Indexed OCR Text
Pages 321-340
مِنَ المُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذَن لَظَالِمُونَ﴾ (٥٢). يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف ، وإيوائه إليه وإخباره له سراً عنهم بأنه أخوه ، وأمره بكتم ذلك عنهم ، وسلاه عما كان منهم من الإِساءة إليه . ثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم ، فأمر فتيانه بوضع سقايته ، وهى التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام ، عن غرة في متاع بنيامين ، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ، ووعدهم جعالة على رده ، حمل بعير ، وضمنه النادي لهم . فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ يقولون : أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة . قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾ وهذه كانت شريعتهم : أن السارق يدفع إلى المسروق منه. ولهذا قالوا: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ ﴾ قال الله تعالى: ﴿ فَبَدَأْ بِأُوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أُخِيهِ ثُمَّ اُسْتَحْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ، ثم قال الله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أُخَاهُ فِي دِينِ الملك ﴾ أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ الله نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ أي في العلم ﴿ وَفَوقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمِ ﴾ . وذلك لأن يوسف كان أعلم منهم ، وأتم رأيا وأقوى عزماً وحزماً ، وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك ، لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك : من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه . فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين ﴿ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ (٥٢) سورة يوسف الآيات : ٦٩ - ٧٩ . ٣٢١ سَرَقَ أُخْ لَّهُ مِن قَبْل ﴾ يعنون يوسف ، قيل كان قد سرق صنم جده أبي أمه فكسره وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقاً كانت لإسحاق ، ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت ، وإنما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له . وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء . وقيل غير ذلك. فلهذا: ﴿قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أُخْ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ﴾ وهى كلمته بعدها، وقوله: ﴿أَنْتُمْ شَرِّ مَّكَاناً والله أُعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ أجابهم سرا لا جهرا ، حلما وكرِما وصِفحا وعفوا ، فدخلوا معه في الترفق والتعطف فقالوا: ﴿ يَأَيُّهَا العَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباًّ شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أُحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ الله أَن تَأَخَذَ إِلَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذَنْ لَظَالِمُونَ﴾ أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء ، وهذا ما لا نفعله ولا نسمح به ، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده . وعند أهل الكتاب : أن يوسف تعرف إليهم حينئذ . وهذا مما غلوا فيه ولم يفهموه جيداً . فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقاً مِّن اللهِ وَمِنِ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأُرْضِِ حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِى أُوْ يَحْكُمَ اللهُ لِى وَهُوَ خِيْرُ الحَاكِمِينَ ﴾ آرْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَأْبَانَا إِنَّ آبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ » وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أُمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ « وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَآَنْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ قَالُوا تَللَّهِ تَفْتَأْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أُوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَتَّى وَحُزْنِى إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَالَا تَعْلَمُونَ ﴿ يَابَنِىَّ أَذْهُبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا بَيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُنَ﴾ (٥٣). (٥٣) سورة يوسف الآيات: ٨٠ - ٨٧ . ٣٢٢ يقول تعالى مخبراً عنهم لما استيئسوا من أخذه منه : خلصوا يتناجون فيما بينهم ، قال كبيرهم وهو روبيل: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقاً مِّن اللهِ ﴾ لتأتني به إلا أن يحاط بكم ؟ لقد أخلفتم عهده ، وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله ، فلم يبقٍ لي وجه أقابله به ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ اٌلْأَرْضَِ ﴾ أي لا أزال مقيما ها هنا ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِى﴾ في القدوم عليه، ﴿أُوَ يَحْكُمَ اللهُ لِى﴾ بأن يقدرني على رد أخى إلى أبي ﴿وَهُو خَيْرُ الحَاكِمِينَ﴾. آرْجِعُوا إِلَى أُبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانًا إِنَّ آبْتَكَ سَرَقَ﴾ أي أخبروه بما رأيتم من الأمر في ظاهر المشاهدة ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَاسَأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُتَّا فِيهَا وَأَلْعِيرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي فإن هذا الذي أخبرناك به - من أخذهم أخانا لأنه سرق - أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي ليس الأمر كما ذكرتم، لم يسرق، فإنه ليس سجية له ولا خلقه. وإنما ﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ . قال ابن إسحاق وغيره : لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتباً على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال . وهذا كما قال بعض السلف : إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ! ثم قال: ﴿عَسَى اللهِ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعاً﴾ يعني يوسف وبنيامين وروبيل ﴿ إِنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة ﴿ اٌلْحَكِيمُ﴾ فيما يقدره ويفعله ، وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة . وَتَولَّى عَنْهُمُ﴾ أي أعرض عن بنيه ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم ، وحرك ما كان كامناً ، كما قال بعضهم : ما الحب إلا للحبيب الأول نقل فؤادك حيث شئت من الهوى وقال آخر : ٣٢٣ رفيقي لتذراف الدموع السوافك (٥٤) لقد لامني عند القبور على البكا لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك (٥٥) فقال : أتبكي كل قبر رأيته ؟ فدعني فهذا كله قبر مالك فقلت له : إن الأسى ببعث الأسى وقوله : ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنِ الحُزْنِ﴾ أي من كثرة البكاء . ﴿ فَهُوَ كَظِيم﴾ أي مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف . فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق ﴿ قَالُوا﴾ له على وجه الرحمة والرأفة والحرص عليه: ﴿قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أُوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ ﴾. يقولون : لا تزال تتذكره حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك ، فلو رفقت بنفسك کان أولی بك . قَالَ إِنَّمَا أُشْكُو بَتَّى وَحُزْنِى إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَالَا تَعْلَمُونَ ﴾ يقول لبنيه: لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه ، إنما أشكوه إلى الله عز وجل ، وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجاً ومخرجاً ، وأعلم أن رؤيا يوسف لابد أن تقع ، ولابد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى . ولهذا قال : وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَالَا تَعْلَمُونَ ﴾ . ثم قال لهم محرضاً على تطلب يوسف وأخيه ، وأن يبحثوا عن أمرهما : يَابَنِيَّ اذْهُبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْفَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي لا تيئسوا من الفرج بعد الشدة ، فإنه لا ييئس من روح الله وفرجه ، وما يقدره من المخرج في المضايق ، إلا القوم الكافرون . فَلَمَّا دَخُلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الصُّرُّ وَجِئْنَا بِضَاعَةٍ (٥٤) السوافك : أي المسفوكة ومعناها : المراقة المصبوبة . (٥٥) اللوى : ما التوى من الرمل ، وقيل: هو مُسْتَرَقُّه ، وقد ورد كثيرا في أشعار الجاهليين حين وقفوا على الأطلال . والدكادك : الرمال المتلبدة ... و[انظر: اللسان: لوى، دكك ] . ٣٢٤ مُزْجَاةٍ فَأَوْفٍ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ * قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أُخِى قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتْقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أُجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَّاللّهِ لَقَدْ آثَرَكِ اللهُ عَلَيْنَا وَإِنَ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوِمَ يَغْفِرُ اللهُ لَّكُمْ وَهُوَ أُرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * آذْهُبُوا بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيراً وَأَثُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾(٥٦) . يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ، ورغبتهم فيما لديه من الميرة، والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ﴾ أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال . وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن تتجاوز عنا . قيل كانت دراهم رديئة ، وقيل قليلة ، وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك . وعن ابن عباس : كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك . فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. قيل بقولها ، قاله السدي . وقيل برد أخينا إلينا ، قاله ابن جريج ، وقال سفيان بن عيينة : إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد عَّ له ونزع بهذه الآية : رواه ابن جرير. فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال ، تعرف إليهم وعطف عليهم ، قائلا لهم عن أمر ربه وربهم ، وقد حسر لهم عن جبينه الشريف ، وما يحويه من الحال الذي يعرفون فيه: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ . قَالُوا﴾ وتعجبوا كل العجب ، وقد ترددوا إليه مراراً عديدة وهم لا يعرفون أنه هو: ﴿ أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ﴾ ؟ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أُخِى ﴾ . يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم. وقوله: ﴿ وَهَذَا أُخِى﴾ تأكيد لما قال ، وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من (٥٦) سورة يوسف الآيات : ٨٨ - ٩٣ ٣٢٥ الاحتيال . ولهذا قال: ﴿ قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا ﴾ أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا ، وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا ، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا ، وصبرنا على ما كان منكم إلينا ، وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قَالُوا تَّاللّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا﴾ أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا . وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بين يديك . ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَومَ ﴾ أي لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا . ثم زادهم على ذلك فقال: ﴿يَعْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ومن زعم أن الوقف على قوله: ﴿لَا تَقْرِيبَ عَلَيْكُم﴾ وابتدأ بقوله: ﴿اليَومَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُم) فقوله ضعيف والصحيح الأول . ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه ، وهو الذي يلي جسده ، فيضعوه على عينى أبيه ، فإنه يرجع إليه بصره بعد ما كان ذهب ، بإذن الله . وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات . ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر ، إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة ، على أكمل الوجوه وأعلى الأمور . ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنَّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَتِّدُونِ * قَالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدَيمِ * فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّى أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَالَا تَعْلَمُونَ ﴾ قَالُوا يَاأَبَّانًا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥٧) . قال عبد الرزاق : أنبأنا إسرائيل ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، سمعت ابن عباس يقول: ﴿وَلَمَّا فَصِلَتِ الْعِيرُ﴾ قال: لما خرجت الغير قال أبوهم ﴿ إِنَّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَتِّدُونٍ﴾ قال : فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيام وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبى سنان به . (٥٧) سورة يوسف الآيات : ٩٤ - ٩٨ . ٣٢٦ وقال الحسن البصري وابن جريج المكي : كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخاً ، وكان له منذ فارقه ثمانون سنة . وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَتِّدُونٍ ﴾ أي تقولون إنما قلت هذا من الفند ، وهو الخرف وكبر السن . قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: ﴿تُفَنِّدُون : تسفهون . وقال مجاهد أيضاً والحسن : تهرمون (٥٨) . قَالُوا تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَالِكَ الْقَدَيمِ﴾ قال قتادة والسدي : قالوا له كلمة غليظة . قال الله تعالى: ﴿﴿ فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْئَدً بَصِيراً﴾ أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيراً بعدما كان ضريراً . وقال لبنيه عند ذلك : ألم أقل لكم ، إني أعلم من الله ما لا تعلمون أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف ، وسيقر عيني به ، وسيريني فيه ومنه ما يسرني . فمنذ ذلك ﴿ قَالُوا يَاأَبَانًا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴾ طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عز وجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه ، وما كانوا عزموا عليه ، ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل ، وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم. فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا، وما عليه ولوا قائلاً: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ . قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم : أرجأهم إلى وقت السحر . قال ابن جرير : حدثني أبو السائب ، حدثنا ابن إدريس قال : سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال : كان عمر يأتي المسجد فسمع إنساناً يقول: (( اللهم دعوتني فأجبت ، وأمرتني فأطعت ، وهذا السحر فاغفر لي )) قال : فاستمع إلى الصوت فإذا هو من دار . عبد الله بن مسعود ، فسأل عبد الله عن ذلك فقال : إن يعقوب أخر بنيه إلى (٥٨) تفسير الطبري جـ ٤١/١٣، والتاريخ جـ ٢٥٢/١. ٣٢٧ السحر بقوله: ﴿سَوْفَ أُسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى﴾ وقد قال تعالى: ﴿ وَالمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار﴾(٥٩). وثبت في الصحيحين عن رسول الله عَ لّم أنه قال: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له))؟ وقد ورد في حديث: (( أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة)) (٦٠). . قال ابن جرير : حدثني المثنى ، قال : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي ، حدثنا الوليد ، أنبأنا ابن جريج ، عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس، عن رسول الله عَ الِ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى) يقول: ((حتى ليلة الجمعة ، وهو قول أخي يعقوب لبنيه )). وهذا غريب من هذا الوجه ، وفي رفعه نظر . والأشبه أن يكون موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما (٦١). فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ آدْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقٍّ وَقَدْ أُحْسَنَ بِى إِذْ أُخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَبِكُم مِّن الْبَذْوِ مِن بَعْدِ أَن ◌َّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٍ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لَّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ « رَبِّ قَدْ آتَيْتَتِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتِی مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَاَلْأَرْضِ أَنتَ وَلِّى فِى الذُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَقَِّى مُسْلِمَاً وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾(٦٢). هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة ، التي قيل إنها ثمانون (٥٩) سورة آل عمران الآية : ١٧ . (٦٠) أخرجه البخاري في كتاب التهجد ، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل . (٦١) ذكره ابن جرير في تفسيره ، تفسير سورة يوسف . (٦٢) سورة يوسف الآيات : ٩٩ - ١٠١ . ٣٢٨ سنة ! وقيل ثلاث وثمانون سنة ، وهما روايتان عن الحسن وقيل خمس وثلاثون سنة . قاله قتادة . وقال محمد بن إسحاق : ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة . قال : وأهل الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة . وظاهر سياق القصة يرشد إلى تحديد المدة تقريباً ، فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة ، فيما قاله غير واحد ، فامتنع . فكان في السجن بضع سنين ، وهى سبع عند عكرمة وغيره . ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ، ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي ، جاء إخوته يمتارون في السنة الأولى وحدهم ، وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين ، وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين ، فجاءوا كلهم . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ واجتمع بهما خصوصاً وحدهما دون إخوته، ﴿وَقَالَ آدْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ ﴾. قيل هذا من المقدم والمؤخر ، تقديره قال : ادخلوا مصر ، وآوى إليه أبويه . وضعفه ابن جرير وهو معذور . وقيل بل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام ، ثم لما اقتربوا من باب مصر قال: ﴿آَدْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾، قاله السدي ولو قيل إن الأمر لا يحتاج إلى هذا أيضاً ، وأنه ضمن قوله : ادخلوا ، بمعنى اسكنوا مصر، أو أقيموا بها ، ﴿إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ لكان صحيحاً مليحاً أيضاً . وعند أهل الكتاب : أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر - وهى أرضٍ بلبيس - خرج يوسف لتلقيه ، وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشراً بقدومه ، وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر ، یکونون فيها ، ویقیمون بها بنعمهم ومواشيهم . وقد ذكر جماعة من المفسرين ، أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب - وهو إسرائيل - أراد يوسف أن يخرج لتلقيه ، فركب معه الملك وجنوده ، خدمة ليوسف وتعظيماً لنبي الله ((إسرائيل)) وأنه دعا للملك ، وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم ... فالله أعلم . وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم - فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود - ثلاثة وستين إنساناً . وقال موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب ، عن عبد الله بن شداد : كانوا ٣٢٩ ...... ثلاثة وثمانين إنساناً . وقال أبو إسحاق عن مسروق : دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون إنساناً . وقالوا : وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل ، وفي نص أهل الكتاب : أنهم كانوا سبعين نفساً وسموهم . وقال الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ قيل : كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة. وقال بعض المفسرين: أحياها الله تعالى. وقال آخرون: بل كانت خالته ((ليا )) والخالة بمنزلة الأم . وقال ابن جرير وآخرون : بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ ، فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه . وهذا قوي ... والله أعلم . ورفعهما على العرش، أي أجلسهما معه على سريره، ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ أي سجد له الأبوان والإخوة الأحد عشر ، تعظيماً وتكريماً وكان هذا مشروعاً لهم ، ولم يزل ذلك معمولاً به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا(٦٣) . وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ مِنِ قَبْلُ﴾ أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك : من رؤيتي الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر ، حين رأيتهم لي ساجدين ، وأمرتني بكتمانها ، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقاً وَقَدْ أُحْسَنَ بِى إِذْ أُخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ ﴾ أي بعد الهم والضيق ، جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت . ﴿ وَجَاءَبِكُم مِّن الْبَدْوِ ﴾ أي البادية . وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخيل ﴿ مِن بَعْدِ أَن تَّزََ الشَّيْطانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى﴾ أي فيما كان منهم من الأمر الذي تقدم وسبق ذكره(٦٤) . ثم قال : ﴿ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾ أي إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه ، (٦٣) تفسير الطبري ٤٣/٣. (٦٤) تاريخ الطبري ٢٥٥/١. ٣٣٠ ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد ، بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته . ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي بجميع الأمور ﴿ اٌلْحَكِيمُ﴾ في خلقه وشرعه وقدره . وعند أهل الكتاب : إن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده ، بأموالهم كلها ، من الذهب والفضة ، والعقار والأثاث ، وما يملكونه كله ، حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء . ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ، ويكون خمس ما يستغلون من زروعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده . وحكى الثعلبي : أنه كان لا يشبع في تلك السنين ، حتى لا ينسى الجيعان ، وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار . قال : فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك . قلت : وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضى الله عنه ، لا يشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب وأتى الخصب . قال الشافعي : قال رجل من الأعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة : لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة ! ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت ، وشمله قد اجتمع ، عرف أن هذه الدار لا يقر بها قرار ، وأن كل شيء فيها ومن عليها فَانٍ ، وما بعد التمام إلا النقصان ، فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله ، واعترفّ له بعظيم إحسانه وفضله ، وسأل منه - وهو خير المسئولين - أن يتوفاه ، أي حين يتوفاه على الإِسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين، وهكذا كما يقال في الدعاء: ((اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين )) أي حين تتوفانا . ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام، كما سأل النبي معَ الم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملأ الأعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين ، كما قال: اللهم في الرفيق الأعلى ثلاثاً. ثم قضى . ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الإِسلام منجزاً في صحة بدنه ٣٣١ وسلامته ، وأن ذلك کان سائغاً في ملتهم وشرعتهم ، کما روی عن ابن عباس أنه قال : ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف . فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن ، كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد: (( وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين))(٦٥). وفي الحديث الآخر: (( ابن آدم ... الموت خير لك من الفتنة)) (٦٦). وقالت مريم عليها السلام: ﴿يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِياً﴾ (١٧) وتمنى الموت علي بن أبي طالب ، لما تفاقمت الأمور وعظمت الفتن واشتد القتال ، وكثر القيل والقال . وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب الصحيح ، لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الأهوال . فأما في حال الرفاهية فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله عَ له: (( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، إمّا محسناً فلعله يزداد ، وإمّا مسيئاً فلعله يستعتب ، ولكن ليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيراً لي)) (٦٨) والمراد بالضر ها هنا : ما يخص العبد في بدنه ، من مرض ونحوه ، لا في دينه . والظاهر أن نبي الله يوسف عليه السلام سأل ذلك، إمَّا عند احتضاره ، أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك . وقد ذكر ابن إسحاق عن أهل الكتاب : أن يعقوب أقام بدیار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ، ثم توفى عليه السلام . وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحاق . قال السدي : فصبره وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحاق وجده الخليل عليهم السلام . (٦٥) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، تفسير سورة ص بلفظ ((وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون )) . (٦٦) أخرجه أحمد في مسنده ٤٢٧/٥ . (٦٧) سورة مريم الآية : ٢٣. (٦٨) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات ، باب الدعاء بالموت والحياة ، ومسلم في صحيحه ، كتاب الذكر ، باب كراهة تمنى الموت لضر نزل به . ٣٣٢ وعند أهل الكتاب : أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة . وعندهم أنه أقام بأرض مصر سبع عشرة سنة ، ومع هذا قالوا : فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة . هذا نص كتابهم وهو غلط : إمَّا في النسخة ، أو منهم ، أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا ، فكيف يستعملون الطريقة ها هنا . وقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَبِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَّهِكَ وَإِلََّ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَّهاً وَاحِدَاً وَتَحْنُ لَّهُ مُسْلِمُونَ﴾(٦٩) يوصى بنيه بالإِخلاص ، وهودين الإِسلام الذي بعث الله به الأنبياء عليهم السلام . وقد أنكر أهل الكتاب : أنه أوصى بنيه واحداً واحداً ، وأخبرهم بما يكون من أمرهم ، وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب ،وهو عيسى ابن مريم ... والله أعلم . وذكروا : أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوماً ، وأمر يوسف الأطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوماً . ثم استأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله، فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها . فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثي ، وعملوا له عزاء سبعة أيام . قالوا : ثم رجعوا إلى بلادهم، وعزى إخوة يوسف يوسف في أبيهم ، وترققوا له فأكرمهم وأحسن منقلبهم ، فأقاموا ببلاد مصر . ثم حضرت يوسف عليه السلام الوفاة ، فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه ، فحنطوه ووضعوه في تابوت ، فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام ، فدفنه عند آبائه كما سيأتي : قالوا : فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين . (٦٩) سورة البقرة الآية : ١٣٣ . ٣٣٣ هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضاً . وقال مبارك بن فضالة عن الحسن : ألقى يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وغاب عن أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة . وقال غيره : أوصى إلى أخيه يهوذا، صلوات الله عليه وسلامه(٧٠) . (٧٠) تاريخ الطبري ٢٥٦/١ . ٣٣٤ [ الفصل الثاني ] قصة أيوب عليه السلام قال ابن إسحاق : كان رجلاً من الروم . وهو أيوب بن موص بن رازح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . وقال غيره : هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن يعقوب ، وقيل غير ذلك في نسبه . وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام ، وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم ألقي في النار فلم تحرقه . والمشهور الأول ، لأنه من ذرية إبراهيم، كما قررنا عند قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾(١) الآيات-من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح . عليهما السلام وهو من الأنبياء المنصوص على الإِيحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِينَ مِنِ بَعْدِهِ وَأَوْ حَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّونَ﴾(٢) الآية. فالصحيح أنه من سلالة العيص بن إسحاق وامرأته قيل: اسمها (( ليا )) بنت يعقوب، وقيل ((رحمة)) بنت أفراثيم، وقيل ((ليا)) بنت منسا بن يعقوب. وهذا أشهر فلهذا ذكرناه ها هنا . ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله ، وبه الثقة (١) سورة الأنعام الآية : ٨٤ . (٢) سورة النساء الآية : ١٦٣. ٣٣٥ وعليه التكلان . قال الله تعالى: ﴿ وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنَّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ؛ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ رَحْمَةً قْن عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾(٣)، وقال تعالى في سورة ص: ﴿وَاذْكُر عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنَّى مَسَّنِى الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَاب « ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ : وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُم رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكَّرَى لِأُولِى الأَلْبَابِ ، وَخُذْ بِيَدِكَ ضِعْئاً فَاضْرِب ◌ِّهِ وَلَا تَحْتَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أُوَّابِ﴾(٤) . وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال : أول نبي بعث إدريس ، ثم نوح ، ثم إبراهيم ، ثم إسماعيل ، ثم إسحاق ، ثم يعقوب ، ثم يوسف ، ثم لوط ، ثم هود، ثم صالح ، ثم موسى وهارون ، ثم إلياس ، ثم اليسع ، ثم عرفي بن سويلخ بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب ، ثم يونس بن متى من بني يعقوب ، ثم أيوب بن زراح بن آموص بن ليفرز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم . وفي بعض هذا الترتيب نظر : فإن هودا وصالحاً : المشهور أنهما بعد نوح وقبل إبراهيم .... والله أعلم . قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم : كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه ، من الأنعام والعبيد والمواشي ، والأراضي المتسعة بأرض الثنية من أرض حوران . وحكى ابن عساكر : أنها كلها كانت له . وكان له أولاد وأهلون کثیر . فسلب منه ذلك جميعه ، وابتلى في جسده بأنواع من البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوی قلبه ولسانه ، یذ کر الله عز وجل بهما . وهو في ذلك كله صابر محتسب ، ذاكر لله عز وجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه . وطال مرضه حتى عافه الجليس ، وأوحش منه الأنيس ، وأخرج من بلده (٣) سورة الأنبياء الآيات : ٨٣ - ٨٤ . (٤) سورة ص الآيات : ٤١ - ٤٤ . ٣٣٦ وألقي على مزبلة خارجها ، وانقطع عنه الناس ، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته ، كانت ترعى له حقه ، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها . فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه ، وتعينه على قضاء حاجته . وتقوم بمصلحته ، وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالأجر ، لتطعمه وتقوم بأوده ، رضى الله عنها وأرضاها ، وهى صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد ، وما يختص بها من المصيبة بالزوج ، وضيق ذات اليد وخدمة الناس ، بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة. فإنا لله وإنا إليه راجعون(٥). وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله عَّ الم قال: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل)) وقال: ((يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه )»(٦) . ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام إلا صبراً واحتساباً وحمداً وشكراً حتى إن المثل ليضرب بصبره عليه السلام ، ويضرب المثل أيضاً بما حصل له من أنواع البلايا . وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل ، في كيفية ذهاب ماله وولده ، وبلائه في جسده ... والله أعلم بصحته . وعن مجاهد أنه قال : كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري . وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال : فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص . وقال أنس : ابتلى سبع سنين وأشهراً ، وألقى على مزبلة لبني إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وأعظم له الأجر وأحسن الثناء عليه . وقال حميد : مكث في بلواه ثماني عشرة سنة ، وقال السدي : تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب ، فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته ، فلما طال عليها ، قالت : ياأيوب ... لو دعوت ربك لفرج عنك ، فقال : (٥) تفسير الطبري جـ ١٠٧/٢٣ - ١٠٨. (٦) أخرجه أحمد في مسنده ١٧٢/١ . : ٣٣٧ عشت سبعين سنة صحيحاً ، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة ؟ فجزعت من هذا الكلام ، وكانت تخدم الناس بالأجر وتطعم أيوب عليه السلام(٧). ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها ، لعلمهم أنها امرأة أيوب ، خوفاً أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته ، فلما لم تجد أحداً يستخدمها ، عمدت فباعت لبعض بنات الأشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير ، فأتت به أيوب ، فقال : من أين لك هذا ؟ وأنكره ، فقالت : خدمت به أناساً . فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به ، فأنكره وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام ؟ فكشفت عن رأسها خمارها ، فلما رأى رأسها محلوقاً قال في دعائه: ﴿ رَبِّ إِنَّى مَسَّنِىَ الضُر وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(٨). وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا جرير بن حازم ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : كان لأيوب أخوان ، فجاءا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه ، فقاما من بعيد ، فقال أحدهما لصاحبه : لو كان الله علم من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا . فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع مثله من شيء قط ، فقال : اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعاناً وأنا أعلم مكان جائع فصدقني ، فصدق من السماء وهما يسمعان . ثم قال : اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي. قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني . فصدق من السماء وهما يسمعان . ثم قال: اللهم بعزتك وخر ساجداً ، فقال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبداً حتى تكشف عني ، فما رفع رأسه حتى كشف عنه . وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعاً : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، انبأنا ابن وهب . اخبرني نافع بن يزيد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك أن النبي ◌َّ له قال: ((إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة. فرفضه القريب والبعيد ، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له ، كانا يغدوان إليه ويروحان ، فقال أحدهما لصاحبه : تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين . قال صاحبه : وما ذاك ؟ قال : منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه (٧) تفسير الطبري ١٠٧/٢٣. (٨) سورة الأنبياء الآية : ٨٣. ٣٣٨ ربه فيكشف ما به ، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له ، فقال أيوب : لا أدري ما تقول ؟ غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق(٩) . قال : وكان يخرج في حاجته ، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه . فأوحى الله إلى أيوب في مكانه : أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾(١٠) فاستبطأته فتلقته تنظر ، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو أحسن ما كان ، فلما رأته قالت : أي بارك الله فيك ! هل رأيت نبي الله هذا المبتلي ؟ فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً . قال : فإني أنا هو ، قال : وكان له أندران (١١) أُندر للقمح وأندر للشعير ، فبعث الله سحابتين ، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الوَرٍق حتى فاض)). هذا لفظ ابن جرير ، وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة ، عن حرملة ، عن ابن وهب به . وهذا غريب رفعه جداً ، والأشبه أن يكون موقوفاً(١٢) . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، أنبأنا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس قال : وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية ، فجاءت امرأته فلم تعرفه ، فقالت : ياعبد الله ... أين ذهب هذا المبتلي الذي كان ها هنا ؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب ، وجعلت تكلمه ساعة ، فقال : ويحك أنا أيوب ! قالت : أتسخر مني يا عبدالله ؟ قال : ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي . قال ابن عباس : ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ، ومثلهم معهم . (٩) تفسير الطبري ١٠٧/٢٣ .. (١٠) سورة ص الآية : ٤٢ . (١١) أي بيدران ، والبيدر هو الجرن ، الجمع : بيادر . (١٢) تفسير الطبري ١٠٨/٢٣ وتاريخ الطبري ٢٢٧/١. ٣٣٩ وقال وهب بن منبه: أوحى الله إليه: (( قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم ، فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك ، وقرب عن صحابتك قرباناً ، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك)). رواه ابن أبي حاتم . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عمرو بن مرزوق ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة عن النبي عَ لّه قال: (( لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذ منه بيده ويجعل في ثوبه ، قال : فقيل له : يا أيوب ... أما تشبع ؟ قال : يارب ... ومن يشبع من رحمتك))(١٣). وهكذا رواه الإِمام أحمد عن أبي داود الطيالسي ، وعبد الصمد عن همام، عن قتادة به . ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي ، عن إسحاق بن راهويه ، عن عبد الصمد به ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب ، وهو على شرط الصحيح . فالله أعلم . وقال الإِمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أرْسِلَ عَلى أيوب رجلٌ (١٤) من جراد من ذهب ، فجعل يقبضها في ثوبه ، فقيل : يا أيوب ... ألم يكفك ما أعطيناك ؟ قال : أي رب ... ومن يستغنى عن ذلك ! هذا موقوف . وقد روى عن أبي هريرة من وجه مرفوعاً(١٥). وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله عَ له: ((بينما أيوب يغتسل عرياناً خر عليه رجل جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحثي (١٦) في ثوبه . فناداه (١٣) أخرجه أحمد في مسنده ٥١١/٢ . (١٤) رِجْل من جراد : أي طائفة عظيمة منه، والجمع أرجال ... [ اللسان: رجل ]. (١٥) أخرجه أحمد في مسنده ٢٤٣/٢ . (١٦) حَثَا فى وجهه التراب يحثو ويَحْثى حثوا وحيثا وتحثاءً والحَثْىُ: ما رفعت به يديك والمراد : يغترف ٣٤٠