Indexed OCR Text
Pages 601-620
رجل ، عن وهب بن منبه قال: إن في حكمة آل داود : حقّ على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب ، وحق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويقبل على شأنه ، وحق على العاقل ألا يظعن إلا في إحدى ثلاث : زاد لمعاده ومرمة لمعاشه ، ولذة في غير محرم. وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا ، عن أبي بكر بن أبي خيثمة ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن أبي الأغر ، عن وهب بن منبه ، فذكره . ورواه أيضا عن علي بن الجعد ، عن عمر بن الهيثم الرقاشي عن أبي الأغر ، عن وهب بن منبه فذكره . وأبو الأغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته . قاله ابن عساكر . وقال عبد الرزاق : أنبأنا بشر بن رافع ، حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له أبو عبد الله ، قال : سمعت وهب بن منبه ، فذكر مثله . وقد أورد الحافظ ابن عساكر في ترجمة ( داود عليه السلام ) أشياء كثيرة مليحة منها قوله : كن لليتيم كالأب الرحيم ، واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد . وروى بسندٍ غريب مرفوعا : قال داود : يا زارع السيئات أنت تحصد شو کها وحسكها . وعن داود عليه السلام أنه قال : مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم كمثل المغني عند رأس الميت . وقال أيضا : ما أقبح الفقر بعد الغنى وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى . وقال : انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت . وقال : لا تعدن أخاك بما لا تنجزه له ، فإن ذلك عداوة ما بينك وبينه . وقال محمد بن سعد (٣٠): أنبأنا محمد بن عمر الواقدي ، حدثني هشام بن سعيد ، عن عمر مولى غفرة، قال: قالت يهود، لما رأت رسول الله عَ ل يتزوج (٣٠) هذه الرواية من الإسرائيليات المردودة التى تنافى عصمة الأنبياء ( انظر: كتب الدخيل ) . ٦٠١ النساء ! انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام ولا والله ما له همة إلا إلى النساء : حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك فقالوا : لو كان نبيا ما رغب في النساء . وكان أشدهم في ذلك حيي بن أخطب ، فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله وسلامه عليه فقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣١). يعني بالناس رسول الله عَّهِ ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَّةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ (٣١) يعني لما أتى الله سليمان ابن داود كانت له ألف امرأة : سبعمائة مهرية وثلاثمائة سرية ، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة . هذا أكثر مما لمحمد عَ لّه. وقد ذكر الكلبي نحو هذا وأنه كان لداود عليه السلام مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة ، منهن ثلاثمائة سرية . وروی الحافظ في تاريخه في ترجمة صدقة الدمشقي الذي یروي عن ابن عباس من طريق الفجر بن فضالة الحمصي ، عن أبي هريرة الحمصي ، عن صدقة الدمشقي ، أن رجلا سأل ابن عباس عن الصيام فقال : لأحدثنك بحديث كان عندي في البحث مخزونا ،إن شئت أنباتکم بصوم داود فإنه كان صواما قواما وكان شجاعا لا يفر إذا لاقى ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، وقال رسول الله عَطاهٍ: (( أفضل الصيام صيام داود )) وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا يكوِّن (٣٢) فيها، وكانت له ركعة من الليل بیکي فيها نفسه وبيكي بيكائه كل شيء ويصرف بصوته المهموم والمحموم . وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام ومن وسطه ثلاثة أيام ومن آخره ثلاثة أيام ، يستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام ويختمه بصيام . وإن شئت أنباتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى بن مريم ، فإنه كان يصوم الدهر. ويأكل الشعير ويلبس الشعر ، يأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد ، ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب ، وكان أينما أدركه الليل صف بين قدميه وقام يصلي (٣١) النساء : ٥٤ . (٣٢) بكسر الواو مع التشديد . ٦٠٢ حتى يصبح ، وكان راميا لا يفوته صيد يريده ، وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم . وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران ، فإنها كانت تصوم يوما وتفطر يومين . وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأمي محمد عَ له فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ويقول : إن ذلك صوم الدهر . وقد روى الإمام أحمد عن أبي النضر ، عن فرج بن فضالة ، عن أبي هرم عن صدقة عن ابن عباس مرفوعا في صوم داود . ٦٠٣ [ الفصل الثانى] ذكر كمية حياته وكيفية وفاته قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم أن الله لما استخرج ذريته من ظهره فرأى فيهم الأنبياء عليهم السلام ورأى فيهم رجلا يزهر فقال : أي رب .. من هذا ؟ قال : هذا ابنك داود قال : أي رب .. كم عمره ؟ قال : ستون عاما . قال : أي رب .. زد في عمره . قال : لا ، إلا أن أزيده من عمرك ، وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاما فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال : بقي من عمري أربعون سنة ونسي آدم ما كان وهبه لولده داود فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود مائة سنة . رواه أحمد عن ابن عباس ، والترمذي وصححه عن أبي هريرة ، وابن خزينة وابن حبان . وقال الحاكم: على شرط مسلم . وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة آدم(١) . " قال ابن جرير: وقد زعم أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعا وسبعين سنة . قلت : هذا غلط مردود عليهم ، قالوا : وكانت مدة ملكه أربعين سنة ، وهذا قد يقبل نقله لأنه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه . وأما وفاته علیه السلام فقال الإِمام أحمد في مسنده : حدثنا قبيصة ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله عَّه قال : كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة فكان إذا خرج أغلق الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع . قال : فخرج ذات يوم وغُلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت (١) تاريخ الطبري جـ ١ / ٣٤٣. ٦٠٤ لمن في البيت : من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة ، والله لنفضحن بداود . فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار فقال له داود : من أنت ؟ فقال : أنا الذى لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب . فقال داود : أنت والله إذن ملك الموت مرحباً بأمر الله . ثم مكث حتى قبضت روحه فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس ، فقال سليمان للطير : أظلي على داود . فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض ، فقال سليمان للطير : اقبضي جناحا . قال أبو هريرة : فطفق رسول الله عَِّ يرينا كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله عَ لمه بيده، وغلبت عليه يومئذ المضرحية . انفرد بإخراجه الإِمام أحمد وإسناده جيد قوي رجاله ثقات(٢) ، ومعنى قوله: ((وغلبت عليه يومئذ المضرحية)) أي وغلبت على التظليل عليه المضرحية وهي الصقور الطوال الأجنحة واحدها مضرحى . فقال الجوهري : هو الصقر الطويل الجناح . وقال السدي عن أبي مالك، عن ابن مالك ، عن ابن عباس قال : مات داود عليه السلام فجأة وكان بسبت . وكانت الطير تظله . وقال السدي أيضا ، عن أبي مالك وعن سعيد بن جبير قال : مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة . وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال مات داود عليه السلام وهو ابن مائة سنة ومات يوم الأربعاء فجأة . وقال أبو السكن الهجري : مات إبراهيم الخليل فجأة وداود فجأة وابنه سليمان، فجأة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . رواه ابن عساكر(٣). وروى عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه فقال له : دعني أنزل أو أصعد ، فقال : يا نبي الله .. قد نفدت السنون والشهور والآثار والأرزاق . قال : فخر ساجدا على مرقاة من تلك المراقي فقبضه وهو ساجد . (٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٤١٩ . (٣) مسند أحمد جـ ١ / ٤١٩ . ٦٠٥ وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا وافر بن سليمان عن أبي سليمان الفلسطيني عن وهب بن منبه قال : إن الناس حضروا جنازة داود عليه السلام فجلسوا في الشمس في يوم صائف قال : وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس ، ولم يمت في بنى إسرائيل بعد موسى وهارون أحد كانت بنو إسرائيل أشد جزعا عليه منهم على داود . قال : فآذاهم الحر فنادوا سليمان عليه السلام أن يعمل لهم وقاية لما أصابهم من الحر ، فخرج سليمان فنادى الطير فأجابت فأمرها أن تظل الناس ، فتراص بعضها إلى بعض من كل وجه ، حتى استمسكت الريح فكاد الناس أن يهلكوا غما فصاحوا إلى سليمان عليه السلام من الغم ، فخرج سليمان فنادى الطير أن أظلي الناس من ناحية الشمس وتنحي عن ناحية الريح . ففعلت فكان الناس في ظل تهب عليهم الريح ، فكان ذلك أول ما رأوه من ملك سليمان . وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع ، حدثني الوليد بن مسلم ، عن الهيثم بن حميد، عن الوضين بن عطاء ، عن نصر بن علقمة ، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء. قال: قال رسول الله عَ له: لقد قبض الله داود من بين أصحابه ما فتنوا ولا بدلوا ، ولقد مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنة . هذا حديث غريب وفي رفعه نظر ، والوضين بن عطاء كان ضعيفا في الحديث .. والله أعلم . ٦٠٦ الباب السابع عشر قصة سليمان بن داود عليهما السلام الفصل الأول : قصة سليمان . الفصل الثانى : وفاته وكم كانت مدة ملكه وحياته .. ؟ . [ الفصل الأول] قصة سليمان بن داود عليهما السلام قال الحافظ ابن عساكر : وهو سليمان بن داود بن أيشا بن عويد بن عابر ابن سلمون بن تخشون بن عمينا أداب بن إرم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبي الربيع نبي الله بن نبي الله(١) . جاء في بعض الآثار أنه دخل دمشق . قال ابن ماكولا : فارص بالصاد المهملة ، وذكر نسبه قريبا مما ذكره ابن عساكر . قال الله تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِيْنَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (٢) . أي ورثه في النبوة والملك ، وليس المراد ورثه في المال ، لأنه قد كان له بنون غيره ، فما كان ليخص بالمال دونهم ، ولأنه قد ثبت في الصحيح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله عَ لّم قال: ((لا نورث ما تركنا فهو صدقة))(٣) وفي لفظه: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) (٤) فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم ، بل تكون أموالهم صدقة من بعدهم على الفقراء والمحاويج لا يخصون بها أقرباءهم ، لأن الدنيا كانت أهون عليهم وأحقر عندهم من ذلك كما هيٍ عند الذي أرسلهم واصطفاهم وفضلهم . وقال ﴿ يَايُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرٍ وَأُوتِيْنَا مِن كُلِ شَيْءٍ ﴾ يعني أنه عليه السلام كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها . (١) تهذيب ابن عساكر جـ ٥ / ١٩٠ ذكر من اسمه داود . (٢) النمل : ١٦ .. (٣) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب فرض الخمس ، باب فرض الخمس . (٤) سيأتى - إن شاء الله - من عدة طرق فى قصة زكريا عليه السلام. ٦٠٩ وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا علي بن حشاد ، حدثنا إسماعيل بن قتيبة ، حدثنا علي بن قدامة ، حدثنا أبو جعفر. الأسواني ، يعني محمد بن عبد الرحمن : عن أبي يعقوب العمي ، حدثني أبو مالك ، قال : مر سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : وما يقول يا نبي الله ؟ قال : يخطبها إلى نفسه ويقول زوجيني أسكنك أي غرف دمشق شئت ! قال سليمان عليه السلام : لأن غرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد ، ولكن كل خاطب كذاب ! . رواه ابن عساكر عن أبي القاسم زاهر بن طاهر ، عن البيهقي به وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات ، والدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات: ﴿ وَأُوتِيْنَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي من كل ما يحتاج الملك إليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات. ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ﴾ أي من بارىء البريات وخالق الأرضِ والسموات كما قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَّعُونَ ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا التَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّنٍ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِغْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ (٥). (٦) يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يوما في جيشه جميعه من الجن والإِنس والطير ، فالجن والإنس يسيرون معه والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة - أي نقباء - يردون أوله على آخره ، فلا يتقدم أحد عن موضعه (٥) النمل : ١٧ - ١٩. (٦) تهذيب ابن عساكر جـ ٦ / ٢٦٩. ٦١٠ الذي يسير فيه ولا يتأخر عنه قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور . وقد ذكر وهب أنه مر وهو على البساط بواد بالطائف وأن هذه النملة كان اسمها جرسا ، وكانت من قبيلة يقال لها بنو الشيصبان وكانت عرجاء وكانت بقدر الذئب . وفي هذا کله نظر ، بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكبا في خيوله وفرسانه ، لا كما زعم بعضهم من أنه كان إذ ذاك على البساط لأنه لو كان كذلك لم ينل النمل منه شيء ولا وطء، لأن البساط كان عليه جميع ما يحتاجون إليه من الجيوش والخيول والجمال والأثقال والخيام والأنعام والطير من فوق ذلك كله، كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى . والمقصود أن سليمان عليه السلام فهم ما خاطبت به تلك النملة لأمتها من الرأي السديد والأمر الحميد وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره ، وليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب کانت تنطق قبل سلیمان و تخاطب الناس حتى أخذ علیهم سليمان بن داود العهد وألجمها فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك ، فإنه هزل لا يقوله إلا الذين لا يعلمون ، ولو كان هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم مقالها مزية على غيره إذ قد كان الناس كلهم يفهمون ذلك ، ولو كان قد أخذ عليها العهد ألا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها لم يكن في هذا أيضا فائدة يعول عليها ، ولهذا قال : ﴿ رَبِّ أُوْزِغْنِي﴾ أى ألهمنى وأرشدنى ﴿أَنْ أُشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحَا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره وأن ييسر عليه العمل الصالح وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين وقد استجاب الله تعالى له . والمراد بوالديه داود عليه السلام وأمه ، وكانت من العابدات الصالحات كما قال سنید بن داود ، عن يوسف بن محمد بن المنكدر ، عن أبيه ، عن جابر ، عن ٦١١ النبي عَ لّم قال: ((قالت أم سليمان بن داود: يا بني .. لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع العبد فقيرا يوم القيامة)) (٧) .. رواه ابن ماجه عن أربعة من مشايخه عنه به نحوه . وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، أن سليمان بن داود عليه السلام خرج هو وأصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة إحدى قوائمها تستسقي ، فقال لأصحابه : ارجعوا فقد سقيتم، إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها . قال ابن عساكر : وقد روى مرفوعا ولم يذكر فيه سليمان . ثم ساقه من طریق محمد بن عزیز ، عن سلامة بن روح بن خالد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة ، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله عَّم يقول: ((خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون الله فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال النبي : ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه الثملة)) (٨). وقال السدي : أصاب الناس قحط على عهد سليمان عليه السلام ، فأمر الناس فخرجوا فإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول: (( اللهم أنا خلق من خلقك ولا غناء بنا من فضلك)). قال : فصب الله عليهم المطر . # وقال الله تعالى: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ . لَأُعَذْبِنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأُذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أُحَطْتُ بِمَّا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَا بِنَبَا يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُ امْرَأَةٌ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَّهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ (٧) أخرجه ابن ماجه فى سننه ، كتاب الإقامة ، باب ما جاء فى قيام الليل - وجاء فى التعليق عليه : [ جاء فى الزوائد : هذا إسناد فيه سنيد بن داود ، وشيخه يوسف بن محمد وهما ضعيفان ] . (٨) ذكره ابن عساكر فى تاريخه . ٦١٢ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُحْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ )» اللهُ لَا إِلَّهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) قَالَ سَنَنظُرُ أُصَدَقْتَ أُمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ » اذْهَبِ بُّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ ◌َوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ، قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَأُّ إِنَّ أُلْقِىَ إِلَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، أَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأُتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلأُّ أَقْتُونِي فِي أُمَرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أُمْراً حَتَّى تَشْهَدُون ﴾ قَالُوا نَحْنُ أُولُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍِ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخُلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوِهَا وَجَعَلُوا أُعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذِّلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتْمِدُونِنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُم بِهَدِئَِّكُمْ تَفْرَحُونَ « ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَأْتِيَّنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَّنُخْرِ جَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٩) . يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد ، وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون يقدمون بما يطلب منهم ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك ، وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء في القفار في حال الأسفار يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء ، وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض ، فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم . فلما تطلبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه من محل خدمته فَقَالَ مَالِيَ لَا أُرَى الْهُدْهُدَ أُمْ كَانَ مِنَ الْغَائِينَ ﴾ أي ماله مفقود من هاهنا أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي ﴿لَأَعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾ توعده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه، والمقصود حاصل على تقدير ﴿ أُوْ لَأَذْبَحَتَّهُ أُوْ لَأْتِيَّنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي بحجة تنجيه من هذه الورطة (١٠). قال الله تعالى: ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ أي فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة (٩) النمل : ٢٠ - ٣٧ . (١٠) تاريخ الطبري جـ ١ / ٣٤٧. ٦١٣ ثم قدم منها ((فقال)) لسليمان ﴿ أَحَطِتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي اطلعت على ما لم تطلع عليه ﴿ وَجِئْتُكَ مِنِ سَبَّا بِنَبٍَ يَقِينٍ﴾ أي بخبر صادق ﴿ إِنِّ وَجَدتُ امْرَأَةٌ تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يذكر ما كان عليه ملوك سبإٍ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين ، وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم . وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملكوا عليهم بعد أبيها رجلا فعم به الفساد ، فأرسلت إليه تخطبه فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمرا ثم حزت رأسه ونصبته على بابها ، فأقبل الناس عليها وملكوها عليهم وهي بلقيس بنت السيرح وهو الهدهاد . وقيل شراحيل بن ذي جدن بن السيرح بن الحارث بن قيس بن صيفي ابن سبإٍ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، وكان أبوها من أكابر الملوك وكان قد تأبى أن يتزوج من أهل اليمن ، فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن ، فولدت له هذه المرأة واسمها تلقمة ويقال لها بلقيس . وقد روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي عَ لّه أنه قال: كان أحد أبوي بلقيس جنيا . وهذا حديث غريب وفي سنده ضعف . وقال الثعلبي : أخبرني أبو عبد الله بن قبحونة ، حدثنا أبو بكر بن حرجة ، حدثنا ابن أبي الليث ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال ذكرت بلقيس عند رسول الله عَ ليه فقال: ((لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)). وإسماعيل بن مسلم هذا هو المكي ضعيف . وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عوف ، عن الحسن عن أبي بكرة أن رسول الله عَ ليه لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى قال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))(١١). ورواه الترمذي والنسائي من حديث حميد ، عن الحسن ، عن أبي بكرة، عن (١١) أخرجه فى صحيحه، كتاب المغازى، باب كتاب النبى عَّه إلى كسرى وقيصر. ٦١٤ النبي عَ ◌ِّ بمثله وقال الترمذي: حسن صحيح. وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعني سرير مملكتها كان مزخرفا بأنواع الجواهر واللآلىء والذهب والحلى الباهر . ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصده إياهم عن عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون ، أي يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات: ﴿اللّهُ لَا إِلَّهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات . فعند ذلك بعث سليمان عليه السلام كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله والإِنابة والإِذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه ولهذا قال لهم: ﴿ أَلَّ تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري وَأَثُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ أي وأقدموا عليّ سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة ، فلما جاءها الكتاب مع الطير ، ومن ثم اتخذ الناس البطائق ، ولكن أين الثريا من الثرى ! ، تلك البطاقة كانت مع سائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له ، فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها ، فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ ثم قرأت عليهم عنوانه أولا ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ ثم قرأته ﴿ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأَثُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَأُّ أَقْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أُمْراً حَتَّى تَشْهَدُونَ ﴾ تعني ما كنت لأبت أمرا إلا وأنتم حاضرون ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُواْ قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال ، فإن أردت منا ذلك فإنا عليه من القادرين ﴿وَ﴾ مع هذا ﴿الأُمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾ فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة ، وفوضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم . فكان رأيها أتم وأسدّ من رأيهم ، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ٦١٥ ولا يمانعٍ ولا يخالف ولا يخادع ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخُلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أُعِزَّةَ أَهْلِهَا أُذِلَةً وَ كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقول برأيها السديد: إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم إلا إليّ ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا عليّ ﴿ وَإِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها ، ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم والحالة هذه صرفا ولا عدلا ، لأنهم كافرون ، وجنوده عليهم قادرون . ولهذا ﴿ لَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُّمِدُونِنِ بِمَالٍ فَمَا آثَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بِلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ (١٢) . هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة ، ذكره المفسرون . ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون : ﴿ ارْجِعْ إِلَّيْهِمْ فَلَتَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُحْرِ جَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ يقول ارجع بهديتك التي قدمت بها إلى مَنَ قد مَنَّ (١٣) بها فإن عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إلي من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه ﴿ فَلْتَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَّهُم بِهَا ﴾ أي فلأبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ عليهم الصغار والعار والدمار . فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بد من السمع والطاعة ، فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين . فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم إليه قال من بین یدیه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن: ﴿ قَالَ بَأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِنِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الْجِنَّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ ﴾ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن (١٢) النمل: ٣٦ بلفظ ﴿فَلَمَّا ... ﴾. (١٣) بفتح الميم وتشديد النون مع الفتح . ٦١٦ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوْنِي أَأَشْكُرُ أُمْ أُكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَتَىٌّ كَرِيمٌ ﴾ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أُمْ تَكُونُ مِن الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأُنَّهُ هُوَ وَأُوتِنَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمِ كَافِرِينَ * قِيلَ لَّهَا اذْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأْتُهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنِ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مَّمَرَّدٌ مِن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١٤). لما طلب سلیمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس ، وهو سرير مملکتها التي تجلس عليه وقت حكمها ، قبل قدومها عليه ﴿ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنًا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ يعني قبل أن ينقضي مجلس حكمك وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريبٍ الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال ﴿ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيُّ أُمِينٌ ﴾ أي وإني لذو قدرة على إحضاره إليك وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك ﴿ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ ﴾ المشهور أنه آصف بن برخیا وهو ابن خالة سليمان ، وقيل هو رجل من مؤمني الجان ، كان فيما يقال يحفظ الاسم الأعظم . وقيل رجل من بني إسرائيل من علمائهم . وقيل : إنه سليمان ، وهذا غريب جدا . وضعفه السهيلي بأنه لا يصح في سياق الكلام. قال وقد قيل فيه قول رابع وهو : جبريل : ﴿ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرَّْدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ قيل معناه قبل أن تبعث رسولا إلى أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك . وقيل قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من الناس . وقيل قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك . وقيل قبل أن يرجّع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته . وهذا أقرب ما قيل . فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾ أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين ﴿قَالَ هَذَا مِن (١٤) النمل: ٣٨ - ٤٤ والطبري جـ ١ / ٣٤٨. ٦١٧ 'ے فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ أي هذا من فضل الله علي وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه ﴿وَمَنِ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِتَفْسِهِ ﴾ أي إنما يعود نفع ذلك عليه ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّ غَنِيّ کرِيمٌ ﴾ أي غني عن شکر الشاکرین ولا يتضرر بكفر الكافرين . ثم أمر سليمان عليه السلام أن يغير حلى هذا العرش وينكر لها ليختبر فهمها وعقلها ولهذا قال: ﴿يَنظُرُ أَتَهْتَدِي أُمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ* فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أُهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ﴾ وهذا من فطنتها وغزارة فهمها ، لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن ، ولم تكن تعلم أن أحدا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب ، قال الله تعالى إخبارا عن سليمان وقومه: ﴿وَأُوتِنَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ، وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمِ كَافِرِينَ ﴾ أي ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله اتباعا لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم إلی ذلك ولا حداهم علی ذلك . وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج وعمل في ممره ماء ، وجعل عليه سقفا من زجاج ، وجعل فيه السمك وغيرها من دواب الماء ، وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه ﴿ فَلَمَّا رَأَتُهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةٌ وَكَشَفَتْ عَنِ سَأَقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِير قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأُسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد قيل إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها ، وخشوا أن يتزوجها لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه . وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة وهذا ضعيف وفي الأول نظر .. والله أعلم . إلا أن سليمان قيل إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوجها سأل الإنس عن زواله فذكروا له الموسى ، فامتنعت من ذلك فسأل الجان فصنعوا له النورة ، ووضعوا له الحمام ، فكان أول من دخل الحمام ، فلما وجد مسه قال : أوه من عذاب أوه أوه قبل أن ينفع أوه (١٥). (١٥) تفسير الطبري جـ ٢٠ / ١٠٧ . ٦١٨ وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها اقرها على مملكة اليمن وردها إليه ، كان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط ، وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن : غمدان وسالحين وبيتون .. فالله أعلم . وقد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أن سليمان لم يتزوجها بل زوجها بملك همدان وأقرها على ملك اليمن وسخر زوبعة ملك اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن . والأول أشهر وأظهر .. والله أعلم . وقال تعالى في سورة ص : ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (* إِذْ ◌ُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّفِتَاتُ الْجِيَادُ . فَقَالَ إِنِّي أُحْبَيْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنِ ذِكْرٍ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ » رُدُّوِهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحَاً بِالسُّقِ وَالأَعْنَاقِ ، وَلَقْدٍ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدَاً ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكَاً لَّا يَنْبَغِي لِأُحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ، فَسَخَّرْنًا لَهُ الْرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُحَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخِرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ . هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ » وَإِنَّ لَّهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾(١٦) . يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان عليهما السلام ، ثم أثنى الله تعالى عليه فقال: ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي رجاع مطيع لله. ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة ، الجياد وهي المضمرة السراع . فَقَالَ إِنِّي أُحبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرٍ رَبِّي حَتَّى تَوَارَت بِالْحِجَابِ يعني الشمس. وقيل الخيل على ما سنذكره من القولين. ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَّفِقٍ مَسْحَاً بِالسُّوقِ وَالأَعْتَاقِ ) قيل مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف . وقيل مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها بين يديه على القول الآخر . والذي عليه أكثر السلف الأول ، فقالوا اشتغل بعرض تلك الخيول حتى (١٦) سورة ص : ٣٠ - ٤٠ . ٦١٩ خرج وقت العصر وغربت الشمس . روى هذا عن علي بن أبي طالب وغيره . والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدا من غير عذر ، اللهم إلا أن يقال إنه كان سائغا في شريعتهم ، فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك (١٧). وقد ادعى طائفة من العلماء في تأخير النبي عَ لله صلاة العصر يوم الخندق أن هذا كان مشروعا إذ ذاك حتى نسخ بصلاة الخوف ، قاله الشافعي وغيره . وقال مكحول والأوزاعي : بل هو حكم محكم إلى اليوم أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد . كما ذكرنا تقرير ذلك في سورة النساء عند صلاة الخوف . وقال الآخرون : بل كان تأخير النبي عَ لله صلاة العصر يوم الخندق نسيانا وعلى هذا فيحمل فعل سليمان عليه السلام على هذا .. والله أعلم . وأما من قال : الضمير في قوله : ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ عائد على الخيل وأنه لم تنته وقت صلاة وأن المراد بقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والأَعْنَاقِ ﴾ يعني مسح العرق عن عراقيبها وأعناقها ، فهذا القول اختاره ابن جرير ورواه الوالبي عن ابن عباس في مسح العرق . ووجه هذا القول ابن جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة ويهلك مالا بلا سبب ولا ذنب لها (١٨) . وهذا الذي قاله فيه نظر لأنه قد يكون هذا سائغا في ملتهم وقد ذهب بعض علمائنا إلى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شيء من الحيوانات من أغنام ونحوها جاز ذبحها وإهلاكها لئلا يتقووا بها . وعليه حمل صنيع جعفر بن أبى طالب (١٩) يوم عقر فرسه بمؤتة . وقد قيل إنها كانت خيلا عظيمة . قيل كانت عشرة آلاف فرس . وقيل كانت عشرين ألف فرس . وقيل كان فيها عشرون فرسا من ذوات الأجنحة . وقد روى أبو داود في سننه : حدثنا محمد بن عوف ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أنبأنا يحيى بن أيوب ، حدثني عمارة بن غزية ، أن محمد بن إبراهيم حدثه عن محمد بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قدم رسول الله عَ ليه (١٧) تفسير الطبري جـ ٢٣ / ٩٩. (١٨) تفسير الطبري جـ ٢٣ / ١٠٠. (١٩) جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب القرشى الهاشمى ، استشهد يوم مؤتة عن إحدى وأربعين سنة . [ أسد الغابة ١ / ٣٤١ ]. ٦٢٠