Indexed OCR Text
Pages 581-600
[الفصل الثالث ] أمر بني إسرائيل من وفاة « يوشع بن نون » إلى مبعث « شمويل » قال ابن جرير وغيره : ثم مرج أمر بني إسرائيل وعظمت منهم الخطوب والخطايا وقتلوا من قتلوا من الأنبياء وسلط الله عليهم بدل الأنبياء ملوكا جبارين يظلمونهم ويسفكون دماءهم وسلط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضا ، وكانوا إذا قاتلوا أحدا من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان فيه قبة الزمان . كما تقدم ذكره . فكانوا يُنصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون . فلما كان في بعض حروبهم من أهل غزة (١) وعسقلان (٢) غلبوهم وقهروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم ، فلما علم بذلك ملك بني إسرائيل في ذلك الزمان مالت عنقه فمات كمدا . وبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راع حتى بعث الله فيهم نبيا من الأنبياء يقال له شمويل ، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا ليقاتلوا معه الأعداء ، فكان من أمرهم ما سنذكره مما قص الله في كتابه . قال ابن جرير : فکان من وفاة یوشع بن نون إلى بعث الله عز وجل شمويل ابن بالي أربعمائة سنة وستون سنة . ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك الذين ملكوا عليهم وسماهم واحدا واحدا تركنا ذكرهم قصدا . (١) غزة: مدينة فى أقصى الشام من ناحية مصر. [ معجم البلدان ٤ / ٢٠٢ ]. (٢) عسقلان: مدينة بفلسطين على ساحل البحر المتوسط. [ معجم البلدان ٤ / ١٢٢ ]. ٥٨١ [ الفصل الرابع] قصة شمويل عليه السلام وفيها بدء أمر داود عليه السلام هو سمویل ۔۔ ویقال أشمویل - بن بالي بن علقمة بن یرخام بن اليهو بن تهو ابن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموضا بن عزريا . قال مقاتل : وهو من ورثة هارون . وقال مجاهد : هو أشمويل بن هلفاقا ، ولم يرفع في نسبه أكثر من هذا .. والله أعلم . حكى السدي بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة والثعلبي وغيرهم : أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل وقتلوا منهم خلقا كثيرا وسبوا من أبنائهم جمعا كثيرا وانقطعت النبوة من سبط لاوى ولم يبق فيهم إلا امرأة حبلى، فجعلت تدعو الله عز وجل أن يرزقهاولدا ذكرا ، فولدت غلاما فسمته أشمويل ، ومعناه بالعبرانية إسماعيل ، أي سمع الله دعائي(١) . فلما ترعرع ، بعثته إلى المسجد وأسلمته عند رجل صالح فيه يكون عنده ليتعلم من خَيْره وعبادته ، فكان عنده فلما بلغ أشده بينما هو ذات ليلة نائم إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد فانتبه مذعورا فظنه الشيخ يدعوه فسأله : أدعوتني ؟ فكره أن يفزعه فقال : نعم .. ثم . فنام . ثم ناداه الثانية فكذلك ثم الثالثة فإذا جبريل يدعوه ، فجاءه فقال : إن ربك قد بعثك إلى قومك . فكان من أمره معهم ما قص الله في كتابه . (١) تاريخ الطبري جـ ١ / ٣٢٩ - ٣٣٠. ٥٨٢ قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿أُلَمْ ثَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِلَ مِن بَعْدٍ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِتَبِّ لَّهُمُ ابْعَثِ لَنَا مَلِكَأَ تُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِقَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَّيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَالَنَا أَلَّ تُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دَيَارِنَا وَأَبْنَائِنَافَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مَنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَّهُمْ نِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَأْ قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَّهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْثَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةً مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُّ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ الَهَ مُبْتَلِكُم بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَّمَّا جَاوَرَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَّنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِذْنِ اللّهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَّمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أُفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانِصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَةُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾(٢). ء قال أكثر المفسرين : كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل . وقيل شمعون وقيل هما واحد . وقيل يوشع، وهذا بعيد لما ذكره الإمام. أبو جعفر بن جرير في تاريخه : أن بين موت يوشع وبعثة شمويل أربعمائة سنة وستين سنة .. فالله أعلم (٣). والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب وقهرهم الأعداء سألوا نبي الله في ذلك الزمان وطلبوا منه أن ينصب لهم ملكا يكونون تحت طاعته ليقاتلوا من (٢) البقرة : ٢٤٦ - ٢٥١٠ . (٣) تفسير الطبري جـ ٢ / ٣٧٣ . ٥٨٣ ورائه ومعه وبين يديه الأعداء، فقال لهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا تُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي وأي شيء يمنعنا من القتال ﴿ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِئًا وَأَبْنَائِنَا ﴾ . يقولون نحن محروبون موتورون ، فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا المنهورين المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم . قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ كما ذكر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهر مع الملك إلا القليل الباقون رجعوا ونكلوا عن القتال . وَقَالَ لَّهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً ﴾ قال الثعلبي : وهو طالوت بن قيش بن أفيل بن صارو بن تحورت بن أفيح بن أنيس بن بنيامين ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . قال عكرمة والسدي : كان سقاء ! وقال وهب بن منبه : كان دباغا . وقيل غير ذلك .. والله أعلم (٤) . ولهذا ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ ولقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوى وأن الملك كان في سبط يهوذا ، فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه وطعنوا في إمارته عليهم وقالوا نحن أحق بالملك منه وقد ذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه فكيف يكون مثل هذا ملكا . قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. قيل : كان الله قد أوحى إلى شمويل أن أي بني إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا وإذا حضر عندك يفوز هذا القرن الذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم . فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت ولما حضر عند شمويل فاز ذلك القرن فدهنه منه وعينه الملك عليهم وقال لهم: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِي الْعِلْمِ ﴾ قيل في أمر الحروب وقيل بل مطلقا ﴿ وَالْجِسْمِ﴾ قيل الطول وقيل الجمال، والظاهر من السياق أنه (٤) تفسير الطبري جـ ٢ / ٣٧٩ . ٥٨٤ كان أجملهم وأعلمهم بعد نبيهم عليه السلام ﴿ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ﴾ فله الحكم وله الخلق والأمر ﴿ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (٥) . ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَّكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُّ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴾ وهذا أيضا من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويمنه عليهم أن يرد الله عليهم التابوت الذي كان سُلب منهم وقهرهم الأعداء عليه وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ قيل طست من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء ، وقيل السكينة مثل الريح الخجوح . وقيل صورتها مثل الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُّ هَارُونَ ﴾ قيل كان فيه رضاض الألواح وشيء من المن الذي كان نزل عليهم بالتيه ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي تأتيكم «به الملائكة يحملونه وأنتم ترون ذلك عيانا ليكون آية الله عليكم وحجة باهرة على صدق ما أقوله لكم وعلى صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم . ولهذا قال : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ . وقيل إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت وكان فيه ما ذكر من السكينة والبقية المباركة وقيل كان فيه التوراة أيضا فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم فلما أصبحوا إذ التابوت على رأس الصنم فوضعوه تحته فلما كان اليوم الثاني إذ التابوت فوق الصنم ، فلما تكرر هذا علموا أن هذا أمر من الله تعالى فأخرجوه من بلدهم وجعلوه في قرية من قراهم ، فأخذهم داء في رقابهم فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة وربطوها في بقرتين وأرسلوهما ، فيقال إن الملائكة ساقتها حتى جاءوا بهما ملأً بني إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك ، فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة ، والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم من الآية والله أعلم ، وإن کان الأول قد ذكره کثیر من المفسرين أو أكثرهم(٦) . (٥) تفسير الطبري جـ ٢ / ٣١١. (٦) تفسير الطبري جـ ٢ / ٣٨٣. ٥٨٥ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَّإِنَّهُ مِنِّي إِلَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةُ بِيَدِهِ ﴾. قال ابن عباس وكثير من المفسرين : هذا النهر هو نهر الأردن ، وهو المسمى بالشريعة فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له عن أمر الله له اختبارا وامتحانا : أن من شرب من هذا النهر فلا يصحبني في هذه الغزوة ، ولا يصحبني إلا من لم يطعمه إلا غرفة بيده . قال الله تعالى: ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّ قَلِيلاً مُّنْهُمْ ﴾ قال السدي : كان الجيش ثمانين ألفا فشرب منه ستة وسبعون ألفا ، فبقي معه أربعة آلاف . كذا قال (٧) . : وقد روى البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل وزهير والثوري ، عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب (٨) قال: كنا أصحاب محمد عَّ لم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلاثمائة مؤمن . وقول السدي إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفا فيه نظر ، لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفا .. والله أعلم . قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي استقلوا أنفسهم واستضعفوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة إلى قلتهم وكثرة عدد عدوهم ﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ يعني ثبتهم الشجعان منهم والفرسان أهل الإيمان والإِيقان الصابرون على الجلاد والجدال والطعان . ﴿ وَلَّمَّا بَرَؤُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ طلبوا من الله أن يفرغ عليهم الصبر أي يغمرهم (٧) تفسير الطبري جـ ٢ / ٣٩٢. (٨) البراء بن عازب بن الحارث بن عدى بن جشم الأنصارى. [أسد الغابة ١ / ٢٠٥]. ٥٨٦ به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق ، وأن يثبت أقدامهم في مجال الحرب ومعترك الأبطال وحومة الوغى والدعاء إلى النزال فسألوا التثبيت الظاهر والباطن وأن ينزل عليهم النصر على أعدائهم وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه ، فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير إلى ما سألوا وأنالهم ما إليه فيه رغبوا . ولهذا قال: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ ﴾ أي بحول الله وقوته لا بحولهم ، وبقوة الله ونضره لا بقوتهم وعددهم ، مع كثرة أعدائهم وكمال عددهم ، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَذْرٍ وَأَنْتُمْ أُذِلَّةٌ فَانْقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(٩) . وقوله تعالى: ﴿ وَقَتَلِ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ فيه دلالة على شجاعة داود عليه السلام وأنه قتله قتلا أُذل به جنده وكسر جيشه ، ولا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه فيغنم بسبب ذلك الأموال الجزيلة ويأسر الأبطال والشجعان والأقران وتعلو كلمة الإِيمان على الأوثان ويدال لأولياء الله على أعدائه ، ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه . وقد ذكر السدي فيما يرويه أن داود عليه السلام كان أصغر أولاد أبيه وكانوا ثلاثة عشر ذكرا ، كان سمع طالوت ملك بني إسرائيل وهو يحرض بني إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول :° من قتل جالوت زوجته بابنتي وأشركته في ملكي ، وكان داود عليه السلام يرمي بالقذافة وهو المقلاع رميا عظيما ، فبينا هو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حجر أن خذني فإن بي تقتل جالوت ، فأخذه ثم حجر آخر كذلك ثم آخر كذلك ، فأخذ الثلاثة في مخلاته فلما تواجه الصفان برز جالوت ودعا إلى نفسه فتقدم إليه داود فقال له : ارجع فإني أكره قتلك . فقال: لكني أحب قتلك. وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضعها في القذافة ثم أدارها فصارت الثلاثة حجرا واحدا ، ثم رمى بها جالوت ففلق رأسه وفر جيشه مهزوما ، فوفى له طالوت بما وعده فزوجه ابنته وأجرى حکمه في ملکه وعظم داود عليه السلام عند بني إسرائيل وأحبوه ومالوا إليه أكثر (٩) آل عمران : ١٢٣ . ٥٨٧ : من طالوت ، فذكروا أن طالوت حسده وأراد قتله واحتال على ذلك فلم يصل إليه ، وجعل العلماء ينهون طالوت عن قتل داود فتسلط عليهم فقتلهم حتى لم يبق منهم إلا القليل . ثم حصل له توبة وندم وإقلاع عما سلف منه وجعل يكفر من البكاء ويخرج إلى الجبانة فيبكي حتى بيل القرى بدموعه فنودي ذات يوم من الجبانة : أن ياطالوت .. قتلتنا ونحن أحياء وآذيتنا ونحن أموات ، فازداد لذلك بكاؤه وخوفه واشتد وجله ثم جعل يسأل عن عالم يسأل عن أمره وهل له من توبة ، فقيل له : وهل أبقيت عالما ؟! حتى دل على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلى قبر يوشع عليه السلام . قالوا : فدعت الله فقام يوشع من قبره فقال : أقامت القيامة ؟ فقالت : لا ، ولكن هذا طالوت يسألك : هل له من توبة ؟ فقال : نعم ، ينخلع من الملك ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يقتل . ثم عاد ميتا(١٠). فترك الملك لداود عليه السلام وذهب ومعه ثلاثة عشر من أولاده فقاتلوا في سبيل الله حتى قتلوا. قالوا: فذلك قوله: ﴿وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾. هكذا ذكره ابن جرير في تاريخه من طريق السدي بإسناده . وفي بعض هذا نظر ونكارة .. والله أعلم . وقال محمد بن إسحاق : النبي الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب . حكاه ابن جرير أيضا . وذكر الثعلبي أنها أتت به إلى قبر شمويل فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور ، وهذا أنسب . ولعله إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حيا ، فإن هذا إنما يكون معجزة لنبي ، وتلك المرأة لم تكن نبية .. والله أعلم ، قال ابن جرير : وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت إلى أن قتل مع أولاده أربعون سنة .. فالله أعلم . (١٠) تفسير الطبري جـ ٢ / ٣٩٧. ٥٨٨ الباب السادس عشر قصة داود عليه السلام الفصل الأول : ما كان فى أيامه، وذكر فضائله، وشمائله، ودلائل نبوته، وأعلامه . . الفصل الثانى : كمية حياته ، وكيفية وفاته . [ الفصل الأول] ما كان في أيامه وذكر فضائله وشمائله ودلائل نبوته وأعلامه هو داود بن أيشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عوينادب ابن إرم بن حصرون بن فرص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس . قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه : كان داود عليه السلام قصيرا أزرق العينين قليل الشعر طاهر القلب ونقيه (١) . تقدم أنه لما قَتَل جالوتَ وكان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر ، فأحبته بنو إسرائيل ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم ، فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك إلى داود عليه السلام ، وجمع الله له بين الملك والنبوة ، بين خيرى الدنيا والآخرة ،وكان الملك يكون في سبط والنبوة في آخر فاجتمعا في داود هذا . وهذا كما قال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٢) . أي لولا إقامة الملوك حكاما على الناس لأكل قوي الناس ضعيفهم. ولهذا جاء في بعض الآثار: ((السلطان ظل الله في أرضه)). وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان: ((إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)). (١) تاريخ الطبري جـ ١ / ٣٣٦. (٢) البقرة : ٢٥١ . ٥٩١ وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له : اخرج إليّ وأخرج إليك ، فندب طالوت الناس فانتدب داود فقتل جالوت (٣). قال وهب بن منبه : فمال الناس إلى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر ، وخلعوا طالوت وولوا عليهم داود ، وقيل إن ذلك عن أمر شمويل حتى قال. بعضهم إنه ولاه قبل الوقعة . قال ابن جرير : والذي عليه الجمهور أنه إنما ولى ذلك بعد قتل جالوت .. والله أعلم ، وروى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز : أن قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم وأن النهر الذي هناك هو المذكور في الآية .. فالله أعلم . وقال تعالى: ﴿ وَلَّقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أُوَّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ « أَنِ اعْمَلْ سَابِعَاتٍ وَقَدّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾(٤). وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةً لَبُّوسٍ لَّكُمْ لِتُخْصِتَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ﴾ (٥) . أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال: ﴿ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾ أي لا تدق المسمار فيفلق ولا تغلظه فيفصم . قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة . قال الحسن البصري وقتادة والأعمش : كان الله قد ألان له الحدید حتى كان يفتله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة . قال قتادة : فكان أول من عمل الدروع من زرد وإنما كانت قبل ذلك من صفائح . قال ابن شوذب : كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم . وقد ثبت في الحديث أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وأن نبي الله داود (٣) تاريخ الطبري جـ ١ / ٣٣٧. (٤) سباً : ١٠، ١١ . (٥) الأنبياء : ٧٩، ٨٠ . ٥٩٢ كان يأكل من كسب يده . وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَنْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أُوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَّةَ وَفَصْلَ الْخِطَّابِ﴾ (٦) . قال ابن عباس ومجاهد : الأيد القوة في الطاعة . يعني ذا قوة في العبادة والعمل الصالح . قال قتادة : أعطي قوة في العبادة وفِقْهاً في الإِسلام قال : وقد ذكر لنا أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر . وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله عَ لّم قال: ((أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى)) (٧). وقوله : ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعُهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلِّ لَّهُ أُوَّابٌ﴾ كما قال: ﴿يَاجِبَالُ أُوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ أي سبحي معه. قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ أي عند آخر النهار وأوله، وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحدا بحيث إنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه ويسبح بتسبيحه وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشيا ، صلوات الله وسلامه عليه (٨) . وقال الأوزاعي : حدثني عبد الله بن عامر قال : أعطى داود من حسن الصوت ما لم يعط أحد قط ، حتى إن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشا وجوعا وحتى إن الأنهار لتقف ! وقال وهب بن منبه : كان لا يسمعه أحد إلا حجل كهيئة الرقص ، وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان (٦) سورة ص : ١٧ - ٢٠ . (٧) أخرجه البخارى فى صحيحه، كتاب التهجد ، باب من نام عند السحر - بدون قوله ((ولا يفر إذا لاقى )). وأخرجه مسلم فى صحيحه ، كتاب الصيام ، باب النهى عن صوم الدهر لمن تضرر به - بدون الزيادة أيضا . (٨) تفسير الطبري جـ ٢٣ / ٨٧. ٥٩٣ بمثله فيعكف الجن والإنس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعا . وقال أبو عوانة الإسفراييني : حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، حدثنا محمد بن منصور الطوسي سمعت صبيحا أبا تراب رحمه الله قال أبو عوانة : وحدثني أبو العباس المدني ، حدثنا محمد بن صالح العدوي ، حدثنا سيار هو ابن حاتم عن جعفر ، عن مالك ، قال : كان داود عليه السلام إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى .. وهذا غريب . وقال عبد الرزاق عن ابن جريج : سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال : وما بأس بذلك ؟ سمعت عبيد بن عمر يقول : كان داود عليه السلام يأخذ المعرفة فيضرب بها فيقرأ عليها فترد عليه صوته يريد بذلك أن يبكي وتبكي . وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة، عن عائشة قالت: سمع رسول الله عَّ له صوت أبي موسى الأشعري (٩) وهو يقرأ فقال: «لقد أوتي أبو موسى من مزامير آل داود )). وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه (١٠) . وقال أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمر ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله عَ ليه قال: ((لقد أعطى أبو موسى من مزامير داود))(١١) . على شرط مسلم . وقد روينا عن أبي عثمان النهدي أنه قال : لقد سمعت البربط والمزمار ، فما سمعت صوتا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري . وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابه الزبور ، كما قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله عَ ل: ((خفف على داود القراءة ، فكان يأمر بدابته فتسرج فكان (٩) أبو موسى الأشعرى: عبد الله بن قيس بن سليم الأشعرى، تُوفى سنة ٤٨ هـ. [أسد الغابة ٣٦٧/٣]. .(١٠) أخرجه أحمد فى مسنده ٦ / ٣٧. (١١) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٣٦٩. ٥٩٤ يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته ، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه)) (١٢). وكذلك رواه البخاري منفردا به عن عبد الله بن محمد ، عن عبد الرزاق به. ولفظه: (( خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ، ولا يأكل إلا من عمل يديه)) (١٣) . ثم قال البخاري : ورواه موسى بن عقبة ، عن صفوان ، هو ابن سليم ، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي عَّةٍ. وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام في تاريخه من طرق عن إبراهيم بن طهمان ، عن موسى بن عقبة ، ومن طريق أبي عاصم عن أبي بكر السبري ، عن صفوان بن سليم به . والمراد بالقرآن هاهنا الزبور الذي أنزله الله عليه وأوحاه إليه ، وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظا فإنه كان ملكا له أتباع ، فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تسرج الدواب ، وهذا أمر سريع مع التدبر والترغم والتغني به على وجه التخشع ، صلوات الله وسلامه عليه . وقد قال الله تعالى : ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً ﴾ (١٤) والزبور كتاب مشهور وذكرنا في التفسير الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان ، وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه . وقوله : ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾ أي أعطيناه ملكا عظيما وحكما نافذا . روی ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا إلى داود عليه السلام في بقر ادعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه ، فأنكر المدعى عليه فأرجأ (١٢، ١٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٣١٤. والبخارى فى صحيحه ، كتاب الأنبياء ، باب قوله تعالى : ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾. (١٤) النساء : ١٦٣، والإسراء : ٥٥. ٥٩٥ أمرهما إلى الليل ، فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يقتل المدعي ، فلما أصبح قال له داود : إن الله قد أوحى إليَّ أن أقتلك فأنا قاتلك لا محالة ، فما خبرك فيما ادعيته على هذا؟ قال : والله يا نبي الله إنى لمحق فيما ادعيت عليه ، ولكني كنت اغتلت أباه قبل هذا . فأمر به داود فقتل . فعظم أمر داود في بني إسرائيل جدا وخضعوا له خضوعا عظيما . قال ابن عباس: وهو قوله تعالى: ﴿ وَشَدَدْنًا مُلْكَةُ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ أي النبوة ﴿ وَفَضْلَ الْخِطَّابَ قال شريح والشعبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم : فصل الخطاب الشهود والأيمان يعنون بذلك: (( البينة على المدعي واليمين على من أنكر )) وقال مجاهد والسدي : هو إصابة القضاء وفهمه . وقال مجاهد : هو الفصل في الكلام وفي الحكم . واختاره ابن جرير (١٥) . وهذا لا ينافي ما روي عن أبي موسى أنه قول: ((أما بعد )). وقال وهب بن منبه : لما كثر الشر وشهادات الزور في بني إسرائيل أعطى داود سلسلة لفصل القضاء ، فكانت ممدودة من السماء إلى صخرة بيت المقدس ، وكانت من ذهب ، فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقا وصل إليها والآخر لا يصل إليها . فلم تزل كذلك حتى أودع رجل رجلا لؤلؤة فجحدها منه وأخذ عكازا وأودعها فيه ، فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعي فلما قيل للآخر خذها بيدك عمد إلى العكاز فأعطاه المدعي وفيه تلك اللؤلوة ، وقال : اللهم إنك تعلم أني دفعتها إليه ، ثم تناول السلسلة فنالها ، فأشكل أمرها على بني إسرائيل ثم رفعت سريعا من بينهم . ذكره بمعناه غير واحد من المفسرین . وقد رواه إسحاق بن بشر عن إدریس ابن سنان عن وهب به بمعناه . ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخُلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخْفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْتَنَا بِالْحَقّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتَسْعُونَ نَعْجَةً (١٥) تفسير ابن جرير الطبري - سورة ص . ٥٩٦ وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالٍ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مْنَ الْخُلَطَاءِ لَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾(١٦). وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصا وأخبارا أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة ، تركنا إيرادها في كتابنا قصدا اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وقد اختلف الأئمة في سجدة (( ص)) : هل هي من عزائم السجود أو إنما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود ؟ على قولين : قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام، قال: سألت مجاهدا في سجدة (( ص)) فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟ قال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ (١٧) ﴿ أُوْ لَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١٨). فكان داود ممن أمر نبيكم عَ ◌ٍّ أن يقتدي به فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله عبد الله (١٩). وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا إسماعيل - هو ابن علية ــ عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال: في السجود في (( ص)) ليست من عزائم السجود ، وقد رأيت رسول الله عَ لم يسجد فيها . وكذا رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أيوب وقال الترمذي : حسن صحيح (٢٠) . وقال النسائي: أخبرني إبراهيم بن الحسن (١٦) سورة ص: ٢١ - ٢٥ . (١٧) الأنعام : ٨٤ . (١٨) الأنعام : ٩٠. (١٩) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب التفسير ، تفسير سورة ص . (٢٠) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده ١ / ٣٦٠ . والبخارى فى كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ ﴾. : ٥٩٧ المقسمي ، حدثنا حجاج بن محمد ، عن عمر بن ذر ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي عَ لم ستجد في ((ص)) وقال: سجدها داود توبة ونسجدها شكرا(٢١) .. تفرد به أحمد ورجاله ثقات . وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عياض بن عبد الله بن سعيد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قرأ رسول الله عَ لّه وهو على المنبر ((ص)) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن (٢٢) الناس للسجود فقال: ((إنما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشزنتم )) - فنزل وسجد . تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح (٢٣) . وقال الإِمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا حميد ، حدثنا بكر ، هو ابن عمر ، وأبو الصديق الناجي ، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأي رؤيا أنه يكتب (( ص)) فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا. قال: فقصها على النبي عَ يٍ ، فلم يزل يسجد بها بعد . تفرد به أحمد (٢٤) . وروى الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن ابن محمد بن عبيدالله بن أبي يزيد ، قال : قال لي ابن جريج : حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي عَ ◌ِّ فقال : يا رسول الله . إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة ، فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودي ، فسمعتها تقول وهي ساجدة: (( اللهم اكتب لي (٢١) أخرجه النسائى فى كتاب الافتتاح ، باب سجود القرآن . (٢٢) أي انتصبوا وتهيئوا . (٢٣) أخرجه أبو داود فى كتاب السجود . (٢٤) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ٧٨ . ٥٩٨ بها عندك أجرا واجعلها عندك ذخرا وضع عني بها وزرا ، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود )). قال ابن عباس: فرأيت النبي عَّ للم قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة . ثم قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٢٥) . وقد ذكر بعض المفسرين أنه عليه السلام مكث ساجدا أربعين يوما . وقاله مجاهد والحسن وغيرهما وورد في ذلك حديث مرفوع ، لكنه من رواية یزید الرقاشي وهو ضعيف متروك الرواية . قال الله تعالى: ﴿ فَعَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ ﴾ أي إن له يوم القيامة لزلفى ، وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة قدسه بسببها ، كما ثبت في حديث: ((المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولوّا)) (٢٦) . وقال الإِمام أحمد في مسنده : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا فضيل ، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله عَ له: ((إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل ، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر)) (٢٧). وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأعربه ، وقال : لا نعرفه مرفوعا إلامن هذا الوجه . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عبد الله بن أبي زیاد ، حدثنا سيار ، حدثنا جعفر بن سليمان ، سمعت مالك بن دينار في قوله: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال : يقوم داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق (٢٥) أخرجه الترمذى فى كتاب الجمعة ، باب ما يقول فى سجود القرآن . وابن ماجه فى كتاب الإقامة ، باب سجود القرآن . (٢٦) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ١٦٠. (٢٧) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ٢٢ . ٥٩٩ العرش فيقول الله : يا داود .. مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني في الدنيا ، فيقول : وكيف وقد سلبته . فيقول : إني أرده عليك اليوم . قال : فيرفع داودٍ بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان . ﴿ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنِ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنِ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٢٨) هذا خطاب من الله تعالى مع داود ، والمراد ولاة الأمور وحكام الناس ، وأمرهم بالعدل واتباع الحق المنزل من الله ، لا ما سواه من الآراء والأهواء ، وتؤعد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك ، وقد كان داود عليه السلام هو المقتدي به في ذلك الزمان في العدل ، وكثرة العبادة ، وأنواع القربات ، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلا ونهارا، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ. مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ (٢٩) . قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام ، حدثنا صالح المري ، عن أبي عمران الجولي ، عن أبي الجلد ، قال : قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال : يا رب .. كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصِلُ إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: (( أن يا داود ألست تعلم أن الذي بك من النعم مني ؟ قال: بلى يا رب . قال : فإني أرضى بذلك منك)). وقال البيهقى : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو بكر بن بالويه ، حدثنا محمد بن يونس القرشي ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثني عبد الله بن لاحق ، عن ابن شهاب قال: قال داود: ((الحمد لله كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله. فأوحى الله إليه : إنك أتعبت الحفظة يا داود)). ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد ، عن الثوري مثله . وقال عبد الله بن المبارك في كتاب ((الزهد)): أنبأنا سفيان الثوري ، عن (٢٨) سورة ص : ٢٦ . (٢٩) سبأ : ١٣ . ٦٠٠