Indexed OCR Text
Pages 301-320
: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةٌ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنِ بَحْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ * وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَاهُ مِن مَّصْرَ لإِمْرَأَتِهِ أُكْرِمِي مَتْوَاهُ عَسَيَ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدَاً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ وَلِتُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أُمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَّمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آثَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾(١٩). يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب : أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به ، فجاءت سيارة ، أي مسافرون . قال أهل الكتاب : كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم (٢٠) قاصدين ديار مصر من الشام ، فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر ، فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف . فلما رآه ذلك الرجل ﴿ قَالَ يابُشْرِى﴾ أي يا بشارتي ﴿هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم ﴿ وَالله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي هو عالم بما تمالاً عليه إخوته ، وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم . ومع هذا لا يغيره تعالى ، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر ، بما يجرى الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق ، ثم بعد هذا يملكه أزمة الأمور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم ، بما لا يحد ولا يوصف . ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم ، وقالوا هذا غلامنا أبق منا، فاشتروه منهم بثمن بخس ، أي قليل نزر ، وقيل هو الزيف ﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنِ الَّاهِدِينَ ﴾ . قال ابن مسعود وابن عباس ونوف البكالي(٢١) والسدي وقتادة وعطية العوفي : (١٩) سورة يوسف الآيات: ١٩- ٢٢ . (٢٠) البطم - بضم فسكون - جمع بْطِمَة - هو شجر الحبة الخضراء وقيل: هى الحبة الخضراء ... [ اللسان : بطم ] . . (٢١) نوف البكالي : نسبة إلى بكال ، بطن من حمير، وهو نوف بن نضالة البكالي ابن امرأة كعب الأحبار ... [ اللباب في تهذيب الأنساب ٦٨/١ ]. ٣٠١ ر باعوه بعشرين درهماً، اقتسموها درهمين . وقال مجاهد : اثنان وعشرون درهماً . وقال عكرمة ومحمد بن إسحاق : أربعون درهماً ... والله أعلم . وَقَالَ الَّذِىِ اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لامْرَأْتِهِ أُكْرِمِى مَثْواهُ ﴾ أي أحسنى إليه عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَو نَّخِذَهُ وَلَدَاً﴾ ، وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه ، بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة . قالوا : وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها ، وجميع الخزائن مسلمة إليه . قال ابن إسحاق : واسمه اطفير بن روحيب قال : وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد ، رجل من العماليق . قال : واسم امرأة العزيز: ((راعيل)) بنت رماييل. وقال غيره: كان اسمها ((زليخا)) والظاهر أنه لقبها. وقيل ((فكا)) بنت ينوس، رواه الثعلبي عن ابن هشام الرفاعي(٢٢). وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : كان اسم الذي باعه بمصر - يعني الذي جلبه إليها مالك بن زعر بن نويت بن مديان بن إبراهيم ... فالله أعلم . وقال ابن إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال : أفرس الناس ثلاثة : عزيز مصر حين قال لامرأته: ﴿أُكْرِمِى مَثْوَاهُ﴾، والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى : ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرِهِ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرَتَ القَوِىُّ الأَمِينَ﴾(٢٣)، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضى الله عنهما . ثم قيل : اشتراه العزيز بعشرين ديناراً، وقيل بوزنه مسكاً ووزنه حريراً ووزنه وَرِقَاً ... والله أعلم . وقوله : ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ ﴾ أي وكما قيضنا هذا العزيز (٢٢) تفسير الطبري جـ ٩٩/١٢ . (٢٣) سورة القصص الآية : ٢٦ . ٣٠٢ وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان به مكنا له في أرض مصر ﴿ وَلِتُعَلِّمَهُ مِنِ تَأْوِيلٍ الأحَادِيث﴾ أي فهمها، وتعبير الرؤيا من ذلك. ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾ أي إذا أراد شيئاً فإنه يقيض له أسباباً وأموراً لا يهتدي إليها العباد ، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرِ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ . وَلَمَّا بَلَغَ أُشْدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِى المُحْسِنِينَ﴾(٢٤) فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد ، وهو حد الأربعين الذي يوحي الله فيه إلى عباده النبيين ، عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين . وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد : فقال مالك وربيعة وزيد ابن أسلم والشعبي : هو الحلم . وقال سعيد بن جبير : ثماني عشرة سنة . وقال الضحاك : عشرون سنة . وقال عكرمة : خمس وعشرون سنة. وقال السدي : ثلاثون سنة . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : ثلاث وثلاثون سنة . وقال الحسن : أربعون سنة، ويشهد له قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغْ أَشُدَّهُ وَبَلَغْ أَرْبَعِينَ سَنةً﴾(٢٥) . وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَنِ نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَيْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنَ رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُحْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لدى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أُرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلََّ أَن يُسْجَنَ أُوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قَالَ هِىَ رَاوَ دَثْنِى عَنِ نَّفْسِى وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآَ إِن كَانَ قَمَيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ (٢٤) سورة يوسف الآية : ٢٢ . (٢٥) سورة الأحقاف الآية : ١٥ . ٣٠٣ الخَاطِئِينَ﴾(٢٦) . يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه مالا يليق بحاله ومقامه ، وهى في غاية الجمال والمال . والمنصب والشباب . وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه ، وتهيأت له وتصنعت ، ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها ، وهى مع هذا كله امرأة الوزير . قال ابن إسحاق : وبنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر . وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء ، إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء ، فعصمه ربه عن الفحشاء ، وحماه عن مكر النساء ، فهو سيد السادة النجباء ، السبعة الأتقياء ، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء ، في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الأرض والسماء: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ، ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ))﴾(٢٧) . والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص، فقال: ﴿مَعَاذَ الله إِنَّهُ رَبِّى﴾ يعني زوجها صاحب المنزل سيدي ﴿ أَحْسَنَ مَثْوَاى﴾ أي أحسن إلى وأكرم مقامي عنده ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ وقد تكلمنا على قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتِ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ ربِّهِ﴾ بما فيه كفاية ومقنع في التفسير . وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب ، فالإِعراض عنه أولى بنا . والذي يجب أن يعتقد : أن الله تعالى عصمه وبرأه ، ونزهه عن الفاحشة (٢٦) سورة يوسف الآيات : ٢٣ - ٢٩. (٢٧) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الأذان ، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد . ومسلم في صحيحه ، كتاب الزكاة ، باب فضل إخفاء الصدقة . ٣٠٤ وحماه عنها وصانه منها، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِن عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ ﴾. ﴿ واستَبَقَا الْبَابَ﴾ أي هرب منها طالباً الباب ليخرج منه فراراً منها فاتبعته في أثره ﴿وألفَيَا﴾ أي وجدا ﴿سَيِّدَهَا﴾ أي زوجها ﴿لَدَى البَاب فبدرته بالكلام وحرضته عليه ﴿ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَن · يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ اتهمته وهى المتهمة ، وبرأت عرضها ونزهت ساحتها . فلهذا قال يوسف عليه السلام : ﴿هِىَ رَاوَ دَثْنِى عَن نَّفْسِى﴾، احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة . وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن أَهْلِهَا ﴾ قيل كان صغيراً في المهد . قاله ابن عباس ، وروى عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك ، واختاره ابن جرير ، وروي فيه حديثاً مرفوعاً عن ابن عباس ، ووقفه غيره عنه(٢٨) . وقيل كان رجلاً قريباً إلى ((قطفير)) بعلها، وقيل قريباً إليها . وممن قال إنه كان رجلاً : ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وزيد بن أسلم . فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قَبْلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ ﴾ أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه . ﴿ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك ، وكذلك كان . ولهذا قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِ كُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ أي هذا الذي جرى من مكركن ، أنت راودتيه عن نفسه ، ثم اتهمتيه بالباطل . ثم أضرب بعلها عن هذا صفحاً فقال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضِ عَنْ هَذَا﴾ أي لا تذكره لأحد ، لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها ، فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه . (٢٨) تفسير الطبري جـ ١١٦/١٢ وقارن تاريخ الطبري جـ ٢٣٨/١. ٣٠٥ وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام ، إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك . ولهذا قال لها بعلها ، وعذرها من بعض الوجوه ، لأنها رأت مالا صبر لها على مثله ، إلا أنه عفيف نزيه بريء العرض سليم الناحية فقال: ﴿اسْتَغْفِرِى لِذَئِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخَاطِئِينَ ﴾(٢٩) . وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ آمْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنِ نَّفْسِهِ قَدْ شَعْفَهَا حُبِّ إِنَّالَتَرَاهَا فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأَ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ آَخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أُكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ اللهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكْ كَرِيمٌ ﴾ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَِّي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُهُ عَنِ نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيْكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَى مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ وَ إِلَّ تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَهُنَّ أُصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ * فَأَسْتَجَابَ لَّهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(٣٠). يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة ، من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها ، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها ، وحبها الشديد له ، وهو لا يساوي هذا، لأنه مولى من الموالي وليس مثله أهلاً لهذا . ولهذا قلن: ﴿ إِنَّا لَتَرَاهَا فِى ضَلَالٍ مِينٍ﴾ أي في وضعها الشيء في غير محله . فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها ، والإِشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها ، فأظهرن ذماً وهى معذورة في نفس الأمر ، فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن ، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن ، ولا من قبيل ما لديهن ، فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها ، وأعتدت لهن ضيافة مثلهن، وأحضرت في جملة ذلك شيئاً مما يقطع بالسكاكين ، كالأترج(٣١) ونحوه ، وآتت كل واحدة منهن سكيناً ، وكانت قد هيأت يوسف (٢٩) سورة يوسف الآية: ٢٩ بلفظ ﴿واستغفري ﴾. (٣٠) سورة يوسف الآيات: ٣٠ - ٣٤. (٣١) الأترج: شجر يعلو ، ناعم الأغصان والورق والثمر، وثمره كالليمون الكبار ، وهو ذهبي اللون ، زكي الرائحة ، حامض الماء . ٣٠٦ عليه السلام ، وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب وأمرته بالخروج عليهن بهذه الحالة ، فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة(٣٢). فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْئَهُ ﴾ أي أعظمنه وأجللنه وهبنه ، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم ، وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن ، وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح ﴿وقُلْنَ حَاشَ اللهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ . وقد جاء في حديث الإسراء: ((فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن )) . قال السهيلي وغيره من الأئمة : معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام ، لأن الله تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، فكان في غاية نهايات الحسن البشرى . ولهذا يدخل أهل الجنة على طول آدم وحسنه . ويوسف كان على النصف من حسن آدم . ولم يكن بينهما أخسن منهما، كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة امرأة الخليل عليه السلام . قال ابن مسعود : وكان وجه يوسف مثل البرق ، وكانت إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه . وقال غيره : كان في الغالب مبرقعاً لئلا يراه الناس . ولهذا لما قام عذرن امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور ، وجرى لهن وعليهن ما جرى ، من تقطيع أيديهن جراح السكاكين ، وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته(٣٣) . ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتَتَِّى فِيهِ﴾ ثم مدحته بالعفة التامة فقالت ﴿ وَلَقَدْ رَاوَذُتَّهُ عَنِ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمْ﴾ أي امتنع ﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَل مَآ آمُرُه لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته ، فأبى أشد الإِباء ، ونأى لأنه من سلالة الأنبياء، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعَونَنِى إِلَيْهِ وإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهنَّ وَأَكُن مِّنَ (٣٢) وقارن تاريخ الطبري جـ ٢٣٨/١ والتفسير جـ ١١٨/١٢. (٣٣) قارن تفسير الطبري جـ ١٢٢/١٢ - ١٢٣. ٣٠٧ الجَاهِلِينَ﴾ يعني إن وكلتني إلى نفسي، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ، ولا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ماشاء الله . فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني ، وحطتنى بحولك وقوتك . ولهذا قال تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِمَا وَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّى أُرَانِى أُعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ آلْآخَرُ إِنَّى أَرَانِى أُحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى حُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِشْتَاَ بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ ثُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْنِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى إِنَّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَآَتَّبَعْتُ مِلَّةً آبَائِى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَّنَا أَن تُشْرِكَ بِاللهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أُكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ " يَا صَاحِبَيّ السِّجْنِ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ « مَا تَعْبُدُونَ مِنِ دُونِهِ إِلاّ أَسْمَاءَ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِنِ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ اللهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَي السِّجْنِ أُمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْراً وَأُمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنَ رَّأْسِهِ قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾(٣٤) . يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم ، أي ظهر لهم من الرأي بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ، ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك / القضية ، وأحمد لأمرها ، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها ، فسجنوه ظلماً وعدواناً . وكان هذا مما قدر الله له ، ومن جملة ما عصمه به ، فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم . ومن ها هنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي : أن من العصمة أن لا تجد! (٣٤) سورة يوسف الآيات : ٣٤ - ٤١ . ٣٠٨ قال الله : ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَانِ ﴾ قيل : كان أحدهما ساقي الملك واسمه فيما قيل ((نبوا)) والآخر خبازه، يعني الذي يلي طعامه ، وهو الذي يقول له الترك (( الجاشنکیر )) واسمه فیما قیل ( مجلث)) و کان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما . فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ، ودله وطريقته ، وقوله وفعله ، وكثرة عبادته ربه ، وإحسانه إلى خلقه ، فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه . قال أهل التفسير : رأياً في ليلة واحدة . أما الساقي فرأى كأن ثلاثة قضبان من حمله(٣٥) وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب ، فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه . ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز ، وضواري الطيور تأكل من السلة الأعلى(٣٦). فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرها لهما وقالا: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِنَ ﴾ فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تَرْزَقَانِهِ إِلاَّ بَبَُّكُمَا بِتَأْوِلِهِ قَبل أَن يَأْتِيَكُمَا﴾ . قيل : معناه مهما رأيتما من حلم فإني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول . وقيل : معناه إني أخبركم بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا وحامضاً ، كما قال عيسى: ﴿وَأَنَبِّكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَذَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُم ﴾(٣٧) . وقال لهما : إن هذا من تعليم الله إياي ، لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام: إبراهيم الخليل، وإسحاق ويعقوب. ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَن نَشْرِكَ بِالله مِن شَىءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا﴾ أي بأن هدانا لهذا، ﴿وَعَلَى النَّاس ﴾ أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندهم عليه وهو في فطرهم مرکوز ، وفي جبلتهم مغروز ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عز وجل ، وصغر أمر الأوثان وحقرها، وضعف أمرها فقال: ﴿ يَا صَاحِبِي السِّجْنِ الأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ (٣٥) الحبلة : الكرم ، أو القضيب من الكرم ، والجمع : حبل بفتح الحاء والباء . (٣٦) تفسير الطبري جـ ١٢٧/٢. (٣٧) سورة آل عمران الآية : ٤٩. ٣٠٩ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ « مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أ أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ اللهِ ﴾ أي المتصرف في خلقه الفعال لما يريد ، الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﴿ أُمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاه ﴾ أي وحده لا شريك له و﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي المستقيم والصراط القويم ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرِ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره . وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال ، لأن نفوسهما معظمة له ، منبعثة على تلقي ما يقول بالقبول ، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه . ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال: ﴿ يَاصَاحِبی السِّجْنِ أُمَّا أَحَدُكُمَا فِيَسِقِى رَبَّهُ خَمْرَاً﴾ قالوا وهوِ الساقي ﴿وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ قالوا وهو الخباز ﴿ قُضِىَ الأُمْرُ الَّذِى فِهِ تَسْتَفْتِيَانٍ ﴾ أي وقع هذا لا محالة ، ووجب كونه على كل حالة . ولهذا جاء في الحديث : ((الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت)) (٣٨). وقد روى عن ابن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا : لم نر شيئاً، فقال لهما: ﴿قُضِىَ الأَمْرُ الَّذِى فِیهِ تَسْتَفْتِیَانِ وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجِ مِّنْهُمَا أَذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾(٣٩) . يخبر تعالى أن يوسف قال للذي ظنه ناجياً منهما وهو الساقي: ﴿آُذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾، يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك . وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب ، ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب . وقوله : ﴿ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ أي فأنسى الناجي منهما الشيطان (٣٨) أخرجه أحمد في مسنده ١٠/٤، وابن ماجه في كتاب الرؤيا، باب الرؤيا إذا عبرت وقعت . (٣٩) سورة يوسف الآية : ٤٢ . ٣١٠ أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام . قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد . وهو الصواب ، وهو منصوص أهل الكتاب . فَلَبِثَ﴾ يوسف ﴿فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. والبضع : ما بين الثلاث إلى التسع ، وقيل إلى السبع ، وقيل إلى الخمس ، وقيل مادون العشرة ، حكاها الثعلبي ، ويقال بضع نسوة وبضعة رجال . ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر . قال : وإنما يقال نيف وقال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِى السِجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فِى بِضْعِ سِنِينَ﴾(٤٠) وهذا رد لقوله . قال الفراء : ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين ، ولا يقال : بضع ومائة ، وبضع وألف . وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر ، فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين. وفي الصحيح: ((الإِيمان بضع وستون شعبة))، وفي رواية: (( وسبعون شعبة ، وأعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (٤١) . ومن قال إن الضمير في قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله ، وإن كان قد روى عن ابن عباس وعكرمة . والحديث الذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه . تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوري المكي وهو متروك ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل ، ولا ها هنا بطريق الأولى والأحرى ... والله أعلم . فأما قول ابن حبان في صحيحه ، عند ذكر السبب الذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث : أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي . حدثنا مسدد بن مسرهد ، حدثنا خالد بن عبد الله ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((رحم الله يوسف لولا الكلمة التي (٤٠) سورة الروم الآية : ٤ . (٤١) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الإيمان ، باب أمور الإِيمان ومسلم في صحيحه ، كتاب الإيمان · باب عدد شعب الإِيمان . ٣١١ قالها ﴿ اذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾ ما لبث في السجن ما لبث، ورحم الله لوطاً أن كان ليأوى إلى ركن شديد ، إذ قال لقومه: ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد﴾ (٤٢)، قال: فما بعث الله نبياً بعده إلا في ثروة من قومه(٤٣). فإنه حديث منكر من هذا الوجه . ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة . وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها والذي في الصحیحین یشهد بغلطها ... والله أعلم . ﴿ وَقَالَى الْمَلِكُ إِنّى أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ بَاِبِسَاتٍ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ أُقْتُونٍِ فِى رُؤْيَاىَ إِن كُُمْ لِلُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ قَالُوا أَضْعَاتُ أُخْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ آلْأُخْلَامِ بِعَالِمِينَ، وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَآَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنْبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَقْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعَ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُلَاتٍ خُضْرٍ وَأَخِرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ » قال تزرِعون سبعَ سِنِينْ دَأَبَاً فَمَا حَصَدَلُمْ فَذَرُوهُ فِى سُبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبِعٌ شْدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُم لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مّمَّا تُحْصِئُون * ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُكَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ (٤٤) هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والإكرام ، وذلك أن ملك مصر ، وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح ، رأى هذه الرؤيا قال أهل الكتاب : رأى كأنه على حافة نهر ، وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان ، فجعلن يرتعن في روضة هناك ، فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر ، فرتعن معهن ثم ملن عليهن فأكلنهن ، فاستيقظ مذعوراً . ثم نام فرأى (٤٢) سورة هودالآية : ٨٠ . (٤٣) أخرجه ابن حبان فى صحيحه انظر [ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨ / ٢٩ ] (٤٤) سورة يوسف الآيات : ٤٣ - ٤٩. ٣١٢ سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة ، وإذا سبع أخر دقاق يابسات فأكلنهن ، فاستيقظ مذعوراً . فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها ، بل ﴿ قَالُوا أُضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي أخلاط أحلام من الليل ، لعلها لا تعبير لها ، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك . ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾ فعند ذلك تذكر الناجي منهما ، الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا ، وذلك عن تقدير الله عز وجل وله الحكمة في ذلك ، فلما سمع رؤيا الملك ، ورأى عجز الناس تعبيرها ، تذكر أمر يوسف ، وما كان أوصاه به من التذكار . ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَاذَّكَرَ﴾ أي تذكر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي بعد مدة من الزمان ، وهو بضع سنين . وقرأ بعضهم كما حكي عن ابن عباس وعكرمة والضحاك: ﴿وَاذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي بعد نسيان . وقرأها مجاهد: ﴿بَعْدَ أُمْهٍ﴾ بإسكان الميم . وهو النسيان أيضاً. يقال أمه الرجل يأمه أَيَّهاً وأَمْهَا(٤٥)، إذا نسى. قال الشاعر(٤٦): أُمِهْتُ وكنت لا أنسى حديثاً كذاك الدهر يزري بالعقول فقال لقومه وللملك: ﴿أَنَا أُنْبِّئُكُم بَتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُون﴾ أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصَّدِيقُ أُقِْنَا فِى سَبِعٍ بِقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبَعَ عِجَافٌ وَسَبَعٍ سُنَبُلاتٍ خُضْرٍ وَأَخَرَ يابِسَاتٍ لَعَلَى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. وعند أهل الكتاب : أن الملك لما ذكره له الساقي ، استدعاه إلى حضرته ، وقص عليه ما رآه ففسره له . وهذا غلط . والصواب ما قصه الله في كتابه (٤٥) أمها وأمها : الأولى بفتح الميم والثانية بتسکینها. (٤٦) البيت في اللسان ( أمه ) غير منسوب . ٣١٣ القرآن لا ما عربه هؤلاء الجهلة الثيران ، من فرى وهذيان . فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ، ولا طلب الخروج سريعاً ، بل أجابهم إلى ما سألوه ، وعبر لهم ما كان من منام الملك ، الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعِدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُعْاثُ النَّاسُ﴾ يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني ما كانوا يعصرونه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها . فعبر لهم وعلى الخير دلهم ، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم ، وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في السبع الأولى في سنبله ، إلا ما يرصد بسبب الأكل ، ومن تقليل البذر في سني الجدب في السبع الثانية ، إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل ، وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم . وَقَالَ المَلِكُ اثْتُونِى بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلَّهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الّلاتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِ هِنَّ عَلِيمٌ ﴾ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ وَاوَدُنَّ يُوسُفَ عَنِ نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ اللّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ آمْرَأَةٌ الْعَزِيزِ آلآن حَصْحَصَ الْحَتَّى أَنَا رَاوَدُهُ عَنِ نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنَّىٍ لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الخَائِنِينَ * وَمَا أَبَِّئُ نَفْسِىَ إِنَّ النّفْسَِ لَأُمَّارَةُ بِالسُّوءِ إِلَّ مَارَحِمَ رَبِّى إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٤٧) لما أحاط الملك علماً بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام ، وتمام عقله ، ورأيه السديد وفهمه ، أمر بإحضاره إلى حضرته ، ليكون من جملة خاصته . فلما جاءه الرسول بذلك ، أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلماً وعدواناً، وأنه بريء الساحة مما نسبوه إليه بهتاناً. ﴿قَالَ ارْجِع إِلَى رَبِّكَ يعني الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِن رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ (٤٧) سورة يوسف الآيات : ٥٠ - ٥٣. ٣١٤ عَلِيمٌ﴾ قيل معناه : إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلى ، أي فمر الملك فليسألهن : كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي ؟ وحثهن لي على الأمر الذي لیس برشيد ولا سديد ؟ فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الأمر ، وما كان منه من الأمر الحميد قُلْنَ حَاشَ للهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ . فعند ذلك ﴿ قَالَت امرأةُ العَزِيزِ﴾ وهى زليخا ﴿الآن حَصْحَصَ الحقّ﴾ أي ظهر وتبين ووضح، والحق أحق أن يتبع ﴿أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي فيما يقوله، ومن أنه بريء وأنه لم يراودني ، وأنه حبس ظلماً وعدواناً ، وزورا وبهتاناً . وقوله : ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أُنِّى لَمْ أُخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الحَائِنِينَ﴾ قيل إنه من كلام يوسف ، أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب . وقيل إنه من تمام كلام زليخا ، أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الأمر ، وإنما كان مراودة لم يقع معها فعل فاحشة . وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم . ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الأول . وَمَا أُبَّرِئُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لَأُمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّ مَارَحِمَ رَبِّى إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، قيل إنه من كلام يوسف ، وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الأولين وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى ... والله أعلم . وَقَالَ المَلِكُ أَثْتُونِي بِهِ أُسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أُمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لَلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾(٤٨) . (٤٨) سورة يوسف الآيات : ٥٤ - ٥٧ . ٣١٥ لما ظهر للملك براءة عرضه ، ونزاهة ساخته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه ﴿ قَالَ أَثْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى﴾ أي أجعله من خاصتي ، ومن أكابر دولتي ، ومن أعيانٍ حاشيتي ، فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله ﴿ قَالَ إِنَّكَ اليومَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ أي ذو مكانة وأمانة . قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنَّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالأهراء (٤٩) ، لما يتوقع من حصول الخلل فيها بعد مضى سبع سنى الخصب ، لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه ، من الاحتياط لهم والرفق بهم ، وأخبر الملك أنه حفيظ ، أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه ، عليم بضبط الأشياء ومصالح الأهراء . وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة . وعند أهل الكتاب : أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جداً ، وسلطه على جميع أرض مصر ، وألبسه خاتمه ، وألبسه الحرير وطوقه الذهب و حمله على مر کبه الثاني ، ونودى بين يديه : أنت رب ومسلط ، وقال له : لست أعظم منك إلا بالكرسي . قالوا : وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة ، وزوجه امرأة عظيمة الشأن وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف . وقيل إنه لما مات زوجه امرأته زليخا فوجدها عذراء ، لأن زوجها كان لا يأتي النساء ، فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما : أفرايم ومنسا . قال : واستوثق ليوسف ملك مصر ، وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء . وحكى أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة ، وأن الملك خاطبه بسبعين لغة ، وفي كل ذلك يجيبه بكل لغة منها ، فأعجبه ذلك مع حداثة سنه ... فالله أعلم . قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكِنَّا لِيُوسُفَ فى الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ (٤٩) قال ابن منظور : الهُرْى : بيت كبير ضخم يجمع فيه طعام السلطان ، والجمع أهراء ، قال الأزهري : ولا أدري أعربي هو أم دخيل ... [ اللسان: هرا ] . ٣١٦ يَشَاءُ﴾ أي بعد السجن والضيق والحصر ، صار مطلق الركاب بديار مصر ، يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ أي أين شاء حل منها مكرماً محسوداً معظماً. نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ من أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن ، مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل . ولهذا قال: ﴿وَلِأُجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ويقال : إن قطفير زوج زليخا كان قد مات ، فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته زليخا ، فكان وزير صدق . وذكر محمد بن إسحاق أن صاحب مصر - الوليد بن الريان - أسلم على يدي يوسف عليه السلام ... فالله أعلم . وقد قال بعضهم : وأول مفروح به غاية الحزن وراء مضيق الخوف متسع الأمن خزائنه بعد الخلاص من السجن فلا تيأسن ، فالله ملك يوسفا وَجَاءَ إِحْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَّمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ آثْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنَّى أُوفِىِ الكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ المُنزِلِينَ * فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلَا كَيْلَّ لَكُمْ عِنِدِى وَلَّا تَقْرَبُونِ ﴾ قَالُوا سَبِرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ . وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ ◌َعَلَّهُمْ يَعْرِفُونِهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(٥٠) . يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه السلام إلى الديار المصرية يمتارون طعاماً ، وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر العباد والبلاد . وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية ديناً ودنيا . فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه ، لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة ، فلهذا عرفهم وهم له منكرون . (٥٠) سورة يوسف الآيات : ٥٨ - ٦٢ . ٣١٧ وعند أهل الكتاب : أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم ، وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في القول ، وقال : أنتم جواسيس ، جئتم لنا لتأخدوا خير بلادي . فقالوا : معاذ الله ... إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا ، ونحن بنو أب واحد من كنعان ، ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد ، وصغيرنا عند أبينا . فقال : لابد أن أستعلم أمركم . وعندهم : أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم، واحتبس شمعون عنده ليأتوه بالأخ الآخر . وفي بعض هذا نظر . قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته ، من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه ﴿ قَالَ آتْتُونِی بِأَخْ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ﴾ ، وكان قد سألهم عن حالهم ، وكم هم ؟ فقالوا : كنا اثنى عشر رجلاً ، فذهب منا واحد وبقى شقيقه عند أبينا . فقال: إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معکم . ﴿ أَلَا تَرَوْنَ أَنَّى أُوفِى الكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ المُنزِلِينَ﴾ ؟ أي قد أحسنت نزلكم وقراكم، فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به فقال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنِدِى وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ أي فلست أعطيكم ميرة ، ولا أقریكم بالكلية ، عكس ما أسدى إليهم أولاً . فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب . قَالُوا سَنْرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ﴾ أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن. ﴿ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي وإنا لقادرون على تحصيله . ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهى ما جاءوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا آَنقَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم ، وقيل خشى أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية ، وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضاً عن الميرة . وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها . وعند أهل الكتاب : أنها كانت صرراً من ورق ، وما أشبه ... والله أعلم . ٣١٨ فَلَمَّ رَجَعُوا إِلَى أَبِهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانًا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّ كَمَا أُمِنْتُكُمْ عَلَى أُخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجُدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِى هَذِهِ بِضَاعَتْنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنِمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانًا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللهِ لَتَأْثَنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللهُ عَلَى مَائِقُولُ وَكِيلٌ * وَقَالَ يَابَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِى عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الحُكْمُ إِلَّ اللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَزَهُمْ أَبُوُهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ الهِ مِن شَىْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسٍ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَّذُو عِلْمِ لَّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(٥١) . يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم وقولهم له: ﴿ مُنِعَ مِثَّا الكَيْلُ ﴾ أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا ، فإن أرسلته معنا لم يمنع منا . ﴿ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجْدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانًا مَا نبْغِى﴾ أي شيء نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا؟ ﴿وَنِمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم، ﴿ وَنَحْفَظُ أَحَانَا وَنَزِدَادُ ﴾ بسببه كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر . وكان يعقوب عليه السلام أضن شيء بولده بنيامين ، لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ، ويتعوض بسببه منه . فلهذا قال: ﴿ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْثُونٍ مَوْثِقاً مِّنَ اللهِ لَتَأْثَنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي إلا أن تغلبوا كلكم عن الإِتيان به . ﴿ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللهُ عَلَى مَاتَقُولُ وَكِيلٌ ﴾. أكد المواثيق وقرر العهود ، واحتاط لنفسه في ولده ، ولن يغني حذر من (٥١) سورة يوسف الآيات : ٦٣ - ٦٨ . ٣١٩ قدر ! ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة ، لما بعث الولد العزيز ، ولكن الأقدار لها أحكام ، والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ، ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم . ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ، ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة . قيل : أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين ،وذلك لأنهم كانوا أشكالاً حسنة وصوراً بديعة . قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك . وقيل : أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبراً ليوسف أو يحدثون عنه بأثر . قاله إبراهيم النخعي . والأول أظهر. ولهذا قال: ﴿ وَمَا أُغْنِى عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيءٍ ﴾ . وقال تعالى: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوُهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اللهِ مِن شَىْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَّذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْناهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ . وعند أهل الكتاب : أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل ، وأخذوا الدراهم الأولى وعرضاً آخر . ﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفََ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّى أَنَا أُجُوكَ فَلَا تَبْتِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِى رَحْلٍ أَخِيهِ ثُمَّ أُذَّنَ فُؤَذِّنْ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمِنِ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُمْ كَاذِبِينَ ﴾ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ * فَبَدَأْ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنًا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَّ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَ جَاتٍ مَّنِ تَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرِّ مَّكَاناً وَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ * قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنْ لَهُ أَباًّ شَيْخَاً كبيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ ٣٢٠