Indexed OCR Text

Pages 541-560

امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها .. والله أعلم (١٠).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمز، عن همام عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((غزا نبي من الأنبياء ققال لقومه : لا
يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة ، وهو يريد أن يبني بها ولما يين ، ولا آخر قد
بنى بنيانا ولم يرفع سقفها ، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات(١١) وهو ينتظر
أولادها .
قال : فغزا فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريبا من ذلك ، فقال
للشمس : أنت مأمورة وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي شيئا ، فحبست عليه حتى
فتح الله عليه ، قال : فجمعوا ما غنموا ، فأتت النار لتأكله فأبت أن تطعمه ،
فقال : فيكم غلول ، فليبايعني من كل قبيلة رجل ، فبايعوه فلصقت يد رجل
بيده ، فقال : فیکم الغلول فلیبایعني قبيلتك ، فبايعته قبيلته ، قال : فلصقت بید
رجلين - أو ثلاثة - فقال: فيكم الغلول .. أنتم غللتم ..
"قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب ، قال : فوضعوه بالمال وهو
بالصعيد ، فأقبلت النار فأكلته ، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ، ذلك بأن الله
رأى ضعفنًا وعجزنا فطيبها لنا )).
انفرد به مسلم من هذا الوجه . وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة ،
عن عبيد الله بن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ، عن النبي عَ ◌ّدٍ نحوه . قال :
ورواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري ، قال : ورواه قتادة عن سعيد بن
" المسيب عن أبي هريرة عن النبي عَلٍ (١٢).
والمقصود أنه لما دخل بهم باب المدينة أمروا أن يدخلوها سجدا أي ركعا
متواضعين شاكرين لله عز وجل على ما منَّ به عليهم من الفتح العظيم الذي كان
الله وعدهم إياه ، وأن يقولوا حال دخولهم : ﴿حِطَّةٌ﴾ أي حط عنا خطايانا
التي سلفت ، من نكولنا الذي تقدم منا .
(١٠) تاريخ الطبري جـ ١ / ٣٠٩.
(١١) الخلقات : النوق الحوامل .
(١٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٢ / ٣١٨ . ومسلم فى صحيحه ، كتاب الجهاد ، باب تحليل الغنائم لهذه الأمة
٥٤١

ولهذا دخل رسول الله له٣ مکة يوم فتحها ، دخلها وهو راكب ناقته وهو
متواضع حامد شاكر ، حتى إن عثنونه - طرف لحيته - ليمس مورك (١٣) رحله .
مما يطأطىء رأسه خضعانا لله عز وجل ومعه الجنود والجيوش ممن لا يرى منه إلا
الحدق، ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله عَ له . ثم لما دخلها اغتسل
وصلى ثماني ركعات وهي صلاة الشكر على النصر ، على المشهور من قول
العلماء . وقيل إنها صلاة الضحى ، وما حمل القائل على قوله هذا إلا لأنها وقعت
وقت الضحى .
وأما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أمروا به قولا وفعلا ، فدخلوا الباب
يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حبة في شعرة ، وفي رواية : حنطة في
شعرة .
وحاصله أنهم بدلوا ما أمروا به واستهزءوا به ، كما قال تعالى حاکیا عنهم في
سورة الأعراف وهي مكية: ﴿ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا
حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً تَعْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَتَزِيدُ
الْمُحْسِنِينَ * فَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً
مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١٤) .
وقال في سورة البقرة وهي مدنية مخاطبا لهم: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ
الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدَاً وَقُولُوا حِطَّةٌ تَغْفِر
◌َّكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ
فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾(١٥).
وقال الثوري عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً﴾ قال : ركعا من باب صغير رواه الحاكم
وابن جرير وابن أبي حاتم ، وكذا روى العوفي عن ابن عباس ، وكذا روى
الثوري عن ابن إسحاق عن البراء .
(١٣) أي موضع وضع الورك ( الرحل ).
(١٤) الأعراف : ١٦١، ١٦٢ .
(١٥) البقرة : ٥٨ ، ٥٩ .
٥٤٢

قال مجاهد والسدي والضحاك : والباب هو باب حطة من بيت إيلياء بيت
المقدس .
قال ابن مسعود : فدخلوا مقنعي رءوسهم ضد ما أمروا به ، وهذا لا ينافي
قول ابن عباس إنهم دخلوا يزحفون على أستاههم. وهكذا في الحديث الذي
سنورده بعد ، فإنهم دخلوا يزحفون وهم مقنعو رءوسهم .
وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ الواو هنا حالية لا عاطفة ، أي ادخلوا سجدا
في حال قولكم حطة . قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة والربيع : أمروا أن
يستغفروا .
قال البخاري : حدثنا محمد ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن ابن المبارك
عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي عَّ له قال: ((قيل لبني
إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَّ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّعْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ (١٦)
فبدلوا ، فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا : حبة في شعرة )) . وكذا رواه
النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه ، ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن
ابن مهدي به موقوفا .
وقد قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن همام بن منبه ، أنه سمع أبا هريرة
يقول: قالِ رسول الله عَ له: ((قال الله لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً
وَقُولُوا حِطَّةً تَعْفِر لَّكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم
فقالوا : حبة في شعرة)).
ورواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث عبد الرزاق . وقال الترمذي :
حسن صحيح (١٧) .
وقال محمد بن إسحاق : کان تبدیلھم کما حدثني صالح بن کیسان ، عن
صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة وعمن لا أتهم ، عن ابن عباس أن رسول الله
عَبدُ قال: ((دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا يزحفون على
(١٦) البقرة: ٥٨ بلفظ: ﴿ وَادْخُلُوا ... ﴾
(١٧) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب التفسير ، تفسير سورة البقرة . ومسلم فى صحيحه ، كتاب
التفسيرسوربات رقم ١. والترمذى فى سننه، كتاب التفسير ، تفسير سورة البقرة.
٥٤٣

أستاههم، وهم يقولون : حنطة في شعيرة)).
وقال أسباط عن السدي عن مرة عن ابن مسعود قال في قوله: ﴿ فَبَدَّلَ
الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ قال: قالوا: ((هطي سقانا أزمة مزيا))
فهي في العربية: ((حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء)).
وقد ذكر الله تعالى أنه عاقبهم على هذه المخالفة ، بإرسال الرجز الذي أنزله
عليهم ، وهو الطاعون ، كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري ، عن عامر
ابن سعد ، ومن حديث مالك ، عن محمد بن المنكدر ، وسالم أبي النضر ، عن
عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله عَ له: أنه قال: ((إن هذا
الوجع - أو السقم ـ رجز عذب به بعض الأمم قبلكم)).
وروى النسائي وابن أبي حاتم وهذا لفظه من حديث الثوري عن حبيب بن
أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، وأسامة بن زيد وخزينة
ابن ثابت قالوا: قال رسول الله عَ له: ((الطاعون رجز عذاب عذب به من كان
قبلكم )) وقال الضحاك عن ابن عباس : الرجز عذاب ، وكذا قال مجاهد وأبو
مالك والسدي والحسن وقتادة . وقال أبو العالية : هو الغضب ، وقال الشعبي :
الرجز إما الطاعون وإما البرد ، وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون (١٨).
ولما استقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه ، وبين أظهرهم
نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله إليه ، وهو ابن مائة
وسبع وعشرين سنة ، فكانت مدة حياته بعد موسى سبعا وعشرين سنة .
(١٨) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب الجيل ، باب ما يكره من الاحتيال فى الفرار من الطاعون .
ومسلم فى صحيحه ، كتاب السلام ، باب الطاعون والطيرة .
٥٤٤

الباب
الرابع عشر
قصتا الخضر وإلياس عليهما السلام
الفصل الأول : قصة الخضر عليه السلام .
الفصل الثانى : قصة إلياس عليه السلام .

[ الفصل الأول]
قصة الخضر عليه السلام
·أما الخضر : فقد تقدم أن موسى عليه السلام رحل إليه فى طلب ما عنده من
العلم اللدني . وقص الله من خبرهما فى كتابه العزيز فى سورة الكهف ، وذكرنا فى
تفسير ذلك هنالك ، وأوردنا هنا ذكر الحديث المصرح بذكر الخضر عليه
السلام ، وأن الذي رحل إليه هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام ،
الذي أنزلت عليه التوراة .
وقد اختلف فى الخضر ، في اسمه ، ونسبه ، ونبوته ، وحياته إلى الآن ــ على
أقوال - سأذكرها لك ها هنا إن شاء الله وبحوله وقوته .
قال الحافظ ابن عساكر : يقال إنه الخضر بن آدم عليه السلام الصلبه ، ثم
روى من طريق الدار قطني : حدثنا محمد بن الفتح القلانسي ، حدثنا العباس بن
عبد الله الرومي ، حدثنا رواد بن الجراح ، حدثنا مقابل بن سليمان ، عن
الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : الخضر بن آدم الصلبه ، ونسىء له فى أجله
حتى يكذب الدجال .
وهذا منقطع وغريب .
وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني : سمعت مشيختنا منهم
أبو عبيدة وغيره قالوا : إن أطول بني آدم عمرا الخضر ، واسمه خضرون بن قابيل
ابن آدم .
قال : وذكر ابن إسحاق : أن آدم عليه السلام لما حضرته الوفاة أخبر بنيه أن
الطوفان سيقع بالناس ، وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في
السفينة ، وأن يدفنوه معهم في مكان عيَّنه لهم فلما كان الطوفان حملوه معهم ،
٥٤٧

فلما هبطوا إلى الأرض أمر نوح بنيه أن يذهبوا ببدنه فيدفنوه حيث أوصى .
فقالوا : إن الأرض ليس بها أنيس وعليها وحشة فحرضهم وحثهم على ذلك ،
وقال : إن آدم دعا لمن يلي دفنه بطول العمر ، فهابوا المسير إلى ذلك الموضع في
ذلك الوقت ، فلم يزل جسده عندهم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه ،
وأنجز الله ما وعده ، فهو يحيا إلى ما شاء الله له أن يحيا .
وذكر ابن قتيبة فى ((المعارف)) عن وهب بن منبه: أن اسم الخضر ((بليا))
ويقال بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه
السلام (١).
وقال إسماعيل بن أبي أويس : اسم الخضر - فيما بلغنا والله أعلم - المعمر
ابن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد . وقال غيره : هو خضرون بن عماييل بن
اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل .
ويقال هو : أرميا بن حلقيا .. فالله أعلم .
وقيل إنه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر . وهذا غريب جدا .
قال ابن الجوزي : رواه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة ، وهما ضعيفان .
وقيل : إنه ابن مالك وهو أخو إلياس ، قاله السدي كما سيأتي . وقيل إنه كان
على مقدمة ذي القرنين . وقيل كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر
معه . وقيل كان نبيا في زمن بشتاسب بن بهراسب .
قال ابن جرير : والصحيح أنه كان متقدما في زمن أفريدون بن أثفیان حتى
أدركه موسى عليه السلام .
وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أنه قال : الخضر أمه رومية
وأبوه فارسي .
وقد ورد ما يدل على أنه كان من بني إسرائيل في زمان فرعون أيضا .
قال أبو زرعة في (( دلائل النبوة)): حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي ،
(١) تاريخ الطبري جـ ١ / ٢٥٦ قصة الخضر وخبره .
٥٤٨

حدثنا الوليد ، حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ،
عن أبي بن كعب ، عن رسول الله عَ ل : أنه ليلة أسرى به وجد رائحة طيبة ،
فقال : يا جبريل .. ما هذه الرائحة الطيبة ؟ قال : هذه ريح قبر الماشطة وابنيها
وزوجها .
وقال : وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشرف بني إسرائيل ، وكان محمره
براهب في صومعته ، فتطلع عليه الراهب فعلمه الإِسلام فلما بلغ الخضر زوجه
أبوه امرأة فعلمها الإِسلام ، وأخذ عليها ألا تعلم أحدا ، وكان لا يقرب النساء ثم
طلقها ، ثم زوجه أبوه بأخرى فعلمها الإِسلام وأخذ عليها ألا تعلم أحدا ثم
طلقها ، فكتمت إحداهما وأفشت عليه الأخرى .
فانطلق هاربا حتى أتى جزيرة في البحر ، فأقبل رجلان يحتطبان فرأياه ، فكتم
أحدهما وأفشى عليه الآخر ، قال : قد رأيت الخضر ، قيل : ومن رآه معك ؟ قال
فلان ، فسئل فكتم . وكان من دينهم أنه من كذب قتل ، فقتل ، وكان قد تزوج
الكاتم المرأة الكاتمة . قال : فبينما هي تمشط بنت فرعون إذا سقط المشط من
يدها ، فقالت : تعس فرعون ، فأخبرت أباها ، وكان للمرأة ابنان وزوج ،
فأرسل إليه فراود المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما ، فأبيا ، فقال : إني
قاتلكما ، فقالا : إحسان منك إلينا إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد .
فجعلهيا في قبر واحد ، فقال : وما وجدت ريحا أطيب منهما ، وقد دخلت
الجنة .
وقد تقدمت قصة مائلة بنت فرعون ، وهذا المشط في أمر الخضر قد يكون
مدرجا من كلام أبي بن كعب ، أو عبد الله بن عباس .. والله أعلم ، وقال
بعضهم : كنيته أبو العباس ، والأشبه ، والله أعلم أن الخضر لقب غلب عليه .
قال البخاري رحمه الله : حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، حدثنا ابن
المبارك، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن النبي عَ ل قال: ((إنما سمى
الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء)).
تفرد به البخاري ، وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر به (٢) .
(٢) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب الأنبياء ، باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام .
٥٤٩

ثم قال عبد الرزاق : الفروة : الحشيش الأبيض وما أشبه . يعني الهشيم
اليابس . وقال الخطابي : وقال أبو عمر : الفروة : الأرض التي لا نبات فيها .
وقال غيره : هو الهشيم اليابس شبه بالفروة ، ومنه قيل : فروة الرأس وهي جلدته
بما عليها من الشعر ، كما قال الراعي :
جذلا إذا ما نال يوما مأكلا
ولقد تری الحبشي حول بيوتنا
بذرت فأنبت جانباه فلفلا
صعلا أصك كأن فروة رأسه
قال الخطابي : ويقال : إنما سمي الخضر خضرا لحسنه وإشراق وجهه .
قلت : وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح ، فإن كان ولابد من التعليل بأحدهما ،
فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى ، بل لا يلتفت إلى ما عداه .
وقد روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث أيضا من طريق إسماعيل
ابن حفص بن عمر الأبلي : حدثنا عثمان وأبو جزى وهمام بن يحيى عن قتادة ، عن
عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن ابن عباس عن النبي عَ ل قال: ((إنما سمي
الخضر خضرا لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء)).
وهذا غريب من هذا الوجه .
وقال قبيصة عن الثوري عن منصور عن مجاهد قال : إنما سمي الخضر لأنه
کان إذا صلى اخضر ما حوله .
وتقدم أن موسى ويوشع عليهما السلام لما رجعا يقصان الأثر ، وجداه على
طنفسة خضراء على كبد البحر ، وهو مسجى بثوب قد جعل طرفاه من تحت
رأسه وقدميه ، فسلم موسى عليه السلام فكشف عن وجهه فردّ ، وقال : إني
بأرضك السلام ؟ من أنت ؟ قال : أنا موسى . قال : نبي بني إسرائيل ؟ قال :
نعم . فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه عنهما .
وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه :
أحدها : قوله تعالى: ﴿ فَوَ جَدَا عَبْدَاً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِئَا
وَعَلَّمْنَاهُ مِن ◌َّدُنَّا عِلْماً﴾ (٣).
(٣) الكهف : ٦٥ .
٥٥٠

الثاني: قول موسى له: ﴿هَلْ أَتَبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلَّمَنِ مِمَّا عُلَّمْتَ رُشداً »
قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَاً ". وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ تُبْراً ﴾ قَالَ
سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرَأَ ﴾ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي
عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ﴾ (٤) .
فلو كان وليا وليس بنبي لم يخاطبه بهذه المخاطبة ، ولم يرد على موسى هذا
الرد ، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به
دونه ، فلو كان غير نبي ، لم يكن معصوما ، ولم تكن لموسى - وهو نبي عظيم
ورسول كريم واجب العصمة - كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولى غير
واجب العصمة ، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عنه ، ولو أنه يمضي حقبا
من الزمان ، قبل ثمانين سنة . ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه ، واتبعه في صورة
مستفيد منه فدل على أنه نبي مثله يوحي إليه كما يوحى إليه ، وقد خص من العلوم
اللدنية والأسرار النبوية بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم ، نبي بني إسرائيل
الكريم ، وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرماني على نبوة الخضر عليه السلام :
الثالث : أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام ، وما ذاك إلا للوحي إليه من
الملك العلَّام. وهذا دليل مستقل على نبوته ، وبرهان ظاهر على عصمته ، لأن
الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده ، لأن خاطره
ليس بواجب العصمة ، إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق ، ولما أقدم الخضر على قتل
ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم ، علما منه بأنه إذا بلغ يكفر ، ويحمل أبويه على
الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه ، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء
مهجته ، صيانة لأبويه عن الوقوع فى الكفر وعقوبته ، دل ذلك على نبوته ، وأنه
مؤيد من الله بعصمته .
وقد رأيت الشيخ أبا الفرج بن الجوزي (٥) طرق هذا المسلك بعينه في
الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه . وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا .
٠
(٤) الكهف : ٦٦ - ٧٠ .
(٥) أبو الفرج بن الجوزى : عبد الرحمن بن على بن عبد الرحمن بن الجوزى. تُوفى سنة ٥٩٧ هـ.
[ البداية والنهاية ١٣ / ٢٨، شذرات الذهب ٤ / ٣٢٩، طبقات الحفاظ ٤٧٧ ].
٥٥١

الرابع : أنه لما فسر الخضر تأويل الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره
وجلى، قال بعد ذلك كله: ﴿ ... رَحْمَةً مِّنِ رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ
أمْرِي﴾(٦) . يعني ما فعلته من تلقاء نفسي، بل أمْر أُمِرْتُ به وأوحي إلىّ فيه .
فدلت هذه الوجوه على نبوته . ولا ينافي ذلك حصول ولايته ، بل ولا
رسالته ، كما قاله آخرون . وأما كونه ملكا من الملائكة فقول غريب جدا ، وإذا
ثبتت نبوته - كما ذكرناه ، لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي قد يطلع على حقيقة
الأمور دون أرباب الشرع الظاهر ، مستند يستندون إليه ، ولا معتمد يعتمدون
عليه .
وأما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا ، فالجمهور على أنه باق إلى اليوم ،
قيل لأنه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة ،
وقيل لأنه شرب من عين الحياة فحيى . وذكروا أخبارا استشهدوا بها على بقائه
إلى الآن ، وسنوردها مع غيرها إن شاء الله تعالى وبه الثقة .
وهذه وصيته لموسى حين: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُبِّئُكَ بِتَأْوِيلٍ
مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (٧) روى في ذلك آثار منقطعة كثيرة : قال البيهقي :
أنبأنا أبو سعيد بن أبي عمرو ، حدثنا أبو عبد الله الصفار ، حدثنا أبو بكر بن
أبي الدنيا ، حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدثنا جرير ، حدثني أبو عبد الله الملطي
قال : لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى: أوصني. قال: كن نفاعا
ولا تكن ضرارا ، كن بشاشا ولا تكن غضبان ، ارجع عن اللجاجة ولا تمْشٍ في
غير حاجة . وفي رواية من طريق أخرى زيادة : ولا تضحك إلا من عجب .
وقال وهب بن منبه : قال الخضر : يا موسى .. إن الناس معذبون في الدنيا
على قدر همومهم بها .
وقال بشر بن الحارث الحافي (٨): قال موسى للخضر: أوصني . فقال:
(٦) الكهف : ٨٢ .
(٧) الكهف : ٧٨ .
(٨) بشر بن الحارث المروزى، أبو نصر، المعروف ببشر الحافى، تُوفى سنة ٢٢٧ هـ.
[ شذرات الذهب ٢ / ٦٠ ] .
٥٥٢

يسر الله عليك طاعته .
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساکر من طريق ز کریا بن یحیی
الوقاد - إلا أنه من الكذابين الكبار - قال : قرىء علی عبد الله بن وهب وأنا
أسمع ، قال الثوري ، قال مجالد ، قال أبو الوداك قال أبو سعيد الخدري ، قال
عمر بن الخطاب، قال رسول الله عَّ له: ((قال أخي موسى: يا رب .. وذكر
كلمته - فأتاه الخضر وهو فتى طيب الريح حسن بياض الثياب مشمرها ، فقال :
السلام عليك ورحمة الله يا موسى بن عمران ، إن ربك يقرأ عليك السلام ، قال
موسى : هو السلام وإليه السلام ، والحمد لله رب العالمين ، الذي لا أحصي
نعمه ، ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته .
ثم قال موسى : أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعدك ، فقال الخضر :
يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع ، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم ،
واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك ، واعزف عن الدنيا وانبذها
وراءك فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار ، وإنما جعلت بلغة للعباد
والتزود منها ليوم المعاد ، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإِثم .
يا موسى .. تفرغ للعلم إن كنت تريده ، فإنما العلم لمن تفرغ له ، ولا تكن
مكثارا ، للعلم مهذارا فإن كثرة المنطق تشين العلماء وتبدي مساوىء السخفاء ،
ولكن عليك بالاقتصاد ، فإن ذلك من التوفيق والسداد ، وأعرض عن الجهال
وماظلهم ، واحلم عن السفهاء ، فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء ، وإذا
شتمك الجاهل فاسكت عنه حلما ، وجانبه حزما ، فإن ما بقي من جهله عليك
وسبه إياك أكثر وأعظم .
يابْن عمران .. ولا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا ، فإن الاندلاث (٩)
والتعسف من الاقتحام والتكلف . یابْن عمران لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه،
ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه . یابْن عمران من لا تنتهي من الدنيا نهمته ، ولا
تنقضي منها رغبته ، ومن يحقر حاله ، ويتهم الله فيما قضى له كيف يكون زاهدا ؟
(٩) أي الأنصباب .
٥٥٣

هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه ؟ أو ينفعه طلب العلم والجهل قد
حواه ؟ لأن سعيه إلى آخرته وهو مقبل على دنياه .
يا موسى .. تعلم ما تعلمت لتعمل به ، ولا تعلمه لتحدث به ، فيكون
عليك بواره ، ولغيرك نوره . يا موسى بن عمران .. اجعل الزهد والتقوى
لباسك ، والعلم والذكر كلامك، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب
السيئات ، وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يرضي ربك ، واعمل خيرا فإنك لابد
عامل سوءا ، قد وعظت إن حفظت .
قال : فتولى الخضر وبقي موسى محزونا مكروبا يبكي .
لا يصح هذا الحديث ، وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقاد المصري وقد
كذبه غير واحد من الأئمة ، والعجب أن الحافظ ابن عساكر سكت عنه .
وقلل الحافظ أبو نعيم الأصبهاني : حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ،
حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي ، حدثنا محمد بن الفضل بن
عمران الكندي ، حدثنا بقية بن الوليد ، عن محمد بن زياد ، عن أبي أمامة أن
رسول الله عَ ل قال لأصحابه: (( ألا أحدثكم عن الخضر ؟ . قالوا : بلى يا
رسول الله ، قال : بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل ، أبصره رجل
مكاتب ، فقال : تصدق على بارك الله فيك . فقال الخضر : لآمنت بالله ، ما شاء
الله من أمر يكون ، ما عندي من شيء أعطيكه . فقال المسكين : أسألك بوجه
الله لما تصدقت علىّ ، فإني نظرت إلى السماء فى وجهك ، ورجوت البركة
عندك . فقال الخضر : لآمنت بالله ما عندي شيء أعطيكه ، إلا أن تأخذني
فتبيعني ، فقال المسكين : وهل يستقيم هذا ؟ قال : نعم ، الحق أقول لك ، لقد
سألتني بأمر عظيم ، أما إني لا أخيبك بوجه ربي ، بعني .
قال : فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم ، فمكث عند المشتري زمانا
لا يستعمله في شيء ، فقال له : إنك إنما ابتعتني التماس خير فأوصني بعمل ،
قال : أكره أن أشق عليك ، إنك شيخ كبير ضعيف . قال : ليس تشق علي ،
قال : فانقل هذه الحجارة . وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم . فخرج الرجل
لبعض حاجته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة ، فقال : أحسنت وأجملت
٥٥٤

وأطقت ما لم أرك تطيقه . ثم عرض للرجل سفر ، فقال : إني أحسبك أمينا
فاخلفني في أهلي خلافة حسنة . قال : فأوصني بعملٍ ، قال : إني أكره أن أشق
عليك ، قال : ليس تشق علي ، قال : فاضرب من اللّبِن لبيتي حتى أقدم عليك .
فمضى الرجل لسفره ، فرجع وقد شيد بناءه .
فقال : أسألك بوجه الله ما سبيلك وما أمرك ؟ فقال : سألتني بوجه الله ،
والسؤال بوجه الله أوقعني في العبودية ، سأخبرك من أنا . أنا الخضر الذي سمعت
به ، سألني مسكين صدقة فلم يكن عندي من شيء أعطيه ، فسألني بوجه الله
فأمكنته من رقبتي ، فباعني . وأخبرك أنه من سُئل بوجه الله فرد سائله وهو
يقدر ، وقف يوم القيامة جلده لا لحم له ولا عظم يتقعقع .
فقال الرجل : آمنت بالله ، شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم ! فقال : لا
بأس ، أحسنت وأبقيت ، فقال الرجل : بأبي وأمي يا نبي الله ، احكم في أهلي
ومالي بما أراك الله ، أو أخيرك فأخلي سبيلك ، فقال : أحب أن تخلي سبيلي ،
فأعبد ربي ، فخلى سبيله ، فقال الخضر : الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ثم
نجاني منها .
وهذا الحديث رفعه خطأ ، والأشبه أن يكون موقوفا ، وفي رجاله من لا
يُعرف .. فالله أعلم .
وقد رواه ابن الجوزي في كتابه ((عجالة المنتظر في شرح حال الخضر)) من
طريق عبد الوهاب بن الضحاك ، وهو متروك عن بقية .
وقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناد إلى السدي : أن الخضر وإلیاس كانا
أخوين، كان أبوهما ملكاً، فقال إلياس لأبيه : إن أخي الخضر لا رغبة له في
الملك ، فلو أنك زوجته لعله يجيء منه ولد يكون الملك له ، فزوجه أبوه بامرأة
حسناء بكر ، فقال لها الخضر : إنه لا حاجة لي في النساء ، فإن شئت أطلقت
سراحك ، وإن شئت أقمت معي تعبدين الله عز وجل وتكتمين علي سري .
فقالت : نعم ، وأقامت معه سنة .
فلما مضت السنة دعاها الملك ، فقال : إنك شابة وابني شاب فأين الولد ؟
فقالت : إنما الولد من عند الله ، إن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن ، فأمره أبوه
٥٥٥

فطلقها وزوجه بأخرى ثيبا قد ولد لها ، فلما زفت إليه قال لها كما قال للتي قبلها ،
فأجابت إلى الإقامة عنده . فلما مضت السنة سألها الملك عن الولد ، فقالت : إن
ابنك لا حاجة له بالنساء ، فتطلبه أبوه فهرب ، فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه .
فيقال إنه قتل المرأة الثانية لكونها أفشت سره ، فهرب من أجل ذلك ، وأطلق
سراح الأخرى .
فأقامت تعبد الله في بعض نواحي تلك المدينة ، فمر بها رجل يوما فسمعته
يقول : بسم الله . فقالت له : أنى لك هذا الاسم ؟ فقال : إني من أصحاب
الخضر ، فتزوجته فولدت له أولادا . ثم صار من أمرها أن صارت ماشطة بنت
فرعون ، فبينما هي يوما تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقالت : بسم الله ، فقالت
ابنة فرعون : أبي ؟ فقالت : لا ، ربي وربك ورب أبيك الله . فأعلمت أباها فأمر
بنقرة من نحاس فأحميت ، ثم أمر بها فألقيت فيها . فلما عاينت ذلك تقاعست أن
تقع فيها ، فقال لها ابن معها صغير : يا أمه .. اصبري فإنك على الحق ، فألقت
نفسها في النار فماتت ، رحمها الله .
وقد روى ابن عساکز عن أبي داود الأعمى نفيع ـ وهو كذاب وضاع -
عن أنس بن مالك ، ومن طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف - وهو
كذاب أيضا - عن أبيه عن جده: أن الخضر جاء ليلة فسمع النبي عَّةٍ وهو
يدعو ويقول: ((اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني ، وارزقني شوق الصالحين
إلى ما شوقتهم إليه)). فبعث إلى رسول الله عَ لّلم أنس بن مالك فسلم عليه فرد
علیه السلام وقال قل له: « إن الله فضلك على الأنبياء کما فضل شهر رمضان على سائر
الشهور ، وفضل أمتك على الأمم كما فضل يوم الجمعة على غيره )) الحديث .
وهو مكذوب لا یصح سندا ولا متنا ، فکیف لا يتمثل بين يدي رسول الله
عَ لّله ويجيء بنفسه مسلما ومتعلما ؟ !.
وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم : أن الخضر
يأتي إليهم ويسلم عليهم ، ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالهم ، وهو مع هذا لا
يعرف موسى بن عمران كليم الله ، الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من
سواه ، حتى يتعرف إليه بأنه موسى بني إسرائيل .
٥٥٦

وقد قال الحافظ أبو الحسن بن المنادى ، بعد إيراده حديث أنس هذا : وأهل
الحديث متفقون على أنه حديث منكر الإسناد سقيم المتن ، يتبين فيه أثر الصنعة .
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي قائلا : أنبأنا أبو عبد الله
الحافظ ، أنبأنا أبو بكر بن بالويه ، حدثنا محمد بن بشر بن مطر ، حدثنا كامل بن
طلحة ، حدثنا عباد بن عبد الصمد ، عن أنس بن مالك قال : لما قبض رسول الله
أحدق به أصحابه، فبكوا حوله واجتمعوا ، فدخل رجل أشهب اللحية
جسيم صبيح فتخطى رقابهم فيكى. ثم التفت إلى أصحاب رسول الله عَ ◌ّه
فقال : إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وعوضا من كل فائت ، وخلفا من كل
هالك ، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا ، وقد نظر إليكم في البلاء فانظروا ، فإن
المصاب من لم يجبر ، وانصرف .
فقال بعضهم لبعض : أتعرفون الرجل ؟ فقال أبو بكر وعلي : نعم ، هو أخو
رسول الله عَ لله الخضر عليه السلام.
وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن كامل بن طلحة به . وفي متنه مخالفة
لسياق البيهقي .
ثم قال البيهقي : عباد بن عبد الصمد ضعيف ، فهذا منكر بمرة ، قلت :
عباد بن عبد الصمد هذا هو ابن معمر البصري ، روى عن أنس نسخة ، قال ابن
حبان والعقيلي : أكثرها موضوع ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال أبو
حاتم : ضعيف الحديث جدا منكره ، وقال ابن عدي : عامة ما يرويه في فضائل
علي ، وهو ضعيف غال في التشيع .
وقال الشافعي في مسنده : أنبأنا القاسم بن عبد الله بن عمر ، عن جعفر بن
محمد، عن أبيه ، عن جده عن علي بن الحسين قال: لما توفي رسول الله عَّ ◌َه
وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول : إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وخلفا من كل
هالك ، ودركا من كل فائت ، فبالله فثقوا ، وإياه فارجعوا ، فإن المصاب من
حرم الثواب . قال علي بن الحسين : أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر .
شيخ الشافعي القاسم العمري متروك . قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين :
يكذب . زاد أحمد : ويضع الحديث . ثم هو مرسل ومثله لا يعتمد عليه هاهنا ..
٥٥٧

والله أعلم .
وقد روى من وجه آخر ضعيف ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن
جده ، عن أبيه عن علي ولا يصح .
وقد روى عبد الله بن وهب عمن حدثه ، عن محمد بن عجلان ، عن محمد.
ابن المنكدر : أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلي على جنازة إذ سمع هاتفا وهو
يقول : لا تسبقنا يرحمك الله ، فانتظره حتى لحق بالصف ، فذكر دعاءه للميت :
إن تعذبه فكثيرا عصاك ، وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك . ولما دفن قال : طوبى
لك يا صاحب القبر إن لم تكن عريفا أو جابيا أو خازنا أو كاتبا أو شرطيا . فقال
عمر : خذوا الرجل نسأله عن صلاته و كلامه عمن هو ؟ قال : فتواری عنهم ،
فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع . فقال عمر : هذا والله الخضر الذي حدثنا عنه رسول
الله ټٹے
وهذا الأثر فيه مبهم ، وفيه انقطاع ولا يصح مثله .
وروی الحافظ ابن عساکر عن الثوري عن عبد الله بن المحرز ، عن یزید بن
الأصم ، عن علي بن أبي طالب قال : دخلت الطواف في بعض الليل ، فإذا أنا
برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : يا من لا يمنعه سمع عن سمع ، ويا من لا
تغلطه المسائل ، ويا من لا يبرمه إلحاح الملحين ولا مسألة السائلين - ارزقني برد
عفوك وحلاوة رحمتك . قال : فقلت أعد علي ما قلت ، فقال لي : أو سمعته ؟
قلت : نعم . فقال لي : والذي نفس الخضر بيده - قال : وكان هو الخضر -
لا يقولها عبد خلف صلاة مكتوبة إلا غفر الله له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد
البحر وورق الشجر وعدد النجوم ، لغفرها الله له .
وهذا ضعيف من جهة عبد الله بن المحرز ، فإنه متروك الحديث ، ويزيد بن
الأصم لم يدرك عليا ، ومثل هذا لا يصح .. والله أعلم .
وقد رواه أبو إسماعيل الترمذي : حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا صالح بن
أبي الأسود ، عن محفوظ بن عبد الله الحضرمي ، عن محمد بن يحيى قال : بينما علي
ابن أبي طالب يطوف بالكعبة ، إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : يا
من لا يشغله سمع عن سمع ، ويا من لا يغلطه السائلون ، ويا من لا يتبرم بإلحاح
٥٥٨

الملحين ارزقني برد عفوك وحلاوة رحمتك . قال : فقال له علي : يا عبد الله ..
أعد دعاءك هذا ، قال : أو قد سمعته ؟ قال : نعم . قال : فادع به في دبر كل
صلاة ، فوالذي نفس الخضر بيده لو كان عليك من الذنوب عدد نجوم السماء
ومطرها ، وحصباء الأرض وترابها ، لغفر لك أسرع من طرفة عين .
وهذا أيضا منقطع ، وفي إسناده من لا يعرف .. والله أعلم .
وقد رواه ابن الجوزي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا : حدثنا يعقوب بن
يوسف ، حدثنا مالك بن إسماعيل فذكره نحوه . ثم قال : وهذا إسناد مجهول
منقطع ، وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر .
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر : أنبأنا أبو القاسم بن الحصين أنبأنا أبو
طالب محمد بن محمد ، أنبأنا أبو إسحاق المزكى ، حدثنا محمد بن إسحاق بن
خزيمة ، حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد أملاه علينا بعبادان ، أنبأنا عمرو بن
عاصم ، حدثنا الحسن بن رزين عن ابن جريج ، عن عطاء ابن عباس قال : ولا
أعلمه إلا مرفوعا إلى النبي عَ ل ـ قال: ((يلتقي الخضر وإلياس كل عام في
الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ، ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات :
بسم الله ما شاء الله ، لا يسوق الخير إلا الله ، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا
الله ، ما شاء الله ، ما كان من نعمة فمن الله ، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا
بالله)) .
قال وقال ابن عباس : من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات ، أمنه
الله من الغرق والحرق والسرق . قال : وأحسبه قال : ومن الشيطان والسلطان
والحية والعقرب .
قال الدار قطني في الإِفراد : هذا حديث غريب من حديث ابن جريج لم
يحدث به غير هذا الشيخ عنه _ یعني الحسن بن رزین هذا . وقد روی عن محمد
ابن كثير العبدي أيضا ، ومع هذا قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي : ليس
بالمعروف .
وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي : مجهول وحديثه غير محفوظ . وقال أبو
الحسن بن المنادي : هو حدیث واه بالحسن بن رزین . وقد روى ابن عساكر
٥٥٩

نحوه من طريق علي بن الحسن الجهضمي ۔۔ وھو کذاب - عن ضمرة بن حبيب
المقدسي ، عن أبيه ، عن العلاء بن زياد القشيري ، عن عبد الله بن الحسن ، عن
أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب مرفوعا قال : يجتمع كل يوم عرفة بعرفات -
جبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر . وذكر حديثا طويلا موضوعا تركنا إيراده.
قصدا .. ولله الحمد .
وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد عن الحسن بن يحيى الخشني ،
عن ابن أبي رواد قال : إلياس والخضر يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ،
ويحجان في كل سنة ، ويشربان من ماء زمزم شربة واحدة تكفيهما إلى مثلها من
قابل .
وروى ابن عساكر : أن الوليد بن عبد الملك بن مروان (١٠) - باني جامع
دمشق - أحب أن يتعبد ليلة في المسجد ، فأمر القومة أن يخلوه له ففعلوا ، فلما
كان من الليل جاء في باب الساعات فدخل الجامع ، فإذا رجل قائم يصلي فيما بينه
وبين باب الخضراء ، فقال للقومة : ألم آمركم أن تخلوه ؟ فقالوا : يا أمير المؤمنين
هذا الخضر يجيء كل ليلة يصلي هاهنا .
قال ابن عساكر أيضا : أنبأنا أبو القاسم بن إسماعيل بن أحمد ، أنبأنا أبو بكر
ابن الطبرى ، أنبأنا أبو الحسين بن الفضل ، أنبأنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا
يعقوب - هو ابن سفيان الفسوي - حدثني محمد بن عبد العزيز ، حدثنا
ضمرة عن السري بن يحيى ، عن رباح بن عبيدة ، قال : رأيت رجلا يماشي عمر
ابن عبد العزيز معتمدا على يديه ، فقلت في نفسي : إن هذا الرجل حاف ، قال :
فلما انصرف من الصلاة - قلت من الرجل الذي كان معتمدا على يدك آنفا ؟
قال : وهل رأيته يا رباح ؟ قلت : نعم . قال : ما أحسبك إلا رجلا صالحا ،
ذاك أخي الخضر بشرني أني سألي. وأعدل .
قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي : الرملي مجروح عند العلماء . وقد قدح
أبو الحسن بن المنادى في ضمرة والسري ورباح . ثم أورد من طرق أخرى عن
عمر بن عبد العزيز ، أنه اجتمع بالخضر ، وضعفها كلها .
(١٠) الوليد بن عبد الملك بن مروان الخليفة، أبو العباس، تُوفي سنة ٩٦ هـ. [شذرات الذهب ١١١/١].
٥٦٠