله تعالى إلى شعيا أن يأمر الملك بإرسالهم إلى بلادهم لينذروا قومهم ما
قد حل بهم ، فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخبرهم بما قد كان من أمرهم
فقال له السحرة والكهنة : إنا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلم تطعنا ، وهى
أمة لا يستطيعها أحد من ربهم فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به . ثم مات
سنحاريب بعد سبع سنين .
قال ابن إسحاق : ثم لما مات حزقيا ملك بني إسرائيل مرج أمرهم واختلطت
أحداثهم ، وكثر شرهم ، فأوحى الله تعالى إلى شعيا فقام فيهم فوعظهم وذكرهم
وأخبرهم عن الله بما هو أهله وأنذرهم بأسه وعقابه ، إن خالفوه و كذبوه . فلما
فرغ من مقالته عدوا عليه وطلبوه ليقتلوه ، فهرب منهم فمر بشجرة فانفلتت له
فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها فلما رأوا ذلك جاءوا
بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها ، فإنا لله وإنا إليه
راجعون(١) .
(١) لا سند هذه الواقعة من الروايات الإسلامية ، فھی هذا من الإسرائیلیات التي لا تصدق ولا تكذب إلا إذا
خالفت الحق .
٦٣٨

[ الفصل الثاني ]
ومنهم أرميا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب
وقد قيل إنه الخضر . رواه الضحاك عن ابن عباس . وهو غريب وليس
بصحيح .
قال ابن عساكر : جاء في بعض الآثار أنه وقف علی دم یحیی بن ز کریا وهو
پفور بدمشق فقال : أيها الدم ... فتنت الناس فاسكن . فسكن ورسب حتى
غاب .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني علي بن أبي مريم ، عن أحمد بن
حباب ، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال : قال أرميا : أي رب ... أي عبادك
أحب إليك ؟ قال : أكثرهم لي ذكرا، الذين يشتغلون بذكري عن ذكر
الخلائق ، الذين لا تعرض لهم وساوس الفناء ، ولا يحدثون أنفسهم بالبقاء ، الذين
إذا عرض لهم عيش الدنيا قلوه وإذا زوي عنهم سروا بذلك ، أولئك أنحلهم محبتي
وأعطيهم فوق غاياتهم .
٦٣٩

[ الفصل الثالث ]
ذكر خراب بيت المقدس
وقوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِِّى إِسْرَائِيلَ أَلَّا
تَّخِذُوا مِن دُونِى وَكِيلاً (( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدَأَ شَكُوراً .
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِى إِسْرَائِلَ فِى الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنْ فِىِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُواً
كَبِيراً * فَإِذَاَ جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادَاً لََّا أُوْلِ بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا
◌ِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدَاً مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَذِنَاكُم
بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ، إِنْ أُحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأُمْ
فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ
أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيْتَبِّرُوا مَاعَلَوْا ◌َشِيراً، عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنًا
وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ﴾(١)
وقال وهب بن منبه : أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا
حين ظهرت فيهم المعاصي : أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أن لهم قلوباً ولا
يفقهون ، وأعينا ولا يبصرون وآذانا ولا يسمعون ، وإني تذكرت صلاح آبائهم
فعطفني ذلك على أبنائهم . فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي ، وهل سعد أحد
ممن عصاني بمعصيتي ، وهل شقى أحد ممن أطاعني بطاعتي ؟ إن الدواب تذكر
أوطانها فتنزع إليها وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم
والتمسوا الكرامة من غير وجهها ، أما أحبارهم فأنكروا حقي وأما قراؤهم فعبدوا
غيري ، وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا ، وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى
رسلي ، خزنوا المكر في قلوبهم وعودوا الكذب ألسنتهم ، وإنى أقسم بجلالي وعزتي
لأهيجن عليهم جيولاً لا يفقهون ألسنتهم ولا يعرفون وجوههم ولا يرحمون
بكاءهم ، ولأبعثن فيهم ملكاً جباراً قاسياً له عساكر كقطع السحاب ومواكب
(١) سورة الإسراء الآيات : ٢ - ٨ .
٦٤٠