Indexed OCR Text

Pages 401-420

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رِبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ قَالَ رَبُّ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم ◌ُوقِنِينَ : قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴾ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ
آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ قَالَ رْبُّ
الْمَشْرِقِ وَالْمَعْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾(٦٠).
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمجاجة والمناظرة ، وما
أقامه الكليم على فرعون اللئيم ، من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية .
وذلك أن فرعون - قبحه الله - أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى ، وزعم
أنه الإِله ﴿ فَحَشَرَ فَتَادَى:﴿ فَقَالَ أَنا رَبُّكُمُ الْأَعَلَىَ﴾(٦١). ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ
يَأَيُّهَا المَلْأَ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّن إِلَهِ غَيرِى﴾(٦٢) .
وهو فى هذه المقالة معاند ، يعلم أنه عبد مربوب ، وأن الله هو الخالق
البارىء المصور، الإِله الحق كما قال تعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسَتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُم
ظُلْمَاً وَعُلُوًّا فَانِظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ (٦٣) .
ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإِنكار لرسالته ، والإِظهار أنه ما ثم
رب أرسله: ﴿وَمَارَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦٤) لأنهما قالا له: ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ﴾(٦٥) فكأنه يقول لهما : ومن رب العالمين ؟ الذى تزعمان أنه
أرسلكما وابتعثكما ؟ .
فأجابه موسى قائلًا: ﴿ رَبُّ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْتَهُمَا إِن كُنتُم
مُوقِنِينَ ﴾ يعنى رب العالمين خالق هذه السموات والأرض المشاهدة ، وما بينهما
من المخلوقات المتعددة ، من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التى
يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ، ولا بد لها من موجد ومحدث وخالق .
(٦٠) الشعراء الآيات : ٢٣ - ٢٨.
(٦١) النازعات الآيتان: ٢٣ - ٢٤.
(٦٢) القصص الآية : ٣٨.
(٦٣) النمل الآية : ١٤ .
(٦٤) الشعراء الآية : ٢٣ .
(٦٥) الشعراء الآية : ١٦ .
٤٠١

وهو الله الذى لا إله إلا هو رب العالمين .
قال أى فرعون ﴿ لِمَنْ حَوْلَهُ ﴾ من أمرائه ومرازبته ووزرائه ، على سبيل
التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام ﴿ أَلا تَسْتَمِعُونَ ﴾ يعنى كلامه
هذا .
قال موسى مخاطباً له ولهم ﴿ رَبُّكُم وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأُوَّلِينَ﴾ أى هو الذى
خلقكم والذين من قبلكم ، من الآباء والأجداد ، والقرون السالفة فى الآباد ، فإن
كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ، ولا أبوه ولا أمه ، ولا يحدث من غير محدث ،
وإنما أوجده وخلقه رب العالمين . وهذان المقامان هما المذكوران فى قوله تعالى :
سَنُرِيهِمُ آيَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَّهُمْ أَنَّهُ الْحَقِّ﴾(٦٦).
ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته ، ولا نزع عن ضلالته ، بل استمر
على طغيانه وعناده وكفرانه: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ *
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَعْرَبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أى هو المسخر لهذه
الكواكب الزاهرة المسيرة للأفلاك الدائرة ، وخلق الظلام والضياء ، ورب الأرض
والسماء ، رب الأولين والآخرين ، خالق الشمس والقمر ، والكواكب السائرة ،
والثوابت الحائرة ، خالق الليل بظلامه ، والنهار بضيائه ، والكل تحت قهره
وتسخيره وتسييره سائرون ، وفى فلك يسبحون ، ويتعاقبون فى سائر الأوقات
ويدورون . فهو تعالى الخالق المالك المتصرف فى خلقه بما يشاء .
فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبه ، ولم يبق له قول سوى
العناد ، عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته ﴿ قَالَ لَئِنِ اتَّخِذْتَ إِلَهاً
غَيْرِى لَأُجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ ، قَالَ فَأْتِ بِهِ
إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ . وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا
هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾(٦٧) .
وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما ، وهما العصا واليد ، وذلك مقام
(٦٦) فصلت الآية : ٥٣ .
.(٦٧) الشعراء الآيات: ٢٩ - ٣٣.
٤٠٢

أظهر فيه الخارق العظيم، الذى بهر به العقول والأبصار ، حين ألقى عصاه فإذا هى
ثعبان مبين ، أى عظيم الشكل ، بديع فى الضخامة والهول ، والمنظر العظيم الفظيع
الباهر ، حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه ، أخذه رهب شديد وخوف
عظيم ، حيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعينَ مرة فى اليوم ، وكان قبل
ذلك لا يتبرز فى كل أربعين يوماً إلا مرة واحدة، فانعكس عليه الحال .
وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده فى جيبه واستخرجها ، أخرجها
وهى كفلقة القمر تتلألأ نوراً يبهر الأبصار ، فإذا أعادها إلى جيبه واستخرجها
رجعت إلى صفتها الأولى .
ومع هذا كله لم ينتفع فرعون - لعنه الله - بشىء من ذلك ، بل استمر على
ما هو عليه ، وأظهر أن هذا كله سحر ، وأراد معارضته بالسحرة . فأرسل
يجمعهم من سائر مملكته ومن هم فى رعيته وتحت قهره ودولته ، كما سيأتى بسطه
وبيانه فى موضعه ، من إظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون
وملئه ، وأهل دولته وملئه .. ولله الحمد والمنة .
وقال تعالى فى سورة طه: ﴿فَلَبِئْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَذِينَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى
قَدَرٍ يَا مُوسَى « وَاصْطَتَعْتُكَ لِنَفْسِى » اذْهَبْ أَنتَ وَأخُوكَ بِآيَاتِىِ وَلَّا تَنِيَا فِى
ذِكْرِى « اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغِى، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّاً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
يَحْشَىءٍ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَّ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ﴾ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِى
مَعَكُمَا أُسْمَعُ وَأَرَى﴾(٦٨).
يقول تعالى مخاطباً لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه ، وأنعم بالنبوة عليه ،
وكلمة منه إليه : قد كنت مشاهداً لك وأنت فى دار فرعون ، وأنت تحت كنفى
وحفظى ولطفى ، ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتى وقدرتى
وتدبيرى ، فلبثت فيها سنين ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ ﴾ أى منى لذلك، فوافق
ذلك تقديرى وتسييرى ﴿ وَاصْطَتَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ أى اصطفيتك لنفسى برسالتى
وبكلامی .
(٦٨) طه الآيات : ٤٠ - ٤٦ .
٤٠٣

اذْهَبْ أنتَ وأخُوكَ بِآيَاتِی وَلَا تَنِیًا في ذِكْرِى﴾ یعنی ولا تفترا فی
ذكرى إذا قدمتما عليه ووفدتما إليه ، فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته ،
وأداء النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه .
وقد جاء فى بعض الأحاديث: يقول الله تعالى: (( إن عبدی كل عبدی
الذى يذكرنى وهو ملاق قرنه))(٦٩) وقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيْتُمْ فِئَةً
فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(٧٠) .
ثم قال تعالى: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيْنَاً لَّعَلَّهُ
يَتَذَكَرُ أَوْ يَحْشَى ﴾(٧١) وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه ، مع
علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره ، وهو إذ ذاك أردى خلقه ، وقد بعث إليه
صفوته من خلقه فى ذلك الزمان ، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعوا إليه
بالتى هى أحسن برفق ولين ، ويعاملاه بألطف معاملة من يرجو أن يتذكر أو
يخشى .
كما قال لرسوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسنةِ
وَجَادِلْهُم بِالتِى هِىَ أَحْسِنْ﴾(٧٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُواْ أَهْل الكِتَابِ
إِلَّا بِالتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾(٧٣). قال الحسن البصرى:
: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّاً﴾ اعذرا إليه ، قولًا له : إن لك رباً ولنا معاداً، وإن بين
يديك جنة وناراً .
وقال وهب بن منبه(٧٤): قولا له : إنى إلى العفو والمغفرة أقرب منى إلى
الغضب والعقوبة . قال يزيد الرقاشى عند هذه الآية : يا من يتحبب إلى من
(٦٩) أخرجه الترمذى فى سننه ، كتاب الدعوات ، باب رقم ١١٩ وقال : « هذا حديث غريب لا نعرفه إلا
من هذا الوجه ، ليس إسناده بالقوى)) .
(٧٠) الأنفال الآية : ٤٥ .
(٧١) طه الآيتان : ٤٣، ٤٤.
(٧٢) النحل الآية : ١٢٥.
(٧٣) العنكبوت الآية : ٤٦ .
(٧٤) وهب بن منبه بن كامل اليمانى الصنعانى أبو عبد الله الأنبارى ، وتوفى سنة ١١٦ هـ [ طبقات ابن سعد
٥ / ٣٩٥، تذكرة الحفاظ ١ / ١٠٠.
٤٠٤

٠
يعاديه ، فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟ ! .
قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أو أن يَطْغَى ﴾ ، وذلك أن فرعون
كان جباراً عنيداً وشيطاناً مريداً ، له سلطان فى بلاد مصر طويل عريض ، وجاه
وجنود ، وعساكر وسطوة ، فهاباه من حيث البشرية ، وخافا أن يسطو عليهما
فى بادىء الأمر، فثبتهما تعالى وهو العلى الأعلى فقال: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا
أَسْمَعُ وأَرَى﴾، كما قال فى الآية الأخرى: ﴿إِنَّا مَعَكُم مُسْتَمِعُونَ﴾ (٧٥).
فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رِسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِبْهُم قَدْ
جْنَاكَ بِآيَةٍ مِن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ الَّبَعِ الهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أنَّ
العَذَابَ عَلَىَ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾(٧٦). يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى
فرعون فيدعواه إلى الله تعالى ، أن يعبده وحده لا شريك له وأن يرسل معهما بنى
إسرائيل ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم . ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ ◌ّن رَّبِّكَ ﴾
وهو البرهان العظيم فى العصى واليد، ﴿والسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَع الهُدى﴾ تقييد
مفيد بليغ عظيم ، ثم تهدِداه وتوعِداه على التكذيب فقالا: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا
أَنَّ العَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَولَّى﴾ أى كذب بالحق بقلبه ، وتولى عن العمل
بقالبه .
وقد ذكر السدى وغيره : أنه لما قدم من بلاد مدين ، دخل على أمه وأخيه
هارون ، وهما يتعشيان من طعام فيه ((الطفشيل)) وهو اللفت ، فأكل معهما . ثم
قال : يا هارون .. إن الله أمرنى وأمرك أن ندعوا فرعون إلى عبادته ، فقم معى .
فقاما يقصدان باب فرعون فإذا هو مغلق . فقال موسى للبوابين والحجبة : أعلموه
أن رسول الله بالباب . فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به .
وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلّا بعد حين طويل . وقال محمد
ابن إسحاق : أذن لهما بعد سنتين ، لأنه لم يك أحد يتجاسر على الاستئذان
لهما .. فالله أعلم . ويقال إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه ، فانزعج
فرعون وأمر بإحضارهما فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عزّ وجل كما أمرهما .
(٧٥) الشعراء الآية : ١٥ .
(٧٦) طه الآيتان : ٤٧ - ٤٨ .
٤٠٥

وعند أهل الكتاب : أن الله قال لموسى عليه السلام: إن هارون اللاوى -
يعنى الذى من نسل لاوى بن يعقوب - سيخرج ويتلقاك ، وأمره أن يأخذ معه
مشايخ بنى إسرائيل إلى فرعون ، وأمره أن يظهر ما آتاه من الآيات وقال له : إنى
سأقسى قلبه فلا يرسل الشعب ، وأكثر آياتى وأعاجيبى بأرض مصر . وأوحى الله إلى
هارون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب ، فلما تلقاه أخبره موسى
بما أمره به ربه . فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بنى إسرائيل وذهبا إلى فرعون ، فلما
بلغاه رسالة الله قال : من هو الله ؟ لا أعرفه ولا أرسل بنى إسرائيل .
*
وقال الله مخبراً عن فرعون: ﴿قَالَ فَمَنِ رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبَّا الَّذِى
أعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى . قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُوَلَىِ . قَالَ عِلْمُهَا عِندَ
رَبِّى فِى كِتَابٍ لَّا يَضِّلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ
لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأُخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى « كُلُواْ
وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِى النُّهَى « مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِهَا تُعِدُكُمْ
وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾(٧٧) .
يقول تعالى مخبراً عن فرعون: إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلًا: ﴿فَمَن
وَتُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ أى هو
الذى خلق الخلق وقدر لهم أعمالًا وأرزاقاً وآجالًا ، وكتب ذلك عنده فى كتابه اللوح
المحفوظ ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له ، فطابق عمله فيهم على الوجه الذى
قدره وعلمه ، وقدرته وقدره لكمال علمه . وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿سَبِّح اسمَ
رَبِّكَ الْأَعَلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوَى * وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى﴾(٧٨) أى قدر قدراً
وهدى الخلائق إليه .
قَالَ فَمَا بَالُ القُرُونَ الْأُولَى﴾ يقول فرعون لموسى : فإذا كان ربك هو
الخالق المقدر الهادى الخلائق لما قدره ، وهو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة
سواه ، فلم عبد الأولون غيره ؟ وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمت ؟
(٧٧) طه الآيات : ٤٩ - ٥٥ .
(٧٨) الأعلى الآيات: ١ - ٣ .
٤٠٦

فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى ؟ ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِى فِى -كتَابٍ
لَا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنْسِى﴾ أى هم وإن عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك،
ولا يدل على خلاف ما أقول لأنهم جهلة مثلك ، وكل شىء فعلوه مستطر عليهم فى
الزبر ، من صغير وكبير ، وسيجزيهم على ذلك ربى عز وجل ، ولا يظلم أحداً مثقال
ذرة ، لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده فی کتاب لا يضل عنه شىء ولا ينسى ربى
شيئاً .
ثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الأشياء ، وجعله الأرض مهاداً والسماء
سقفاً محفوظاً ، وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد ودوابهم وأنعامهم ، كما قال :
كُلُوا وَارْعَوْ أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآياتٍ لِأُولِى النُّهَى﴾ أى لذوى العقول
الصحيحة المستقيمة ، والفطر القويمة غير السقيمة ، فهو تعالى الخالق الرزاق ، وكما
قال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمْ الَّذِى خَلقَكُمْ والذَّينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُم
تَقُّون * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَِ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ من السَّمَاءِ مَاءً
فَأْخَرَجَ بِهِ من الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لله أنداداً وَأَنْتُم تَعْلَمُون﴾(٧٩) .
ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر ، واهتزازها بإخراج نباتها فيه نبه به على المعاد
فقال: ﴿ مِنْهَا﴾ أى من الأرض ﴿خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُحْرِجُكُمْ ثَارةً
أُخْرَى﴾ كما قال تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأْكُم تَعُودونَ ﴾(٨٠) وقال تعالى: ﴿ وَهُو
الَّذِى يَدَأُ الْخَلْقَ ثُم يُعِيدُهُ وَهُو أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعَلَى فِىِ السَّمَواتِ
وَالْأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُّ الحَكِيمُ﴾(٨١) .
*
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ﴾ قَالَ أجبْتُنَا
لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ، فَلَنَأْتِنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْتَنَا وَبَيْنَكَ
مَوْعِدَاً لَّا نُحْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَاناً سُوىٍ ﴾ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّنَةِ وَأن
(٧٩) البقرة الآيتان: ٢١ - ٢٢ .
(٨٠) الأعراف الآية : ٢٩.
(٨١) الروم الآية : ٢٧ .
٤٠٧

يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَىٍ﴾(٨٢).
يخبر تعالى عن شقاء فرعون وكثرة جهله وقلة عقله ، فى تكذيبه بآيات الله
واستكباره عن اتباعها ، وقوله لموسى : إن هذا الذى جئت به سحر ، ونحن
نعارضك بمثله . ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم ومكان معلوم .
وكان هذا من أكبر مقاصد موسى عليه السلام : أن يظهر آيات الله وحججه
وبراهينه جهرة بحضرة الناس : ولهذا ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُم يَوْمُ الزِّينَةِ ﴾ وکان یوم عید من
أعيادهم ومجتمع لهم ﴿وأن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىٍ﴾ أى من أول النهار فى وقت
اشتداد ضياء الشمس ، فيكون الحق وأظهر وأجلى ، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلًا
فى ظلام ، كما يروج عليهم محالًّا وباطلًا، بل طلب أن يكون نهاراً جهرة ، لأنه على
بصيرة من ربه ، ويقين بأن الله سيظهر كلمته ودينه ، وإن رغمت أنوف .
القبط(٨٣) !.
قال الله تعالى: ﴿ فَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ﴾ قَالَ لَهُمْ مُوسَى
وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبَاً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى *
فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى ﴾ قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدُانِ أَن
يُحْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِقَتِكُمُ الْمُثَلَى (( فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ
اثْتُواْ صَفَّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾(٨٤).
يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة ، و كانت بلاد
مصر فى ذلك الزمان مملوءة سحرة فضلاء ، فى فنهم غاية ، فجمعوا له من کل بلد
ومن كل مكان فاجتمع منهم خلق كثير وجم غفير ، فقيل : كانوا ثمانين ألفاً -
قاله محمد بن كعب . وقيل : سبعين ألفاً قاله القاسم بن أبى بردة ، وقال
السدى : بضعة وثلاثين ألفاً ، وعن أبى أمامة : تسعة عشر ألفاً ، وقال محمد
ابن إسحاق: خمسة عشر ألفاً. وقال كعب الأحبار : كانوا اثنى عشر ألفاً .
وروى ابن أبى حاتم عن ابن عباس : كانوا سبعين رجلاً ، وروى عنه أيضاً
(٨٢) طه الآية : ٥٦ - ٥٧ .
(٨٣) تاريخ الطبرى جـ ١ / ٢٨٧.
(٨٤) طه الآيات : ٦٠ - ٦٤ .
٤٠٨

أنهم كانوا أربعين غلاماً من بنى إسرائيل ، أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء
فيتعلموا السحر. ولهذا قالوا: ﴿ وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ منَ السَّحْرِ﴾(٨٥) وفى هذا
نظر .
وحضر فرعون وأمراؤه وأهل دولته وبلده عن بكرة أبيهم . وذلك أن فرعون
نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم، فخرجوا وهم يقولون: ﴿لَعَلَّنَا نَتَبعُ
السَّحْرَةَ إِنْ كَانُواْ هُمُ العَالِينَ﴾(٨٦).
وتقدم موسى عليه السلام إلى السحرة فوعظهم ، وزجرهم عن تعاطى
السحر الباطل ، الذى فيه معارضة لآيات الله وحججه فقال : ﴿ وَيْلَكُم
لا تَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ من افْتَرَىَ . فَتَازَعُواْ
أَمْرَهُم بَيْنَهُم ﴾ .
قيل : معناه أنهم اختلفوا فيما بينهم ، فقائل يقول : هذا كلام نبى وليس
بساحر ، وقائل منهم يقول : بل هو الساحر .. فالله أعلم . وأسروا التناجى بهذا
وغيره .
قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُحْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم
بِسِحْرِهِمَا ﴾ يقولون : إن هذا وأخاه هارون ، ساحران عليمان مطيقان متقنان
لهذا الصناعة ، ومرادهما أن يجتمع الناس عليهما ويصولا على الملك وحاشيته ،
ويستأصلاكم عن آخركم ويستأمرهما عليكم بهذه الصناعة .
فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُواْ صَفَّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ وإنما قالوا
الكلام الأول ليتدبروا ويتواصوا ، ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة والمكر
والخديعة والسحر والبهتان .
وهيهات ! كذبت والله الظنون ، وأخطأت الآراء ، أنى يعارض البهتان ،
والسحر والهذيان خوارق العادات التى أجراها الديان ، على يدى عبده الكليم ،
ورسوله الكريم المؤيد بالبرهان ، الذى يبهر الأبصار وتحار فيه العقول
(٨٥) طه الآية : ٧٣ .
(٨٦) الشعراء الآية : ٤٠.
٤٠٩

والأذهان ! .
وقوله : ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ أى جميع ما عندكم ﴿ِ ثُمَّ اثْتُوا صفّاً ﴾ أى
جملة واحدة ، ثم حضوا بعضهم بعضاً على التقدم فى هذا المقام ، لأن فرعون كان
وعدهم ومناهم ، ﴿ وَمَا يَعِدُهُم الشَّيْطَانِ إِلَّا غُرُوراً ﴾ .
قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقَى وَإِمَّا أَن تَكُونَ أوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ
أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخِيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ، فَأَوْجَسِ فِى
نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَحْفْ إِنَّكَ أنتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مِا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ
مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثَ أَتَى ﴾(٨٧) .
لما اصطف السحرة ووقف موسى وهارون عليهما السلام تجاههم قالوا له :
إما أن تلقى قبلنا ، وأما أن نلقى قبلك ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ ﴾ أنتم ، وكانوا قد
عمدوا إلى حبال وعصى ، فأودعوها الزئبق وغيرها ، من الآلات التى تضطرب
بسببها تلك الحبال والعصى اضطراباً يخيل للرائى أنها تسعى باختيارها ، وإنما
تتحرك بسبب ذلك ، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم ، وألقوا حبالهم
وعصيهم، وهم يقولون: ﴿ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾(٨٨) .
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهُوهُم
وَجَاءُواْبِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ (٨٩). وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخِيَّلُ إِلَيْهِ
مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً قُوسَى﴾ أى خاف على
الناس أن يفتنوا بسحرهم ومحالهم ، قبل أن يلقى ما فى يده ، فإنه لا يصنع شيئاً
قبل أن يؤمر ، فأوحى الله إليه فى الساعة الراهنة : ﴿لَا تَخْفْ إِنَّكَ أنتَ
الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ
السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾(٩٠) . فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال : ﴿ مَا جِئْتُم بِهِ
(٨٧) طه الآيات : ٦٥ - ٦٩ .
(٨٨) الشعراء الآية : ٤٤ .
(٨٩) الأعراف الآية : ١١٦ .
(٩٠) تاريخ الطبرى ١ / ٢٨٨.
٤١٠

السَّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. وَيُحِقّ اللهُ الْحَقَّ
بِكَلِمَاته وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾(٩١).
وقال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ
مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. فَعُلِبُواْ هُنَالكَ وَانقَلَبُوا
صَاغِرِينَ ، وَأُلْقَى السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى
وَهَارُونَ ﴾ (٩٢) .
وذلك أن موسى عليه السلام لما ألقاها ، صارت حية عظيمة ذات قوائم ،
فيما ذكره غير واحد من علماء السلف ، وعنق عظيم وشكل هائل مزعج ، بحيث
إن الناس انحازوا منها وهربوا سراعاً ، وتأخروا عن مكانها وأقبلت هى على
ما ألقوه من الحبال والعصى، فجعلت تلقفه واحداً واحداً فى أسرع ما يكون من
الحركة ، والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها ، وأما السحرة فإنهم رأوا ما هانهم
وحيرهم فى أمرهم ، واطلعوا على أمر لم يكن فى خلدهم ولا بالهم ولا يدخل تحت
صناعاتهم وأشغالهم ، فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم أن هذا ليس
بسحر ولا شعوذة ولا محال ولا خيال ولا زور ولا بهتان ولا ضلال ، بل حق
لا يقدر عليه إلّا الحق ، الذى ابتعث هذا المؤيد به بالحق . وكشف الله عن قلوبهم
غشاوة الغفلة ، وأنارها بما خلق فيها من الهدى وأزاح عنها القسوة ، وأنابوا إلى
ربهم وخروا له ساجدين ، وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة
ولا بلوى(٩٣) ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسِى﴾ كما قال تعالى: ﴿ فَأَلْقِىَ
السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَثَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى » قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِىِ عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأَقَطَّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خَلَافٍ
وَلَأَصَلَِّنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّحْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى ﴾ قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ
عَلَى مَا جَاءَنَا مَنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَاءِ إِنَّا آمَنَّا بِرَبَّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانًا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ
(٩١) يونس الآيتان : ٨١ - ٨٢ .
(٩٢) الأعراف الآيات : ١١٧ - ١٢٢.
(٩٣) قارن تاريخ الطبرى جـ ١ / ٢٩٠ .
٤١١

خَيْرٌ وَأَبْقَى « إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَخْنَى .
*
وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى « جَنَّاتُ عَدْنٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى﴾(٩٤) .
قال سعيد بن جبير وعكرمة والقاسم بن أبى بردة والأوزاعى وغيرههم : لما
سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم فى الجنة تهيأ لهم ، وتزخرف لقدومهم
ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده .
وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا وأشهروا ذكر موسى
وهارون فى الناس على هذه الصفة الجميلة ، أفزعه ذلك ، ورأى أمراً بهره ،
وأعمى بصيرته وبصره ، وكان فيه كيد ومكر وخداع ، وصنعة بليغة فى الصد
عن سبيل الله، فقال مخاطباً للسحرة بحضرة الناس: ﴿ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ
لَكُمْ﴾ أى هلا شاورتمونى فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتى ؟! ثم تهدد
وتوعد وأبرق وأرعد، وكذب فأَبعد قائلًا: ﴿إِنَّهُ لَكَبِرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ
السِّحْرُ﴾ وقالٍ فى الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ
لِتُحْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾(٩٥) .
وهذا الذى قاله من البهتان الذى يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر
والكذب والهذيان ، بل لا يروج مثله على الصبيان ، فإن الناس كلهم من أهل
دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يوماً من الدهر ، فكيف يكون
كبيرهم الذى علمهم السحر ؟ ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم ، حتى كان
فرعون هو الذى استدعاهم ، واجتباهم من كل فج عميق ، ووادٍ سحيق ، ومن
حواضر بلاد مصر والأطراف ، ومن المدن والأرياف .
قال الله تعالى فى سورة الأعراف: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنِ بَعْدِهِم ◌ُوسَى بَآيَاتِنَا إِلَى
فَرْعَوْنَ وَمَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَى
يَا فِرْعَوْنُ إِلَّى رَسُولٌ مِّن رَبِّ الْعَالَمِينَ« حَقِيقٌ عَلَى أن لَّا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّ
الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّئَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيّ بَنِى إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ
(٩٤) طه الآيات : ٧٠ - ٧٦ .
(٩٥) الأعراف الآية : ١٢٣ .
٤١٢

بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ *
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بِيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَّأُ مِن قَوْمٍ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ
عَلِيمٌ : يُرِيدُ أن يُحْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ
وَأَرْسِلْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ
قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْعَالِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ».قَالُواْ
يَا مُوسَى إِمَّا أن تُلْقِى وَإِمَّا أَنَ نكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِيَنَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا
سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهُبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى
أنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ فَعُلِبُواْ هُتَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ ﴿ وَأُلْقِى السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواْ
آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُم بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ
لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِتُخْرِ جُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ *
لَأُقَطَّعَنَّ أَنْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خَلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلَِّنَّكُمْ أَجْمَعِينَ " قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبَّنَا
مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنِقِمُ مَنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً
وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ﴾(٩٦) .
قال تعالى فى سورة يونس : ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَهَارُونَ إِلَى
فِرْعَوْنَ وَمَئِهِ بِآيَتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقّ مِنْ
عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ
هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُواْ أَجِبْتَنَا لِتَلْفِتَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ
لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ اثْتُونِى بِكُلِّ
سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمٍ مُوسَى أَلْقُوْا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ * فَلَمَّا
أَلْقَوْاَ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لايُصْلِحُ عَمَل
الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٩٧).
وقال تعالى فى سورة الشعراء : ﴿ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ
مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىءٍ مُّبِين * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ
(٩٦) الأعراف الآيات : ١٠٣ - ١٢٦ .
(٩٧) يونس الآيات : ٧٥ - ٨٢ .
٤١٣

الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ
لِلنَّاظِرِينَ ﴾ قال لِلْمَلَأَ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ : يُرِيدُ أن يُحْرِجَكُم مِّنْ
أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُواْ أَرْجَهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِى الْمَدَائِنِ
حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلٌّ سَخَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتٍ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَقِيلَ
لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْعَالِينَ *
فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَثْنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِينَ ﴾ قَالَ نَعَمْ
وَإِنَّكُمْ إِذَنْ لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ . قَالَ لَهُم مُوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلَّقُونَ . فَأَلْقَوْا
حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ
فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿ فَأُلْفِىَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ
الْعَالَمِينَ : رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ. قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُ كُمُ
الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقِطٌّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ
وَلَأُصَلِّبَّكُمْ أَجْمَعِينَ . قَالُواْ لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبَِّا مُنقَلِبُونَ : إِنَّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنَا
رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٩٨).
والمقصود أن فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر فى قوله: ﴿ إِنَّهُ
لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمِ السِّحْرَ﴾ وأتى ببهتان يعلمه العالِمُون بل العَالَمُون فى
قوله: ﴿ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوفَ
تَعْلَمُونَ﴾(٩٩)، وقوله: ﴿ لَأَقَطْعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلافٍ ﴾ يعنى
يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه، ﴿ ولَأَصَلَّبِنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ أى
ليجعلهم مثلة ونكالا لئلا يقتدى بهم أحد من رعيته وأهل ملته . ولهذا قال :
وَلَّأُصَلِّبْتَّكُمْ فِى ◌ُذُوعِ النَّحْلِ﴾(١٠٠) أى على جذوع النخل، لأنها أعلى
وأشهر ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشْدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ (١٠٠) يعنى فى الدنيا .
قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾(١٠١) أى لن نطيعك
ونترك ما وقر فى قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات ﴿وَالَّذِى فَطَرَنَا﴾ قيل
معطوف ، وقيل قسم ﴿ فَاقْضِ مَا أنت قَاضٍ ﴾ أى فافعل ما قدرت عليه
(٩٨) الشعراء الآيات : ٢٩ - ٥١ .
(٩٩) الأعراف الآية : ١٢٣.
(١٠٠) طه الآية : ٧١ .
(١٠١) طه الآية : ٧٢ .
٤١٤

إِنَّمَاتَقْضِى هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أى إنما حكم علينا فى هذه الدنيا ، فإذا انتقلنا
منها إلى الدار الآخرة صرنا إلى حكم الذى أسلمنا له واتبعنا رسله ﴿ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا
لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانًا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١٠٢) أى
ثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب ﴿ وَأَبْقَى﴾ أى وأدوم من هذه
الدار الفانية. وفى الآية الأخرى: ﴿قَالُواْ لَاضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُون ﴿ إِنَّا
نَطْمَعُ أن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانًا ﴾ أى ما اجترمناه من المآتم والمحارم ﴿ أَن كُنَّا
أولَ المُؤْمِنِينَ﴾ أى من القبط ، بموسى وهارون عليهما السلام .
وقالوا له أيضاً: ﴿ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبَّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ﴾ أى
ليس لنا عندك ذنب إلّا إيماننا بما جاءنا به رسولنا ، واتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ﴾(١٠٣) أى ثبتنا على ما ابتلينا به من عقوبة هذا الجبار
العنيد ، والسلطان الشديد، بل الشيطان المريد، ﴿ وَتَوَفِّنَا مُسْلِمِينَ﴾(١٠٣).
وقالوا أيضاً يعظونه ويخوفونه بأس ربه العظيم: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ
رَبَّهُ مُجْرَماً فَإِن لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْنَى﴾(١٠٤) يقولون له :
فإياك أن تكون منهم. فكان منهم. ﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنَاً قَدْ عَمِلَ
الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكِ لَهُمِ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾(١٠٥) أى المنازل العالية ،
جَنَّاتُ عَذْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ
تَكَّى﴾(١٠٦) فاحرص أن تكون منهم ، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التى
لا تغالب ولا تمانع ، وحكم العلى العظيم بأن فرعون - لعنه الله - من أهل
الجحيم ، ليباشر العذاب الأليم ، يصب من فوق رأسه الحميم . ويقال له على
وجه التقريع والتوبيخ ، وهو المقبوح المنبوح والذميم اللئيم: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ
أَنتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾(١٠٧).
(١٠٢) طه الآية : ٧٣.
(١٠٣) الأعراف الآية : ١٢٦.
(١٠٤) طه الآية : ٧٤ .
(١٠٥) طه الآية : ٧٥ .
(١٠٦) طه الآية : ٧٦ .
(١٠٧) الدخان الآية : ٤٩ .
٤١٥

والظاهر من هذه السياقات أن فرعون - لعنه الله ـ صلبهم وعذبهم
رضى الله عنهم . قال عبد الله بن عباس وعبيد بن عمير : كانوا من أول النهار
سحرة ، فضاروا من آخره شهداء بررة ! .
﴿ رَبََّا أُفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرَاً وَتَوَقَّنَا
ويؤيد هذا قولهم :
مُسْلِمِينَ﴾(١٠٨).
#
(١٠٨) الأعراف الآية : ١٢٦ .
٤١٦

[ الفصل الثانى ]
الموقف بعد هزيمة فرعون فى يوم الزينة
ولما وقع ما وقع من الأمر العظيم ، وهو الغلب الذى غلبته القبط فى ذلك
الموقف الهائل ، وأسلم السحرة الذين استنصروا بهم، لم يزدهم ذلك إلا
كفراً وعناداً وبعداً عن الحق .
قال الله تعالى بعد قصص ما تقدم فى سورة الأعراف: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن
قَوْمٍ فِرْعَوْنَ أَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْتَّاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ
مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الْأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ
مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُثَّقِينَ* قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِينَا
وَمِن بَعْدِ مَا جِئْنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَحْلِفَكُمْ فِى
الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾(١).
ويخبر تعالى عن الملاّ من قوم فرعون، وهم الأمراء والكبراء، أنهم
حرضوا ملكهم فرعون على أذية نبي الله موسى عليه السلام ، ومقابلته بدل
التصديق بما جاء به بالكفر والرد والأذى .
قالوا: ﴿أَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ
وَآلِهَتَكَ﴾ يعنون - قبحهم الله - أن دعوته إلى عبادة الله وحده
لا شريك له ، والنهى عن عبادة ما سواه فساد بالنسبة إلى اعتقاد القبط ،
وَيَذَرَكَ وَإِلِهَتَكَ﴾ أى وعبادتك(٢).
لعنهم الله . وقرأ بعضهم :
(١) الأعراف الآيات : ١٢٧ - ١٢٩.
(٢) قراءة ﴿وَيَذَرُكَ﴾ بالرفع عطفاً على ﴿أَكْذَرُ﴾، أو استئناف. رواها صاحب إتحاف فضلاء البشر
عن الحسن . وعن الحسن وابن محمصن ﴿وَإِلَّهَكَ﴾ بكسر الهمزة وفتح اللام وبعدها ألف على أنه مصدر
بمعنى عبادتك [إتحاف فضلاء البشر ٢ / ٦٠].
٤١٧

ويحتمل شيئين :
أحدهما : ويذر دينك ، وتقويه القراءة الأخرى .
والثانى : ويذر أن يعبدك ، فإن كان يزعم أنه إله ، لعنه الله .
قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءَهُمْ﴾ أى لئلا يكثر مقاتلتهم
وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ أى غالبون .
﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللهِ وَاصْبِرُواْ﴾ أى إذا هم هموا
بأذيتكم والفتك بكم ، فاستعينوا أنتم بربكم واصبروا على بليتكم ﴿إنّ
الْأَرْضَ اللهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أى
فكونوا أنتم المتقين تكون لكم العاقبة، كما قال فى الآية الأخرى : ﴿ وَقَالَ مُوسَى
يَا قَوْمِ إِن كُنتُمِ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكِّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ * فَقَالُواْ
عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَاَ لَّا تَجْعَلْنَا فِيْنَةً لِلْقَوْمِ الْظَّالِمِينَ* وَنَجِّنَا
بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾(٣).
وقولهم: ﴿ قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبلِ أن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِبْنَا﴾
أى قد كانت الأبناء تقتل قبل مجيئك وبعد مجيئك إلينا ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُم أن
يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَحْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيفَ تَعْمُّلُونَ
وقال تعالى : فى سورة حم المؤمن: ﴿ وَلَقَدْ أُرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا
وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَاحِرٌ
كَذَّابٌ ﴾(٤) .
وكان فرعون الملك ، وهامان الوزير ، وكان قارون إسرائيلياً من قوم
موسى ، إلّا أنه كان على دين فرعون وملئه ، وكان ذا مال جزيل جداً، كما
ستأتى قصته فيما بعد إن شاء الله تعالى .
فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قَالُواْ اقْتُلُواْ أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُواْ
(٣) يونس الآيات : ٨٤ - ٨٦ .
(٤) غافر الآيتان : ٢٣ - ٢٤.
٤١٨

مَعَهُ وَاسْتَحْيُواْ نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾(٥) وهذا
القتل للغلمان من بعد بعثة موسى إنما كان على وجه الإِهانة والإِذلال ، والتقليل
لملإِ بنى إسرائيل لئلا يكون لهم شوكة يمتنعون بها ، ويصولون على القبط بسببها
وكانت القبط منهم يحذرون ، فلم ينفعهم ذلك ، ولم يرد عنهم قدر الذى
يقول للشىء کن فيكون .
﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنَّى أَخَافُ أن
يُيَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِِ الْفَسَادَ﴾(٦). ولهذا يقول الناس
على سبيل التهكم: ((صار فرعون مُذكِّراً)) وهذا منه ، فإن فرعون فى زعمه
خاف على الناس أن يضلهم موسى عليه السلام ! .
وَقَالَ مُوسَى إِنَّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ
الْحِسَابِ﴾(٧) أى عذت بالله ولجأت إليه واستجرت بجنابه ، من أن يسطو
فرعون وغيره علىّ بسوء. وقوله: ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ﴾ أى جبار عنيد
لا يرعوى ولا ينتهى، ولا يخاف عذاب الله وعقابه، لأنه لا يعتقد معاداً
ولا جزاء. ولهذا قال: ﴿ مِّنَ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِن بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ .
وَقَالَ رَجُلٌّ مُؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَائَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ
رَبِّىَ اللهُ وَقَدِ جَاءَكُم بِالْبِيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ
صَادِقَاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ *
يَاقَوْمٍ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللهِ إِن جَاءًَا
قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾(٨).
وهذا الرجل هو ابن عم فرعون ، كان يكتم إيمانه من قومه خوفاً منهم على
(٥) غافر الآية : ٢٥ .
(٦) غافر الآية : ٢٦ .
(٧) غافر الآية : ٢٧ .
(٨) غافر الآيتان: ٢٨ - ٢٩ .
٤١٩

نفسه . وزعم بعض الناس أنه كان إسرائيلياً ، وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام
لفظاً ومعنى .. والله أعلم(٩) .
قال ابن جريج قال ابن عباس : لم يؤمن من القبط بموسى إلّا هذا، والذى
جاء من أقصى المدينة ، وامرأة فرعون . رواه ابن أبى حاتم.
وقال الدارقطنى لا يعرف من اسمه «شمعان فيالشين المعجمة إلّا مؤمن آل
فرعون . حكاه السهيلى .
وفى تاريخ الطبرانى: أن اسمه ((خير)) .. والله أعلم .
والمقصود أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه ، فلما هم فرعون - لعنه الله -
بقتل موسى عليه السلام ، وعزم على ذلك وشاور ملأه فيه خاف هذا المؤمن على
موسى . فتلطف فى رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب ، فقال على
وجه المشورة والرأى .
وقد ثبت فى الحديث عن رسول الله عَ للم أنه قال: ((أفضل الجهاد كلمة
عدل عند سلطان جائر(١٠) وهذا من أعلى مراتب هذا المقام ، فإن فرعون لا أشد
جوراً منه ، وهذا الكلام لا أعدل منه ! لأن فيه عصمة نبى ويحتمل أنه كاشفهم
بإظهار إيمانه ، وصرح لهم بما كان يكتمه .. والأول أظهر .. والله أعلم .
قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًّا أن يَقُولَ رَبِّى اللهُ﴾ أى من أجل أنه قال ربى الله
فمثل هذا لا يقابل بهذا ، بل بالإكرام والاحترام أو الموادعة وترك الانتقام .
یعنی لأنه ﴿ قَد جَاءَكُم بِالبَيِّنَاتِ مِن رَّبُّكُمْ ﴾(١١) أی بالخوارق التى دلت
على صدقه فيما جاء به عمن أرسله ، فهذا إن وادعتموه كنتم فى سلامة ، لأنه :
﴿ إِنْ يَكُ كَاذِبَاً فَعَلَّهِ كَذِبُهُ﴾ (١٢) ولا يضركم ذلك ﴿ وَإِن يَكُ صَادِقاً﴾ وقد
(٩) وبه قال الطبرى جـ ٢٣ / ٣٨.
(١٠) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ١٩ . وفى سنده على بن زيد بن جدعان ، وهو ضعيف كما سبق أن ذكرنا
كثيراً .
(١١) غافر الآية: ٢٨ بلفظ: ﴿وَقَدْ ... ﴾.
(١٢) غافر: ٢٨ بلفظ: ﴿ وَإِن ... ﴾.
٤٢٠